الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٨٨٩
الحديث رقم ٣٨٨٩ من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وفود الأنصار إلى النبي وبيعة العقبة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٣٨٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ،
⦗٥٥⦘
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، بِطُولِهِ. قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٣ - بَاب وُفُودِ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ وَبَيْعَةِ الْعَقَبَةِ
٣٨٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ.
وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ .. بِطُولِهِ.
قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ: وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا.
٣٨٩٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ كَانَ عَمْرٌو يَقُولُ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ "شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَةَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَحَدُهُمَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ".
[الحديث ٣٨٩٠ - طرفه في: ٣٨٩١]
٣٨٩١ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ عَطَاءٌ قَالَ جَابِرٌ "أَنَا وَأَبِي وَخَالِي مِنْ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ"
٣٨٩٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ مِنْ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَالَ فَبَايَعْناهُ عَلَى ذَلِكَ"
٣٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ "أَنَّهُ قَالَ إِنِّي مِنْ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَلَا نَنْتَهِبَ وَلَا نَقضِيَ بِالْجَنَّةِ
إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ".
قَوْلُهُ: (بَابُ وُفُودِ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ وَبَيْعَةِ الْعَقَبَةِ) ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَدْ خَرَجَ إِلَى ثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَصْرِهِ، فَلَمَّا امْتَنَعُوا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ شَرْحُهُ، رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَذَكَرَ بِأَسَانِيدَ مُتَفَرِّقَةٍ أَنَّهُ أَتَى كِنْدَةَ وَبَنِي كَعْبٍ وَبَنِي حُذَيْفَةَ وَبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَغَيْرَهُمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى مَا سَأَلَ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَكَانَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ - أَيِ الَّتِي قَبْلَ الْهِجْرَةِ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَيُكَلِّمُ كُلَّ شَرِيفِ قَوْمٍ، لَا يَسْأَلُهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَمْنَعُوهُ، وَيَقُولُ: لَا أُكْرِهُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى شَيْءٍ، بَلْ أُرِيدُ أَنْ تَمْنَعُوا مَنْ يُؤْذِينِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ بَلْ يَقُولُونَ: قَوْمُ الرَّجُلِ أَعْلَمُ بِهِ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ بْنِ عِبَادٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ .. الْحَدِيثَ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْسِمِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي. فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ لَا يَتْبَعَهُ قَوْمُهُ فَجَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: آتِي قَوْمِي فَأُخْبِرُهُمْ ثُمَّ آتِيكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَقد جَاءَ الْأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ خَرَجَ وَأَنَا مَعَهُ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى مِنًى، حَتَّى دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ نَسَّابَةً فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: مِنْ رَبِيعَةَ. فَقَالَ: مِنْ أَيِّ رَبِيعَةَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنَ ذُهْلٍ - فذَكَرُوا حَدِيثًا طَوِيلًا فِي مُرَاجَعَتِهِمْ وَتَوَقُّفِهِمْ أَخِيرًا عَنِ الْإِجَابَةِ - قَالَ: ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ لِكَوْنِهِمْ أَجَابُوهُ إِلَى إِيوَائِهِ وَنَصْرِهِ، قَالَ: فَمَا نَهَضُوا حَتَّى بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَهْلَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى كَانُوا سِتَّةَ نَفَرٍ وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ النَّجَّارِيُّ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ الْعَجْلَانِيُّ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ رِئَابٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ - وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ - وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ: هُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ، وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَيُقَالُ: كَانَ فِيهِمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَذَكْوَانُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: لَمَّا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنَ الْخَزْرَجِ. قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُمْ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَكَانَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتَّبِعُهُ، فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا كَلَّمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَرَفُوا النَّعْتَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَسْبِقُنَا إِلَيْهِ يَهُودُ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ لِيَدْعُوا قَوْمَهُمْ، فَلَمَّا أَخْبَرُوهُمْ لَمْ يَبْقَ دُورٌ مِنْ قَوْمِهِمْ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ الْمَوْسِمُ وَافَاهُ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدَهَا: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي مَكَانِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ. وَعَنْبَسَةُ هُوَ ابْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ
يَرْوِي عَنْ عَمِّهِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَقَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ يُرِيدُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُسَاقَ لِعَقِيلٍ لَا لِيُونُسَ، وَقَوْلُهُ: تَوَاثَقْنَا بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْقَافِ أَيْ وَقَعَ بَيْنَنَا الْمِيثَاقُ عَلَى مَا تَبَايَعْنَا عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ؛ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا بِسَبَبِ أَنَّهَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ نُصِرَ فِيهَا الْإِسْلَامُ، لَكِنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ كَانَتْ سَبَبًا فِي فُشُوِّ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهَا نَشَأَ مَشْهَدُ بَدْرٍ، وَقَوْلُهُ: أَذْكَرُ مِنْهَا هُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِمَعْنَى الْمَذْكُورِ، أَيْ أَكْثَرُ ذِكْرًا بِالْفَضْلِ وَشُهْرَةً بَيْنَ النَّاسِ.
قُلْتُ: وَكَانَ كَعْبٌ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ عَقَدَ ثَالِثَةً كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ بِطُولِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ - وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ - حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبًا حَدَّثَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ بِهَا قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا مَعَ مُشْرِكِي قَوْمِنَا وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا - فَذَكَرَ شَأْنَ صَلَاتِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ قَالَ -: فَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى مَكَّةَ وَلَمْ نَكُنْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ، فسَأَلْنَا عَنْهُ فَقِيلَ: هُوَ مَعَ الْعَبَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلْنَا فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ الْبَرَاءُ عَنِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَاهُ الْعَقَبَةَ وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَالِدُ جَابِرٍ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلُ، فَعَرَّفْنَاهُ أَمْرَ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَصَارَ مِنَ النُّقَبَاءِ، قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ الْعَقَبَةِ ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ أُمُّ عُمَارَةَ بِنْتُ كَعْبٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنٍ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلَمَةَ، قَالَ: فَجَاءَ وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ فَتَكَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ وَهُوَ فِي عِزٍّ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَأَنْتُمْ وَذَاكَ، وَإِلَّا فَمِنَ الْآنِ. قَالَ: فَقُلْنَا: تَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ مَا أَحْبَبْتَ. فَتَكَلَّمَ، فَدَعَا إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ، وَأُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ. ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ النُّقَبَاءَ وَهُمْ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُبَيْشٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَقِيلَ بَدَلَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ.
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ: أَنْتُمْ كُفَلَاءُ عَلَى قَوْمِكُمْ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. قَالُوا: نَعَمْ. وَذَكَرَ أَيْضًا: أَنَّ قُرَيْشًا بَلَغَهُمْ أَمْرُ الْبَيْعَةِ فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ، فَحَلَفَ الْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ - قِيلَ: كَانُوا خَمْسَمِائَةِ نَفْسٍ - أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَحَدُهُمَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ.
قَوْلُهُ: (كَانَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَةَ) لَمْ يُسَمِّهِمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ; وَنُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ الْجُعْفِيُّ - أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ: أَحَدُهُمَا: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ، فَعَلَى هَذَا فَتَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ مِنْ كَلَامِهِ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَتَرَجَّحَتْ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ سُفْيَانُ: خَالَاهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَأَخُوهُ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَالْبَرَاءُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَمَعْرُورٌ بِمُهْمَلَاتٍ، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَوَّلَ مَنْ بَايَعَ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَاتَ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الدِّمْيَاطِيُّ فَقَالَ: أُمُّ جَابِرٍ هِيَ أُنَيْسَةُ بِنْتُ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيٍّ وَأَخَوَاهَا
ثَعْلَبَةُ، وَعَمْرٌو وَهُمَا خَالَا جَابِرٍ، وَقَدْ شَهِدَا الْعَقَبَةَ الْأَخِيرَةَ. وَأَمَّا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَلَيْسَ مِنْ أَخْوَالِ جَابِرٍ.
قُلْتُ: لَكِنْ مِنْ أَقَارِبِ أُمِّهِ، وَأَقَارِبُ الْأُمِّ يُسَمَّوْنَ أَخْوَالًا مَجَازًا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: حَمَلَنِي خَالِي الْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ فِي السَّبْعِينَ رَاكِبًا الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا مَعَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ فَقَالَ: يَا عَمِّ، خُذْ لِي عَلَى أَخْوَالِكَ فَسَمَّى الْأَنْصَارَ أَخْوَالَ الْعَبَّاسِ لِكَوْنِ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ، وَسَمَّى الْحُرَّ بْنَ قَيْسٍ خَالَهُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَقَارِبِ أُمِّهِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَلَعَلَّ قَوْلَ سُفْيَانَ وَأَخُوهُ عَنَى بِهِ الْحُرَّ بْنَ قَيْسٍ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ أَخًا وَهُوَ ابْنُ عَمٍّ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي النَّسَبِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِ مِثْلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ الْحُرَّ بْنَ قَيْسٍ فِي أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ، فَعَلَى هَذَا فَالْخَالُ الْآخَرُ لِجَابِرٍ إِمَّا ثَعْلَبَةُ وَإِمَّا عَمْرٌو، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَا وَأَبِي) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَخَالَايَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ: يُرِيدُ عِيسَى بْنَ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سِنَانٍ، وَخَالِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ سِنَانٍ؛ لِأَنَّ أُمَّ جَابِرٍ أُنَيْسَةَ بِنْتَ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سِنَانٍ، يَعْنِي فَكُلٌّ مِنْهُمَا ابْنُ عَمِّهَا بِمَنْزِلَةِ أَخِيهَا، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمَا جَابِرٌ أَنَّهُمَا خَالَاهُ مَجَازًا.
قُلْتُ: إِنْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ تَعَيَّنَ كَمَا قَالَهُ الدِّمْيَاطِيُّ، وَإِلَّا فَتَغْلِيطُ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِأَمْرٍ فِيهِ مَجَازٌ لَيْسَ بِمُتَّجَهٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ التِّينِ وَخَالَيَّ بِغَيْرِ أَلْفٍ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَالَ: لَعَلَّ الْوَاوَ وَاوُ الْمَعِيَّةِ أَيْ مَعَ خَالِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالْإِفْرَادِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي قِصَّةِ الْبَيْعَةِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مَعَ مَبَاحِثَ نَفِيسَةٍ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَأَوْضَحْتُ هُنَاكَ أَنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةَ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْإِيوَاءِ وَالنَّصْرِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ فَتِلْكَ بَيْعَةٌ أُخْرَى وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ جَزَمَ بِأَنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ وَقَعَتْ بِمَا صَدَّرَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، فَذَكَرَ بِسَنَدِ الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، فَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ أَيْ: عَلَى وَفْقِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ لَيْسَتِ الزِّيَادَةُ فِي طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي مَا قَرَّرْتُهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ إِنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا مَعَ تَأَخُّرِ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ، كَمَا اسْتَوْفَيْتُ مَبَاحِثَهُ هُنَاكَ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ صُورَةَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا أَسْلَفْتُهُ آنِفًا عَنْهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ بِمَا نَمْنَعُ بِهِ أَنْفُسَنَا وَأَزْوَاجَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَلَنَا الْجَنَّةُ. فَهَذِهِ بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي بَايَعْنَاهُ عَلَيْهَا.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ، وَأَوَّلُهُ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى وَغَيْرِهَا يَقُولُ: مَنْ يُؤْوِينِي، مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ لَهُ مِنْ يَثْرِبَ فَصَدَّقْنَاهُ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ حَتَّى قَالَ: فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا، فَوَعَدْنَاهُ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ، فَقُلْنَا: عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ فَقَالَ: عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٣ - بَاب وُفُودِ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ وَبَيْعَةِ الْعَقَبَةِ
٣٨٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ.
وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ .. بِطُولِهِ.
قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ: وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا.
٣٨٩٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ كَانَ عَمْرٌو يَقُولُ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ "شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَةَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَحَدُهُمَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ".
[الحديث ٣٨٩٠ - طرفه في: ٣٨٩١]
٣٨٩١ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ عَطَاءٌ قَالَ جَابِرٌ "أَنَا وَأَبِي وَخَالِي مِنْ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ"
٣٨٩٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ مِنْ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَالَ فَبَايَعْناهُ عَلَى ذَلِكَ"
٣٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ "أَنَّهُ قَالَ إِنِّي مِنْ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَلَا نَنْتَهِبَ وَلَا نَقضِيَ بِالْجَنَّةِ
إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ".
قَوْلُهُ: (بَابُ وُفُودِ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ وَبَيْعَةِ الْعَقَبَةِ) ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَدْ خَرَجَ إِلَى ثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَصْرِهِ، فَلَمَّا امْتَنَعُوا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ شَرْحُهُ، رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَذَكَرَ بِأَسَانِيدَ مُتَفَرِّقَةٍ أَنَّهُ أَتَى كِنْدَةَ وَبَنِي كَعْبٍ وَبَنِي حُذَيْفَةَ وَبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَغَيْرَهُمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى مَا سَأَلَ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَكَانَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ - أَيِ الَّتِي قَبْلَ الْهِجْرَةِ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَيُكَلِّمُ كُلَّ شَرِيفِ قَوْمٍ، لَا يَسْأَلُهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَمْنَعُوهُ، وَيَقُولُ: لَا أُكْرِهُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى شَيْءٍ، بَلْ أُرِيدُ أَنْ تَمْنَعُوا مَنْ يُؤْذِينِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ بَلْ يَقُولُونَ: قَوْمُ الرَّجُلِ أَعْلَمُ بِهِ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ بْنِ عِبَادٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ .. الْحَدِيثَ.
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْسِمِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي. فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ لَا يَتْبَعَهُ قَوْمُهُ فَجَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: آتِي قَوْمِي فَأُخْبِرُهُمْ ثُمَّ آتِيكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَقد جَاءَ الْأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ خَرَجَ وَأَنَا مَعَهُ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى مِنًى، حَتَّى دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ نَسَّابَةً فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: مِنْ رَبِيعَةَ. فَقَالَ: مِنْ أَيِّ رَبِيعَةَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنَ ذُهْلٍ - فذَكَرُوا حَدِيثًا طَوِيلًا فِي مُرَاجَعَتِهِمْ وَتَوَقُّفِهِمْ أَخِيرًا عَنِ الْإِجَابَةِ - قَالَ: ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ لِكَوْنِهِمْ أَجَابُوهُ إِلَى إِيوَائِهِ وَنَصْرِهِ، قَالَ: فَمَا نَهَضُوا حَتَّى بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَهْلَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى كَانُوا سِتَّةَ نَفَرٍ وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ النَّجَّارِيُّ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ الْعَجْلَانِيُّ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ رِئَابٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ - وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ - وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ: هُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ، وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَيُقَالُ: كَانَ فِيهِمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَذَكْوَانُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: لَمَّا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنَ الْخَزْرَجِ. قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُمْ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَكَانَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتَّبِعُهُ، فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا كَلَّمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَرَفُوا النَّعْتَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَسْبِقُنَا إِلَيْهِ يَهُودُ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ لِيَدْعُوا قَوْمَهُمْ، فَلَمَّا أَخْبَرُوهُمْ لَمْ يَبْقَ دُورٌ مِنْ قَوْمِهِمْ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ الْمَوْسِمُ وَافَاهُ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدَهَا: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي مَكَانِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ. وَعَنْبَسَةُ هُوَ ابْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ
يَرْوِي عَنْ عَمِّهِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَقَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ يُرِيدُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُسَاقَ لِعَقِيلٍ لَا لِيُونُسَ، وَقَوْلُهُ: تَوَاثَقْنَا بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْقَافِ أَيْ وَقَعَ بَيْنَنَا الْمِيثَاقُ عَلَى مَا تَبَايَعْنَا عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ؛ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا بِسَبَبِ أَنَّهَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ نُصِرَ فِيهَا الْإِسْلَامُ، لَكِنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ كَانَتْ سَبَبًا فِي فُشُوِّ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهَا نَشَأَ مَشْهَدُ بَدْرٍ، وَقَوْلُهُ: أَذْكَرُ مِنْهَا هُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِمَعْنَى الْمَذْكُورِ، أَيْ أَكْثَرُ ذِكْرًا بِالْفَضْلِ وَشُهْرَةً بَيْنَ النَّاسِ.
قُلْتُ: وَكَانَ كَعْبٌ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ عَقَدَ ثَالِثَةً كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ بِطُولِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ - وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ - حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبًا حَدَّثَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ بِهَا قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا مَعَ مُشْرِكِي قَوْمِنَا وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا - فَذَكَرَ شَأْنَ صَلَاتِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ قَالَ -: فَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى مَكَّةَ وَلَمْ نَكُنْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ، فسَأَلْنَا عَنْهُ فَقِيلَ: هُوَ مَعَ الْعَبَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلْنَا فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ الْبَرَاءُ عَنِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَاهُ الْعَقَبَةَ وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَالِدُ جَابِرٍ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلُ، فَعَرَّفْنَاهُ أَمْرَ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَصَارَ مِنَ النُّقَبَاءِ، قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ الْعَقَبَةِ ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ أُمُّ عُمَارَةَ بِنْتُ كَعْبٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنٍ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلَمَةَ، قَالَ: فَجَاءَ وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ فَتَكَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ وَهُوَ فِي عِزٍّ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَأَنْتُمْ وَذَاكَ، وَإِلَّا فَمِنَ الْآنِ. قَالَ: فَقُلْنَا: تَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ مَا أَحْبَبْتَ. فَتَكَلَّمَ، فَدَعَا إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ، وَأُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ. ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ النُّقَبَاءَ وَهُمْ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُبَيْشٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَقِيلَ بَدَلَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ.
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ: أَنْتُمْ كُفَلَاءُ عَلَى قَوْمِكُمْ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. قَالُوا: نَعَمْ. وَذَكَرَ أَيْضًا: أَنَّ قُرَيْشًا بَلَغَهُمْ أَمْرُ الْبَيْعَةِ فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ، فَحَلَفَ الْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ - قِيلَ: كَانُوا خَمْسَمِائَةِ نَفْسٍ - أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَحَدُهُمَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ.
قَوْلُهُ: (كَانَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَةَ) لَمْ يُسَمِّهِمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ; وَنُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ الْجُعْفِيُّ - أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ: أَحَدُهُمَا: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ، فَعَلَى هَذَا فَتَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ مِنْ كَلَامِهِ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَتَرَجَّحَتْ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ سُفْيَانُ: خَالَاهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَأَخُوهُ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَالْبَرَاءُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَمَعْرُورٌ بِمُهْمَلَاتٍ، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَوَّلَ مَنْ بَايَعَ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَاتَ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الدِّمْيَاطِيُّ فَقَالَ: أُمُّ جَابِرٍ هِيَ أُنَيْسَةُ بِنْتُ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيٍّ وَأَخَوَاهَا
ثَعْلَبَةُ، وَعَمْرٌو وَهُمَا خَالَا جَابِرٍ، وَقَدْ شَهِدَا الْعَقَبَةَ الْأَخِيرَةَ. وَأَمَّا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَلَيْسَ مِنْ أَخْوَالِ جَابِرٍ.
قُلْتُ: لَكِنْ مِنْ أَقَارِبِ أُمِّهِ، وَأَقَارِبُ الْأُمِّ يُسَمَّوْنَ أَخْوَالًا مَجَازًا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: حَمَلَنِي خَالِي الْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ فِي السَّبْعِينَ رَاكِبًا الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا مَعَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ فَقَالَ: يَا عَمِّ، خُذْ لِي عَلَى أَخْوَالِكَ فَسَمَّى الْأَنْصَارَ أَخْوَالَ الْعَبَّاسِ لِكَوْنِ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ، وَسَمَّى الْحُرَّ بْنَ قَيْسٍ خَالَهُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَقَارِبِ أُمِّهِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَلَعَلَّ قَوْلَ سُفْيَانَ وَأَخُوهُ عَنَى بِهِ الْحُرَّ بْنَ قَيْسٍ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ أَخًا وَهُوَ ابْنُ عَمٍّ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي النَّسَبِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِ مِثْلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ الْحُرَّ بْنَ قَيْسٍ فِي أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ، فَعَلَى هَذَا فَالْخَالُ الْآخَرُ لِجَابِرٍ إِمَّا ثَعْلَبَةُ وَإِمَّا عَمْرٌو، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَا وَأَبِي) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَخَالَايَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمَا، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ: يُرِيدُ عِيسَى بْنَ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سِنَانٍ، وَخَالِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ سِنَانٍ؛ لِأَنَّ أُمَّ جَابِرٍ أُنَيْسَةَ بِنْتَ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سِنَانٍ، يَعْنِي فَكُلٌّ مِنْهُمَا ابْنُ عَمِّهَا بِمَنْزِلَةِ أَخِيهَا، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمَا جَابِرٌ أَنَّهُمَا خَالَاهُ مَجَازًا.
قُلْتُ: إِنْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ تَعَيَّنَ كَمَا قَالَهُ الدِّمْيَاطِيُّ، وَإِلَّا فَتَغْلِيطُ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِأَمْرٍ فِيهِ مَجَازٌ لَيْسَ بِمُتَّجَهٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ التِّينِ وَخَالَيَّ بِغَيْرِ أَلْفٍ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَالَ: لَعَلَّ الْوَاوَ وَاوُ الْمَعِيَّةِ أَيْ مَعَ خَالِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالْإِفْرَادِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي قِصَّةِ الْبَيْعَةِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مَعَ مَبَاحِثَ نَفِيسَةٍ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَأَوْضَحْتُ هُنَاكَ أَنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةَ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْإِيوَاءِ وَالنَّصْرِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ فَتِلْكَ بَيْعَةٌ أُخْرَى وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ جَزَمَ بِأَنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ وَقَعَتْ بِمَا صَدَّرَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، فَذَكَرَ بِسَنَدِ الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، فَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ أَيْ: عَلَى وَفْقِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ لَيْسَتِ الزِّيَادَةُ فِي طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي مَا قَرَّرْتُهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ إِنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا مَعَ تَأَخُّرِ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ، كَمَا اسْتَوْفَيْتُ مَبَاحِثَهُ هُنَاكَ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ صُورَةَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا أَسْلَفْتُهُ آنِفًا عَنْهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ بِمَا نَمْنَعُ بِهِ أَنْفُسَنَا وَأَزْوَاجَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَلَنَا الْجَنَّةُ. فَهَذِهِ بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي بَايَعْنَاهُ عَلَيْهَا.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ، وَأَوَّلُهُ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى وَغَيْرِهَا يَقُولُ: مَنْ يُؤْوِينِي، مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ لَهُ مِنْ يَثْرِبَ فَصَدَّقْنَاهُ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ حَتَّى قَالَ: فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا، فَوَعَدْنَاهُ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ، فَقُلْنَا: عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ فَقَالَ: عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ،