الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١١٧
الحديث رقم ٤١١٧ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٤١١٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْقَوْمِ حُذَيْفَةُ كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَصْرُ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَهَبَ لِكَشْفِهَا غَيْرُ الْقِصَّةِ الَّتِي ذَهَبَ حُذَيْفَةُ لِكَشْفِهَا، فَقِصَّةُ الزُّبَيْرِ كَانَتْ لِكَشْفِ خَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ هَلْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَوَافَقُوا قُرَيْشًا عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقِصَّةُ حُذَيْفَةَ كَانَتْ لَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْخَنْدَقِ وَتَمَالَأَتْ عَلَيْهِمُ الطَّوَائِفُ ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ الْأَحْزَابِ الِاخْتِلَافُ وَحَذَّرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُخْرَى وَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الرِّيحَ وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَانْتَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِ قُرَيْشٍ، فَانْتَدَبَ لَهُ حُذَيْفَةُ بَعْدَ تَكْرَارِهِ طَلَبَ ذَلِكَ، وَقِصَّتُهُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ لَمَّا دَخَلَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي اللَّيْلِ وَعَرَفَ قِصَّتَهُمْ وَرَجَعَ وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَرْدُ، فَغَطَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى دَفِئَ، وَبَيَّنَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْمِ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قُمْ يَا زُبَيْرُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَاحِدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: قُمْ يَا زُبَيْرُ. فَقَامَ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ جَاءَ بِسَلَبِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَفَلَهُ إِيَّاهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ) هُوَ مِنَ السَّجْعِ الْمَحْمُودِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَذْمُومِ مَا يَأْتِي بِتَكَلُّفٍ وَاسْتِكْرَاهٍ، وَالْمَحْمُودُ مَا جَاءَ بِانْسِجَامٍ وَاتِّفَاقٍ، وَلِهَذَا قَالَ فِي مِثْلِ الْأَوَّلِ: أَسَجْعٌ مِثْلُ سَجْعِ الْكُهَّانِ؟ وَكَذَا قَالَ: كَانَ يَكْرَهُ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ. وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْعِيَةِ وَالْمُخَاطَبَاتِ مَا وَقَعَ مَسْجُوعًا لَكِنَّهُ فِي غَايَةِ الِانْسِجَامِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّهُ وَقَعَ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا شَيْءَ بَعْدَهُ أَيْ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُودِهِ كَالْعَدَمِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْنَى وَهُوَ الْبَاقِي، فَهُوَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾
الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) وَالْفَزَارِيُّ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدَةُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ.
قَوْلُهُ: (دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْأَحْزَابِ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (أَوِ الْحَجُّ أَوِ الْعُمْرَةُ) لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ هِيَ لِلتَّنْوِيعِ، وَذَكَرَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ: وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٠ - بَاب مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْأَحْزَابِ وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ
٤١١٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لما رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ، وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ، فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: هَاهُنَا. وَأَشَارَ إِلَى قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ.
٤١١٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ فَإِلَى أَيْنَ قَالَ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ"
٤١١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ"
٤١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهم، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَحْزَابِ) أَيْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُقَاتِلُ فِيهِ الْأَحْزَابَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ) قَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَا وَقَعَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ نَقْضِ عَهْدِهِ وَمُمَالَأَتِهِمْ لِقُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ نَسَبُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْأَنْوَاءِ لَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ شُعَيْبٍ نَبِيِّ اللَّهِ ﵇ وَهُوَ بِمُحْتَمَلٍ وَأنَّ شُعَيْبًا كَانَ مِنْ بَنِي جُذَامٍ الْقَبِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ تَوَجُّهَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ كَانَ لِسَبْعٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ فَرَسًا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂، ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي الْبَابِ مَعَ شَرْحِهِ.
الثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ الْقِصَّةَ حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مُشَخَّصَةً لَهُ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ.
قَوْلُهُ: (سَاطِعًا) أَيْ مُرْتَفِعًا.
قَوْلُهُ: (بَنِي غَنْمٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ، كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَتَقَدَّمَ إِعْرَابُ قَوْلِهِ: مَوْكِبُ جِبْرِيلَ وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ مُطَوَّلًا لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَسٌ، وَأَوَّلُهُ كَانَ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْأَحْزَابُ نَقَضُوهُ وَظَاهَرُوهُمْ. فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ ﷿ الْأَحْزَابَ تَحَصَّنُوا، فَجَاءَ جِبْرِيلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْهَضْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: إِنَّ فِي أَصْحَابِي جَهْدًا قَالَ: انْهَضْ إِلَيْهِمْ فَلَأُضَعْضِعَنَّهُمْ. قَالَ: فَأَدْبَرَ جِبْرِيلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى سَطَعَ الْغُبَارُ فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (جُوَيْرِيَةُ) بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ هُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ) كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَ مُسْلِمٍ الظُّهْرَ مَعَ اتِّفَاقِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا، أَبُو يَعْلَى وَآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عَتْبَانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِلَفْظِ الظُّهْرَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَتْبَانَ (١) كَذَلِكَ، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ إِلَّا بِلَفْظِ الظُّهْرَ غَيْرَ أَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَفْصٍ السِّلْمِيِّ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ فَقَالَ: الْعَصْرَ وَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَغَازِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ الظُّهْرَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَ سَامِعًا مطيعا فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.
وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنْ طَلَبِ الْأَحْزَابِ وَجَمَعَ عَلَيْهِ اللَّأْمَةَ وَاغْتَسَلَ وَاسْتَجْمَرَ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: عَذِيرُكَ مِنْ مُحَارِبٍ، فَوَثَبَ فَزِعًا، فَعَزَمَ عَلَى النَّاسِ أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْرَ حَتَّى يَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: فَلَبِسَ النَّاسُ السِّلَاحَ فَلَمْ يَأْتُوا
قُرَيْظَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ الْعَصْرَ وَتَرَكَتْهَا طَائِفَةٌ وَقَالَتْ: إِنَّا فِي عَزْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِثْمٌ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْصُولًا بِذِكْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِيهِ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَفِيهِ فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَتَرَكَتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ فِي أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الْأَمْرِ كَانَ صَلَّى الظُّهْرَ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُصَلِّهَا فَقِيلَ: لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ وَلِمَنْ صَلَّاهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ رَاحَتْ بَعْدَ طَائِفَةٍ فَقِيلَ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى: الظُّهْرَ وَقِيلَ لِلطَّائِفَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: الْعَصْرَ، وَكِلَاهُمَا جَمْعٌ لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ يُبْعِدُهُ اتِّحَادُ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ مِنْ مَبْدَئِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ رِجَالِ إِسْنَادِهِ قَدْ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَحَمَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ. ثُمَّ تَأَكَّدَ عِنْدِي أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ مِنْ حِفْظِ بَعْضِ رُوَاتِهِ فَإِنَّ سِيَاقَ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ كُلِّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَعَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَسَائِرِ مِنْ رَوَاهُ نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الْأَحْزَابِ أَنَّ لَا يُصَلِّينَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ، قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ شَيْخَ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبَاقِينَ حَدَّثَهُمْ بِهِ عَلَى اللَّفْظِ الْأَخِيرِ وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ جُوَيْرِيَةَ، بِدَلِيلِ مُوَافَقَةِ أَبِي عِتْبَانَ لَهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ أَوْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَتَبَهُ مِنْ حِفْظِهِ وَلَمْ يُرَاعِ اللَّفْظَ كَمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى اللَّفْظِ كَثِيرًا، وَإِنَّمَا لَمْ أُجَوِّزْ عَكْسَهُ لِمُوَافَقَةِ مَنْ وَافَقَ مُسْلِمًا عَلَى لَفْظِهِ بِخِلَافِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ مُوَافَقَةُ أَبِي حَفْصٍ السُّلَمِيِّ لَهُ تُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ حَيْثُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ فَالِاحْتِمَالَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي كَوْنِهِ قَالَ: الظُّهْرَ لِطَائِفَةٍ وَالْعَصْرَ لِطَائِفَةٍ مُتَّجَهٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الظُّهْرِ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا ابْنُ عُمَرَ وَرِوَايَةُ الْعَصْرِ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَائِشَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يُعَابُ عَلَى مِنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثٍ أَوْ آيَةٍ، وَلَا عَلَى مَنِ اسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ، وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْفُرُوعِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ صَوَابًا فِي حَقِّ إِنْسَانٍ وَخَطَأً فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ يُحْكَمَ فِي النَّازِلَةِ بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الخطر وَالْإِبَاحَةَ صِفَاتُ أَحْكَامٍ لَا أَعْيَانٍ قَالَ: فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ فَهُوَ مُصِيبٌ انْتَهَى. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَخَالَفَ الْجَاحِظُ، وَالْعَنْبَرِيُّ. وَأَمَّا مَا لَا قَطْعَ فِيهِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَقَرَّرَهُ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ مُصِيبٌ بِاجْتِهَادِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْقَوْمِ حُذَيْفَةُ كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَصْرُ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَهَبَ لِكَشْفِهَا غَيْرُ الْقِصَّةِ الَّتِي ذَهَبَ حُذَيْفَةُ لِكَشْفِهَا، فَقِصَّةُ الزُّبَيْرِ كَانَتْ لِكَشْفِ خَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ هَلْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَوَافَقُوا قُرَيْشًا عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقِصَّةُ حُذَيْفَةَ كَانَتْ لَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْخَنْدَقِ وَتَمَالَأَتْ عَلَيْهِمُ الطَّوَائِفُ ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ الْأَحْزَابِ الِاخْتِلَافُ وَحَذَّرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُخْرَى وَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الرِّيحَ وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَانْتَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِ قُرَيْشٍ، فَانْتَدَبَ لَهُ حُذَيْفَةُ بَعْدَ تَكْرَارِهِ طَلَبَ ذَلِكَ، وَقِصَّتُهُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ لَمَّا دَخَلَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي اللَّيْلِ وَعَرَفَ قِصَّتَهُمْ وَرَجَعَ وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَرْدُ، فَغَطَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى دَفِئَ، وَبَيَّنَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْمِ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قُمْ يَا زُبَيْرُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَاحِدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: قُمْ يَا زُبَيْرُ. فَقَامَ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ جَاءَ بِسَلَبِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَفَلَهُ إِيَّاهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ) هُوَ مِنَ السَّجْعِ الْمَحْمُودِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَذْمُومِ مَا يَأْتِي بِتَكَلُّفٍ وَاسْتِكْرَاهٍ، وَالْمَحْمُودُ مَا جَاءَ بِانْسِجَامٍ وَاتِّفَاقٍ، وَلِهَذَا قَالَ فِي مِثْلِ الْأَوَّلِ: أَسَجْعٌ مِثْلُ سَجْعِ الْكُهَّانِ؟ وَكَذَا قَالَ: كَانَ يَكْرَهُ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ. وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْعِيَةِ وَالْمُخَاطَبَاتِ مَا وَقَعَ مَسْجُوعًا لَكِنَّهُ فِي غَايَةِ الِانْسِجَامِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّهُ وَقَعَ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا شَيْءَ بَعْدَهُ أَيْ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُودِهِ كَالْعَدَمِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْنَى وَهُوَ الْبَاقِي، فَهُوَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾
الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) وَالْفَزَارِيُّ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدَةُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ.
قَوْلُهُ: (دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْأَحْزَابِ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (أَوِ الْحَجُّ أَوِ الْعُمْرَةُ) لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ هِيَ لِلتَّنْوِيعِ، وَذَكَرَهُ هُنَا لِقَوْلِهِ: وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٠ - بَاب مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْأَحْزَابِ وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ
٤١١٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لما رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ، وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ، فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: هَاهُنَا. وَأَشَارَ إِلَى قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ.
٤١١٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ فَإِلَى أَيْنَ قَالَ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ"
٤١١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ"
٤١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهم، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَحْزَابِ) أَيْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُقَاتِلُ فِيهِ الْأَحْزَابَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ) قَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَا وَقَعَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ نَقْضِ عَهْدِهِ وَمُمَالَأَتِهِمْ لِقُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ نَسَبُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْأَنْوَاءِ لَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ شُعَيْبٍ نَبِيِّ اللَّهِ ﵇ وَهُوَ بِمُحْتَمَلٍ وَأنَّ شُعَيْبًا كَانَ مِنْ بَنِي جُذَامٍ الْقَبِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ تَوَجُّهَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ كَانَ لِسَبْعٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ فَرَسًا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂، ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي الْبَابِ مَعَ شَرْحِهِ.
الثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ الْقِصَّةَ حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مُشَخَّصَةً لَهُ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ.
قَوْلُهُ: (سَاطِعًا) أَيْ مُرْتَفِعًا.
قَوْلُهُ: (بَنِي غَنْمٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ، كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَتَقَدَّمَ إِعْرَابُ قَوْلِهِ: مَوْكِبُ جِبْرِيلَ وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ مُطَوَّلًا لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَسٌ، وَأَوَّلُهُ كَانَ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْأَحْزَابُ نَقَضُوهُ وَظَاهَرُوهُمْ. فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ ﷿ الْأَحْزَابَ تَحَصَّنُوا، فَجَاءَ جِبْرِيلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْهَضْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: إِنَّ فِي أَصْحَابِي جَهْدًا قَالَ: انْهَضْ إِلَيْهِمْ فَلَأُضَعْضِعَنَّهُمْ. قَالَ: فَأَدْبَرَ جِبْرِيلُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى سَطَعَ الْغُبَارُ فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (جُوَيْرِيَةُ) بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ هُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ) كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَ مُسْلِمٍ الظُّهْرَ مَعَ اتِّفَاقِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا، أَبُو يَعْلَى وَآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عَتْبَانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِلَفْظِ الظُّهْرَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَتْبَانَ (١) كَذَلِكَ، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ إِلَّا بِلَفْظِ الظُّهْرَ غَيْرَ أَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَفْصٍ السِّلْمِيِّ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ فَقَالَ: الْعَصْرَ وَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَغَازِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ الظُّهْرَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَ سَامِعًا مطيعا فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.
وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنْ طَلَبِ الْأَحْزَابِ وَجَمَعَ عَلَيْهِ اللَّأْمَةَ وَاغْتَسَلَ وَاسْتَجْمَرَ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: عَذِيرُكَ مِنْ مُحَارِبٍ، فَوَثَبَ فَزِعًا، فَعَزَمَ عَلَى النَّاسِ أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْرَ حَتَّى يَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: فَلَبِسَ النَّاسُ السِّلَاحَ فَلَمْ يَأْتُوا
قُرَيْظَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ الْعَصْرَ وَتَرَكَتْهَا طَائِفَةٌ وَقَالَتْ: إِنَّا فِي عَزْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِثْمٌ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْصُولًا بِذِكْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِيهِ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَفِيهِ فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَتَرَكَتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ فِي أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الْأَمْرِ كَانَ صَلَّى الظُّهْرَ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُصَلِّهَا فَقِيلَ: لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ وَلِمَنْ صَلَّاهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ رَاحَتْ بَعْدَ طَائِفَةٍ فَقِيلَ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى: الظُّهْرَ وَقِيلَ لِلطَّائِفَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: الْعَصْرَ، وَكِلَاهُمَا جَمْعٌ لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ يُبْعِدُهُ اتِّحَادُ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ مِنْ مَبْدَئِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ رِجَالِ إِسْنَادِهِ قَدْ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَحَمَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ. ثُمَّ تَأَكَّدَ عِنْدِي أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ مِنْ حِفْظِ بَعْضِ رُوَاتِهِ فَإِنَّ سِيَاقَ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ كُلِّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَعَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَسَائِرِ مِنْ رَوَاهُ نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الْأَحْزَابِ أَنَّ لَا يُصَلِّينَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ، قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ شَيْخَ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبَاقِينَ حَدَّثَهُمْ بِهِ عَلَى اللَّفْظِ الْأَخِيرِ وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ جُوَيْرِيَةَ، بِدَلِيلِ مُوَافَقَةِ أَبِي عِتْبَانَ لَهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ أَوْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَتَبَهُ مِنْ حِفْظِهِ وَلَمْ يُرَاعِ اللَّفْظَ كَمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى اللَّفْظِ كَثِيرًا، وَإِنَّمَا لَمْ أُجَوِّزْ عَكْسَهُ لِمُوَافَقَةِ مَنْ وَافَقَ مُسْلِمًا عَلَى لَفْظِهِ بِخِلَافِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ مُوَافَقَةُ أَبِي حَفْصٍ السُّلَمِيِّ لَهُ تُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ حَيْثُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ فَالِاحْتِمَالَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي كَوْنِهِ قَالَ: الظُّهْرَ لِطَائِفَةٍ وَالْعَصْرَ لِطَائِفَةٍ مُتَّجَهٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الظُّهْرِ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا ابْنُ عُمَرَ وَرِوَايَةُ الْعَصْرِ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَائِشَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يُعَابُ عَلَى مِنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثٍ أَوْ آيَةٍ، وَلَا عَلَى مَنِ اسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ، وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْفُرُوعِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ صَوَابًا فِي حَقِّ إِنْسَانٍ وَخَطَأً فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ يُحْكَمَ فِي النَّازِلَةِ بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الخطر وَالْإِبَاحَةَ صِفَاتُ أَحْكَامٍ لَا أَعْيَانٍ قَالَ: فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ فَهُوَ مُصِيبٌ انْتَهَى. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَخَالَفَ الْجَاحِظُ، وَالْعَنْبَرِيُّ. وَأَمَّا مَا لَا قَطْعَ فِيهِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَقَرَّرَهُ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ مُصِيبٌ بِاجْتِهَادِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ