«أَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهْوَ مُرْدِفٌ، أَبَا بَكْرٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩١١

الحديث رقم ٣٩١١ من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٩١١ في صحيح البخاري

«أَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهْوَ مُرْدِفٌ، أَبَا بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللهِ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ. قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ. فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنَا. فَالْتَفَتَ نَبِيُّ اللهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ، ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مُرْنِي بِمَ شِئْتَ، قَالَ: فَقِفْ مَكَانَكَ، لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللهِ ، وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ جَانِبَ الْحَرَّةِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَاؤُوا إِلَى نَبِيِّ اللهِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا، وَقَالُوا: ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ. فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَحَفُّوا دُونَهُمَا بِالسِّلَاحِ، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ: جَاءَ نَبِيُّ اللهِ، جَاءَ نَبِيُّ اللهِ ، فَأَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: جَاءَ نَبِيُّ اللهِ، جَاءَ نَبِيُّ اللهِ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللهِ

⦗٦٣⦘

بْنُ سَلَامٍ، وَهْوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ، فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا، فَجَاءَ وَهْيَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ : أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا قَالَ: قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ، وَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ؛ فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللهِ فَأَقْبَلُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَيْلَكُمُ، اتَّقُوا اللهَ فَوَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، فَأَسْلِمُوا قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ قَالُوا: حَاشَى لِلهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ قَالُوا: حَاشَى لِلهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ قَالُوا: حَاشَى لِلهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ اتَّقُوا اللهَ، فَوَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللهِ

إسناد حديث رقم ٣٩١١ من صحيح البخاري

٣٩١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٩١١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرُّومِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ: فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا شَدِيدًا ; لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: سَحَرْنَاهُمْ حَتَّى لَا يُولَدَ لَهُمْ. وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ لَهُ إِلَى سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَجَاءَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ، وَيَرُدُّهُ أَنَّ هِجْرَةَ أَسْمَاءَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ آلِ الصِّدِّيقِ كَانَتْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ النَّبِيِّ بِالْمَدِينَةِ، فَالْمَسَافَةُ قَرِيبَةٌ جِدًّا لَا تَحْتَمِلُ تَأَخُّرَ عِشْرِينَ شَهْرًا، بَلْ وَلَا عَشْرَةَ أَشْهُرٍ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بِهَذَا السَّنَدِ وَلَفْظُهُ: أنَّهَا هَاجَرَتْ وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّهِ، فَوَضَعَتْهُ بِقُبَاءَ فَلَمْ تُرْضِعْهُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ النَّبِيَّ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ - أَيْ دَعَا لَهُ - وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْمَعْنَى، هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّهِ أَسْمَاءَ وَعَنْ خَالَتِهِ عَائِشَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَرَى، وَفِي رِوَايَةِ أَسْمَاءَ زِيَادَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ مُتَابِعًا وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ الَّتِي فَرَغْنَا مِنْهَا، وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مُتَابِعًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ هِشَامٍ مُخْتَصَرًا نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّهِ وَخَالَتِهِ، وَلَفْظُهُ عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ قَالَا: خَرَجَتْ أَسْمَاءُ حِينَ هَاجَرَتْ وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ قُبَاءَ فَنُفِسْتُ بِهِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِيُحَنِّكَهُ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَكَثْنَا سَاعَةً نَلْتَمِسُهَا قَبْلَ أَنْ نَجِدَهَا فَمَضَغَهَا .. الْحَدِيثَ، فَهَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ الْبَيَانُ أَنَّهُ عِنْدَ عُرْوَةَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَزَادَ فِي آخِرِ هَذَا الطَّرِيقِ وَسَمَّاهُ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ، فَتَبَسَّمَ وَبَايَعَهُ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَأَحْضَرَ زَوْجَتَهُ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَبِنْتَيْهِ فَاطِمَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَأُمَّ أَيْمَنَ زَوْجَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَابْنَهَا أُسَامَةَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ أُمُّهُ أُمُّ رُومَانَ وَأُخْتَاهُ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ، فَقَدِمُوا وَالنَّبِيُّ يَبْنِي مَسْجِدَهُ، وَمَجْمُوعُ هَذَا مَعَ قَوْلِهَا فَوَلَدَتْهُ بِقُبَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (أَتَوْا بِهِ). يُؤْخَذُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ أُمَّهُ هِيَ الَّتِي أَتَتْ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا غَيْرُهَا كَزَوْجِهَا أَوْ أُخْتِهَا.

قَوْلُهُ: (فَلَاكَهَا) أَيْ مَضَغَهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ اللَّوْكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي فِيهِ، وَالَّذِي عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ اللَّوْكَ فِي الْفَمِ. قُلْتُ: وَهُوَ فَهْمٌ عَجِيبٌ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فِي فِيهِ يَعُودُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَيْ لَاكَهَا النَّبِيُّ فِي فَمِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِي ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا.

٣٩١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنَا، فَالْتَفَتَ نَبِيُّ اللَّهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ، ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ قَالَ: فَقِفْ مَكَانَكَ

لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا.

قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ جَانِبَ الْحَرَّةِ ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْأَنْصَارِ، فَجَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا وَقَالُوا: ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَفُّوا دُونَهُمَا بِالسِّلَاحِ، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ، فَأَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ، فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا، فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ : أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا، قَالَ: قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ وَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ، فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ، فَأَقْبَلُوا

فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَيْلَكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ فَأَسْلِمُوا، قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ . الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: أَظُنُّهُ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَبُو مُوسَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدِ.

قَوْلُهُ: (مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُرْتَدِفٌ خَلْفَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رَاحِلَةٍ أُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أَيْ يَتْلُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرَجَّحَ ابْنُ التِّينِ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَمْشِيَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ . قُلْتُ: إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْخَبَرُ جَاءَ بِالْعَكْسِ كَأَنْ يَقُولَ: وَالنَّبِيُّ مُرْتَدِفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَأَمَّا وَلَفْظُهُ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ فَلَا، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ) يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ شَابَ، وَقَوْلُهُ: يُعْرَفُ أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ، بِخِلَافِ النَّبِيِّ فِي الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالسَّفَرِ مِنْ مَكَّةَ، وَلَمْ يَشِبْ، وَإِلَّا فَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَانَ هُوَ أَسَنَّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ

أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا أَشْمَطَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَنَبِيُّ اللَّهِ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَسَنَّ مِنَ النَّبِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَيُّمَا أَسَنُّ أَنَا أَوْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنْتَ أَكْرَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنِّي وَأَكْبَرُ، وَأَنَا أَسَنُّ مِنْكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا وَهَمًا. قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا ظَنَّ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا لِلْعَبَّاسِ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا فَيَلْزَمُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي سِنِّ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ النَّبِيِّ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (يَهْدِينِي السَّبِيلَ) بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: الْهُ النَّاسَ عَنِّي. فَكَانَ إِذَا سُئِلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: بَاغِي حَاجَةً. فَإِذَا قِيلَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: هَادٍ يَهْدِينِي. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مَعْرُوفًا فِي النَّاسِ فَإِذَا لَقِيَهُ لَاقٍ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَيَقُولُ: هَادٍ يَهْدِينِي يُرِيدُ الْهِدَايَةَ فِي الدِّينِ وَيَحْسَبُهُ الْآخَرُ دَلِيلًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فَارِسٌ) وَهُوَ سُرَاقَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ فِي الْحَدِيثِ الْحَادِيَ عَشَرَ، وَوَقَعَ لِلنَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ فِي سَفَرِهِمْ ذَلِكَ قَضَايَا: مِنْهَا نُزُولُهُمْ بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ، وَقِصَّتُهَا أَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ مُطَوَّلَةً، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ شَبِيهًا بِأَصْلِ قِصَّتِهَا فِي لَبَنِ الشَّاةِ الْمَهْزُولَةِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ صِفَتِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا نَسَبَهَا، فَاحْتَمَلَ التَّعَدُّدَ. وَمَرَّ بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ إِيَاسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ مَرُّوا بِإِبِلٍ لَنَا بِالْجُحْفَةِ، فَقَالَا: لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ. فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: سَلِمْتَ. قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: مَسْعُودٌ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: سَعِدْتَ. وَوَصَلَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ إِيَاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَوْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَجَرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَفِيهِ: إنَّ أَوْسًا أَعْطَاهُمَا فَحَلَّ إِبِلَهُ، وَأَرْسَلَ مَعَهُمَا غُلَامَهُ مَسْعُودًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهُمَا حَتَّى يَصِلَا الْمَدِينَةَ.

وَتَحْدِيثُ أَنَسٍ بِقِصَّةِ سُرَاقَةَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَلَعَلَّهُ حَمَلَهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِهِ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ عَنْهُ بِطَرَفِ من حديث الْغَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا .. الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَصَرَعَهُ عَنْ فَرَسِهِ ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَلَا يَجُوزُ فَصَرَعَهُ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَا يُقَالُ ثُمَّ قَامَتْ. قُلْتُ: وَإِنْكَارُهُ مِنَ الْعَجَائِبِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ ذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْفَرَسِ وَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ أُنْثَى.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا وَقَالُوا: ارْكَبَا آمَنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَرَكِبَا) طَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةَ إِقَامَتِهِ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: فَنَزَلَ جَانِبَ الْحَرَّةِ فَأَقَامَ بِقُبَاءَ الْمُدَّةَ الَّتِي أَقَامَهَا وَبَنَى بِهَا الْمَسْجِدَ ثُمَّ بَعَثَ .. إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنِّي لَأَسْعَى مَعَ الْغِلْمَانِ إِذْ قَالُوا: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَنَنْطَلِقُ فَلَا نَرَى شَيْئًا، حَتَّى أَقْبَلَ وَصَاحِبُهُ، فَكَمَنَّا فِي بَعْضِ خِرَبِ الْمَدِينَةِ وَبَعَثْنَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُؤَذِّنُ بِهِمَا، فَاسْتَقْبَلَهُ زُهَاءُ خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: انْطَلِقَا آمَنَيْنِ مُطَاعَيْنِ .. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ) الضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) بِالتَّخْفِيفِ ابْنُ الْحُوَيْرِثِ

الْإِسْرَائِيلِيُّ يُكَنَّى أَبَا يُوسُفَ، يُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنُ فَسُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ.

قَوْلُهُ: (يَخْتَرِفُ لَهُمْ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَيْ يَجْتَنِي مِنَ الثِّمَارِ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ) أَيِ الثَّمَرَةُ الَّتِي اجْتَنَاهَا، وَفِي بَعْضِهَا وَهُوَ أَيِ الَّذِي اجْتَنَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ .. الْحَدِيثَ، قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ يَعْنِي سِيَاقَ أَحْمَدَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَلَفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ لِقُدُومِهِ فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ لَمَّا قَدِمَ قُبَاءَ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ بِدَارِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ مَرَّتَيْنِ. قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ تَعْيِينُ قُبَاءَ، فَالظَّاهِرُ الِاتِّحَادُ وَحَمْلُ الْمَدِينَةِ هُنَا عَلَى دَاخِلِهَا.

قَوْلُهُ: (أَيُّ بُيُوتُ أَهْلِنَا أَقْرَبُ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ أَهْلَهُ لِقَرَابَةِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ وَالِدَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّهِ وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عَوْفٍ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى أَخْوَالِهِ أَوْ أَجْدَادِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ.

قَوْلُهُ: (فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا) أَيْ مَكَانًا تَقَعُ فِيهِ الْقَيْلُولَةُ (قَالَ: قُومَا) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبَ فَهَيَّأَ، وَقَدْ وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ، وَأَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: فَانْطَلَقَ فَهَيَّأَ لَهُمَا مَقِيلًا ثُمَّ جَاءَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ النَّبِيَّ فِي السُّفْلِ وَنَزَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ فِي الْعُلْوِ، ثُمَّ أَشْفَقَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ النَّبِيَّ حَتَّى تَحَوَّلَ إِلَى الْعُلْوِ وَنَزَلَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى السُّفْلِ. وَنَحْوَهُ فِي طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيرِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى.

وَأَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى بَنَى بُيُوتَهُ، وَأَبُو أَيُّوبَ هُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَبَنُو النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ، وَيُقَالُ: إِنَّ تُبَّعًا لَمَّا غَزَا الْحِجَازَ وَاجْتَازَ يَثْرِبَ خَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةِ حَبْرٍ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا يَجِبُ مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ، وَأَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ يَكُونُ مَسْكَنَهُ يَثْرِبُ، فَأَكْرَمَهُمْ وَعَظَّمَ الْبَيْتَ بِأَنْ كَسَاهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهُ، وَكَتَبَ كِتَابًا وَسَلَّمَهُ لِرَجُلٍ مِنْ أُولَئِكَ الْأَحْبَارِ، وَأَوْصَاهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلنَّبِيِّ إِنْ أَدْرَكَهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ أَبَا أَيُّوبَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ. حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ تُبَّعٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ أَيْ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ (جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) أَيْ إِلَيْهِ (فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا قَبْلَ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ بِهَا أَسْلَمَ. وَلَفْظُهُ فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ جَوَابَ مَسَائِلِهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ .. الْحَدِيثَ.

وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَسَمِعْتُ بِهِ وَأَنَا عَلَى رَأْسِ نَخْلَةٍ، فَكَبَّرْتُ، فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى مَا زِدْتَ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ هُوَ أَخُو مُوسَى، بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ. فَقَالَتْ لِي: يَا ابْنَ أَخِي هُوَ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُ سَيُبْعَثُ مَعَ نَفْسِ السَّاعَةِ. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَذَاكَ إِذًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْهِ فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ .. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ عَلِمَتْ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرُّومِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ: فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا شَدِيدًا ; لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: سَحَرْنَاهُمْ حَتَّى لَا يُولَدَ لَهُمْ. وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ لَهُ إِلَى سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَجَاءَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ، وَيَرُدُّهُ أَنَّ هِجْرَةَ أَسْمَاءَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ آلِ الصِّدِّيقِ كَانَتْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ النَّبِيِّ بِالْمَدِينَةِ، فَالْمَسَافَةُ قَرِيبَةٌ جِدًّا لَا تَحْتَمِلُ تَأَخُّرَ عِشْرِينَ شَهْرًا، بَلْ وَلَا عَشْرَةَ أَشْهُرٍ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بِهَذَا السَّنَدِ وَلَفْظُهُ: أنَّهَا هَاجَرَتْ وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّهِ، فَوَضَعَتْهُ بِقُبَاءَ فَلَمْ تُرْضِعْهُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ النَّبِيَّ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ - أَيْ دَعَا لَهُ - وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْمَعْنَى، هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّهِ أَسْمَاءَ وَعَنْ خَالَتِهِ عَائِشَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَرَى، وَفِي رِوَايَةِ أَسْمَاءَ زِيَادَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ مُتَابِعًا وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ الَّتِي فَرَغْنَا مِنْهَا، وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مُتَابِعًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ هِشَامٍ مُخْتَصَرًا نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّهِ وَخَالَتِهِ، وَلَفْظُهُ عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ قَالَا: خَرَجَتْ أَسْمَاءُ حِينَ هَاجَرَتْ وَهِيَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ قُبَاءَ فَنُفِسْتُ بِهِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِيُحَنِّكَهُ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَكَثْنَا سَاعَةً نَلْتَمِسُهَا قَبْلَ أَنْ نَجِدَهَا فَمَضَغَهَا .. الْحَدِيثَ، فَهَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ الْبَيَانُ أَنَّهُ عِنْدَ عُرْوَةَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَزَادَ فِي آخِرِ هَذَا الطَّرِيقِ وَسَمَّاهُ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ، فَتَبَسَّمَ وَبَايَعَهُ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَأَحْضَرَ زَوْجَتَهُ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَبِنْتَيْهِ فَاطِمَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَأُمَّ أَيْمَنَ زَوْجَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَابْنَهَا أُسَامَةَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ أُمُّهُ أُمُّ رُومَانَ وَأُخْتَاهُ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ، فَقَدِمُوا وَالنَّبِيُّ يَبْنِي مَسْجِدَهُ، وَمَجْمُوعُ هَذَا مَعَ قَوْلِهَا فَوَلَدَتْهُ بِقُبَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (أَتَوْا بِهِ). يُؤْخَذُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ أُمَّهُ هِيَ الَّتِي أَتَتْ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا غَيْرُهَا كَزَوْجِهَا أَوْ أُخْتِهَا.

قَوْلُهُ: (فَلَاكَهَا) أَيْ مَضَغَهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ اللَّوْكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي فِيهِ، وَالَّذِي عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ اللَّوْكَ فِي الْفَمِ. قُلْتُ: وَهُوَ فَهْمٌ عَجِيبٌ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فِي فِيهِ يَعُودُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَيْ لَاكَهَا النَّبِيُّ فِي فَمِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِي ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا.

٣٩١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنَا، فَالْتَفَتَ نَبِيُّ اللَّهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ، ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ قَالَ: فَقِفْ مَكَانَكَ

لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا.

قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ جَانِبَ الْحَرَّةِ ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْأَنْصَارِ، فَجَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا وَقَالُوا: ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَفُّوا دُونَهُمَا بِالسِّلَاحِ، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ، فَأَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ، فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا، فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ : أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا، قَالَ: قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ وَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ، فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ، فَأَقْبَلُوا

فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَيْلَكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ فَأَسْلِمُوا، قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ، قَالَ: يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ . الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: أَظُنُّهُ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَبُو مُوسَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدِ.

قَوْلُهُ: (مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُرْتَدِفٌ خَلْفَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رَاحِلَةٍ أُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أَيْ يَتْلُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرَجَّحَ ابْنُ التِّينِ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَمْشِيَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ . قُلْتُ: إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْخَبَرُ جَاءَ بِالْعَكْسِ كَأَنْ يَقُولَ: وَالنَّبِيُّ مُرْتَدِفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَأَمَّا وَلَفْظُهُ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ فَلَا، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ) يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ شَابَ، وَقَوْلُهُ: يُعْرَفُ أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ، بِخِلَافِ النَّبِيِّ فِي الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالسَّفَرِ مِنْ مَكَّةَ، وَلَمْ يَشِبْ، وَإِلَّا فَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَانَ هُوَ أَسَنَّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ

أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا أَشْمَطَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَنَبِيُّ اللَّهِ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَسَنَّ مِنَ النَّبِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَيُّمَا أَسَنُّ أَنَا أَوْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنْتَ أَكْرَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنِّي وَأَكْبَرُ، وَأَنَا أَسَنُّ مِنْكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا وَهَمًا. قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا ظَنَّ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا لِلْعَبَّاسِ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا فَيَلْزَمُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي سِنِّ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ النَّبِيِّ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (يَهْدِينِي السَّبِيلَ) بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: الْهُ النَّاسَ عَنِّي. فَكَانَ إِذَا سُئِلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: بَاغِي حَاجَةً. فَإِذَا قِيلَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: هَادٍ يَهْدِينِي. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مَعْرُوفًا فِي النَّاسِ فَإِذَا لَقِيَهُ لَاقٍ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَيَقُولُ: هَادٍ يَهْدِينِي يُرِيدُ الْهِدَايَةَ فِي الدِّينِ وَيَحْسَبُهُ الْآخَرُ دَلِيلًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فَارِسٌ) وَهُوَ سُرَاقَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ فِي الْحَدِيثِ الْحَادِيَ عَشَرَ، وَوَقَعَ لِلنَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ فِي سَفَرِهِمْ ذَلِكَ قَضَايَا: مِنْهَا نُزُولُهُمْ بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ، وَقِصَّتُهَا أَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ مُطَوَّلَةً، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ شَبِيهًا بِأَصْلِ قِصَّتِهَا فِي لَبَنِ الشَّاةِ الْمَهْزُولَةِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ صِفَتِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا نَسَبَهَا، فَاحْتَمَلَ التَّعَدُّدَ. وَمَرَّ بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ إِيَاسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ مَرُّوا بِإِبِلٍ لَنَا بِالْجُحْفَةِ، فَقَالَا: لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ. فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: سَلِمْتَ. قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: مَسْعُودٌ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: سَعِدْتَ. وَوَصَلَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ إِيَاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَوْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَجَرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَفِيهِ: إنَّ أَوْسًا أَعْطَاهُمَا فَحَلَّ إِبِلَهُ، وَأَرْسَلَ مَعَهُمَا غُلَامَهُ مَسْعُودًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهُمَا حَتَّى يَصِلَا الْمَدِينَةَ.

وَتَحْدِيثُ أَنَسٍ بِقِصَّةِ سُرَاقَةَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَلَعَلَّهُ حَمَلَهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِهِ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ عَنْهُ بِطَرَفِ من حديث الْغَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا .. الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَصَرَعَهُ عَنْ فَرَسِهِ ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَلَا يَجُوزُ فَصَرَعَهُ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَا يُقَالُ ثُمَّ قَامَتْ. قُلْتُ: وَإِنْكَارُهُ مِنَ الْعَجَائِبِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ ذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْفَرَسِ وَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ أُنْثَى.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا وَقَالُوا: ارْكَبَا آمَنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَرَكِبَا) طَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةَ إِقَامَتِهِ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: فَنَزَلَ جَانِبَ الْحَرَّةِ فَأَقَامَ بِقُبَاءَ الْمُدَّةَ الَّتِي أَقَامَهَا وَبَنَى بِهَا الْمَسْجِدَ ثُمَّ بَعَثَ .. إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنِّي لَأَسْعَى مَعَ الْغِلْمَانِ إِذْ قَالُوا: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَنَنْطَلِقُ فَلَا نَرَى شَيْئًا، حَتَّى أَقْبَلَ وَصَاحِبُهُ، فَكَمَنَّا فِي بَعْضِ خِرَبِ الْمَدِينَةِ وَبَعَثْنَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُؤَذِّنُ بِهِمَا، فَاسْتَقْبَلَهُ زُهَاءُ خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: انْطَلِقَا آمَنَيْنِ مُطَاعَيْنِ .. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ) الضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) بِالتَّخْفِيفِ ابْنُ الْحُوَيْرِثِ

الْإِسْرَائِيلِيُّ يُكَنَّى أَبَا يُوسُفَ، يُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنُ فَسُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ.

قَوْلُهُ: (يَخْتَرِفُ لَهُمْ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَيْ يَجْتَنِي مِنَ الثِّمَارِ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ) أَيِ الثَّمَرَةُ الَّتِي اجْتَنَاهَا، وَفِي بَعْضِهَا وَهُوَ أَيِ الَّذِي اجْتَنَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ .. الْحَدِيثَ، قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ يَعْنِي سِيَاقَ أَحْمَدَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَلَفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ لِقُدُومِهِ فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ لَمَّا قَدِمَ قُبَاءَ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ بِدَارِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ مَرَّتَيْنِ. قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ تَعْيِينُ قُبَاءَ، فَالظَّاهِرُ الِاتِّحَادُ وَحَمْلُ الْمَدِينَةِ هُنَا عَلَى دَاخِلِهَا.

قَوْلُهُ: (أَيُّ بُيُوتُ أَهْلِنَا أَقْرَبُ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ أَهْلَهُ لِقَرَابَةِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ وَالِدَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّهِ وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عَوْفٍ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى أَخْوَالِهِ أَوْ أَجْدَادِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ.

قَوْلُهُ: (فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا) أَيْ مَكَانًا تَقَعُ فِيهِ الْقَيْلُولَةُ (قَالَ: قُومَا) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبَ فَهَيَّأَ، وَقَدْ وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ، وَأَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: فَانْطَلَقَ فَهَيَّأَ لَهُمَا مَقِيلًا ثُمَّ جَاءَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ النَّبِيَّ فِي السُّفْلِ وَنَزَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ فِي الْعُلْوِ، ثُمَّ أَشْفَقَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ النَّبِيَّ حَتَّى تَحَوَّلَ إِلَى الْعُلْوِ وَنَزَلَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى السُّفْلِ. وَنَحْوَهُ فِي طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيرِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى.

وَأَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى بَنَى بُيُوتَهُ، وَأَبُو أَيُّوبَ هُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَبَنُو النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ، وَيُقَالُ: إِنَّ تُبَّعًا لَمَّا غَزَا الْحِجَازَ وَاجْتَازَ يَثْرِبَ خَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةِ حَبْرٍ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا يَجِبُ مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ، وَأَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ يَكُونُ مَسْكَنَهُ يَثْرِبُ، فَأَكْرَمَهُمْ وَعَظَّمَ الْبَيْتَ بِأَنْ كَسَاهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهُ، وَكَتَبَ كِتَابًا وَسَلَّمَهُ لِرَجُلٍ مِنْ أُولَئِكَ الْأَحْبَارِ، وَأَوْصَاهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلنَّبِيِّ إِنْ أَدْرَكَهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ أَبَا أَيُّوبَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ. حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ تُبَّعٍ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ أَيْ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ (جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) أَيْ إِلَيْهِ (فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا قَبْلَ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ بِهَا أَسْلَمَ. وَلَفْظُهُ فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ جَوَابَ مَسَائِلِهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ .. الْحَدِيثَ.

وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَسَمِعْتُ بِهِ وَأَنَا عَلَى رَأْسِ نَخْلَةٍ، فَكَبَّرْتُ، فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى مَا زِدْتَ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ هُوَ أَخُو مُوسَى، بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ. فَقَالَتْ لِي: يَا ابْنَ أَخِي هُوَ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُ سَيُبْعَثُ مَعَ نَفْسِ السَّاعَةِ. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَذَاكَ إِذًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْهِ فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ .. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ عَلِمَتْ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده