«بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكُثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٠٢

الحديث رقم ٣٩٠٢ من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٩٠٢ في صحيح البخاري

«بُعِثَ رَسُولُ اللهِ لِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكُثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهْوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ».

إسناد حديث رقم ٣٩٠٢ من صحيح البخاري

٣٩٠٢ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٩٠٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ سَعْدًا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.

وَقَالَ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا نَبِيَّكَ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ قُرَيْشٍ.

٣٩٠٢ - حَدَّثَني مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكُثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.

٣٩٠٣ - حَدَّثَنِي مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.

٣٩٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدٍ، يَعْنِي ابْنَ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَّا خُلَّةَ الْإِسْلَامِ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) أَمَّا النَّبِيُّ فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ.

وَذَكَرَ الْحَاكِمُ: أَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مَكَّةَ كَانَ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بِأَنَّهُ خَرَجَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْدَ الْبَيْعَةِ بِشَهْرَيْنِ وَبِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ: كَانَ مَخْرَجُهُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الْعَقَبَةِ بِشَهْرَيْنِ وَلَيَالٍ، قَالَ: وَخَرَجَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَتَوَجَّهَ مَعَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَتَوَجَّهَ قَبْلَ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَقَبَتَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ.

وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْمَخْزُومِيُّ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَذَلِكَ

أَنَّهُ أُوذِيَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَعَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهَا، فَبَلَغَهُ قِصَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَسْنَدَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخَذَهَا مَعَهُ فَرَدَّهَا قَوْمُهَا فَحَبَسُوهَا سَنَةً، ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَتَوَجَّهَتْ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ وَفِيهَا فَقَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْمَدِينَةَ بُكْرَةً، وَقَدِمَ بَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ عَشِيَّةً ثُمَّ تَوَجَّهَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا لِيُفَقِّهَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَسَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْبَرَاءِ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ .. إِلَخْ، ثم تَوَجَّهَ بَاقِي الصَّحَابَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. ثُمَّ لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ وَاسْتَقَرَّ بِهَا خَرَجَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَمْنَعُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُمْ، فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَخْرُجُ سِرًّا إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ إِلَّا مَنْ غُلِبَ عَلَى أَمْرِهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلَ وَالثَّانِي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، وَقَوْلُهُ: مِنَ الْأَنْصَارِ أَيْ كُنْتُ أَنْصَارِيًّا صِرْفًا فَمَا كَانَ لِي مَانِعٌ مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ، لَكِنَّنِي اتَّصَفْتُ بِصِفَةِ الْهِجْرَةِ، وَالْمُهَاجِرُ لَا يُقِيمُ بِالْبَلَدِ الَّذِي هَاجَرَ مِنْهَا مُسْتَوْطِنًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَكُمُ الطُّمَأْنِينَةُ بِأَنِّي لَا أَتَحَوَّلُ عَنْكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَحَبَّ الْإِقَامَةَ بِمَوْطِنِهِ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُوسَى .. إِلَخْ) يَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَذَهَبَ وَهَلِي بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْهَاءِ أَيْ ظَنِّي، يُقَالُ: وَهَلَ بِالْفَتْحِ يُهِلُّ بِالْكَسْرِ وَهْلًا بِالسُّكُونِ إِذَا ظَنَّ شَيْئًا فَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ هَجَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ وَهِيَ مِنْ مَسَاكِنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَقَدْ سَبَقُوا غَيْرَهُمْ مِنَ الْقُرَى إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ أَوِ الْهَجَرَ بِزِيَادَةِ أَلْفٍ وَلَامٍ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَجَرَ هُنَا قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ الَّذِي يُنَاسِبُ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَيْهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بَلَدًا كَبِيرًا كَثِيرَ الْأَهْلِ، وَهَذِهِ الْقَرْيَةُ الَّتِي قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا: هَجَرُ، لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ، وَإِنَّمَا زَعَمَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ: قِلَالُ هَجَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ كَانَ يُصْنَعُ بِهَا الْقِلَالُ، وَزَعَمَ آخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَجَرَ الَّتِي بِالْبَحْرَيْنِ كَأَنَّ الْقِلَالَ كَانَتْ تُعْمَلُ بِهَا وَتُجْلَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَعُمِلَتْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مِثَالِهَا، وَأَفَادَ يَاقُوتُ أَنَّ هَجَرَ أَيْضًا بَلَدٌ بِالْيَمَنِ، فَهَذَا أَوْلَى بِالتَّرَدُّدِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمَامَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ.

وَقَوْلُهُ: فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسَمِّيَهَا طَيْبَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ رَفَعَهُ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبْخَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَرَّتَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَجَرَ أَوْ يَثْرِبَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْيَمَامَةَ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَيُّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ: الْمَدِينَةُ أَوْ الْبَحْرَيْنِ أَوْ قِنَّسْرِينَ. اسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ ذِكْرِ الْيَمَامَةِ؛ لِأَنَّ قِنَّسْرِينَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ مِنْ جِهَةِ حَلَبَ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ، بِخِلَافِ الْيَمَامَةِ فَإِنَّهَا إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ، إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَأْخَذِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ جَرَى عَلَى مُقْتَضَى الرُّؤْيَا الَّتِي أُرِيهَا، وَالثَّانِي يُخَيَّرُ بِالْوَحْيِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيَ أَوَّلًا ثُمَّ خُيِّرَ ثَانِيًا فَاخْتَارَ الْمَدِينَةَ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ خَبَّابٍ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ أَيْ بِإِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَمْ يُرَافِقِ النَّبِيَّ سِوَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَعَادَ

الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَمَضَى شَيْءٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ عُمَرَ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْفَرَادِيسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو النَّضْرِ، نَسَبَهُ هُنَا إِلَى جَدِّهِ، وَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَفِي الْجِهَادِ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ الْفَرَادِيسِيُّ الْكَلَابَاذِيُّ وَآخَرُونَ، وَتَفَرَّدَ الْبَاجِيُّ فَأَفْرَدَهُ بِتَرْجَمَةٍ وَنَسَبَهُ خُرَاسَانِيًّا، وَلَمْ يُعْرَفْ مَنْ حَالِهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ الْأَسَدِيُّ، كُوفِيٌّ نَزَلَ دِمَشْقَ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ، لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمْ يَقْدَمْ عَلَيْنَا مِنَ الْعِرَاقِ أَفْضَلُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ) هَذَا مَوْقُوفٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ. الْحَدِيثُ السَّابِعُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ: وَحَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَفْرَدَهُمَا فِي أَوَاخِرِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَأَوْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ الثَّانِيَ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ انْقِطَاعِ فَضِيلَةِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ .. فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ.

قَوْلُهُ: (زُرْتُ عَائِشَةَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ) تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الطَّوَافِ مِنَ الْحَجِّ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ مُجَاوِرَةً فِي جَبَلِ ثَبِيرٍ.

قَوْلُهُ: (فَسَأَلَهَا عَنِ الْهِجْرَةِ) أَيِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَاجِبَةً إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَأَصْلُ الْهِجْرَةِ هَجْرُ الْوَطَنِ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى مَنْ رَحَلَ مِنَ الْبَادِيَةِ إِلَى الْقَرْيَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأُمَوِيِّ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالنَّبِيُّ بِالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ) أَيْ بَعْدَ الْفَتْحِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ .. إِلَخْ) أَشَارَتْ عَائِشَةُ إِلَى بَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ الْهِجْرَةِ وَأَنَّ سَبَبَهَا خَوْفُ الْفِتْنَةِ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ اتَّفَقَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ مِنْهُ وَإِلَّا وَجَبَتْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَدَرَ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ فِي بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ فَقَدْ صَارَتِ الْبَلَدَ بِهِ دَارَ إِسْلَامٍ، فَالْإِقَامَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الرِّحْلَةِ مِنْهَا لِمَا يُتَرَجَّى مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ فِي بَابِ وُجُوبِ النَّفِيرِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَتِ الْهِجْرَةُ أَيْ إِلَى النَّبِيِّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَطْلُوبَةً، ثُمَّ افْتُرِضَتْ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى حَضْرَتِهِ لِلْقِتَالِ مَعَهُ وَتَعَلُّمِ شَرَائِعِ الدِّينِ، وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ حَتَّى قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ الْقَبَائِلِ سَقَطَتِ الْهِجْرَةُ الْوَاجِبَةُ وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقٍ أُخْرَى.

بِقَوْلِهِ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، أَيْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَنْقَطِعُ أَيْ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا هِجْرَةَ أَيْ إِلَى النَّبِيِّ حَيْثُ كَانَ بِنِيَّةِ عَدَمِ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الْمُهَاجَرِ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَقَوْلُهُ: لَا تَنْقَطِعُ أَيْ هِجْرَةُ مَنْ هَاجَرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ مِنَ الْأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ.

قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنّ الْمُرَادَ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَنْفِيُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ، وَبِالشِّقِّ الْآخَرِ الْمُثْبَتِ مَا ذَكَرَهُ فِي الِاحْتِمَالِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَفْصَحَ ابْنُ عُمَرَ بِالْمُرَادِ فِيمَا أَخْرَجَهُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ سَعْدًا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.

وَقَالَ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا نَبِيَّكَ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ قُرَيْشٍ.

٣٩٠٢ - حَدَّثَني مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكُثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.

٣٩٠٣ - حَدَّثَنِي مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.

٣٩٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدٍ، يَعْنِي ابْنَ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَّا خُلَّةَ الْإِسْلَامِ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) أَمَّا النَّبِيُّ فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ.

وَذَكَرَ الْحَاكِمُ: أَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مَكَّةَ كَانَ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بِأَنَّهُ خَرَجَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْدَ الْبَيْعَةِ بِشَهْرَيْنِ وَبِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ: كَانَ مَخْرَجُهُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الْعَقَبَةِ بِشَهْرَيْنِ وَلَيَالٍ، قَالَ: وَخَرَجَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَتَوَجَّهَ مَعَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَتَوَجَّهَ قَبْلَ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَقَبَتَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ.

وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْمَخْزُومِيُّ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَذَلِكَ

أَنَّهُ أُوذِيَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَعَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهَا، فَبَلَغَهُ قِصَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَسْنَدَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخَذَهَا مَعَهُ فَرَدَّهَا قَوْمُهَا فَحَبَسُوهَا سَنَةً، ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَتَوَجَّهَتْ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ وَفِيهَا فَقَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْمَدِينَةَ بُكْرَةً، وَقَدِمَ بَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ عَشِيَّةً ثُمَّ تَوَجَّهَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا لِيُفَقِّهَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَسَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْبَرَاءِ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ .. إِلَخْ، ثم تَوَجَّهَ بَاقِي الصَّحَابَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. ثُمَّ لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ وَاسْتَقَرَّ بِهَا خَرَجَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَمْنَعُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُمْ، فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَخْرُجُ سِرًّا إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ إِلَّا مَنْ غُلِبَ عَلَى أَمْرِهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلَ وَالثَّانِي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، وَقَوْلُهُ: مِنَ الْأَنْصَارِ أَيْ كُنْتُ أَنْصَارِيًّا صِرْفًا فَمَا كَانَ لِي مَانِعٌ مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ، لَكِنَّنِي اتَّصَفْتُ بِصِفَةِ الْهِجْرَةِ، وَالْمُهَاجِرُ لَا يُقِيمُ بِالْبَلَدِ الَّذِي هَاجَرَ مِنْهَا مُسْتَوْطِنًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَكُمُ الطُّمَأْنِينَةُ بِأَنِّي لَا أَتَحَوَّلُ عَنْكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَحَبَّ الْإِقَامَةَ بِمَوْطِنِهِ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُوسَى .. إِلَخْ) يَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَذَهَبَ وَهَلِي بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْهَاءِ أَيْ ظَنِّي، يُقَالُ: وَهَلَ بِالْفَتْحِ يُهِلُّ بِالْكَسْرِ وَهْلًا بِالسُّكُونِ إِذَا ظَنَّ شَيْئًا فَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ هَجَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ وَهِيَ مِنْ مَسَاكِنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَقَدْ سَبَقُوا غَيْرَهُمْ مِنَ الْقُرَى إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ أَوِ الْهَجَرَ بِزِيَادَةِ أَلْفٍ وَلَامٍ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَجَرَ هُنَا قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ الَّذِي يُنَاسِبُ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَيْهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بَلَدًا كَبِيرًا كَثِيرَ الْأَهْلِ، وَهَذِهِ الْقَرْيَةُ الَّتِي قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا: هَجَرُ، لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ، وَإِنَّمَا زَعَمَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ: قِلَالُ هَجَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ كَانَ يُصْنَعُ بِهَا الْقِلَالُ، وَزَعَمَ آخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَجَرَ الَّتِي بِالْبَحْرَيْنِ كَأَنَّ الْقِلَالَ كَانَتْ تُعْمَلُ بِهَا وَتُجْلَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَعُمِلَتْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مِثَالِهَا، وَأَفَادَ يَاقُوتُ أَنَّ هَجَرَ أَيْضًا بَلَدٌ بِالْيَمَنِ، فَهَذَا أَوْلَى بِالتَّرَدُّدِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمَامَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ.

وَقَوْلُهُ: فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسَمِّيَهَا طَيْبَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ رَفَعَهُ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبْخَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَرَّتَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَجَرَ أَوْ يَثْرِبَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْيَمَامَةَ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَيُّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ: الْمَدِينَةُ أَوْ الْبَحْرَيْنِ أَوْ قِنَّسْرِينَ. اسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ ذِكْرِ الْيَمَامَةِ؛ لِأَنَّ قِنَّسْرِينَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ مِنْ جِهَةِ حَلَبَ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ، بِخِلَافِ الْيَمَامَةِ فَإِنَّهَا إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ، إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَأْخَذِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ جَرَى عَلَى مُقْتَضَى الرُّؤْيَا الَّتِي أُرِيهَا، وَالثَّانِي يُخَيَّرُ بِالْوَحْيِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيَ أَوَّلًا ثُمَّ خُيِّرَ ثَانِيًا فَاخْتَارَ الْمَدِينَةَ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ خَبَّابٍ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ أَيْ بِإِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَمْ يُرَافِقِ النَّبِيَّ سِوَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَعَادَ

الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَمَضَى شَيْءٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ عُمَرَ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْفَرَادِيسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو النَّضْرِ، نَسَبَهُ هُنَا إِلَى جَدِّهِ، وَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَفِي الْجِهَادِ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ الْفَرَادِيسِيُّ الْكَلَابَاذِيُّ وَآخَرُونَ، وَتَفَرَّدَ الْبَاجِيُّ فَأَفْرَدَهُ بِتَرْجَمَةٍ وَنَسَبَهُ خُرَاسَانِيًّا، وَلَمْ يُعْرَفْ مَنْ حَالِهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ الْأَسَدِيُّ، كُوفِيٌّ نَزَلَ دِمَشْقَ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ، لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمْ يَقْدَمْ عَلَيْنَا مِنَ الْعِرَاقِ أَفْضَلُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ) هَذَا مَوْقُوفٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ. الْحَدِيثُ السَّابِعُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ: وَحَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَفْرَدَهُمَا فِي أَوَاخِرِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَأَوْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ الثَّانِيَ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ انْقِطَاعِ فَضِيلَةِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ .. فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ.

قَوْلُهُ: (زُرْتُ عَائِشَةَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ) تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الطَّوَافِ مِنَ الْحَجِّ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ مُجَاوِرَةً فِي جَبَلِ ثَبِيرٍ.

قَوْلُهُ: (فَسَأَلَهَا عَنِ الْهِجْرَةِ) أَيِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَاجِبَةً إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَأَصْلُ الْهِجْرَةِ هَجْرُ الْوَطَنِ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى مَنْ رَحَلَ مِنَ الْبَادِيَةِ إِلَى الْقَرْيَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأُمَوِيِّ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالنَّبِيُّ بِالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ) أَيْ بَعْدَ الْفَتْحِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ .. إِلَخْ) أَشَارَتْ عَائِشَةُ إِلَى بَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ الْهِجْرَةِ وَأَنَّ سَبَبَهَا خَوْفُ الْفِتْنَةِ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ اتَّفَقَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ مِنْهُ وَإِلَّا وَجَبَتْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَدَرَ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ فِي بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ فَقَدْ صَارَتِ الْبَلَدَ بِهِ دَارَ إِسْلَامٍ، فَالْإِقَامَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الرِّحْلَةِ مِنْهَا لِمَا يُتَرَجَّى مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ فِي بَابِ وُجُوبِ النَّفِيرِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَتِ الْهِجْرَةُ أَيْ إِلَى النَّبِيِّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَطْلُوبَةً، ثُمَّ افْتُرِضَتْ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى حَضْرَتِهِ لِلْقِتَالِ مَعَهُ وَتَعَلُّمِ شَرَائِعِ الدِّينِ، وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ حَتَّى قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ الْقَبَائِلِ سَقَطَتِ الْهِجْرَةُ الْوَاجِبَةُ وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقٍ أُخْرَى.

بِقَوْلِهِ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، أَيْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَنْقَطِعُ أَيْ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا هِجْرَةَ أَيْ إِلَى النَّبِيِّ حَيْثُ كَانَ بِنِيَّةِ عَدَمِ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الْمُهَاجَرِ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَقَوْلُهُ: لَا تَنْقَطِعُ أَيْ هِجْرَةُ مَنْ هَاجَرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ مِنَ الْأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ.

قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنّ الْمُرَادَ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَنْفِيُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ، وَبِالشِّقِّ الْآخَرِ الْمُثْبَتِ مَا ذَكَرَهُ فِي الِاحْتِمَالِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَفْصَحَ ابْنُ عُمَرَ بِالْمُرَادِ فِيمَا أَخْرَجَهُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر