الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٨
الحديث رقم ٣٩٨ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ
٣٩٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَمْ صَلَّى عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ لَفْظًا وَلَمْ يُجِبْهُ لَفْظًا، وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ مِنْهُ صَلَاةَ الرَّكْعَتَيْنِ بِإِشَارَتِهِ لَا بِنُطْقِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَلْ زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ لَا. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَسِيَ أَنْ يَسْأَلَ بِلَالًا ثُمَّ لَقِيَهُ مَرَّةً أُخْرَى فَسَأَلَهُ، فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقِصَّةَ - وَهِيَ سُؤَالُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَلَاتِهِ فِي الْكَعْبَةِ - لَمْ تَتَعَدَّدْ؛ لِأَنَّهُ أَتَى فِي السُّؤَالِ بِالْفَاءِ الْمُعَقِّبَةِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا، فَقَالَ فِي هَذِهِ فَأَقْبَلْتُ ثُمَّ قَالَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا، وَقَالَ فِي الْأُخْرَى فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلَالًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ وَاحِدًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّ رَاوِيَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَنَسِيتُ هُوَ نَافِعٌ مَوْلَاهُ وَيَبْعُدُ مَعَ طُولِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ إِلَى وَقْتِ مَوْتِهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى حِكَايَةِ النِّسْيَانِ وَلَا يَتَعَرَّضَ لِحِكَايَةِ الذِّكْرِ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ أَنَّ قَوْلَهُ: رَكْعَتَيْنِ غَلَطٌ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ قَالَ: نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى قَالَ: وَإِنَّمَا دَخَلَ الْوَهْمُ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدُ، فَهُوَ كَلَامٌ مَرْدُودٌ، وَالْمُغَلِّطُ هُوَ الْغَالِطُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلُ وَبَعْدُ فَلَمْ يَهِمْ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِذَلِكَ حَتَّى يُغَلَّطَ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَبُو عَاصِمٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ كُلُّهُمْ عَنْ سَيْفٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ سَيْفٌ أَيْضًا فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُ مَنْ كَانَ مَعَهُ فَقَالُوا: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ السَّارِيَةِ الْوُسْطَى أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ حَدِيثِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْعَمُودَيْنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، فَالْعَجَبُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى تَغْلِيطِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْحِفْظِ بِقَوْلِ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَوْ سَكَتَ لَسَلِمَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ) أَيْ مُوَاجِهُ بَابِ الْكَعْبَةِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ - أَيْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَابِ - قُلْتُ: قَدَّمْنَا أَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا مُنَاسَبَةَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْمَقَامِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْكَعْبَةِ، مَنْ صَلَّى فِيهَا فَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا خَلْفَهُ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ أَيْضًا فِي إِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ.
٣٩٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ. فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ.
[الحديث ٣٩٨ - اطرافه في: ٤٢٨٨، ٣٣٥٢، ٣٣٥١، ١٦٠١]
قَوْلُهُ: (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) كَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّرْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ لَهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ إِسْحَاقَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ شَيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا فَجَعَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَسَيَأْتِي وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ رِوَايَةِ بِلَالٍ الْمُثْبِتَةِ لِصَلَاتِهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ النَّافِيَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ أَيْ مُقَابِلِهَا أَوْ مَا اسْتَقْبَلَكَ مِنْهَا وَهُوَ وَجْهُهَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ السَّالِفَةِ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ الْقِبْلَةُ) الْإِشَارَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ تَقْرِيرُ حُكْمِ الِانْتِقَالِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ حُكْمَ مَنْ شَاهَدَ الْبَيْتَ وُجُوبُ مُوَاجَهَةِ عَيْنِهِ جَزْمًا بِخِلَافِ الْغَائِبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبَالِهِ لَيْسَ هُوَ الْحَرَمَ كُلَّهُ وَلَا مَكَّةَ وَلَا الْمَسْجِدَ الَّذِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ بَلِ الْكَعْبَةُ نَفْسُهَا، أَوِ الْإِشَارَةُ إِلَى وَجْهِ الْكَعْبَةِ أَيْ هَذَا مَوْقِفُ الْإِمَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْبَابَ قِبْلَةُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه لشهرته به (١) وإِلَّا فأبوه إبراهيم السَّعديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «حدّثنا» (ابْنُ جُرَيْجٍ) نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، واسمُه عبدُ الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا) جمع: ناحيةٍ، وهي الجهة (وَلَمْ يُصَلِّ) فيه (حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ) ورواية بلالٍ المثبِت [خ¦٣٩٧] أرجحُ من نفي ابن عبَّاسٍ هذا، لاسيَّما أنَّ ابن عبَّاسٍ لم يدخل، وحينئذٍ فيكون مرسلًا لأنَّه أسنده عن غيره ممَّن دخل مع النَّبيِّ ﷺ الكعبة، فهو مُرسَل صحابيٍّ (فَلَمَّا خَرَجَ) ﵊ منه (رَكَعَ) أي: صلَّى (رَكْعَتَيْنِ) فأطلق الجزء وأراد به الكلَّ (فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ) هو (٢) ما استقبله منها وهو وجهها، و «قُبُل» (٣) بضمِّ القاف والمُوحَّدة، وقد تُسكَّن (وَقَالَ) ﵊: (هَذِهِ) أي: الكعبة هي (القِبْلَةُ) الَّتي استقرَّ (٤) الأمر على استقبالها، فلا تُنسَخ كما نُسِخ بيت المقدس، أو علَّمهم بذلك سنَّةَ موقف الإمام في وجهها دون أركانها وجوانبها الثَّلاثة وإن كان الكلُّ جائزًا، أو أنَّ مِنْ (٥) حكم مَنْ (٦) شاهد البيت وجوبَ مواجهة عينه (٧) جزمًا بخلاف الغائب، أو أنَّ الَّذي أُمِرتم باستقباله ليس هو الحرم كلُّه ولا مكَّة ولا المسجد حول الكعبة، بل الكعبة نفسها.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ وصنعانيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك» والنَّسائيُّ.
(٣١) (بابُ التَّوَجُّهِ) في صلاة الفرض (نَحْوَ القِبْلَةِ) أي: إلى (١) جهتها (حَيْثُ كَانَ) أي: وُجِد المصلِّي في سفرٍ أو حضرٍ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا وصله المؤلِّف في «الاستئذان» [خ¦٦٢٥١] من جملة حديث المسيء صلاته: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ) حيث كنت (وَكَبِّرْ) بكسر الباء المُوحَّدة فيهما (٢) على الأمر، «وكبِّر» بالواو، وللأربعة: «فكبِّر» وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر (٣): «قام النَّبيُّ ﷺ استقبل فكبَّر» بالفاء (٤) وفتح المُوحَّدة فيهما.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَمْ صَلَّى عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ لَفْظًا وَلَمْ يُجِبْهُ لَفْظًا، وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ مِنْهُ صَلَاةَ الرَّكْعَتَيْنِ بِإِشَارَتِهِ لَا بِنُطْقِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَلْ زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ لَا. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَسِيَ أَنْ يَسْأَلَ بِلَالًا ثُمَّ لَقِيَهُ مَرَّةً أُخْرَى فَسَأَلَهُ، فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقِصَّةَ - وَهِيَ سُؤَالُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَلَاتِهِ فِي الْكَعْبَةِ - لَمْ تَتَعَدَّدْ؛ لِأَنَّهُ أَتَى فِي السُّؤَالِ بِالْفَاءِ الْمُعَقِّبَةِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا، فَقَالَ فِي هَذِهِ فَأَقْبَلْتُ ثُمَّ قَالَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا، وَقَالَ فِي الْأُخْرَى فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلَالًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ وَاحِدًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّ رَاوِيَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَنَسِيتُ هُوَ نَافِعٌ مَوْلَاهُ وَيَبْعُدُ مَعَ طُولِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ إِلَى وَقْتِ مَوْتِهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى حِكَايَةِ النِّسْيَانِ وَلَا يَتَعَرَّضَ لِحِكَايَةِ الذِّكْرِ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ أَنَّ قَوْلَهُ: رَكْعَتَيْنِ غَلَطٌ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ قَالَ: نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى قَالَ: وَإِنَّمَا دَخَلَ الْوَهْمُ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدُ، فَهُوَ كَلَامٌ مَرْدُودٌ، وَالْمُغَلِّطُ هُوَ الْغَالِطُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلُ وَبَعْدُ فَلَمْ يَهِمْ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِذَلِكَ حَتَّى يُغَلَّطَ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَبُو عَاصِمٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ كُلُّهُمْ عَنْ سَيْفٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ سَيْفٌ أَيْضًا فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُ مَنْ كَانَ مَعَهُ فَقَالُوا: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ السَّارِيَةِ الْوُسْطَى أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ حَدِيثِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْعَمُودَيْنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، فَالْعَجَبُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى تَغْلِيطِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْحِفْظِ بِقَوْلِ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَوْ سَكَتَ لَسَلِمَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ) أَيْ مُوَاجِهُ بَابِ الْكَعْبَةِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ - أَيْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَابِ - قُلْتُ: قَدَّمْنَا أَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا مُنَاسَبَةَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْمَقَامِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْكَعْبَةِ، مَنْ صَلَّى فِيهَا فَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا خَلْفَهُ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ أَيْضًا فِي إِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ.
٣٩٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ. فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ.
[الحديث ٣٩٨ - اطرافه في: ٤٢٨٨، ٣٣٥٢، ٣٣٥١، ١٦٠١]
قَوْلُهُ: (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) كَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّرْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ لَهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ إِسْحَاقَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ شَيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا فَجَعَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَسَيَأْتِي وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ رِوَايَةِ بِلَالٍ الْمُثْبِتَةِ لِصَلَاتِهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ النَّافِيَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ أَيْ مُقَابِلِهَا أَوْ مَا اسْتَقْبَلَكَ مِنْهَا وَهُوَ وَجْهُهَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ السَّالِفَةِ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ الْقِبْلَةُ) الْإِشَارَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ تَقْرِيرُ حُكْمِ الِانْتِقَالِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ حُكْمَ مَنْ شَاهَدَ الْبَيْتَ وُجُوبُ مُوَاجَهَةِ عَيْنِهِ جَزْمًا بِخِلَافِ الْغَائِبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبَالِهِ لَيْسَ هُوَ الْحَرَمَ كُلَّهُ وَلَا مَكَّةَ وَلَا الْمَسْجِدَ الَّذِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ بَلِ الْكَعْبَةُ نَفْسُهَا، أَوِ الْإِشَارَةُ إِلَى وَجْهِ الْكَعْبَةِ أَيْ هَذَا مَوْقِفُ الْإِمَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْبَابَ قِبْلَةُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه لشهرته به (١) وإِلَّا فأبوه إبراهيم السَّعديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «حدّثنا» (ابْنُ جُرَيْجٍ) نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، واسمُه عبدُ الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا) جمع: ناحيةٍ، وهي الجهة (وَلَمْ يُصَلِّ) فيه (حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ) ورواية بلالٍ المثبِت [خ¦٣٩٧] أرجحُ من نفي ابن عبَّاسٍ هذا، لاسيَّما أنَّ ابن عبَّاسٍ لم يدخل، وحينئذٍ فيكون مرسلًا لأنَّه أسنده عن غيره ممَّن دخل مع النَّبيِّ ﷺ الكعبة، فهو مُرسَل صحابيٍّ (فَلَمَّا خَرَجَ) ﵊ منه (رَكَعَ) أي: صلَّى (رَكْعَتَيْنِ) فأطلق الجزء وأراد به الكلَّ (فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ) هو (٢) ما استقبله منها وهو وجهها، و «قُبُل» (٣) بضمِّ القاف والمُوحَّدة، وقد تُسكَّن (وَقَالَ) ﵊: (هَذِهِ) أي: الكعبة هي (القِبْلَةُ) الَّتي استقرَّ (٤) الأمر على استقبالها، فلا تُنسَخ كما نُسِخ بيت المقدس، أو علَّمهم بذلك سنَّةَ موقف الإمام في وجهها دون أركانها وجوانبها الثَّلاثة وإن كان الكلُّ جائزًا، أو أنَّ مِنْ (٥) حكم مَنْ (٦) شاهد البيت وجوبَ مواجهة عينه (٧) جزمًا بخلاف الغائب، أو أنَّ الَّذي أُمِرتم باستقباله ليس هو الحرم كلُّه ولا مكَّة ولا المسجد حول الكعبة، بل الكعبة نفسها.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ وصنعانيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك» والنَّسائيُّ.
(٣١) (بابُ التَّوَجُّهِ) في صلاة الفرض (نَحْوَ القِبْلَةِ) أي: إلى (١) جهتها (حَيْثُ كَانَ) أي: وُجِد المصلِّي في سفرٍ أو حضرٍ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا وصله المؤلِّف في «الاستئذان» [خ¦٦٢٥١] من جملة حديث المسيء صلاته: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ) حيث كنت (وَكَبِّرْ) بكسر الباء المُوحَّدة فيهما (٢) على الأمر، «وكبِّر» بالواو، وللأربعة: «فكبِّر» وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر (٣): «قام النَّبيُّ ﷺ استقبل فكبَّر» بالفاء (٤) وفتح المُوحَّدة فيهما.