الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٤٦
الحديث رقم ٤١٤٦ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حديث الإفك.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَأْذَنِي لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ؟ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ، أَوْ: يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.»
٤١٤٦ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٣٥ - (بابُ حَدِيثِ الإفْكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَدِيث الْإِفْك، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، بل هَكَذَا: حَدِيث الْإِفْك، أَي: هَذَا حَدِيث الْإِفْك وَلما كَانَ حَدِيث الْإِفْك فِي غَزْوَة بني المصطلق وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع ذكره هُنَا.
الإفْكِ والأفَكِ بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ والنَّجَسِ
أَشَارَ بهما إِلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ الأولى: الأفك، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء: كالنجس، بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْجِيم، وَالثَّانيَِة: الأفك، بِفَتْح الْهمزَة وَالْفَاء مَعًا: كالنجس، بِفتْحَتَيْنِ، وَالْأولَى هِيَ اللُّغَة الْمَشْهُورَة. قَوْله: (بِمَنْزِلَة النَّجس) أَي: بنظير النَّجس وَالنَّجس فِي الضَّبْط، وَفِي كَونهمَا لغتين، ثمَّ الْإِفْك مصدر أفك الرجل يأفك من بَاب ضرب يضْرب إِذا كذب، والإفك، بِضَم الْهمزَة جمع أفوك، وَهُوَ الْكثير الْكَذِب، ذكره ابْن عديس فِي الْكتاب (الباهر) .
يقَالُ إفْكُهُمْ وأفَكَهُمْ وأفَّكَهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بل ضلوا عَنْهُم وَذَلِكَ إفكهم وَمَا كَانُوا يفترون} (الْأَحْقَاف: ٢٨) . قرىء فِي الْمَشْهُور: إفكهم، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء، وارتفاعه على أَنه خبر لقَوْله: وَذَلِكَ، وقرىء فِي الشاذ: أفكهم، بِفَتْح الْهمزَة وَالْفَاء وَالْكَاف جَمِيعًا على أَنه فعل ماضٍ، وقرىء أَيْضا: وأفكهم، بتَشْديد الْفَاء للْمُبَالَغَة، وآفكهم، بِمد الْهمزَة وَفتح الْفَاء أَي: جعلهم آفكين وآفكهم بِالْمدِّ وَكسر الْفَاء، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي قَوْلهم الْكَذِب كَمَا تَقول: قَول كَاذِب.
فَمَنْ قَالَ أفَكَهُمْ
يَعْنِي من جعله فعلا مَاضِيا.
يَقُولُ صرَفَهُمْ عنِ الإيمَانِ وكذَبَهُمْ كَمَا قَالَ يُؤْفَكُ عنْهُ مِنْ أُفِكَ يُصْرَفُ عنْهُ مِنْ صُرِفَ
يؤفك، بِضَم الْيَاء صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي الحَدِيث: لقد أفك قوم كَذبُوك، وظاهروا عَلَيْك، أَي صرفُوا عَن الْحق وَمنعُوا مِنْهُ، يُقَال: أفكه يأفكه أفكاً إِذا صرفه عَن الشَّيْء وَقَلبه، وأفك فَهُوَ مأفوك.
٤١٤١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بن مَسْعُودٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ قَالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا وكلُّهُمْ حدَّثَنِي طائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وبَعْضُهُمْ كانَ أوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وأثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصَاً وقَدْ وَعيْتُ عنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الحَدِيثَ الَّذِي حدَّثَنِي عنْ عَائِشة وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدَّقُ بَعْضَاً وإنْ كانَ بَعْضُهُمْ أوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ قالُوا قالَتْ عائِشَةُ كانَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أرَادَ سفَرَاً أقْرَعَ بَيْنَ أزْوَاجِهِ فأيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خرَجَ بِهَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَهُ قالَتْ عائِشَةُ فأقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فخَرَجْتُ معَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حتَّى إذَا فَرَغَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ قافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ فلَمَّا قَضَيْتُ شأنِي أقْبَلْتُ إلَى
رَحْلِي فلَمَسْتُ صَدْرِي فإذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَار قَدِ انْقَطَعَ فرَجَعْتُ فالْتَمَسْتُ عِقْدِي فحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ قالَتْ وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحِّلُونِي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ علَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أرْكَبُ عَلَيْهِ وهُمْ يَحْسِبُونَ أنِّي فِيهِ وكانَ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافَاً لَمْ يَهْبُلْنَ ولَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إنَّمَا يأكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ فلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وحَمَلُوهُ وكُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فبَعَثُوا الجَمَلَ فسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ ولَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وظَنَنْتُ أنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ فَبَيْنَا أنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السَّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فرَأى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رآنِي وكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ فاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَوالله مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ ولَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ وهَوَي حَتَّى أنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِيءَ علَى يَدِهَا فقُمْتُ إلَيْهَا فرَكِبْتُهَا فانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حتَّى أتَيْنَا الجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وهُمْ نُزُولٌ قالَتْ فهَلَكَ فِيَّ مَنْ هَلَكَ وكانَ الَّذِي تَوَلَّي كِبْرَ الإفْكِ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ أُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُشَاعُ ويُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ ويَسْتَمِعُهُ ويَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضا لَمْ يُسَمَّ مِنْ أهْلِ الإفْكِ أَيْضا إلَاّ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي ناسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أنَّهُمْ عُصْبَةٌ كَمَا قَالَ الله تعالَى وإنَّ كُبْرَ ذالِكَ يُقَالُ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ كَانَتْ عائِشَةُ تَكْرَهُ أنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وتَقُولُ إنَّهُ الَّذِي قَالَ:
(فَإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وعِرْضِي ... لِعِرْض مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ)
قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرَاً والنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أصْحَابِ الإفْكِ لَا أشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أنِّي لَا أعْرِفُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أرَى مِنْهُ حِينَ أشْتَكى إنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيُّ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذالِكَ يَرِيبُنِي ولَا أشْعُرُ بالشَّرِّ حتَّى خَرَجْتُ حِينَ نقَهْتُ فخَرَجْتُ معَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ وكانُ مُتَبَرَّزَنَا وكُنَّا لَا نَخْرُجُ إلَاّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ وذالِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبَاً مِنْ بُيُوتِنَا قالَتْ وأمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي البَرِيَّةِ قِبَلَ الغَائِطِ وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا قالَتْ فانْطَلَقْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ وهْيَ ابْنَةُ أبِي رُهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنافٍ وأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ خالَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابْنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادٍ ابنِ المُطَّلِبِ فأقْبَلْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شأنِنَا فعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْرَاً فقَالَتْ أيْ هَنْتَاهُ ولَمْ
تَسْمَعِي مَا قَالَ قالَتْ وقُلْتُ مَا قَالَ فأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ قالَتْ فازْدَدْتُ مَرَضاً علَى مَرَضِي فلَمَّا رَجَعْتُ إلَى بَيْتِي دخَلَ علَيَّ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ فقُلْتُ لَهُ أتَأذَنُ لِي أنْ آتِي أبَوَيَّ قالَتْ وأُرِيدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الخَبرَ مِنْ قِبَلِهِمَا قالتْ فأذِنَ لي رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ لأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ ماذَا يتَحَدَّثُ النَّاسُ قالتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّني علَيْكِ فَوَالله لقَلَّمَا كانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرَ إلَاّ كَثَّرْنَ علَيْهَا قالَتْ فقُلْتُ سُبْحَانَ الله أوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهاذَا قالتْ فبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أصْبَحْتُ لَا يَرْقأ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أصْبَحْتُ أبْكِي قالَتْ ودَعَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علِيَّ بنَ أبِي طالِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلبَثَ الوَحْيُ يَسْألُهُمَا ويَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أهْلِهِ قالَتْ فأمَّا أُسَامَةُ فأشَارَ علَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أهْلِهِ وبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ أُسَامَةُ أهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَاّ خَيْرَاً وأمَّا عليٌّ فقَالَ يَا رسُولَ الله لَمْ يُضَيِّقِ الله عَلَيْكَ والنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ قالَتْ فدَعَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَرِيرَةَ فَقال أيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا رأيْتُ علَيْهَا أمْرَاً قَطُّ أغْمِصُهُ غيْرَ أنَّهَا جَارِيَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عنْ عَجِينِ أهْلِهَا فتَأتِي الدَّاجِنُ فتَأكُلُهُ قالتْ فَقامَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ يَوْمِهِ فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَهْوَ علَى المِنْبَرِ فَقال يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قدْ بَلَغَنِي عنْهُ أذَاهُ فِي أهْلِي وَالله مَا عَلِمْتُ علَى أهْلِي إلَاّ خَيْرَاً ولَقَدْ ذكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ علَيْهِ إلَاّ خَيْرَاً وَمَا يَدْخُلُ علَى أهْلِي إلَاّ مَعِي قالَتْ فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ فَقال أنَا يَا رسُولَ الله أعْذِرُكَ فإنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ قالَتْ فقَامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ وكانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخْذِهِ وهْوَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وهْوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ قالَتْ وكانَ قَبْلَ ذالِكَ رجُلاً صالِحَاً ولاكِنْ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فقَالَ لِسَعْدٍ كَذَبْت لَعَمْرُ الله لَا تَقْتُلْهُ ولَا تَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ ولَوْ كانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أحْبَبْتَ أنْ يُقْتَلَ فقامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وهْوَ ابنُ عَمِّ سَعْدٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عنِ المُنَافِقِينَ قالَتْ فَثارَ الْحَيَّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قائِمٌ علَى المِنْبَرِ قالَتْ فلَمْ يَزَلْ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُخَفِّضُهُمْ حتَّى سَكَتُوا وسَكَتَ قالَتْ فبَكَيْتُ يَوْمِي ذالِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ قالَتْ وأصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي وقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ ويَوْماً لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حتَّى إنِّي لأَظُنُّ أنَّ البُكَاءَ فالِقٌ كَبِدِي فبَيْنَا أبَوَايَ جالِسَانِ عِنْدِي وأنَا أبْكِي فاسْتأذَنَتْ علَيَّ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ فأذِنْتُ لَهَا فجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ علَى ذالِكَ دَخَلَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم عَلَيْنَا فسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قالَتْ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وقَدْ لَبِثَ شَهْرَاً لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي شأني بِشَيْءٍ قالَتْ فتَشَهَّدَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ يَا عائِشَةُ إنَّهُ بلَغَنِي عَنْكِ كذَا وكَذَا فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فسَيُبَرِّئُكِ الله وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي الله وتُوبِي إلَيْهِ فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تابَ الله علَيْهِ قالَتْ فلَمَّا قَضَى رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لأِبِي أجِبْ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنِّي فِيمَا قَالَ فَقَالَ أبي وَالله مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْتُ لاُِمِّي أجِيبِي رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا قالَ قالَتْ أُمِّي مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ وأنَا جَارِيَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ لَا أقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ كَثِيرَاً إنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هاذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أنْفُسِكُمْ وصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأمْرٍ وَالله يَعْلَمُ أنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِي فَوَالله لَا أجِدُ لِي ولَكُمْ مَثَلاً إلَاّ أبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعانُ علَى مَا تَصِفُونَ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ واضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي وَالله يَعْلَمُ أنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ وأنَّ الله مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي ولَكِنْ وَالله مَا كُنْتُ أظُنُّ أنَّ الله مُنْزِلٌ فِي شأنِي وَحْيَاً يُتْلَى لِشأنِي فِي نَفْسِي كانَ أحْقَرَ مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ الله فِيَّ بأمْر ولَكِنْ كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي الله بِهَا فَوالله مَا رَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ علَيْهِ فأخَذَهُ مَا كَانَ يأخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ حَتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ العَرَقِ مِثْلُ الجُمَانِ وهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قالَتْ فَسُرِّيَ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ يَضْحَكُ فكَانَتْ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أنْ قَالَ يَا عَائِشَةُ أمَّا الله فقَدْ بَرَّأكِ قالَتْ فقالَتْ لِي أُمِّي قُوُمِي إلَيْهِ فقُلْتُ لَا وَالله لَا أقُومُ إلَيْهِ فإنِّي لَا أحْمَدُ إلَاّ الله عَزَّ وَجَلَّ قالَتْ وأنْزَلَ الله تعَالى: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} (النُّور: ١١) . العَشَرَ الآياتِ ثُمَّ أنْزَلَ الله تعَالى هاذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وكانَ يُنْفِقُ علَى مِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وفَقْرِهِ وَالله لَا أُنْفِقُ علَى مِسْطَحٍ شَيْئَاً أبَداً بعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ فأنْزَلَ الله تعالَى: {وَلَا يأتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النُّور: ٢٢) . قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بلَى وَالله إنِّي لأحِبُّ أنْ يَغْفِرَ الله لِي فرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ علَيْهِ وَقَالَ وَالله لَا أنْزِعُهَا مِنْهُ أبَدَاً قالَتْ عائِشَةُ وكانَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سألَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عنْ أمْرِي فَقال لِزَيْنَبَ ماذَا عَلِمْتِ أوْ رَأيْتِ فقالَتْ يَا رسُولَ الله أحْمِي سَمْعِي وبَصَرِي وَالله مَا عَلِمْتُ إلَاّ خَيْرَاً قالَتْ عائِشَةُ وهْيَ الَّتِي كانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعَصَمَهَا الله بالوَرَعِ قالَتْ وطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا فهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ فهاذَا الَّذِي بلَغَنِي مِنْ
حَدِيثَ هاؤُلاءِ الرَّهْطِ ثُمَّ قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عائِشَةُ وَالله إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لِيَقُولَ سُبْحَانَ الله فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ قالَتْ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذالِكَ فِي سَبِيلِ الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات فِي أول: بَاب تَعْدِيل النِّسَاء بَعضهنَّ بَعْضًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان ... إِلَى آخِره، وليعتبر النَّاظر التَّفَاوُت بَينهمَا من حَدِيث الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ولنتكلم هُنَا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُ.
فَقَوله: (وَأثبت لَهُ اقتصاصاً) أَي: أحفظ وَأحسن إيراداً وسرداً للْحَدِيث، وَهَذَا الَّذِي فعله الزُّهْرِيّ من جمع الحَدِيث عَنْهُم جَائِز لَا كَرَاهَة فِيهِ، لِأَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَئِمَّة حفاظ ثقاة من عُظَمَاء التَّابِعين، فالحجة قَائِمَة بقول أَي كَانَ مِنْهُم. قَوْله: (فِي غَزْوَة غَزَاهَا) ، أرادة الْغَزْوَة الْمُصْطَلِقِيَّة. قَوْله: (سهمي) ، السهْم فِي الأَصْل وَاحِد السِّهَام الَّتِي يضْرب بهَا فِي الميسر، وَهِي القداح، ثمَّ سمى بهَا مَا يفوز بِهِ الفالح سَهْمه، ثمَّ كثر حَتَّى سمي كل نصيب سَهْما، وَالْمرَاد من السهْم هُنَا الْقدح الَّذِي يقترع بِهِ. قَوْله: (أحمل) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي هودجي) ، الهودج مركب من مراكب النِّسَاء مقتب وَغَيره مقتب. قَوْله: (من جزع ظفار) ، الْجزع بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة: خرز، وَهُوَ مُضَاف إِلَى: ظفار، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالراء مَبْنِيَّة على الْكسر وَهُوَ اسْم قَرْيَة بِالْيمن. قَوْله: (ابتغاؤه) ، أَي: طلبه. قَوْله: (لم يهبلن) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: من الهبل وَهُوَ كَثْرَة اللَّحْم والشحم. ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول من الإهبال، ويروى لم يهبلهن اللَّحْم أَي: لم يكثر عَلَيْهِنَّ، يُقَال: هبله اللَّحْم إِذا كثر عَلَيْهِ وَركب بعضه بَعْضًا. قَوْله: (الْعلقَة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَهِي الْقَلِيل من الْأكل. قَوْله: (فَلم يستنكر الْقَوْم خفَّة الهودج) ، وَقد تقدم فِي كتاب الشَّهَادَات: وَلم يستنكر الْقَوْم ثقل الهودج، والتوفيق بَينهمَا أَن الخفة والثقل من الْأُمُور الإضافية فيتفاوتان بِالنِّسْبَةِ. قَوْله: (فَتَيَمَّمت) ، أَي: قصدت. قَوْله: (وَكَانَ صَفْوَان ابْن الْمُعَطل) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن ربيضة بن خزاعي بن محَارب بن مرّة بن فالح بن ثَعْلَبَة بن بهثة بن سليم السّلمِيّ بِالضَّمِّ ثمَّ الذكواني، يكنى أَبَا عَمْرو، وَيُقَال: إِنَّه أسلم قبل الْمُريْسِيع وَشهد الْمُريْسِيع وَمَا بعْدهَا، قَالَ أَبُو عمر: وَكَانَ يكون على ساقة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن ابْن إِسْحَاق: أَنه قتل فِي غزَاة أرمينية شَهِيدا وأميرهم يَوْمئِذٍ عُثْمَان بن العَاصِي سنة تسع عشرَة فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: مَاتَ بالجزيرة فِي نَاحيَة سميساط وَدفن هُنَاكَ، وَقيل: غير ذَلِك. قَوْله: (باسترجاعه) ، أَي: بقوله: {إِنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجعُونَ} (الْبَقَرَة: ١٥٦) . قَوْله: (فحمرت) أَي: غطيت من التخمير، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: وَهِي التغطية. قَوْله: (وَهوى) ، أَي: اسرع حَتَّى أَنَاخَ أَي: برك رَاحِلَته، وَيُقَال: هوى يهوي هوياً من بَاب ضرب يضْرب إِذا أسْرع فِي السّير، وَهوى يهوي من بَاب علم يعلم هوياً إِذا أحب وَهوى يهوى هوياً بِالضَّمِّ: إِذا صعد، وبالفتح إِذا هَبَط، وَفِي رِوَايَة: وأهوى، بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله من أَهْوى إِلَيْهِ إِذا مَال وَأَخذه. قَوْله: (فوطىء على يَدهَا) ، أَي: وطىء صَفْوَان على يَد الرَّاحِلَة ليسهل ركُوبهَا وَلَا يحْتَاج إِلَى مساعدته. قَوْله: (موغرين) ، يجوز أَن يكون صِيغَة تَثْنِيَة وَأَن يكون صِيغَة جمع نصبا على الْحَال، أَي: داخلين فِي الوغرة، بالغين الْمُعْجَمَة، وَيُقَال: أوغر الرجل أَي: دخل فِي شدَّة الْحر، كَمَا يُقَال: أظهر إِذا دخل فِي وَقت الظّهْر، ووغرت الهاجرة وغراً، إِذا اشتدت فِي وَقت توَسط الشَّمْس السَّمَاء، ووغر الصَّدْر بتحريك الْغَيْن الْمُعْجَمَة الغل والحرارة، ويروى: موعرين، بِالْعينِ الْمُهْملَة من الوعر. قَوْله: (فِي نحر الظهيرة) أَي: فِي صدر الظّهْر. قَوْله: (وهم نزُول) أَي: وَالْحَال أَن الْجَيْش نازلون. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (فَهَلَك فِي) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء، أَرَادَت مَا قَالُوا فِيهَا من الْكَذِب والبهتان والافتراء الَّذِي هُوَ سَبَب لهلاك الْقَائِلين، أَي: لخزيهم وَسَوَاد وُجُوههم عِنْد الله وَعند النَّاس. قَوْله: (وَالَّذِي تولى كبر الْإِفْك) بِكَسْر الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: الَّذِي بَاشر مُعظم الْإِفْك وَأَكْثَره (عبد الله بن أبي) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء: ابْن سلول، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَاّم الأولى، وَهِي امْرَأَة من خُزَاعَة وَهِي أم أبي بن مَالك بن الْحَارِث بن عبيد بن مَالك بن سَالم بن غنم بن الْخَزْرَج، وَكَانَ عبد الله هَذَا رَأس الْمُنَافِقين وَابْنه عبد الله من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة) أَي: ابْن الزبير بن الْعَوام أحد الروَاة
الْمَذْكُورين أول الحَدِيث، وَهُوَ مُتَّصِل بالسند الأول. قَوْله: (أخْبرت) على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ مقول عُرْوَة. قَوْله: (أَنه كَانَ يشاع ويتحدث بِهِ عِنْده) أَي: أَن الْإِفْك كَانَ يشاع عِنْد عبد الله بن أبي وكل من يشاع ويتحدث على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب تنَازع العاملين فِي قَوْله: عِنْده. قَوْله: (فيقره) بِضَم الْيَاء أَي: فَيقر عبد الله حَدِيث الْإِفْك وينكره وَلَا ينْهَى من يَقُول بِهِ. قَوْله: (ويستوشيه) أَي: يَسْتَخْرِجهُ بالبحث وَالْمَسْأَلَة ثمَّ يفشيه وَلَا يَدعه ينخمد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يستوشيه أَي يطْلب مَا عِنْده ليزيده. قَوْله: (لم يسم) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مسطح) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة الأولى وَفتح الثَّانِيَة: ابْن أَثَاثَة، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى: ابْن عباد بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي المطلبي، يكنى أَبَا عبَادَة، وَأمه سلمى بنت صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة، وَهِي ابْنة خَالَة أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: أم مسطح بن عَامر خَالَة أبي بكر، شهد بَدْرًا ثمَّ خَاضَ فِي الْإِفْك فجلده رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَن جلد، وَيُقَال: مسطح، لقب واسْمه: عَوْف، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ، وَقيل: شهد مسطح صفّين وَتُوفِّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (وَحمْنَة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالنون: بنت جحش، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن رياب الأَسدِية، من بني أَسد بن خُزَيْمَة، أُخْت زَيْنَب بنت جحش، كَانَت عِنْد مُصعب بن عُمَيْر فَقتل عَنْهَا يَوْم أحد فَتَزَوجهَا طَلْحَة بن عبيد الله وَكَانَت جلدت مَعَ من جلد فِي الْإِفْك. قَوْله: (فِي نَاس آخَرين) أَي: حَال كَون الْمَذْكُورين فِي جمَاعَة آخَرين فِي الْإِفْك. قَالَ عُرْوَة: (وَلَا علم لي بهم) أَي: بأساميهم، غير أَنهم كَانُوا عصبَة. قَالَ ابْن فَارس: الْعصبَة الْعشْرَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَا فَوق الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين، وَقيل: الْعصبَة الْجَمَاعَة. قَوْله: كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي قَوْله: {إِن الَّذين جاؤا بالإفك عصبَة مِنْكُم} (النُّور: ١١) . أَي: جمَاعَة متعصبون مِنْكُم أَي: من الْمُسلمين. قَوْله: (وَأَن كبر ذَلِك) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: وَأَن مُتَوَلِّي مُعظم الْإِفْك يُقَال لَهُ عبد الله بن أبي. قَوْله: (أَن يسب) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَتقول: إِنَّه) أَي: تَقول عَائِشَة: إِن حسان قَالَ: فَإِن أبي ووالده ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَإِن أبي) أَرَادَ بِهِ حسان أَبَاهُ ثَابتا، وَأَرَادَ بقوله: (ووالده) أَي: وَالِد أَبِيه وَهُوَ مُنْذر، وَأَبُو جده: حرَام، لِأَن حسان هُوَ ابْن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام بن عَمْرو بن زيد مَنَاة بن عدي بن مَالك بن النجار النجاري الْأنْصَارِيّ، وَحرَام ضد الْحَلَال وعاش كل وَاحِد من حسان وَأَبِيهِ وجده وجد أَبِيه مائَة وَعشْرين سنة، وَهَذَا من الغرائب. قَوْله: (وعرضي) بِالْكَسْرِ: هُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه أَو من يلْزمه أمره، وَقيل: هُوَ جَانِبه الَّذِي يصونه من نَفسه وحسبه ويحامي عَنهُ أَن ينتقص ويثلب. قَوْله: (وقاء) بِكَسْر الْوَاو، قَالَ الْجَوْهَرِي: الوقاء والوقاء مَا وقيت بِهِ شَيْئا. قَوْله: (فاشتكيت) أَي: مَرضت. قَوْله: (وَالنَّاس يفيضون) ، بِضَم الْيَاء أَي: يَخُوضُونَ. قَوْله: (وَهُوَ يريبني) ، بِفَتْح الْيَاء وَضمّهَا يُقَال: رابه وأرابه إِذا أَوْهَمهُ وشككه. قَوْله: (اللطف) ، بِضَم اللَّام وَسُكُون الطَّاء وَبِفَتْحِهَا جَمِيعًا: الْبر والرفق. قَوْله: (كَيفَ تيكم؟) إعلم أَن: تأوته: ته، اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمُؤَنَّث، فَإِن خاطبت جِئْت بِالْكَاف، فَقلت: تيك وتيكما وتيكم، وَمَا قبل الْكَاف لمن تُشِير إِلَيْهِ فِي التَّذْكِير والتأنيث والثنية وَالْجمع. قَوْله: (حِين نقهت) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا أَي: حِين أَفَقْت من الْمَرَض، يُقَال: نقه نقهاً ونقوها: إِذا صَحَّ عقيب علته، وأنقهه الله فَهُوَ ناقه. قَوْله: (قبل المناصع) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، والمناصع بالنُّون وَالصَّاد وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ على وزن الْمَسَاجِد: مَوَاضِع خَارج الْمَدِينَة كَانُوا يتبرزون فِيهَا، قَالَه الْأَزْهَرِي. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي يتخلى فِيهَا لقَضَاء الْحَاجة، وَاحِدهَا منصع لِأَنَّهُ يبرز إِلَيْهَا وَيظْهر، من نصع الشَّيْء ينصع إِذا وضح وَبَان. قَوْله: (متبرزنا) ، بتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة بعْدهَا الزَّاي الْمَفْتُوحَة: وَهُوَ مَوضِع البرَاز. قَوْله: (الكنف) ، بِضَمَّتَيْنِ جمع: كنيف، وَهُوَ كل مَا ستر من بِنَاء أَو حَظِيرَة. قَوْله: (الأول) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو المخففة، ويروى بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو. قَوْله: (وَهِي ابْنة أبي رهم) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهَاء واسْمه: أنيس، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر النُّون: ابْن الْمطلب بن عبد منَاف، ذكره الزبير وَضَبطه ابْن مَاكُولَا هَكَذَا، وَيُقَال اسْمه صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة. قَوْله: (تعس) ، بِكَسْر الْعين، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَبِفَتْحِهَا قَالَه القَاضِي. قَوْله: (أَي: هنتاه) يَعْنِي: يَا هنتاه، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون النُّون وَفتحهَا، وَأما الْهَاء الْأَخِيرَة فتضم وتسكن وَهَذِه اللَّفْظَة تخْتَص بالنداء، وَمَعْنَاهُ: يَا هَذِه، وَقيل: يَا بلهاء كَأَنَّهَا نسبت إِلَى قلَّة الْمعرفَة بمكائد النَّاس وشرورهم. قَوْله: (وضيئة) ، أَي: حَسَنَة جميلَة، من الْوَضَاءَة وَهِي الْحسن. قَوْله: (إلَاّ كثرن) ، بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، ويروى: أكثرن، من
الْإِكْثَار، أَي: كثرن القَوْل الرَّدِيء عَلَيْهَا. قَوْله: (لَا يرقأ) بِالْقَافِ والهمزة، أَي: لَا يَنْقَطِع يُقَال رقا الدمع وَالدَّم والعرق يرقأ رقوء بِالضَّمِّ: إِذا سكن وَانْقطع. قَوْله: (أهلك) ، قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: وَجه الرّفْع على أَنه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: هِيَ أهلك مَا بهَا شَيْء، وَوجه النصب على تَقْدِير: إلزم أهلك. قَوْله: (لم يضيق الله عَلَيْك) قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا لم يكن عَدَاوَة وَلَا بغضاً، وَلَكِن لما رأى انزعاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الْأَمر وتقلقه بِهِ أَرَادَ إراحة خاطره وتسهيل الْأَمر عَلَيْهِ. قَوْله: (أَي بَرِيرَة) يَعْنِي: يَا بَرِيرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَهِي مولاة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (أغمصه) جملَة وَقعت صفة لقَوْله: أمرا، وَمَعْنَاهُ: أعيبها بِهِ وأطع بِهِ عَلَيْهَا، ومادته: غين مُعْجمَة وَمِيم وصاد مُهْملَة. قَوْله: (الدَّاجِن) ، بِكَسْر الْجِيم وَهِي: الشَّاة الَّتِي تقتنى فِي الْبَيْت وتعلف، وَقد تطلق على غير الشَّاة من كل مَا يألف الْبيُوت من الطير وَغَيره. قَوْله: (فاستعذر من عبد الله بن أبي) ، أَي: قَالَ من يعذرني فِيمَن أذاني فِي أَهلِي؟ وَمعنى: من يعذرني؟ وَمن يقوم بعذري إِن كافأته على قبح فعله؟ وَقيل: مَعْنَاهُ: من ينصرني؟ والعذير النَّاصِر. قَوْله: (فَقَامَ سعد بن معَاذ) ، فَإِن قلت: حَدِيث الْإِفْك كَانَ فِي الْمُريْسِيع، وَسعد قد مَاتَ قبله؟ قلت: ذكر ابْن مَنْدَه أَن سَعْدا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة خمس، وغزوة الْمُريْسِيع كَانَت فِي شعْبَان سنة خمس، فَكَأَن سَعْدا مَاتَ بعد شعْبَان من هَذِه السّنة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: يشبه أَن سَعْدا لم ينفجر جرحه إلَاّ بعد الْمُريْسِيع. قَوْله: (قلص دمعي) ، أَي: انْقَطع، قَوْله: (من البرحاء) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد، وبرحاء الْحمى وَغَيرهَا: شدَّة الْأَذَى. قَوْله: (الجمان) ، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم وَهُوَ: اللُّؤْلُؤ الصغار، وَقيل: حب يتَّخذ من الْفضة أَمْثَال اللُّؤْلُؤ. قَوْله: (من ثقل القَوْل) ، وَضَبطه ابْن التِّين بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْقَاف. قَوْله: {وَلَا يَأْتَلِ أولو الْفضل مِنْكُم} (النُّور: ٢٢) . أَي: لَا يحلف. قَوْله: (أحمى سَمْعِي وبصري) هُوَ مَأْخُوذ من الْحمى، تَقول: أحميه من المآثم إِن رَأَيْت مَا قيل، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت فِي كتاب الشَّهَادَات مستوفاة.
٤١٤٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّد قَالَ أمْلَى عَلَيَّ هِشَامُ بنُ يُوسُفَ مِنْ حِفْظِهِ قَالَ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ لي الولِيدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ أبْلَغَكَ أنَّ عَلِيَّاً كانَ فِيمَنْ قَذَفَ عائِشَةَ قُلْتُ لَا وَلاكِنْ قَدْ أخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِكَ أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ وأبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ لَهُمَا كانَ عَلِيٌّ مُسَلِّمَاً فِي شَأنِهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ السَّابِق الطَّوِيل، وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ، والوليد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْأمَوِي.
قَوْله: (أمْلى عَليّ) ، من الْإِمْلَاء. قَوْله: (من حفظه) ، فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْإِمْلَاء قد يَقع من الْكتاب. قَوْله: (قَالَ لي الْوَلِيد) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر: كنت عِنْد الْوَلِيد بن عبد الْملك ... أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (أبلغك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (قلت: لَا) ، الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ، أَي: لَا، كَانَ فِيمَن قذف عَائِشَة لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، منزه عَن أَن يَقُول مثل مقَالَة أهل الْإِفْك. قَوْله: (أَبُو سَلمَة) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَأَبُو بكر، عطف عَلَيْهِ تَقْدِيره: هما أَبُو سَلمَة وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، وَالْأولَى أَن يكون أَبُو سَلمَة عطف بَيَان، وَأَبُو بكر عطف عَلَيْهِ، وَأَرَادَ من قَوْله: (من قَوْمك) قُريْشًا، لِأَن أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن مخزومي وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف زهري يجمعهما مَعَ بني أُميَّة رَهْط الْوَلِيد مرّة بن كَعْب ابْن لؤَي بن غَالب. قَوْله: (قَالَت لَهما) ، أَي: قَالَت عَائِشَة لأبي سَلمَة وَأبي بكر. قَوْله: (مُسلما) بِكَسْر اللَّام الْمُشَدّدَة، كَذَا فِي نسخ البُخَارِيّ وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: مُسلما، بِفَتْح اللَاّم، فَالرِّوَايَة الأولى من التَّسْلِيم بِمَعْنى تَسْلِيم الْأَمر بِمَعْنى السُّكُوت، وَالثَّانيَِة من السَّلامَة من الْخَوْض فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: ويروى: مسيئاً، يَعْنِي من الْإِسَاءَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فِيهِ بعد، ورد عَلَيْهِ بِأَن عياضاً ذكر أَنه النَّسَفِيّ رَوَاهُ عَن البُخَارِيّ بِلَفْظ مسيئاً وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَليّ بن السكن عَن الْفربرِي. قلت: الظَّاهِر أَن نِسْبَة هَذِه اللَّفْظَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من حَيْثُ إِنَّه لم يقل مثل مَا قَالَ أُسَامَة بن زيد: أهلك، وَلَا نعلم إلَاّ خيرا، بل قَالَ: لم يضيق الله عَلَيْك وَالنِّسَاء
سواهَا كثير، وَمن هَذَا أَن بعض الغلاة من الناصبية تقربُوا إِلَى بني أُميَّة بِهَذِهِ اللَّفْظَة، فجزى الله تَعَالَى الزُّهْرِيّ خيرا حَيْثُ بَين للوليد بن عبد الْملك مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.
فَرَاجَعُوهُ فلَمْ يَرْجِعْ وَقَالَ مُسَلِّمَاً بِلَا شَكَّ فِيهِ وعَلَيْهِ كانَ فِي أصلِ العَتِيقِ كذَلِكَ
أَي: فراجعوا الزُّهْرِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَلم يرجع، أَي: فَلم يجب بِغَيْر ذَلِك. وَقَالَ معمر: قَالَ الزُّهْرِيّ: مُسلما بِلَا شكّ فِي هَذَا اللَّفْظ، وَزَاد أَيْضا لفظ: عَلَيْهِ، أَي: على الْوَلِيد. قَوْله: (وَقَالَ: مُسلما) أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَت عَائِشَة: قَالَ عَليّ بِلَفْظ مُسلما، لَا بِلَفْظ: مسيئاً، وَقَالَ بَعضهم: الْمُرَاجَعَة فِي ذَلِك وَقعت مَعَ هِشَام بن يُوسُف فِيمَا أَحسب، وَذَلِكَ أَن عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ عَن معمر فخالفه، فَرَوَاهُ بِلَفْظ: مسيئاً. قلت: الَّذِي فسره الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب، أَلا يرى أَن الْأصيلِيّ لما رَوَاهُ بِلَفْظ: مُسلما، قَالَ: كَذَا قرأناه؟ وَالله أعلم.
١٧٣ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن حُصَيْن عَن أبي وَائِل قَالَ حَدثنِي مَسْرُوق بن الأجدع قَالَ حَدَّثتنِي أم رُومَان وَهِي أم عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَت بَينا أَنا قَاعِدَة أَنا وَعَائِشَة إِذْ ولجت امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَت فعل الله بفلان وَفعل بفلان فَقَالَت أم رُومَان وَمَا ذَاك قَالَت ابْني فِيمَن حدث الحَدِيث قَالَت وَمَا ذَاك قَالَت كَذَا وَكَذَا قَالَت عَائِشَة سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت نعم قَالَت وَأَبُو بكر قَالَت نعم فخرت مغشيا عَلَيْهَا فَمَا أفاقت إِلَّا وَعَلَيْهَا حمى بنافض فطرحت عَلَيْهَا ثِيَابهَا فغطيتها فجَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ مَا شَأْن هَذِه قلت يَا رَسُول الله أَخَذتهَا الْحمى بنافض قَالَ فَلَعَلَّ فِي حَدِيث تحدث بِهِ قَالَت نعم فَقَعَدت عَائِشَة فَقَالَت وَالله وَلَئِن حَلَفت لَا تصدقوني وَلَئِن قلت لَا تعذروني مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون قَالَت وَانْصَرف وَلم يقل شَيْئا فَأنْزل الله عذرها قَالَت بِحَمْد الله لَا بِحَمْد أَحْمد وَلَا بحَمْدك) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن لَهُ تعلقا بِالْحَدِيثِ الطَّوِيل السَّابِق وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة الْأَزْدِيّ وَأم رُومَان بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو تقدم ذكرهَا غير مرّة والْحَدِيث مر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي بَاب قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن إِلَى آخِره وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ ولنذكر هُنَا بعض شَيْء فَقَوله حَدَّثتنِي أم رُومَان فِيهِ إِشْكَال استشكله الْخَطِيب وَآخَرُونَ لِأَن أم رُومَان مَاتَت فِي زمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ومسروق لَيست لَهُ صُحْبَة لِأَنَّهُ لم يقدم من الْيمن إِلَّا بعد موت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي خلَافَة أبي بكر أَو عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ الْخَطِيب أَيْضا كَانَ مَسْرُوق يُرْسل هَذَا الحَدِيث عَن أم رُومَان وَيَقُول سُئِلت أم رُومَان فَوَهم حُصَيْن فِيهِ حَيْثُ جعل السَّائِل لَهَا مسروقا أَو يكون بعض النقلَة كتب سُئِلت بِالْألف فَصَارَت سَأَلت فَقَرَأت بِفتْحَتَيْنِ قَالَ عَليّ أَن بعض الروَاة قد رَوَاهُ عَن حُصَيْن على الصَّوَاب يَعْنِي بالعنعنة قَالَ وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِنَاء على ظَاهر الِاتِّصَال وَلم تظهر لَهُ علته انْتهى ورد على الْخَطِيب وَمن تبعه بِوَجْهَيْنِ الأول أَن مستندهم فِي تَارِيخ وَفَاة أم رُومَان عَن الْوَاقِدِيّ فَلَا يضر ذَلِك الْإِسْنَاد الصَّحِيح (الثَّانِي) ذكر أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ أَن أم رُومَان عاشت بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيُؤَيّد هَذَا مَا تقدم فِي عَلَامَات النُّبُوَّة من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فِي قصَّة أضياف أبي بكر قَالَ عبد الرَّحْمَن وَإِنَّمَا هُوَ أَنا وَأبي وَأمي
وامرأتي وخادم وَفِي كتاب الْأَدَب عِنْد البُخَارِيّ فَلَمَّا جَاءَ أَبُو بكر قَالَت لَهُ أُمِّي احْتبست عَن أضيافك الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن وَفَاة أم رُومَان تَأَخَّرت إِلَى زمن بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله إِذْ ولجت أَي إِذْ دخلت وَكلمَة إِذْ جَوَاب قَوْله بَينا قَوْله " حمى بنافض " النافض من الْحمى ذَات الرعدة قَوْله " فِي حَدِيث تحدث " بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " لَئِن حَلَفت " أَي على براءتي قَوْله " لَا تصدقوني " ويروى لَا تصدقونني قَوْله لَا تعذروني أَي لَا تقبلُوا مني الْعذر قَوْله " وَانْصَرف " أَي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
٤١٤٤ - حدَّثني يَحْيَى حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ نَافِعِ بنِ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا كانَتْ تَقْرَأُ {إذْ تلِقُونَهُ بألْسِنَتِكُمْ} (النُّور: ١٥) . وتقُولُ الوَلْقُ الكَذِبُ.
قَالَ ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ وكانَتْ أعْلَمَ مِنْ غَيْرِهَا بِذَلِكَ لأِنَّهُ نَزَلَ فِيهَا. (الحَدِيث ٤١٤٤ طرفه فِي: ٤٧٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الَّذِي قبله. وَيحيى هُوَ ابْن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، ووكيع ابْن الْجراح، وَنَافِع بن عمر بن عبد الله الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، يروي عَن عبد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم.
قَوْله: (إِذْ تلقونه) يَعْنِي: تقْرَأ بِكَسْر اللَّام وَضم الْقَاف المخففة، وفسرته بقولِهَا: من الولق وَهُوَ: الْكَذِب، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ الْإِسْرَاع فِي الْكَذِب، وَقيل: هُوَ الِاسْتِمْرَار فِيهِ، وأصل: تلقونه، تولقونه، حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الكسرة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف فِي فعل الْغَائِب، وحذفت فِي فعل الْمُخَاطب وَغَيره طرداً للباب. قَوْله: (وَكَانَت أعلم من غَيرهَا) أَي: وَكَانَت عَائِشَة أعلم بِهَذِهِ الْقِرَاءَة من غَيرهَا، وَقِرَاءَة الْعَامَّة: إِذْ تلقونه، بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْقَاف من التلقي، وَأَصله: إِذْ تتلقونه، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
٤١٤٥ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ قَالَ ذَهَبْتُ أسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عائِشَةَ فقالَتْ لَا تَسُبَّهُ فإنَّهُ كانَ يُنافِحُ عَنْ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وقالَتْ عائِشَةُ اسْتَأذَنَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ قالَ كَيْفَ بِنَسَبي قالَ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٣١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حسانا مَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب، وَعَبدَة بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي، وَكَانَ اسْمه عبد الرَّحْمَن فغلب عَلَيْهِ لقبه عَبدة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن عَبدة وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة.
قَوْله: (ينافح) بِالْحَاء الْمُهْملَة، يُقَال: نافحت عَن فلَان إِذا خَاصَمت عَنهُ. قَوْله: (كَيفَ بنسبي؟) أَي: تعْمل فِي أَمر نسبي، إِذا هجوت قُريْشًا من الْمُشْركين؟
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بنُ عُقْبَةَ وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ فَرْقَدٍ سَمِعْتُ هِشَاماً عنْ أبِيهِ قَالَ سَبَبْتُ حَسَّانَ وكانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَيْهَا
مُحَمَّد بن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة: أَبُو جَعْفَر الطَّحَّان الْكُوفِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، علق عَنهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي: حَدثنَا مُحَمَّد بِغَيْر نِسْبَة، وَعرف نسبه من الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَعُثْمَان بن فرقد، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ، وَله حَدِيث آخر تقدم فِي أَوَاخِر الْبيُوع. قَوْله: (وَكَانَ مِمَّن كثر) بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة من التكثير (عَلَيْهَا) ، أَي: على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي ذكر قَضِيَّة الْإِفْك، فَلذَلِك كَانَ عُرْوَة يسبه.
١٧٦ - (حَدثنِي بشر بن خَالِد أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق قَالَ دَخَلنَا على عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَعِنْدهَا حسان بن ثَابت ينشدها شعرًا يشبب بِأَبْيَات لَهُ وَقَالَ
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لُحُوم الغوافل)
فَقَالَت لَهُ عَائِشَة لكنك لست كَذَلِك قَالَ مَسْرُوق فَقلت لَهَا لم تَأْذَنِي لَهُ أَن يدْخل عَلَيْك وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم} فَقَالَت وَأي عَذَاب أَشد من الْعَمى قَالَت لَهُ إِنَّه كَانَ ينافح أَو يهاجي عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث الْمَاضِي وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن خَالِد أَبُو مُحَمَّد العسكري الْفَرَائِضِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَمُحَمّد بن جَعْفَر وَهُوَ الملقب بغندر وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش وَأَبُو الضُّحَى بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة اسْمه مُسلم بن صبيح الْكُوفِي والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن بشر بن خَالِد وَعَن مُحَمَّد بن مثنى قَوْله يشبب بالشين الْمُعْجَمَة من التشبيب وَهُوَ ذكر الشَّاعِر مَا يتَعَلَّق بالغزل وَنَحْوه قَوْله حصان إِلَى آخِره وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل وحصان بِفَتْح الْحَاء أَي عفيفة تمْتَنع من الرِّجَال قَوْله رزان بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الزَّاي أَي صَاحِبَة الْوَقار وَقيل يُقَال امْرَأَة رزان إِذا كَانَت رزينة فِي مجلسها والرزان والثقال بِمَعْنى وَاحِد وَهِي قَليلَة الْحَرَكَة وَكِلَاهُمَا على وزن فعال بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ يكثر فِي أَوْصَاف الْمُؤَنَّث وَفِي الْأَعْلَام قَوْله " مَا تزن " بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الزَّاي وَتَشْديد النُّون أَي مَا تتهم بريبة يُقَال أزننت الرجل إِذا اتهمته بريبة والريبة بِكَسْر الرَّاء التُّهْمَة قَوْله " غرثى " بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة أَي جائعة يَعْنِي لَا تغتاب النَّاس إِذْ لَو كَانَت مغتابة لكَانَتْ آكِلَة من لحم أَخِيهَا فَتكون شبعانة لَا جوعانة وَيُقَال رجل غرثان وَامْرَأَة غرثى وَيُقَال وتصبح غرثى أَي خميصة الْبَطن من لُحُوم الغوافل وَهن العفيفات قَالَ تَعَالَى {إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات} جَعلهنَّ الله غافلات لِأَن الَّذِي رمين بِهِ من الشَّرّ لم يهمن بِهِ قطّ وَلَا خطر على قلوبهن فهن فِي غَفلَة عَنهُ وَهَذَا أبلغ مَا يكون من الْوَصْف بالعفاف قَوْله لكنك لست كَذَلِك الْخطاب لحسان فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه اغتاب عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حِين وَقعت قصَّة الْإِفْك وَقد عمي فِي آخر عمره قَوْله فَقلت لَهَا أَي لعَائِشَة لم تَأْذَنِي لَهُ أَي لحسان قَوْله أَن يدْخل أَي بِأَن يدْخل وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة قَوْله أَنه كَانَ ينافح أَي أَن حسان كَانَ يذب عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالشعر ويخاصم عَنهُ -
٣٦ - (بابُ غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بَاب عمْرَة الْحُدَيْبِيَة بدل غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَهِي بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ الْأَصْمَعِي هِيَ مُخَفّفَة الْيَاء الْأَخِيرَة وَزعم صَاحب تثقيف اللِّسَان أَن تشديدها لحن، وَقَالَ أَبُو الْخطاب خفف ياءها المتقنون وَعَامة الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء يشد دونهَا وَهِي قَرْيَة لَيست بالكبيرة سميت ببئر هُنَاكَ عِنْد مَسْجِد الشَّجَرَة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة تسع مراحل ومرحلة إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى والشجرة سَمُرَة بَايع الصَّحَابَة تحتهَا قَالَ مَالك هِيَ من الْحرم وَقَالَ ابْن الْقصار بَعْضهَا من الْحل وَبَعضهَا من الْحرم وَكَانَ يضارب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحل وَمُصَلَّاهُ فِي الْحرم وَقَالَ الْخطابِيّ: أهل الحَدِيث يشددونها وَكَذَلِكَ رَاء الْجِعِرَّانَة وَأهل الْعَرَبيَّة يخففونها وَقَالَ الْبكْرِيّ أهل الْعرَاق يشددون الْيَاء وَأهل الْحجاز يخففونها وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس سَأَلت كل من لَقيته مِمَّن أَثِق بِعِلْمِهِ عَن الْحُدَيْبِيَة فَلم يَخْتَلِفُوا على أَنَّهَا بِالتَّخْفِيفِ وَقيل سميت الْحُدَيْبِيَة بشجرة هُنَاكَ حدباء فصغرت.
وقوْلِ الله تعَالى لَقَدْ رضِيَ الله عنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَأَرَادَ بِذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهَا نزلت فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة وَقد مر بَيَان قصَّة الْحُدَيْبِيَة فِي كتاب الصُّلْح فِي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وَكَانَت فِي هِلَال ذِي الْقعدَة يَوْم الِاثْنَيْنِ سنة سِتّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَإِلَيْهِ ذهب الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة وَابْن عقبَة وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهم وَاخْتلف فِيهِ على عُرْوَة فَقيل مثل الْجَمَاعَة وَقيل فِي رَمَضَان فروى عَنهُ خرج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَمَضَان وَكَانَت الْعمرَة فِي شَوَّال وَقَالَ ابْن سعد وَلم يخرج
رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَه بسلاح إِلَّا السيوف فِي الْقرب وسَاق سبعين بَدَنَة فِيهَا جمل أبي جهل الَّذِي غنمه يَوْم بدر وَمَعَهُ من الْمُسلمين ألف وسِتمِائَة وَيُقَال ألف وَأَرْبَعمِائَة وَيُقَال خَمْسمِائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ رجلا وَمَعَهُ أم سَلمَة قَالَ الْحَاكِم وَالْقلب أميل إِلَى رِوَايَة من روى الْفَا وَخَمْسمِائة لاشتهاره ولمتابعة الْمسيب بن حزن لَهُ فِيهِ قَالَ وَرِوَايَة مُوسَى بن عقبَة كَانُوا ألفا وسِتمِائَة وَلم يُتَابع عَلَيْهَا. قلت: قَالَه أَبُو معشر وَأَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي قَالَ وروى عَن عبد الله بن أبي أوفى أَنهم كَانُوا ألفا وثلاثمائة وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة الْبَراء أَنهم كَانُوا ألفا وَأَرْبَعمِائَة. فَإِن قلت: مَا وَجه التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: الْوَجْه فِيهِ أَن بَعضهم ضم إِلَيْهِم النِّسَاء والاتباع وَبَعْضهمْ حذف وَقَالَ ابْن دحْيَة اخْتِلَاف الرِّوَايَات لِأَن ذَلِك من بَاب الْحِرْز والتخمين لَا من بَاب التَّحْدِيد.
٤١٤٧ - حدَّثني خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حدَّثنَا سُلَيْمَانُ بنُ بِلالٍ قَالَ حدَّثنِي صالِحُ بنُ كَيْسَانَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ الحُدَيْبِيَةِ فأصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ فصَلَّى لَنَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصُّبْحَ ثُمَّ أقْبَلَ علَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقال أتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قُلْنَا الله ورسُولُهُ أعْلَمُ فَقال قَالَ الله أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤمِنٌ بِي وكَافِرٌ بِي فأمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ الله وبِرِزْقِ الله وبِفَضْلِ الله فهْوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بالْكَوْكَبِ وأمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا فَهْوَ مُؤْمِنٌ بالْكَوْكَبِ كافِرٌ بِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله خرجنَا عَام الْحُدَيْبِيَة وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام البَجلِيّ الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم.
٤١٤٨ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ أنَسَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أخْبَرَهُ قالَ اعْتَمَرَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْبَعَ عُمَر كُلُّهُنَّ فِي ذِي القَعْدَةِ إلَاّ الَّتِي كانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَةً مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَةً مِنَ الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله من الْحُدَيْبِيَة وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم الأولى ابْن يحيى الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي بَاب كم اعْتَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حسان بن حسان عَن همام عَن قَتَادَة إِلَى آخِره قَوْله: (عمْرَة من الْحُدَيْبِيَة) مُرَاده أَن عمْرَة الْحصْر عَن الطّواف محسوبة بِعُمْرَة وان لم يتم مناسكها قَوْله (من الْجِعِرَّانَة) بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَقد تشدد كَمَا مر هُنَاكَ فَإِن قلت: ذكر فِي الْجِهَاد فِي بَاب مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعْطى الْمُؤَلّفَة، قَالَ نَافِع وَلم يعْتَمر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْجِعِرَّانَة وَلَو اعْتَمر لم يخف على عبد الله بن عمر قلت: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لاحْتِمَال غيبته فِي ذَلِك الْوَقْت أَو نسيانه.
٤١٤٩ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ الرُّبِيعِ حدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ عنْ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قتَادَةَ أنَّ أبَاهُ حدَّثَهُ قَالَ انْطَلَقْنَا معَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ الحُدَيْبِيَةِ فأحْرَمَ أصْحَابُهُ ولَمْ أُحْرِمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَسَعِيد بن الرّبيع بِفَتْح الرَّاء العامري وعَلى بن الْمُبَارك الْهَبَّاري الْبَصْرِيّ وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير اليمامي الطَّائِي وَعبد الله بن أبي قَتَادَة يروي عَن أَبِيه أبي قَتَادَة وَفِي اسْمه أَقْوَال وَالْأَشْهر الْحَرْث بن ربعي الْأنْصَارِيّ الخزرجي والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي كتاب الْحَج فِي بَاب إِذا صَاد الْحَلَال فأهدى للْمحرمِ الصَّيْد أكله.
//
١٨٠ - (حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء رَضِي الله عَنهُ قَالَ تَعدونَ أَنْتُم الْفَتْح فتح مَكَّة وَقد كَانَ فتح مَكَّة فتحا وَنحن نعد الْفَتْح بيعَة الرضْوَان يَوْم الْحُدَيْبِيَة كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَربع عشرَة مائَة وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر فنزحناها فَلم نَتْرُك فِيهَا قَطْرَة فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَتَاهَا فَجَلَسَ على شفيرها ثمَّ دَعَا بِإِنَاء من مَاء فَتَوَضَّأ ثمَّ مضمض ودعا ثمَّ صبه فِيهَا فتركناها غير بعيد ثمَّ إِنَّهَا أصدرتنا مَا شِئْنَا نَحن وركابنا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب قَوْله " تَعدونَ أَنْتُم الْفَتْح فتح مَكَّة " أَي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا} وَقد كَانَ فتحا وَلَكِن بيعَة الرضْوَان هِيَ الْفَتْح الْعَظِيم لِأَنَّهَا كَانَت مُقَدّمَة لفتح مَكَّة وسببا لرضوان الله تَعَالَى وَذكر ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ قَالَ لم يكن فِي الْإِسْلَام فتح قبل فتح الْحُدَيْبِيَة أعظم مِنْهُ قَوْله " أَربع عشرَة مائَة " وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال ألفا وَأَرْبَعمِائَة لَكِن الْغَرَض مِنْهُ الْإِشْعَار بِأَن الْجَيْش كَانَ منقسما إِلَى المآت وَكَانَت كل مائَة ممتازة عَن الْأُخْرَى وَقد مر الْكَلَام عَن قريب فِي اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي الْعدَد قَوْله " وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر " أَي اسْم بِئْر ثمَّ عرف الْمَكَان كُله بذلك قَوْله " فنزحناها " كَذَا فِي الْأُصُول وَذكره ابْن التِّين بِلَفْظ " فنزفناها " ثمَّ قَالَ النزف والنزح وَاحِد وَهُوَ أَخذ المَاء شَيْئا فَشَيْئًا قَوْله " فتركناها غير بعيد " أَرَادَ أَنهم تركوها قدر سَاعَة يدل عَلَيْهِ رِوَايَة زُهَيْر فَدَعَا ثمَّ قَالَ دَعُوهَا سَاعَة قَوْله " أصدرتنا " من الإصدار يُقَال أصدرته فصدر أَي أرجعته فَرجع قَوْله " مَا شِئْنَا " أَي الْقدر الَّذِي أردنَا شربه والركاب بِكَسْر الرَّاء الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا -
٤١٥١ - حدَّثني فَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ حدَّثنَا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أعْيُنَ أبُو عَلِيٍّ الحَرَّانِيُّ حدَّثنَا زُهَيْرٌ حدَّثَنَا أبُو إسْحَاقَ قَالَ أنْبَأنَا البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُمْ كانُوا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ألْفَاً وأرْبَعَمِائَةٍ أوْ أكْثَرَ فنَزَلُوا علَى بِئْرٍ فنَزَحُوهَا فأتَوْا رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأتَى البِئْرَ وقَعَدَ علَى شَفِيرِهَا ثُمَّ قَال ائْتُونِي بِدَلوٍ مِنْ مَائِها فأُتِيَ بِهِ فبَصَقَ فدَعَا ثُمَّ قَالَ دَعُوهَا سَاعَة فأرْوَوْا أنْفُسَهُمْ ورِكابَهُمْ حتَّى ارْتَحَلُوا. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٧٧ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث الْبَراء أخرجه عَن فضل، بالضاد الْمُعْجَمَة: ابْن يَعْقُوب الرخامي الْبَغْدَادِيّ، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. قَوْله: (فبصق) ، وَيُقَال فِيهِ: بسق وبزق.
٤١٥٢ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدَّثَنَا حُصَيْنٌ عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فتَوَضَّأَ مِنْهَا ثُمَّ أقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا لَكُمْ قالُوا يَا رسُولَ الله لَيْسَ عِنْدَنَا ماءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ ولَا نَشْرَبُ إلَاّ مَا فِي رَكْوَتِكَ قَالَ فوَضَعَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أصَابِعِهِ كأمْثَالِ الْعُيُونِ قَالَ فشَرِبْنَا وتَوَضَّأنَا فقُلْتُ لِجَابِرٍ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ ألْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشَرَةَ مِائَةً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَوْم الْحُدَيْبِيَة) ، ويوسف بن عِيسَى أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا يروي عَن مُحَمَّد بن
فُضَيْل مصغر فضل، بِالْمُعْجَمَةِ عَن حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: أبي عبد الرَّحْمَن عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر بن عبد الله.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن حُصَيْن ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، فَإِن قلت: حَدِيث جَابر هَذَا مُغَاير لحَدِيث الْبَراء الْمُتَقَدّم على مَا لَا يخفى. قلت: وَقع ذَلِك فِي وَقْتَيْنِ، وَذكر فِي الْأَشْرِبَة أَن حَدِيث جَابر فِي نبع المَاء كَانَ حِين حضرت صَلَاة الْعَصْر عِنْد إِرَادَة الْوضُوء، وَحَدِيث الْبَراء كَانَ لإِرَادَة مَا هُوَ أَعم من ذَلِك، وَقيل: يحْتَمل أَنهم لما توضؤا من المَاء الَّذِي نبع من بَين أَصَابِعه وَيَده فِي الركوة صب المَاء الَّذِي بَقِي مِنْهَا فِي الْبِئْر ففار المَاء فِيهَا وَكثر.
٤١٥٣ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّد حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتَادَةَ قُلْتُ لِ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ بلَغَنِي أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْد الله كانَ يَقُولُ كانُوا أرْبَعَةَ عشْرَةَ مِائَةً فقَال لي سَعِيدٌ حدَّثنِي جابرٌ كانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةَ الَّذِينَ بايَعُوا النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر أخرجه عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الخاركي الْبَصْرِيّ عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر الزَّرْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ... إِلَى آخِره، وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ بَين الرِّوَايَتَيْنِ لِأَن كلا يَحْكِي على مَا ظَنّه، وَلَعَلَّ بَعضهم اعْتبر الأكابر وَبَعْضهمْ الأوساط وَبَعْضهمْ الأصاغر، على أَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد. قَوْله: (فَقَالَ لي سعيد) مقول قَتَادَة، أَي: قَالَ لي سعيد بن الْمسيب: حَدثنِي جَابر ... إِلَى آخِره.
تابَعَهُ أبُو دَاوُدَ حدَّثنَا قُرَّةُ عنْ قَتَادَةَ
أَي: تَابع الصَّلْت شيخ البُخَارِيّ فِي رِوَايَته أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن قُرَّة بن خَالِد عَن قَتَادَة، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَمْرو بن عَليّ الفلاس عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن قُرَّة عَن قَتَادَة، قَالَ: سَأَلت سعيد بن الْمسيب: كم كَانُوا فِي بيعَة الرضْوَان؟ فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ أوهم يرحمه الله هُوَ حَدثنِي أَنهم كَانُوا ألفا وَخَمْسمِائة. وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: حَدِيث أبي دَاوُد مَشْهُور عَنهُ، وَأما حَدِيث سعيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة فَإِن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد رَوَاهُ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَقَالَ فِيهِ: نسي جَابر، كَانُوا خمس عشرَة مائَة، وَلم يقل فِيهِ: حَدثنِي، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُوسَى وَبُنْدَار عَن ابْن أبي عدي عَن سعيد كَرِوَايَة الْعَبَّاس.
٤١٥٤ - حدَّثنا أبُو دَاوُدَ حدَّثَنَا شُعْبَةُ. حدَّثَنَا عَلِيٌّ حدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌ وسَمِعْتُ جَابِرَ ابنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ لنا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ أنْتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وكُنَّا ألْفَاً وأرْبَعَمِائَةٍ ولَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكانَ الشَّجَرَةِ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن عبد الله ... إِلَى آخِره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن عَمْرو وَآخَرين، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور.
قَوْله: (أَنْتُم خير أهل الأَرْض) ، هَذَا يدل صَرِيحًا على فضل أهل الشَّجَرَة، وهم الَّذين بَايعُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحتهَا، وهم أهل بيعَة الرضْوَان. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَلم يرد دُخُول نَفسه فيهم، وَاحْتج بِهِ بعض الشِّيعَة فِي تَفْضِيل عَليّ على عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لِأَن عليا كَانَ حَاضرا وَعُثْمَان كَانَ غَائِبا بِمَكَّة، ورد بِأَن عُثْمَان كَانَ فِي حكم من دخل تَحت الْخطاب لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بَايع عَنهُ وَهُوَ غَائِب، فَدخل عُثْمَان فيهم، وَلم يقْصد فِي الحَدِيث تَفْضِيل بَعضهم على بعض، وَاحْتج بِهِ بَعضهم على أَن الْخضر، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ بِنَبِي، لِأَنَّهُ لَو كَانَ حَيا مَعَ ثُبُوت كَونه نَبيا للَزِمَ تَفْضِيل غير النَّبِي على النَّبِي، وَهَذَا بَاطِل، فَدلَّ على أَنه لَيْسَ بحي حِينَئِذٍ، وَأجَاب من زعم أَنه نَبِي وَأَنه حَيّ بِثُبُوت الْأَدِلَّة الْوَاضِحَة على نبوته، وَأَنه كَانَ حَاضرا مَعَهم، وَلم يقْصد تَفْضِيل بعض على بعض، وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي الْبَحْر، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا جَوَاب سَاقِط. قلت: لَا نسلم سُقُوطه لعدم الْمَانِع من ذَلِك، وَادّعى ابْن التِّين أَنه حَيّ وَبنى عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ بِنَبِي
لدُخُوله فِي عُمُوم من فضل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الشَّجَرَة عَلَيْهِم، ورد عَلَيْهِ بِأَن إِنْكَاره نبوة خضر غير صَحِيح لما ذكرنَا، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي (تاريخنا الْكَبِير) . وَزعم ابْن التِّين أَيْضا أَن إلْيَاس، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ بِنَبِي، وَبِنَاء على قَول من زعم أَنه حَيّ. قلت: لم يَصح أَنه كَانَ حَيا حِينَئِذٍ، وَلَئِن سلمنَا حَيَاته حِينَئِذٍ فَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ الْآن فِي حق الْخضر، وَأما نفي نبوته فَبَاطِل لِأَن الْقُرْآن نطق بِأَنَّهُ {كَانَ من الْمُرْسلين} فَلَا يُمكن أَن يكون مُرْسلا وَهُوَ غير نَبِي. قَوْله: (وَلَو كنت أبْصر الْيَوْم) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ عمي فِي آخر عمره. قَوْله: (لَأَرَيْتُكُمْ) ، من الإراءة. قَوْله: (مَكَان الشَّجَرَة) ، وَهِي شَجَرَة سمة الَّتِي بَايَعت الصَّحَابَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحتهَا.
تابَعَهُ الأعْمَشُ سَمِعَ سالِمَاً سَمِعَ جابِراً ألْفَاً وأرْبَعَمِائَةٍ
أَي: تَابع سُفْيَان بن عُيَيْنَة سُلَيْمَان الْأَعْمَش فِي رِوَايَته: ألفا وَأَرْبَعمِائَة، لِأَنَّهُ سمع سَالم بن أبي الْجَعْد أَنه سمع جَابِرا يَقُول: ألفا وَأَرْبَعمِائَة، وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا البُخَارِيّ فِي آخر كتاب الْأَشْرِبَة، بأتم مِنْهُ.
٤١٥٥ - وَقَالَ عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ حدَّثنَا أبِي حدَّثَنَا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ حدَّثَنِي عَبْدُ الله بنُ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما كانَ أصْحَابُ الشَّجَرَةِ ألْفَاً وثَلَاثَمِائَةٍ وكانَتْ أسْلَمُ ثُمُنَ المُهَاجِرِينَ.
هَذَا التَّعْلِيق مَوْقُوف أخرجه عَن عبيد الله بن معَاذ، بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة، عَن أَبِيه معَاذ بن معَاذ بن نصر التَّمِيمِي الْعَنْبَري قَاضِي الْبَصْرَة عَن شُعْبَة عَن عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: عَن عبد الله بن أبي أوفى الصَّحَابِيّ وَأَبُو أوفى اسْمه عَلْقَمَة الْأَسْلَمِيّ.
وَأخرجه مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا عبيد الله بن معَاذ ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (أسلم) ، بِلَفْظ الْمَاضِي: قَبيلَة، وَقَالَ الرشاطي، هَذَا فِي خُزَاعَة وَفِي مذْحج وَفِي بجيلة. قَوْله: (ثمن الْمُهَاجِرين) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم وَبِضَمِّهَا، قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة من أسلم مائَة رجل، فعلى هَذَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ ثَمَانمِائَة، وَالله أعلم.
تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثَنا أبُو داوُدَ حدَّثَنَا شُعْبَةُ
أَي: تَابع عبيد الله بن معَاذ بن مُحَمَّد بن بشار الملقب ببندار عَن أبي سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي عبد الْكَرِيم عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه مُسلم عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي دَاوُد بِهِ.
١٨٥ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أخبرنَا عِيسَى عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس أَنه سمع مرداسا الْأَسْلَمِيّ يَقُول وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة يقبض الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حفالة كحفالة التَّمْر وَالشعِير لَا يعبأ الله بهم شَيْئا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة وَعِيسَى هُوَ ابْن يُونُس وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم ومرداس بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن مَالك الْأَسْلَمِيّ الْكُوفِي وَحَدِيثه هَذَا مَوْقُوف وَأوردهُ البُخَارِيّ فِي الرقَاق من طَرِيق بَيَان عَن قيس مَرْفُوعا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَلَا يعرف أَنه روى عَنهُ إِلَّا قيس بن أبي حَازِم قَالَه بَعضهم وَقَالَ أَبُو عمر لَيْسَ لَهُ حَدِيث عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَّا هَذَا الحَدِيث قَوْله " الأول فَالْأول " قَالَ الْكرْمَانِي أَي الْأَصْلَح فالأصلح (قلت) الأول مَرْفُوع بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره يذهب الأول وَقَوله فَالْأول عطف عَلَيْهِ وَحَاصِل الْمَعْنى يذهب الصالحون من وَجه الأَرْض أَولا فأولا قَوْله " وَتبقى حفالة " بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء المخففة أَي تبقى على وَجه الأَرْض بعد ذهَاب الصَّالِحين رذالة من النَّاس كرديء التَّمْر ونفايته وَهُوَ مثل الحثالة بالثاء الْمُثَلَّثَة مَوضِع الْفَاء قَالَ ابْن الْأَثِير الحثالة الرَّدِيء من كل شَيْء وَمِنْه حثالة الشّعير والأرز وَالتَّمْر وكل ذِي قشر وَيُقَال هُوَ من حفالتهم وَمن حثالتهم أَي مِمَّن لَا خير فِيهِ مِنْهُم وَقيل هُوَ الرذال من كل شَيْء وَالْفَاء والثاء كثيرا يتعاقبان نَحْو ثوم وفوم وَفِي التَّوْضِيح وَفِي غير البُخَارِيّ حثالة بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهِي أشهر
كَمَا قَالَ الْخطابِيّ وَالْجَمَاعَة على أَنَّهُمَا بِمَعْنى قَوْله " لَا يعبأ الله بهم شَيْئا " أَي لَا يبال بهم أَي لَيْسَ لَهُم منزلَة عِنْده وَقَالَ الْجَوْهَرِي مَا عبأت بفلان عبأ أَي مَا باليت بِهِ
٤١٥٨ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوَانَ والمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةً قالَا خرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ الحُدَيْبِيَّةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أصْحَابِهِ فَلَمَّا كانَ بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وأشْعَرَ وأحْرَمَ مِنْهَا لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ سُفْيَانَ حتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَا أحْفَظُ مِنَ الزُّهْرِيِّ الإشْعَارَ والتَّقْلِيدَ فَلَا أدْرِي يَعْنِي مَوْضِعَ الإشْعَارِ والتَّقْلِيدِ أوِ الحَدِيثَ كُلَّهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَام الْحُدَيْبِيَة) . وعَلى بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، ومروان هُوَ ابْن الحكم، والمسور، بِكَسْر الْمِيم: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله ... إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي بأتم مِنْهُ فِي هَذَا الْبَاب.
قَوْله: (قلد الْهَدْي) ، من التَّقْلِيد وَهُوَ أَن يُقَلّد فِي عنق الْبَدنَة شَيْء ليعلم أَنه هدي. قَوْله: (وأشعر) ، من الْإِشْعَار. وَهُوَ أَن يضْرب صفحة سَنَام الْبَدنَة الْيُمْنَى بحديدة فيلطخها بِالدَّمِ ليشعر بِهِ أَنَّهَا هدي. قَوْله: (لَا أحصي) إِلَى آخِره، من كَلَام عَليّ بن عبد الله شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (حَتَّى سمعته) أَي: حَتَّى سَمِعت سُفْيَان يَقُول: لَا أحفظ إِنَّمَا كَرَّرَه للتَّأْكِيد. قَوْله: (من الزُّهْرِيّ) ، وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الرَّاوِي. قَوْله: (الْإِشْعَار) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول: لَا أحفظ (والتقليد) بِالنّصب أَيْضا عطف عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: لَا أحصي كم مرّة سَمِعت الحَدِيث من سُفْيَان، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: لَا أحصي كم عددا سمعته أخمسمائة أم أَرْبَعمِائَة أم ثَلَاثمِائَة! وَتعقب عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن حَدِيث سُفْيَان هَذَا لَيْسَ فِيهِ تعرض للتردد فِي عَددهمْ، بل الطّرق كلهَا جازمة بِأَن الزُّهْرِيّ قَالَ فِي رِوَايَته: كَانُوا بضع عشرَة مائَة، وَكَذَلِكَ كل من رَوَاهُ عَن سُفْيَان، وَإِنَّمَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك فِي حَدِيث جَابر والبراء. انْتهى. قلت: تعقبه ظَاهر، وَلَكِن الِاحْتِمَال غير مَدْفُوع لعدم الْجَزْم بِهِ.
٤١٥٩ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ خَلَفٍ قَالَ حدَّثَنا إسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ عنْ أبِي بِشْرٍ ورْقَاءَ عَنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ حدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي لَيْلَى عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رآهُ وقَمْلُهُ يَسْقُطُ علَى وَجْهِهِ فَقَالَ أيُؤذِيكَ هَوَامُكَ قَالَ نَعَمْ فأمَرَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَحْلِقَ وهْوَ بالحُدَيْبِيَّةِ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أنَّهُمْ يحِلُّونَ بِهَا وهُمْ على طَمَعٍ أنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فأنْزَلَ الله الفِدْيَةَ فأمَرَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أوْ يُهْدِيَ شَاةً أوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية) وَالْحسن بن خلف، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام: أَبُو عَليّ الوَاسِطِيّ مَاتَ سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ ثِقَة وَمَا لَهُ عَنهُ فِي (الصَّحِيح) سوى هَذَا الْموضع، وَإِسْحَاق بن يُوسُف ابْن يَعْقُوب الْأَزْرَق الوَاسِطِيّ، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: اسْمه وَرْقَاء، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وبالقاف، وَالْمدّ: ابْن عمر بن كُلَيْب الْيَشْكُرِي، وَيُقَال الشَّيْبَانِيّ، وَأَصله من خوارزم، وَيُقَال: من الْكُوفَة، سكن الْمَدَائِن، يروي عَن عبد الله بن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه: يسَار ضد الْيَمين.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب النّسك بِشَاة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فرقا) ، بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وَقد تسكن، وَهُوَ مكيال يسع سِتَّة عشر رطلا.
١٨٨ - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله قَالَ حَدثنِي مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ
خرجت مَعَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ إِلَى السُّوق فلحقت عمر امْرَأَة شَابة فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هلك زَوجي وَترك صبية صغَارًا وَالله مَا ينضجون كُرَاعًا وَلَا لَهُم زرع وَلَا ضرع وخشيت أَن تأكلهم الضبع وَأَنا بنت خفاف بن إِيمَاء الْغِفَارِيّ وَقد شهد أبي الْحُدَيْبِيَة مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَوقف مَعهَا عمر وَلم يمض ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بِنسَب قريب ثمَّ انْصَرف إِلَى بعير ظهير كَانَ مربوطا فِي الدَّار فَحمل عَلَيْهِ غرارتين ملأهما طَعَاما وَحمل بَينهمَا نَفَقَة وثيابا ثمَّ ناولها بخطامه ثمَّ قَالَ اقتاديه فَلَنْ يفنى حَتَّى يأتيكم الله بِخَير فَقَالَ رجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أكثرت لَهَا قَالَ عمر ثكلتك أمك وَالله إِنِّي لأرى أَبَا هَذِه وأخاها قد حاصرا حصنا زَمَانا فافتتحاه ثمَّ أَصْبَحْنَا نستفيء سهمانهما فِيهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَقد شهد أبي الْحُدَيْبِيَة وَأسلم وَالِد زيد مولى عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ من سبي الْيمن وَيُقَال من سبي عين التَّمْر ابتاعه عمر بِمَكَّة سنة إِحْدَى عشرَة قَوْله " فلحقت عمر امْرَأَة شَابة " وَفِي رِوَايَة معن عَن مَالك عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فلقينا امْرَأَة فتشبثت بثيابه وَفِي طَرِيق سعيد بن دَاوُد عَن مَالك فتعلقت بثيابه وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ إِنِّي امْرَأَة مؤتمة قَوْله " صبية " بِكَسْر الصَّاد وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة جمع صبي قَوْله " مَا ينضجون كُرَاعًا " بِضَم الْيَاء وَسُكُون النُّون وَكسر الصَّاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا جِيم يَعْنِي لَا كرَاع لَهُم حَتَّى ينضجونه أَو لَا كِفَايَة لَهُم فِي تَرْتِيب مَا يَأْكُلُونَهُ أَو لَا يقدرُونَ على الإنضاج يَعْنِي أَنهم لَو حاولوا نضج كرَاع مَا قدرُوا لصغرهم والكراع من الدَّوَابّ مَا دون الكعب وَمن الْإِنْسَان مَا دون الرّكْبَة قَوْله " وَلَا لَهُم زرع " أَي نَبَات قَوْله وَلَا ضرع كِنَايَة عَن النعم قَوْله " أَن تأكلهم الضبع " بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة السّنة المجدبة الشَّدِيدَة وَأَيْضًا الْحَيَوَان الْمَشْهُور وَقَالَ الدَّاودِيّ سميت بذلك لِأَنَّهُ يكثر الْمَوْتَى فِيهَا حَتَّى لَا يقبر أحدهم فتأكله الضبع وَغَيرهَا قيل فِيهِ نظر قَوْله " وَأَنا بنت خفاف " بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الأولى ابْن إِيمَاء بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمد وَقيل أَيّمَا بِالْفَتْح وَالْقصر وَهُوَ منصرف ابْن رحضة بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن خُزَيْمَة بن خلان بن الْحَارِث بن غفار الْغِفَارِيّ بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالراء وَقَالَ أَبُو عمر يُقَال لخفاف وَأَبِيهِ وجده صُحْبَة وَكَانُوا ينزلون غيقة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وقاف من بِلَاد غفار ويأتون الْمَدِينَة كثيرا وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ خفاف بن إِيمَاء من المعذرين من الْأَعْرَاب وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ فِيمَن جَاءَ من الْأَعْرَاب من بني غفار إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ يُرِيد تَبُوك يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فِي التَّخَلُّف عَنهُ فَلم يعذرهم الله ولخفاف هَذَا حَدِيث مَوْصُول عِنْد مُسلم قَوْله " شهد أبي الْحُدَيْبِيَة " ذكر الْوَاقِدِيّ من حَدِيث أبي رهم الْغِفَارِيّ قَالَ لما نزل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالأبواء أهْدى لَهُ إِيمَاء بن رحضة مائَة شَاة وبعيرين يحْملَانِ لَبَنًا وَبعث بهَا مَعَ ابْنه خفاف فَقبل هديته وَفرق الْغنم فِي أَصْحَابه ودعا بِالْبركَةِ قَوْله مرْحَبًا مَعْنَاهُ أتيت سَعَة ورحبا قَوْله بِنسَب قريب يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ قرب نسب غفار من قُرَيْش لِأَن كنَانَة تجمعهم وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنَّهَا انتسبت إِلَى شخص وَاحِد مَعْرُوف قَوْله ظهير أَي قوي الظّهْر معد للْحَاجة وَقَالَ الْجَوْهَرِي بعير ظهير بَين الظهارة إِذا كَانَ قَوِيا وناقة ظهيرة قَوْله غرارتين تَثْنِيَة غرارة بالغين الْمُعْجَمَة وَهِي الَّتِي تتَّخذ للتبن وَغَيره وَقيل هِيَ معربة قَوْله بخطامه أَي بِخِطَام الْبَعِير وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يُقَاد بِهِ سمي بذلك لِأَنَّهُ يَقع على الخطم وَهُوَ الْأنف قَوْله اقتاديه أَمر من الاقتياد وَفِي رِوَايَة سعيد بن دَاوُد قودي هَذَا الْبَعِير قَوْله بِخَير وَفِي رِوَايَة سعيد بن دَاوُد بالرزق قَوْله ثكلتك أمك هِيَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب للإنكار وَلَا يُرِيدُونَ حَقِيقَتهَا كَقَوْلِهِم تربت يداك وقاتلك الله وَمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ فقدتك أمك وَهُوَ الدُّعَاء بِالْمَوْتِ من الثكل بِضَم الثَّاء وَسُكُون الْكَاف وَهُوَ فقد الْوَلَد
وَيُقَال امْرَأَة ثاكل وثكلى وَرجل ثاكل وثكلان قَوْله أَبَا هَذِه أَي أَبَا هَذِه الْمَرْأَة وَهُوَ خفاف وأخوها لم يدر اسْمه وَكَانَ لخفاف ابْنَانِ الْحَارِث ومخلد وهما تابعيان والْحَارث روى عَن أَبِيه ومخلد يروي عَن عُرْوَة وروى عَنهُ ابْن أبي ذِئْب حَدِيث الْخراج من الضَّمَان أخرج لَهُ الْأَرْبَعَة وَأما مخلد الْغِفَارِيّ فَلهُ صُحْبَة ذكره البُخَارِيّ فِي الصَّحَابَة وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ لَيْسَ لَهُ صُحْبَة وَقَول أبي عمرَان لخفاف وَأَبِيهِ وجده صُحْبَة يدل على أَن يكون هَؤُلَاءِ أَرْبَعَة فِي نسق لَهُ صُحْبَة وهم بنت خفاف وخفاف وَأَبوهُ إِيمَاء وجده رحضة وَفِيه رد على من زعم أَنه لم يُوجد أَرْبَعَة فِي نسق لَهُم صُحْبَة سوى بنت أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله حصنا أَي حصنا من الْحُصُون فافتتحاها وَكَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة لم يدر أَي غَزْوَة كَانَت قيل يحْتَمل أَن تكون خَيْبَر لِأَنَّهَا كَانَت بعد الْحُدَيْبِيَة وَلها حصون قد حوصرت قَوْله نستفيء بِفَتْح النُّون وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالفاء وبالهمزة فِي آخِره من استفأت هَذَا المَال أَي أَخَذته فَيْئا أَي نطلب الْفَيْء من سهمانهما وَسمي فَيْئا لِأَنَّهُ مَال استرجعه الْمُسلمُونَ من يَد الْكفَّار وَمِنْه تتفيأ ظلاله أَي ترجع على كل شَيْء من حوله وَمِنْه فَإِن فاؤا أَي رجعُوا والسهمان بِضَم السِّين وَهُوَ جمع سهم وَهُوَ النَّصِيب وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ نستقي بِالْقَافِ وَبِدُون الْهمزَة
١٨٩ - (حَدثنِي مُحَمَّد بن رَافع حَدثنَا شَبابَة بن سوار أَبُو عَمْرو الْفَزارِيّ حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه قَالَ لقد رَأَيْت الشَّجَرَة ثمَّ أتيتها بعد فَلم أعرفهَا) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله لقد رَأَيْت الشَّجَرَة لِأَنَّهَا كَانَت هِيَ الْحُدَيْبِيَة وَكَانَت شَجَرَة جدباء فصغرت وَمُحَمّد بن رَافع النَّيْسَابُورِي مر فِي الصُّلْح وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الباءين الموحدتين ابْن سوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو وبالراء الْفَزارِيّ بِفَتْح الْفَاء وبالزاي قَوْله الشَّجَرَة وَهِي الشَّجَرَة الَّتِي كَانَت بيعَة الرضْوَان تحتهَا قَوْله بعد بِضَم الدَّال أَي بعد ذَلِك
(قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ مَحْمُود ثمَّ أنسيتها بعد) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَلَيْسَ فِي أَكثر النّسخ هَذَا قَوْله قَالَ مَحْمُود هُوَ ابْن غيلَان أَبُو أَحْمد الْمروزِي شيخ البُخَارِيّ وَمُسلم قَوْله أنسيتها على صِيغَة الْمَجْهُول
١٩٠ - (حَدثنَا مَحْمُود حَدثنَا عبيد الله عَن إِسْرَائِيل عَن طَارق بن عبد الرَّحْمَن قَالَ انْطَلَقت حَاجا فمررت بِقوم يصلونَ قلت مَا هَذَا الْمَسْجِد قَالُوا هَذِه الشَّجَرَة حَيْثُ بَايع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بيعَة الرضْوَان فَأتيت سعيد بن الْمسيب فَأَخْبَرته فَقَالَ سعيد حَدثنِي أبي أَنه كَانَ فِيمَن بَايع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَحت الشَّجَرَة قَالَ فَلَمَّا خرجنَا من الْعَام الْمقبل نسيناها فَلم نقدر عَلَيْهَا فَقَالَ سعيد إِن أَصْحَاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يعلموها وعلمتموها أَنْتُم فَأنْتم أعلم) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله ومحمود قد ذكر الْآن وَعبيد الله هُوَ ابْن مُوسَى وَهُوَ أَيْضا من شُيُوخ البُخَارِيّ وَحدث عَنهُ بِوَاسِطَة وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَق السبيعِي وطارق بن عبد الرَّحْمَن البَجلِيّ الْكُوفِي قَوْله مَا هَذَا الْمَسْجِد أُرِيد بِهِ مَسْجِد الشَّجَرَة وَذَلِكَ لأَنهم جعلُوا تحتهَا مَسْجِدا يصلونَ فِيهِ قَوْله هَذِه الشَّجَرَة أَرَادَ بهَا الشَّجَرَة الَّتِي وَقعت الْمُبَايعَة تحتهَا كَمَا ذكرنَا الْآن قَوْله نسيناها أَي الشَّجَرَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي أنسيناها بِضَم الْهمزَة وَسُكُون النُّون على صِيغَة الْمَجْهُول أَي أنسينا موضعهَا بِدَلِيل قَوْله " فَلم نقدر عَلَيْهِ " قَوْله " فَقَالَ سعيد " أَي سعيد بن الْمسيب إِنَّمَا قَالَ سعيد مَا قَالَه هُنَا مُنْكرا عَلَيْهِم قَوْله " فَأنْتم أعلم " لَيْسَ على حَقِيقَته وَإِنَّمَا هُوَ تهكم وَفِي رِوَايَة قيس بن الرّبيع أَن أقاويل النَّاس كَثِيرَة -
٤١٦٤ - حدَّثنا مُوسى حدَّثَنَا أبُو عَوَانَةَ حدَّثَنا طَارِقٌ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِيهِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَرَجَعْنَا إلَيْهَا العامَ الْمُقْبِلَ فَعَمِيَتْ عَلَيْنَا.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث سعيد بن الْمسيب أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي عَن أبي عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي عَن طَارق بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور آنِفا.
قَوْله: (فعميت) ، أَي: استترت وخفيت، وَكَانَ سَبَب خفائها أَن لَا يفتتن النَّاس بهَا لما جرى تحتهَا من الْخَيْر ونزول الرضْوَان فَلَو بقيت ظَاهِرَة مَعْلُومَة لخيف تَعْظِيم الْجُهَّال إِيَّاهَا وعبادتهم لَهَا، فإخفاؤها رَحْمَة من الله تَعَالَى.
٤١٦٦ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ حدَّثنَا شُعْبَةُ عنْ عمْرِو بن مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي أوْفَى وكانَ مِنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كانَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ علَيْهِمْ فأتَاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ أللَّهُمَّ صلِّ علَى آلِ أبِي أوْفَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة) والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب صَلَاة الإِمَام، ودعائه لصَاحب الصَّدَقَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة ... إِلَخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤١٦٧ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أخِيهِ عنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ قَالَ لَمَّا كانَ يَوْمُ الحَرَّةِ والنَّاسُ يُبايِعُونَ لِعَبْدِ الله بنِ حَنْظَلَةَ فَقال ابنُ زَيْدٍ علَى مَا يُبَايِعُ ابنُ حَنْظَلَةَ النَّاسَ قِيلَ لَهُ علَى المَوْتِ قَالَ لَا أُبَايِعُ علَى ذالِكَ أحَدَاً بعْدَ رسُولِ الله وكانَ شَهِدَ مَعَهُ الحُدَيْبِيَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٩٥٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ شهد مَعَه الْحُدَيْبِيَة) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، يروي عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن عباد، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن تَمِيم بن زيد بن عَاصِم الْمَازِني، وَهَؤُلَاء كلهم مدنيون.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْبيعَة فِي الْحَرْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب عَن عَمْرو بن يحيى ... إِلَى آخِره، وَمضى بعض الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر بعض شَيْء أَيْضا.
فَقَوله: (يَوْم الْحرَّة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: وَهِي حرَّة الْمَدِينَة، ويومها هُوَ يَوْم الْوَقْعَة الَّتِي وَقعت بَين عَسْكَر يزِيد وَأهل الْمَدِينَة وَكَانَت فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَلما بلغ ذَلِك يزِيد أرسل جَيْشًا إِلَى الْمَدِينَة وعيَّن عَلَيْهِم مُسلم بن عقبَة، قيل: فِي عشرَة آلَاف فَارس، وَقيل: فِي إثني عشر ألفا، وَقَالَ الْمَدَائِنِي، وَيُقَال: فِي سَبْعَة وَعشْرين ألفا، إثني عشر ألف فَارس وَخَمْسَة عشر ألف راجل، وَجعل أهل الْمَدِينَة جيشهم أَرْبَعَة أَربَاع على كل ربع أَمِير، أَو جعلُوا أجل الأرباع عبد الله بن حَنْظَلَة الغسيل، وقصتهم طَوِيلَة، وملخصها: أَنه لما وَقع الْقِتَال بَينهم كسر عَسْكَر يزِيد عَسْكَر أهل الْمَدِينَة وَقتل عبد الله بن حَنْظَلَة وَأَوْلَاده وَجَمَاعَة آخَرُونَ، وَسُئِلَ الزُّهْرِيّ:
كم كَانَ الْقَتْلَى يَوْم الْحرَّة؟ قَالَ: سَبْعمِائة من وُجُوه النَّاس من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، ووجوه الموَالِي وَمِمَّنْ لَا يعرف من حر وَعبد وَغَيرهم عشرَة آلَاف، وَقَالَ الْمَدَائِنِي: أَبَاحَ مُسلم بن عقبَة الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَيَّام يقتلُون النَّاس وَيَأْخُذُونَ الْأَمْوَال ووقعوا على النِّسَاء حَتَّى قيل: إِنَّه حبلت ألف امْرَأَة فِي تِلْكَ الْأَيَّام. وَعَن هِشَام بن حسان: ولدت ألف امْرَأَة من أهل الْمَدِينَة من غير زوج. قَوْله: (وَالنَّاس يبايعون لعبد الله بن حَنْظَلَة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون والظاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام: ابْن أبي عَامر الراهب، وَيُقَال لَهُ: ابْن الغسيل، لِأَن أَبَاهُ حَنْظَلَة غسلته الْمَلَائِكَة، وَقد مر بَيَانه غير مرّة، وَعبد الله هَذَا ولد على عهد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتُوفِّي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وَرَآهُ وروى عَنهُ وَقتل يَوْم الْحرَّة، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَمعنى: يبايعون لعبد الله، أَي: على الطَّاعَة لَهُ وخلع يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَعكس الْكرْمَانِي فَزعم أَنه كَانَ يُبَايع النَّاس ليزِيد بن مُعَاوِيَة وَهُوَ غلط كَبِير، انْتهى. قلت: رجعت إِلَى (شرح الْكرْمَانِي) فَوجدت عِبَارَته: كَانَ يَأْخُذ الْبيعَة من النَّاس ليزِيد بن مُعَاوِيَة، وَالظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ الْجَاهِل، فَذكر اللَاّم مَوضِع: على، وَكَانَ الَّذِي كتبه: على يزِيد بن مُعَاوِيَة. قَوْله: (قَالَ ابْن زيد) هُوَ عبد الله بن زيد ابْن عَاصِم عَم عباد بن تَمِيم الْأنْصَارِيّ الْمَازِني البُخَارِيّ الَّذِي قتل مُسَيْلمَة وَقتل هُوَ يَوْم الْحرَّة، وَهُوَ صَاحب حَدِيث الْوضُوء، وَغلط ابْن عُيَيْنَة فَقَالَ: هُوَ الَّذِي أرِي الْأَذَان. قَوْله: (قيل: لَهُ على الْمَوْت) كَذَا وَقع هُنَا، وَقيل: على أَن لَا يَفروا وَقَالَ الدَّاودِيّ: يحمل على أَن لَا يَفروا حَتَّى يموتوا، فَسقط ذَلِك من بعض الروَاة. قَوْله: (قَالَ: لَا أبايع على ذَلِك أحدا) أَي: قَالَ ابْن زيد: لَا أبايع على الْمَوْت أحدا بعد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه إِشْعَار بِأَنَّهُ بَايع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْمَوْت.
٤١٦٨ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ يَعْلَى المُحَارِبِيُّ قَالَ حدَّثَنِي أبِي حدَّثنَا إياسُ بنُ سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قَالَ حدَّثنِي أبي وكانَ مِنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الجُمُعَةَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ ولَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌ نَسْتَظِلٌ فِيهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة) وَيحيى بن يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وبالقصر: الْمحَاربي، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة: الْكُوفِي الثِّقَة من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ، مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، يروي عَن أَبِيه يعلى بن الْحَارِث الْمحَاربي، ثِقَة أَيْضا مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَمَا لَهما فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَإيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن سَلمَة بن الْأَكْوَع.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن شُعَيْب بن يُوسُف، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بنْدَار.
قَوْله: (نستظل فِيهِ) ويروى: بِهِ، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث من جوز صَلَاة الْجُمُعَة قبل الزَّوَال لِأَن الشَّمْس إِذا زَالَت ظَهرت الظلال. وَأجِيب: بِأَن النَّفْي إِنَّمَا تسلط على وجود ظلّ يستظل بِهِ لَا على وجود الظل مُطلقًا، والظل الَّذِي يستظل بِهِ لَا يتهيأ إلَاّ بعد الزَّوَال بعد أَن يخْتَلف فِي الشتَاء والصيف.
٤١٧٠ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ إشْكَابٍ حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عنِ العَلَاءِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِيهِ قَالَ لَ قِيتُ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما فقُلْتُ طُوبَى لَكَ صَحِبْتَ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبايَعْتَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقال يَا ابْنَ أخِي إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثْنَا بَعْدَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تَحت الشَّجَرَة) وَأحمد بن إشكاب، بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو عبد الله الصفار الْكُوفِي ثمَّ الْبَصْرِيّ، وَمُحَمّد بن فُضَيْل مصغر الْفضل بِالْمُعْجَمَةِ، والْعَلَاء بِالْمدِّ ابْن الْمسيب يروي عَن أَبِيه الْمسيب بن رَافع التغلبي، بِفَتْح الفوقانية وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة الْكَاهِلِي.
قَوْله: (طُوبَى لَك) مثل: هَنِيئًا لَك، أَي: طيب الْعَيْش لَك، وَقيل: طُوبَى شَجَرَة فِي الْجنَّة. قَوْله: (يَا ابْن أخي) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يَا ابْن أخٍ، بِلَا إِضَافَة وَهُوَ على عَادَة الْعَرَب فِي المخاطبة، أَو أَرَادَ أخوة الْإِسْلَام. قَوْله: (إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أحدثنا بعده) ، أَي: بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ذَلِك إِمَّا هضماً لنَفسِهِ وتواضعاً، وَإِمَّا نظرا إِلَى مَا وَقع من الْفِتَن بَينهم.
٤١٧١ - حدَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنَا يَحْيَى بنُ صالِحٍ قَالَ حدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ هُوَ ابنُ سَلَاّمٍ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي قِلَابَةَ أنَّ ثابِتَ بنَ الضَّحَّاكِ أخْبَرَهُ أنَّهُ بايَعَ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَحْتَ الشَّجَرَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تَحت الشَّجَرَة) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج الْمروزِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيحيى ابْن صَالح هُوَ الرحاظي الْحِمصِي وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا. وَقد يحدث عَنهُ بِوَاسِطَة، وَمُعَاوِيَة بن سَلام، بتَشْديد اللَّام وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: عَن زيد بن سَلام، بدل: يحيى بن أبي كثير، قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: وَلم يُتَابع على ذَلِك، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وثابت بن الضَّحَّاك بن خَليفَة بن ثَعْلَبَة بن عدي بن كَعْب بن عبد الْأَشْهَل، ولد سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة وَسكن الشَّام ثمَّ انْتقل إِلَى الْبَصْرَة وَمَات بهَا سنة خمس وَأَرْبَعين، وَقيل: إِنَّه مَاتَ فِي فتْنَة ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَهَذَا الحَدِيث أوردهُ هَكَذَا مُخْتَصرا، وَأخرج مُسلم بَقِيَّته عَن يحيى بن يحيى عَن مُعَاوِيَة بِهَذَا الْإِسْنَاد.
٤١٧٢ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ إسْحَاقَ حدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ أخبَرَنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً} (الْفَتْح: ١) . قَالَ الحُدَيْبِيَةُ قَالَ أصْحَابُهُ هَنِيئاً مَرِيئَاً فَما لَنَا فأنْزَلَ الله {ليُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} (الْفَتْح: ٥) . قَالَ شُعْبَةُ فقَدِمْتُ الكُوفَةَ فَحَدَّثْتُ بِهاذَا كُلِّهِ عنْ قَتَادَةَ ثُمَّ رَجَعْتُ فذَكَرْتُ لَهُ فَقالَ أمَّا إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَعَنْ أنَسٍ وأمَّا هَنِيئَاً مَرِيئَاً فعَنْ عِكْرِمَةَ. (الحَدِيث ٤١٧٢ طرفه فِي: ٤٨٣٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قَالَ: الْحُدَيْبِيَة) وَأحمد بن إِسْحَاق بن الْحصين أَبُو إِسْحَاق السّلمِيّ السرماري، وسرمار قَرْيَة من قرى بُخَارى، مَاتَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ.
قَوْله: (قَالَ: الْحُدَيْبِيَة) ، أَي: قَالَ أنس: الْفَتْح فِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ} (الْفَتْح: ١) . هُوَ فِي الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (قَالَ أَصْحَابه) أَي: أَصْحَاب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (هَنِيئًا) أَي: لَا إِثْم فِيهِ. قَوْله: (مريئاً) أَي: لَا دَاء فِيهِ. يُقَال: هنأني الطَّعَام ومرأني. وَإِذا لم يذكر هنأني يَقُول: امرأني، بِالْهَمْزَةِ. قَالَه أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ، وَقَالَ ابْن فَارس: يُقَال مرأني الطَّعَام وأمرأني أَي: انهضم، وَذكر ابْن الْأَعرَابِي أَنه لَا يُقَال: مرأني. قَوْله: (فَمَا لنا) ، من قَول الصَّحَابَة أَيْضا. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: فَقدمت الْكُوفَة) إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى أَن بعض الحَدِيث عِنْد قَتَادَة عَن أنس، وَبَعضه عِنْده عَن عِكْرِمَة،
وَقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق حجاج بن مُحَمَّد عَن شُعْبَة، وَجمع فِي الحَدِيث بَين أنس وَعِكْرِمَة وَسَاقه مساقاً وَاحِدًا.
٤١٧٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثَنا أبُو عامِرٍ حدَّثَنا إسْرَائِيلُ عنْ مَجْزَأةَ بنِ زَاهِرٍ الأسْلَمِيِّ عنْ أبِيهِ وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ قَالَ إنِّي أوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ إذْ نادَى مُنَادِي رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْهَاكُمْ عنْ لُحُومِ الحُمُرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ مِمَّن شهد الشَّجَرَة) . وَأَبُو عَامر هُوَ عبد الْملك بن عَمْرو الْعَقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر، بدل: أبي عَامر، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس، وَإِسْرَائِيل هَذَا وَقع فِي الْأُصُول وَلَا بُد مِنْهُ، وَقَالَ بَعضهم: وَحكى بعض الشُّرَّاح أَنه وَقع فِي بعض النّسخ بإسقاطه، وَأنكر عَلَيْهِ. قلت: أَرَادَ بِبَعْض الشُّرَّاح: صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَهُوَ من مشايخه، ومجزأة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وبالزاي والهمزة قبل الْهَاء، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: المحدثون يسهلون الْهمزَة وَلَا يتلفظون بهَا، وَقد يكسرون الْمِيم، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه زَاهِر بن الْأسود بن حجاج ابْن قيس بن عبد بن دعبل بن أنس بن خُزَيْمَة بن مَالك بن سلامان بن سلم بن أفْضى الْأَسْلَمِيّ. وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي بعده.
قَوْله: (عَن أَبِيه) ، كَذَا وَقع للْجَمِيع، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: عَن أبي زيد الْمروزِي عَن أنس، بدل قَوْله: عَن أَبِيه. قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: هُوَ تَصْحِيف. قَوْله: (قَالَ: إِنِّي لأوقد تحد الْقدر) إِلَى آخِره، حِكَايَة عَمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر من النَّهْي الْمَذْكُور، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على أَنه كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَإِنَّمَا أورد البُخَارِيّ الحَدِيث لأجل قَوْله فِيهِ: (وَكَانَ مِمَّن شهد الشَّجَرَة) وَقد اعْترض الدَّاودِيّ هُنَا، وَقَالَ: مَا وَقع هُنَا وهم، فَإِن النَّهْي عَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة لم يكن بِالْحُدَيْبِية. قلت: الْجَواب مَا ذكرته، فَلَا حَاجَة إِلَى النِّسْبَة إِلَى الْوَهم.
٤١٧٥ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثَنا ابنُ أبِي عَدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ عنْ سُوَيْدِ بنِ النُّعْمَانِ وكانَ مِنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كانَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحَابُهُ أُوتُوا بِسَوِيقٍ فَلاكُوهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة) وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْأنْصَارِيّ، وسُويد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو: ابْن النُّعْمَان بن مَالك بن عَائِذ بن مجدعة بن جشم بن حَارِثَة الْأنْصَارِيّ، يعد فِي أهل الْمَدِينَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة
فِي: بَاب من مضمض من السويق وَلم يتَوَضَّأ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فلاكوه) من اللوك وَهُوَ مضغ الشَّيْء وإدارته فِي الْفَم.
تابَعَهُ مُعاذٌ عنْ شُعْبَةَ
أَي: تَابع ابْن أبي عدي معَاذ بن معَاذ قَاضِي الْبَصْرَة عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج، وق وصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن يحيى بن مُحَمَّد عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه مُخْتَصرا.
٤١٧٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ حاتِمِ بنِ بَزِيعٍ حدَّثَنَا شَاذَانُ عنْ شُعْبَةَ عنْ أبِي جَمْرَةَ قَالَ سألْتُ عائِذَ بنَ عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وكانَ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ هَلْ يُنْقَضُ الوِتْرُ قَالَ إذَا أوْتَرْتَ مِنْ أوَّلِهِ فَلَا تُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من أَصْحَاب الشَّجَرَة) وَمُحَمّد بن حَاتِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة: ابْن بزيع، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة، وشاذان، بالشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الذَّال الْمُعْجَمَة: هُوَ الْأسود بن عَامر الشَّامي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، وَلَفظ: شَاذان مُعرب، وَمَعْنَاهُ: فرحين بِالْفَاءِ، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: واسْمه نصر بن عمرَان الضبيعي، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني، وَقع فِي نُسْخَة أبي ذَر: عَن أبي الْهَيْثَم، بِالْحَاء وَالزَّاي، وَهُوَ وهم مِنْهُ، وَالصَّوَاب: بِالْجِيم وَالرَّاء، وعائذ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة: ابْن عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن هِلَال الْمُزنِيّ، يكنى أَبَا عُبَيْدَة، وَكَانَ من صالحي الصَّحَابَة سكن الْبَصْرَة وابتنى بهَا دَارا فِي إمرة عبد الله ابْن زِيَاد أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث ذكره مَوْقُوفا.
قَوْله: (هَل ينْقض؟) على صِيغَة الْمَجْهُول (وَالْوتر) مَرْفُوع بِهِ يَعْنِي: إِذا صلى مثلا ثَلَاث رَكْعَات ونام، فَهَل يُصَلِّي بعد النّوم شَيْئا آخر مِنْهُ مُضَافا إِلَى الأول، مُحَافظَة على قَوْله: (إجعلوا آخر صَلَاتكُمْ بِاللَّيْلِ وترا؟) وَإِذا صلاهَا مرّة فَهَل يُصليهَا مرّة أُخْرَى بعد النّوم؟ فَأجَاب بِاخْتِيَار الصّفة الثَّانِيَة (فَقَالَ: إِذا أوترت) إِلَى آخِره، وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَكَانَ أَبُو عمر مِمَّن يرى نقض الْوتر، وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنه لَا ينْقض وَهُوَ قَول مَالك أَيْضا. قلت: وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا أَيْضا، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَالله أعلم.
٢٠٣ - (حَدثنِي عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يسير فِي بعض أَسْفَاره وَكَانَ عمر بن الْخطاب يسير مَعَه لَيْلًا فَسَأَلَهُ عمر بن الْخطاب عَن شَيْء فَلم يجبهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ وَقَالَ عمر بن الْخطاب ثكلتك أمك يَا عمر نزرت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاث مَرَّات كل ذَلِك لَا يجيبك قَالَ عمر فحركت بَعِيري ثمَّ تقدّمت أَمَام الْمُسلمين وخشيت أَن ينزل فِي قُرْآن فَمَا نشبت أَن سَمِعت صَارِخًا يصْرخ بِي قَالَ فَقلت لقد خشيت أَن يكون نزل فِي قُرْآن وَجئْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ لقد أنزلت عَليّ اللَّيْلَة سُورَة لهي أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس ثمَّ قَرَأَ إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا) مطابقته للتَّرْجَمَة إِنَّمَا تتأتى على قَول من يَقُول المُرَاد بِالْفَتْح صلح الْحُدَيْبِيَة وَقد اخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا فَقيل المُرَاد فتح الْإِسْلَام بِالسَّيْفِ والسنان وَقيل الحكم وَقيل فتح مَكَّة قيل هُوَ الْمُخْتَار وَقيل فتح الْإِسْلَام بِالْآيَةِ وَالْبَيَان وَالْحجّة والبرهان وَفِي تَفْسِير النَّسَفِيّ وَالْأَكْثَرُونَ على أَن الْفَتْح كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقَالَ الْبَراء بن عَازِب نَحن نعد الْفَتْح بيعَة الرضْوَان وَقَالَ الشّعبِيّ هُوَ فتح الْحُدَيْبِيَة وَقَالَ الزُّهْرِيّ لم يكن فتح أعظم من صلح الْحُدَيْبِيَة وَيُقَال الْفَتْح فِي اللُّغَة فتح المغلق وَالصُّلْح الَّذِي
جعل بَين الْمُشْركين بِالْحُدَيْبِية كَانَ مشدودا متعذرا حَتَّى فَتحه الله وَزيد بن أسلم مولى عمر بن الْخطاب يروي عَن أَبِيه أسلم عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَظَاهره أَنه مُرْسل وَلَكِن قَول عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فحركت بَعِيري إِلَى آخِره يدل على أَنه عَن عمر والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن القعْنبِي وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن إِسْمَاعِيل وَالْكل عَن مَالك وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن بشار وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي قَوْله " فِي بعض أَسْفَاره " الظَّاهِر أَنه كَانَ فِي سفر الْحُدَيْبِيَة قَوْله " أَن ينزل " على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " فِي " بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء وَكَذَلِكَ فِي بعد قَوْله قد نزل قَوْله " قد نزرت " بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الزَّاي أَي ألححت وضيقت عَلَيْهِ حَتَّى أحرجته وَقيل الْمَعْرُوف بتَخْفِيف الزَّاي من النزر وَهُوَ الْقلَّة وَمِنْه الْبِئْر النزور أَي قَليلَة المَاء فَقيل ذَلِك لمن كثر عَلَيْهِ السُّؤَال حَتَّى انْقَطع جَوَابه وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي النزر الإلحاح فِي السُّؤَال وَعَن الْأَصْمَعِي نزر فلَان فلَانا إِذا استخرج مَا عِنْده قَلِيلا قَلِيلا قَوْله " فَمَا نشبت " أَي فَمَا لَبِثت من نشب ينشب من بَاب علم يعلم يُقَال لم ينشب أَن فعل كَذَا أَي لم يلبث وَحَقِيقَته لم يتَعَلَّق بِشَيْء غَيره وَلَا اشْتغل بسواه قَوْله " إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا " قد مر تَفْسِير الْفَتْح آنِفا وَاخْتلف فِي الْموضع الَّذِي نزلت فِيهِ سُورَة الْفَتْح فَعِنْدَ أبي معشر بِالْجُحْفَةِ وَفِي الإكليل عَن مجمع بن حَارِثَة بكراع الغميم -
٤١٧٩ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثَنا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ حِينَ حَدَّثَ هذَا الحَدِيثَ حَفِظْتُ بَعْضَهُ وثَبَّتَنِي مَعْمَرٌ عنْ عرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ يَزِيدُ أحَدُهُمَا علَى صاحِبِهِ قالَا خرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ الحُدَيْبِيَّةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أصْحَابِهِ فلَمَّا أتَي ذَا الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وأحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ وبعَثَ عَيْنَاً لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ وسارَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى كانَ بِغَدِيرِ الأشْظَاظِ أتَاهُ عَيْنُهُ قَالَ إنَّ قُرَيْشَاً جَمَعُوا لَكَ جموعا وَقد جمعو لَك الأحَابِيشَ وهُمْ مُقَاتِلُوكَ وصادُّوكَ عنِ البَيْتِ ومانِعُوكَ فَقال أشِيرُوا أيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ أتَرَوْنَ أنْ أمِيلَ إلَى عِيَالِهِمْ وذَرَارِيِّ هاؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَصُدُّونَا عنِ البَيْتِ فإنْ يأتُونَا كانَ الله عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَطَعَ عَيْنَاً مِنَ المُشْرِكِينَ وإلَاّ تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ قَالَ أبُو بَكْرٍ يَا رسُولَ الله خَرَجْتَ عامِدَاً لِهاذَا البَيْتِ لَا تُرِيدُ قَتْلَ أحَدٍ ولَا حَرْبَ أحَدٍ فتَوَجَّهْ لَه فَمَنْ صَدَّنَا عنْهُ قاتَلْناهُ قَالَ امْضُوا علَى اسمِ الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، والمسور، بِكَسْر الْمِيم، ومخرمة بِفَتْحِهَا، وَقد ذكر هَؤُلَاءِ غير مرّة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشُّرُوط فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد، مطولا جدا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر هُنَا مَا لم يذكر هُنَاكَ.
قَوْله: (هَذَا الحَدِيث) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى الحَدِيث الَّذِي ذكره هُنَا. قَوْله: (حفظت بعضه) ، الْقَائِل هُوَ سُفْيَان أَي: سَمِعت بعض الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (وثبتني معمر) ، أَي: جعلني معمر بن رَاشد ثَابتا فِيمَا سمعته من الزُّهْرِيّ هَهُنَا. قَوْله: (عَام الْحُدَيْبِيَة) ، وَهُوَ عَام سِتّ من الْهِجْرَة، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب، وَكَذَلِكَ مر الْكَلَام فِي قَوْله: (بضع عشرَة مائَة) قَوْله: (فَلَمَّا أَتَى ذَا الحليفة) أَي: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَكَان الَّذِي يُسمى ذَا الحليفة، وَهُوَ مِيقَات أهل الْمَدِينَة وَهِي الَّتِي تسمى: أبار على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَأَشْعرهُ) من الْإِشْعَار، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (بعث عينا) ، أَي: جاسوساً. قَوْله: (من خُزَاعَة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي، وَهِي فِي الأزد وَفِي قضاعة، وَالَّتِي فِي الأزد تنْسب إِلَى خُزَاعَة وَهُوَ عَمْرو بن ربيعَة، وَالَّتِي فِي قضاعة بطن وَهُوَ خُزَاعَة ابْن مَالك، وَاسم هَذَا الْعين: بسر بن سُفْيَان بن عَمْرو بن عُوَيْمِر الْخُزَاعِيّ، قَالَ أَبُو عمر: أسلم سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَشهد الْحُدَيْبِيَة،
وَبسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة. قَوْله: (بغدير الأشظاظ) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالظاءين المعجمتين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بالمهملتين، وَقيل: بالمعجمتين، مَوضِع تِلْقَاء الْحُدَيْبِيَة، وَضَبطه الْبكْرِيّ أَيْضا بالمهملتين، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: هُوَ بملتقى الطَّرِيقَيْنِ من عسفان للْخَارِج إِلَى مَكَّة على يَمِينك بِمِقْدَار ميلين، وَرُبمَا اجْتمع فِيهِ المَاء وَلَيْسَ ثمَّة غَدِير غَيره، والغدير مُجْتَمع المَاء. قَوْله: (الْأَحَابِيش) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة على وزن المصابيح الْجَمَاعَة من النَّاس لَيْسُوا من قَبيلَة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هم أَحيَاء من القارة انضموا إِلَى بني لَيْث فِي محاربتهم قُريْشًا، والتحبش التجمع، وَقيل: حالفوا قُريْشًا تَحت جبل يُسمى حبيشاً فسموا بذلك. قَوْله: (من الْمُشْركين) يتَعَلَّق بقوله: (قطع) أَي: إِن يَأْتُونَا كَانَ الله تَعَالَى قد قطع مِنْهُم جاسوساً، يَعْنِي الَّذِي بَعثه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي: غَايَته أَنا كُنَّا كمن لم يبْعَث الجاسوس وَلم يعبر الطَّرِيق، وواجههم بِالْقِتَالِ، وَإِن لم يَأْتُونَا نهبنا عِيَالهمْ وَأَمْوَالهمْ وتركناهم محروبين، بِالْحَاء الْمُهْملَة الرَّاء، أَي: مسلوبين منهوبين، يُقَال: حربه إِذا أَخذ مَاله وَتَركه بِلَا شَيْء، وَقد حَرْب مَاله، أَي: سلبه فَهُوَ محروب، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمَحْفُوظ مِنْهُ كَانَ الله قد قطع عنقًا بِالْقَافِ أَي: جمَاعَة من أهل الْكفْر فيقل عَددهمْ وتهن بذلك قوتهم، قَالَ الْخَلِيل: جَاءَ الْقَوْم عنقًا أَي: طوائف، والأعناق الرؤساء، قَوْله: (فَتوجه) أَمر من توجه يتَوَجَّه. قَوْله: (لَهُ) أَي: الْبَيْت. قَوْله: (وَمن صدنَا عَنهُ) ، أَي: وَمن منعنَا من الْبَيْت.
٤١٨٢ - قَالَ ابنُ شِهَابٍ وأخبرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ إنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هاجَرَ مِنَ المُؤْمِنَاتِ بِهاذِهِ الْآيَة {يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} (الممتحنة: ١٢) . وعَنْ عَمِّهِ قالَ بلَغَنَا حِينَ أَمَرَ الله رسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَرُدَّ إِلَى المُشْرِكِينَ مَا أنْفَقُوا علَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أزْوَاجِهِمْ وبَلَغَنا أنَّ أبَا بَصِيرٍ فذَكَرَهُ بِطُولِهِ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَيَعْقُوب هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد وَابْن أخي ابْن شهَاب اسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم بن شهَاب وَعَمه مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ.
قَوْله: (على قَضِيَّة الْمدَّة) ، أَي: الْمُصَالحَة فِي الْمدَّة الْمعينَة. قَوْله: (أَن يقاضي) ، أَي: يُصَالح ويحاكم. قَوْله: (وامعضوا) ، بتَشْديد الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَضم الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَأَصله: انمعضوا، بالنُّون قبل الْمِيم فأدغمت النُّون فِي الْمِيم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: امتعضوا، بِالتَّاءِ المثناء من: الامتعاض،
يُقَال: إنمعض من شَيْء سَمعه وامتعض إِذا غضب وشق عَلَيْهِ، وَفِي (الْمطَالع) للأصيلي والهمداني: امتعظوا بِمَعْنى كَرهُوا، وَهُوَ غير صَحِيح فِي الْخط والهجاء، وَإِنَّمَا يَصح: امتعضوا، بضاد غير مشالة كَمَا عِنْد أبي ذَر وعبدوس بِمَعْنى: كَرهُوا وأنفوا، وَوَقع عِنْد الْقَابِسِيّ: امعظوا، بتَشْديد الْمِيم وظاء مُعْجمَة، وَعند بَعضهم: اتغظوا، من الغيظ، وَعند بَعضهم عَن النَّسَفِيّ: وانغضوا، بغين مُعْجمَة وضاد مُعْجم غير مشالة من الإنغاص وَهُوَ الِاضْطِرَاب، قَالَ: وكل هَذِه الرِّوَايَات إحالات وتعبيرات وَلَا وَجه لشَيْء من ذَلِك إِلَّا: امتعضوا. قَوْله: (مهاجرات) ، حَال من الْمُؤْمِنَات. قَوْله: (أم كُلْثُوم بنت عقبَة) ، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: ابْن أبي معيط واسْمه أبان بن أبي عَمْرو، وَاسم أبي عَمْرو ذكْوَان بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَقَالَ أَبُو عمر: أسلمت أم كُلْثُوم بِمَكَّة قبل أَن تَأْخُذ النِّسَاء فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ هَاجَرت وبايعت فَهِيَ من الْمُهَاجِرَات المبايعات، وَقيل: هِيَ أول من هَاجر من النِّسَاء، وَكَانَت هجرتهَا سنة سبع فِي الْهُدْنَة الَّتِي كَانَت بَين رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين الْمُشْركين من قُرَيْش، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: هَاجَرت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة فَخرج أَخَوَاهَا عمَارَة والوليد ابْنا عقبَة حَتَّى قدما على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسألانه أَن يردهَا عَلَيْهِمَا بالعهد الَّذِي كَانَ بَينه وَبَين قُرَيْش فِي الْحُدَيْبِيَة، فَلم يفعل، وَقَالَ: أَبى الله ذَلِك. قَالَ أَبُو عمر: يَقُولُونَ إِنَّهَا مشت على قدميها من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة تزَوجهَا زيد بن حَارِثَة فَقتل عَنْهَا يَوْم مُؤْتَة، فَتَزَوجهَا الزبير بن الْعَوام فَولدت لَهُ زَيْنَب ثمَّ طَلقهَا، فَتَزَوجهَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَولدت لَهُ إِبْرَاهِيم وعوفاً، وَمَات عَنْهَا فَتَزَوجهَا عَمْرو بن الْعَاصِ، فَمَكثت عِنْده شهرا وَمَاتَتْ، وَهِي أُخْت عُثْمَان لأمه، وَأمّهَا أورى بنت كريز بن ربيعَة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد منَاف. قَوْله: (وَهِي عاتق) أَي: شَابة، وَقيل: من أشرفت على الْبلُوغ، وَقيل: من لم تتَزَوَّج.
قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب: وَأَخْبرنِي عُرْوَة) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي يعلى عَن أبي خَيْثَمَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ. قَوْله: (كَانَ يمْتَحن) ، من الامتحان وَهُوَ الِابْتِلَاء، أَي: كَانَ يمتحنهن بِالْحلف وَالنَّظَر فِي الأمارات ليغلب على ظَنّه صدق إيمانهن، وَعَن ابْن عَبَّاس: معنى: امتحانهن: أَن يستحلفن من خرجن من بغض زوج، وَمَا خرجن رَغْبَة عَن أَرض إِلَى أَرض، وَمَا خرجن التمَاس دنيا، وَمَا خرجن إلَاّ حبا لله وَرَسُوله. قَوْله: (بِهَذِهِ الْآيَة) وَهِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن} (الممتحنة: ١٢) . الْآيَة، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا ذكره الْمُفَسِّرُونَ: أَن الله تَعَالَى لما نصر رَسُوله وَفتح مَكَّة وَفرغ من بيعَة الرِّجَال جَاءَت النِّسَاء يبايعنه، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَهُوَ على الصَّفَا وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَسْفَل مِنْهُ وَهُوَ يُبَايع النِّسَاء بِأَمْر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ويبلغهن عَنهُ. قَوْله: (وَعَن عَمه) ، هُوَ عطف على قَوْله: (حَدثنِي ابْن أخي ابْن شهَاب عَن عَمه) ، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ بلغنَا) إِلَى آخِره، مُرْسل وَهُوَ مَوْصُول من رِوَايَة معمر. قَوْله: (مَا أَنْفقُوا) ، أَي: أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، برد مَا أنْفق الْمُشْركُونَ على نِسَائِهِم الْمُهَاجِرَات إِلَيْهِم، وَقَالَ أَبُو زيد من أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: هُوَ عِنْد أهل الْعلم مَخْصُوص بنساء أهل الْعَهْد وَالصُّلْح، وَكَانَ الامتحان أَن تستحلف المهاجرة أَنَّهَا مَا خرجت نَاشِزَة وَلَا هَاجَرت إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ، فَإِذا حَلَفت لم ترد ورد صَدَاقهَا إِلَى بَعْلهَا، وَإِن كَانَت من غَيْرِي أهل الْعَهْد لم تستحلف وَلم يرد صَدَاقهَا. قَوْله: (وبلغنا أَن أَبَا بَصِير ... فَذكره مطولا) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا مضى من قصَّة أبي بَصِير فِي كتاب الشُّرُوط مطولا، وَاخْتَصَرَهُ هَهُنَا، وَأَبُو بَصِير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة، وَقد اخْتلف فِي اسْمه وَنسبه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الشُّرُوط.
٤١٨٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما خرَجَ مُعْتَمِرَاً فِي الْفِتْنَةِ فَقَالَ إنْ صُدِدْتُ عنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أجْلِ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَام الْحُدَيْبِيَة) والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب إِذا أحْصر الْمُعْتَمِر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره. قَوْله: (فِي الْفِتْنَة) أَي: فِي أَيَّام الْفِتْنَة. قَوْله: (إِن صددت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: إِن منعت.
٢٠٧ - حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحيى عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه أهل وَقَالَ إِن حيل بيني وَبَينه لفَعَلت كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين حَالَتْ كفار قُرَيْش بَينه وتلا {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} .
وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع وَهَذَا أَيْضا مضى فِي الْحَج فِي الْبَاب الْمَذْكُور مطولا
قَوْله (وَبَينه) أَي وَبَين الْبَيْت
٤١٨٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ أسْمَاءَ حدَّثَنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله وسالِمَ بنَ عَبْدِ الله أخْبرَاهُ أنَّهُمَا كلَّمَا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ (ح) .
وحدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ أنَّ بَعْضَ بَني عَبْدِ الله قَالَ لَهُ لَوْ أقَمْتَ العامَ فإنِّي أخَافُ أنْ لَا تَصِلَ إِلَى البَيْتِ قَالَ خَرَجْنَا معَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دونَ البَيْتِ فَنَحَرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هدَايَاهُ وحَلَقَ وقَصَّرَ أصْحَابُهُ وَقَالَ أشْهِدُكُمْ أنِّي أوْجَبْتُ عُمْرَةً فإنْ خُلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَ البَيْتِ طُفْتُ وإنْ حِيلَ بَيْنِي وبَيْنَ البَيْتِ صنَعْتُ كَمَا صنَعَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسارَ ساعَةً ثُمَّ قالَ مَا أُرَى شأنُهُمَا إلَاّ واجِدَاً أشهِدُكُمْ أنِّي قدْ أوْجَبْتُ حَجَّةً معَ عُمْرَتِي فَطَافَ طَوَافَاً واحِدَاً وسَعْيَاً واحِدَاً حتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعَاً. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد ... إِلَى آخِره، وَقد مضى فِي كتاب الْحَج فِي الْبَاب الْمَذْكُور بأتم مِنْهُ، وَجُوَيْرِية مصغر الْجَارِيَة ابْن أَسمَاء بن عبيد الله الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (أَن بعض بني عبد الله) يَعْنِي: عبد الله بن عمر، وَالْمَذْكُور فِي الْحَج عَن نَافِع: أَن عبيد الله بن عبد الله وَسَالم بن عبد الله أخبراه أَنَّهُمَا كلما عبد الله بن عمر ليَالِي نزل الْجَيْش بِابْن الزبير، فَقَالَا: لَا يَضرك أَن لَا تحج الْعَام ... الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
٤١٨٦ - حدَّثني شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ سمِعَ النضْرَ بنَ مُحَمَّدٍ حدَّثَنَا صَخْرٌ عنْ نافِعٍ قَالَ إنَّ النَّاسَ يتَحَدَّثُونَ أنَّ ابنَ عُمَرَ أسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ ولَيْسَ كذَلِكَ ولاكِنْ عُمَرُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أرْسَلَ عبد الله إِلَى فرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ يأتِي بِهِ لِيُقاتِلَ عَلَيْهِ ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وعُمَرُ لَا يَدْرِي بِذالِكَ فبَايَعَهُ عَبْدُ الله ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الفَرَس فجَاءَ بهِ إلَى عُمَرَ وعُمَرُ يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتَالِ فأخْبَرَهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَ فانْطَلَقَ فذَهَبَ معَهُ حتَّى بايَعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهْيَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ ابنَ عُمَرَ أسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٩١٦ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وشجاع بن الْوَلِيد أَبُو اللَّيْث البُخَارِيّ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، مؤدب الْحسن بن الْعَلَاء السَّعْدِيّ الْأَمِير، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ، وَسمع مِنْهُ قَلِيلا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي، وَقع فِي عَامَّة النّسخ من (الصَّحِيح) أخبرنَا شُجَاع بن الْوَلِيد، وَفِي بَعْضهَا: حَدثنِي، وَزعم أَبُو مَسْعُود أَنه فِي كتاب البُخَارِيّ: شُجَاع بن الْوَلِيد، وَلم يقل: حَدثنَا وَلَا أخبرنَا، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد الجرشِي، بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء بعْدهَا شين مُعْجمَة: الْيَمَانِيّ أَبُو مُحَمَّد، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وَمَاله فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وصخر، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن جوَيْرِية النميري، يعد فِي الْبَصرِيين.
وَظَاهر هَذَا الطَّرِيق الْإِرْسَال وَلَكِن الطَّرِيق الَّتِي بعْدهَا
توضح أَن نَافِعًا حمله عَن ابْن عمر.
قَوْله: (وَعمر يستلئم) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَمعنى: يستلئم، أَي: يلبس لأمته بِالْهَمْز وَهِي السِّلَاح، يَعْنِي: الدرْع.
(وَقَالَ هِشَام بن عمار حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا عمر بن مُحَمَّد الْعمريّ أَخْبرنِي نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّاس كَانُوا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْم الْحُدَيْبِيَة تفَرقُوا فِي ظلال الشّجر فَإِذا النَّاس محدقون بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ يَا عبد الله انْظُر مَا شَأْن النَّاس قد أَحدقُوا برَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَوَجَدَهُمْ يبايعون فَبَايع ثمَّ رَجَعَ إِلَى عمر فَخرج فَبَايع) هَكَذَا وَقع فِي كثير من النّسخ بِصُورَة التَّعْلِيق وَفِي بعض النّسخ وَقَالَ لي وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ مَوْصُولا عَن الْحسن بن سُفْيَان عَن دُحَيْم بِضَم الدَّال وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله " محدقون بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَي محيطون بِهِ ناظرون إِلَيْهِ وَمِنْه الحديقة سميت بهَا لإحاطة الْبناء بهَا من الْبَسَاتِين وَغَيرهَا قَوْله " فَقَالَ يَا عبد الله " الْقَائِل هُوَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " قد أَحدقُوا " كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب وَوَقع للمستملي قَالَ أَحدقُوا فَجعل قَالَ مَوضِع قد قَالَ وَهَذَا تَحْرِيف (فَإِن قلت) السَّبَب الَّذِي هُنَا فِي أَن ابْن عمر بَايع قبل أَبِيه غير السَّبَب الَّذِي قبله قلت هَذَا السُّؤَال فِيهِ تعسف فَلَا يرد أصلا وَذَلِكَ أَن ابْن عمر تَكَرَّرت مِنْهُ الْمُبَايعَة هُنَا وتوحدت فِي الحَدِيث السَّابِق وَقد تكلّف الشارحون هَهُنَا بِمَا لَيْسَ بطائل
٤١٨٨ - حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثَنا يَعْلَى حدَّثَنا إسْمَاعِيلُ قالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ اعْتَمَرَ فَطافَ معَهُ وصَلَّى وصَلَّيْنَا مَعَهُ وسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ فَكُنَّا نَسْتُرُهُ منْ أهْلِ مَكَّةَ لَا يُصِيبُهُ أحَدٌ بِشَيْءٍ.
إِنَّمَا ذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا لكَون عبد الله بن أبي أوفى مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة، وَهِي فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة، وَكَانَ أَيْضا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي عمْرَة الْقَضَاء.
وَقد مر الحَدِيث فِي الْحَج فِي: بَاب مَتى يحل الْمُعْتَمِر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم عَن جرير عَن إِسْمَاعِيل عَن عبد الله بن أبي أوفى ... إِلَى آخِره بأتم مِنْهُ، وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير بِضَم النُّون، مصغر النمر عَن يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام: ابْن عبيد بن أبي أُميَّة أبي يُوسُف الطنافسي الْحَنَفِيّ الْإِيَادِي الْكُوفِي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، فَافْهَم.
٢١١ - (حَدثنَا الْحسن بن إِسْحَاق حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق حَدثنَا مَالك بن مغول قَالَ سَمِعت أَبَا حُصَيْن قَالَ قَالَ أَبُو وَائِل لما قدم سهل بن حنيف من صفّين أتيناه نستخبره فَقَالَ اتهموا الرَّأْي فَلَقَد رَأَيْتنِي يَوْم أبي جندل وَلَو أَسْتَطِيع أَن أرد على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمره لرددت وَالله وَرَسُوله أعلم وَمَا وَضعنَا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إِلَّا أسهلن بِنَا إِلَيّ أَمر نعرفه قبل هَذَا الْأَمر مَا نسد مِنْهَا خصما إِلَّا انفجر علينا خصم مَا نَدْرِي كَيفَ نأتي لَهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة تَأتي من حَيْثُ أَن فِيهِ ذكر أبي جندل الَّذِي كَانَت قَضيته يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَذَلِكَ أَنه لما أَتَى إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْم الْحُدَيْبِيَة رده إِلَى أَبِيه لما جَاءَ فِي طلبه وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره لَام وَقد مر بَيَانه فِيمَا مضى وَالْحسن بن إِسْحَق بن زِيَاد مولى بني اللَّيْث الْمروزِي الْمَعْرُوف بحسنويه يكنى أَبَا عَليّ وَثَّقَهُ
النَّسَائِيّ وَقَالَ أَبُو حَاتِم مَجْهُول وَقَالَ ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَكَانَ من أَصْحَاب ابْن الْمُبَارك وَمَات سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين ومأتين وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَمُحَمّد بن سَابق أَبُو جَعْفَر التَّمِيمِي الْبَغْدَادِيّ الْبَزَّار وَأَصله فَارسي كَانَ بِالْكُوفَةِ وَمَات سنة ثَلَاث عشرَة ومأتين وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة وَمَالك بن مغول بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو البَجلِيّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم المفتوحتين مَاتَ سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة الْكُوفِي أدْرك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا وَسَهل بن حنيف بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء الْأنْصَارِيّ الأوسي الصَّحَابِيّ قَوْله " من صفّين " يَعْنِي من وقْعَة صفّين الَّتِي كَانَت بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة وصفين بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء مَوضِع بَين الْعرَاق وَالشَّام قَوْله " اتهموا الرَّأْي " أَي اتهموا رَأْيكُمْ وَذَلِكَ أَن سهلا كَانَ يتهم بالتقصير فِي الْقِتَال فَقَالَ اتهموا رَأْيكُمْ فَإِنِّي لَا أقصر وَمَا كنت مقصرا وَقت الْحَاجة كَمَا فِي يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَإِنِّي رَأَيْت نَفسِي يَوْمئِذٍ بِحَيْثُ لَو قدرت على مُخَالفَة حكم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لقاتلت قتالا لَا مزِيد عَلَيْهِ لَكِن أتوقف عَنهُ الْيَوْم لمصْلحَة الْمُسلمين قَوْله " فَلَقَد رَأَيْتنِي " أَي فَلَقَد رَأَيْت نَفسِي قَوْله " يَوْم أبي جندل " أَرَادَ بِهِ يَوْم الْحُدَيْبِيَة وأضيف إِلَيْهِ إِذْ فِي ذَلِك الْيَوْم رده رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن قَوْله " وَلَو أَسْتَطِيع أَن أرد على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمره لرددت " أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَنه مَا توقف يَوْم الْحُدَيْبِيَة عَن الْقِتَال إِلَّا لأمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالكف عَن الْقِتَال لَا من جِهَة التَّقْصِير فِيهِ ثمَّ أكد كَلَامه بقوله وَالله وَرَسُوله أعلم بِمَا أقوله وَبِمَا كنت فِي يَوْم الْحُدَيْبِيَة قَوْله " وَمَا وَضعنَا أسيافنا " على عواتقنا يُرِيد بِهِ الْبَأْس وَالْقُوَّة والعواتق جمع عاتق وَهُوَ مَا بَين منْكب الرجل إِلَى عُنُقه قَوْله " يفظعنا " جملَة وَقعت صفة لقَوْله لأمر بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْفَاء وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة من أفظع الْأَمر إِذا اشْتَدَّ وَقَالَ ابْن فَارس يُقَال أفظع الْأَمر وفظع إِذا اشْتَدَّ ذكره فِي بَاب الْفَاء مَعَ الظَّاء الْمُعْجَمَة وَذكره ابْن التِّين بالضاد ثمَّ قَالَ هُوَ أَمر مهول وَقَالَ أَيْضا رُوِيَ بِفَتْح الْيَاء قلت حِينَئِذٍ يكون ثلاثيا مُجَردا وعَلى رِوَايَة الضَّم يكون ثلاثيا مزيدا فِيهِ وَفِي الْمطَالع قَوْله " لأمر يفظعنا " أَي يفزعنا ويعظم أمره ويشتد علينا ذكره فِي بَاب الْفَاء مَعَ الظَّاء الْمُعْجَمَة قَوْله قبل هَذَا الْأَمر لفظ قبل ظرف لقَوْله وَضعنَا وَأَرَادَ بِهَذَا الْأَمر مقاتلة عَليّ وَمُعَاوِيَة قَوْله " مِنْهَا " ويروى مِنْهُ أَي من هَذَا الْأَمر قَوْله " إِلَّا أسهلن بِنَا " أَي إِلَّا استمرت بِنَا إِلَى أَمر نعرفه قبل هَذَا الْأَمر وَقيل مَعْنَاهُ أفضت بِنَا إِلَى سهولة قَوْله خصما بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَهُوَ الْجَانِب الَّذِي فِيهِ العروة وَقيل جَانب كل شَيْء خَصمه وَيجمع على أخصام وَمِنْه قيل لِلْخَصْمَيْنِ خصمان لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَأْخُذ بالناحية من الدَّعْوَى غير نَاحيَة صَاحبه وَأَصله خصم الْقرْبَة وَلِهَذَا استعاره هُنَا مَعَ ذكر الانفجار كَمَا ينفجر المَاء من نواحي الْقرْبَة وَكَانَ قَول سهل بن حنيف هَذَا يَوْم صفّين لما حكم الحكمان وَقيل الْخصم الْحَبل الَّذِي تشد بِهِ الْأَحْمَال أَي مَا نلفق مِنْهُ حبلا إِلَّا انْقَطع آخر والْحَدِيث مضى فِي آخر الْجِهَاد مُخْتَصرا -
٤١٩٠ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ أبِي لَيْلَى عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أتَى علَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَمَنَ الحُدَيْبِيَّةِ والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ علَى وجْهِي فقالَ أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فاحْلِقْ وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أوِ انْسُك نَسِيكَةً قَالَ أيُّوبُ لَا أدْرِي بأيِّ هاذَا بَدَأَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (زمن الْحُدَيْبِيَة) وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه} (الْبَقَرَة: ١٩٦) . وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الْهَوَام) ، جمع هَامة بتَشْديد الْمِيم وَالْمرَاد بهَا هُنَا: الْقمل، والنسيكة: الذَّبِيحَة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٣٥ - (بابُ حَدِيثِ الإفْكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَدِيث الْإِفْك، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، بل هَكَذَا: حَدِيث الْإِفْك، أَي: هَذَا حَدِيث الْإِفْك وَلما كَانَ حَدِيث الْإِفْك فِي غَزْوَة بني المصطلق وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع ذكره هُنَا.
الإفْكِ والأفَكِ بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ والنَّجَسِ
أَشَارَ بهما إِلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ الأولى: الأفك، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء: كالنجس، بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْجِيم، وَالثَّانيَِة: الأفك، بِفَتْح الْهمزَة وَالْفَاء مَعًا: كالنجس، بِفتْحَتَيْنِ، وَالْأولَى هِيَ اللُّغَة الْمَشْهُورَة. قَوْله: (بِمَنْزِلَة النَّجس) أَي: بنظير النَّجس وَالنَّجس فِي الضَّبْط، وَفِي كَونهمَا لغتين، ثمَّ الْإِفْك مصدر أفك الرجل يأفك من بَاب ضرب يضْرب إِذا كذب، والإفك، بِضَم الْهمزَة جمع أفوك، وَهُوَ الْكثير الْكَذِب، ذكره ابْن عديس فِي الْكتاب (الباهر) .
يقَالُ إفْكُهُمْ وأفَكَهُمْ وأفَّكَهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {بل ضلوا عَنْهُم وَذَلِكَ إفكهم وَمَا كَانُوا يفترون} (الْأَحْقَاف: ٢٨) . قرىء فِي الْمَشْهُور: إفكهم، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء، وارتفاعه على أَنه خبر لقَوْله: وَذَلِكَ، وقرىء فِي الشاذ: أفكهم، بِفَتْح الْهمزَة وَالْفَاء وَالْكَاف جَمِيعًا على أَنه فعل ماضٍ، وقرىء أَيْضا: وأفكهم، بتَشْديد الْفَاء للْمُبَالَغَة، وآفكهم، بِمد الْهمزَة وَفتح الْفَاء أَي: جعلهم آفكين وآفكهم بِالْمدِّ وَكسر الْفَاء، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي قَوْلهم الْكَذِب كَمَا تَقول: قَول كَاذِب.
فَمَنْ قَالَ أفَكَهُمْ
يَعْنِي من جعله فعلا مَاضِيا.
يَقُولُ صرَفَهُمْ عنِ الإيمَانِ وكذَبَهُمْ كَمَا قَالَ يُؤْفَكُ عنْهُ مِنْ أُفِكَ يُصْرَفُ عنْهُ مِنْ صُرِفَ
يؤفك، بِضَم الْيَاء صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي الحَدِيث: لقد أفك قوم كَذبُوك، وظاهروا عَلَيْك، أَي صرفُوا عَن الْحق وَمنعُوا مِنْهُ، يُقَال: أفكه يأفكه أفكاً إِذا صرفه عَن الشَّيْء وَقَلبه، وأفك فَهُوَ مأفوك.
٤١٤١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بن مَسْعُودٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ قَالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا وكلُّهُمْ حدَّثَنِي طائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وبَعْضُهُمْ كانَ أوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وأثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصَاً وقَدْ وَعيْتُ عنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الحَدِيثَ الَّذِي حدَّثَنِي عنْ عَائِشة وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدَّقُ بَعْضَاً وإنْ كانَ بَعْضُهُمْ أوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ قالُوا قالَتْ عائِشَةُ كانَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أرَادَ سفَرَاً أقْرَعَ بَيْنَ أزْوَاجِهِ فأيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خرَجَ بِهَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَهُ قالَتْ عائِشَةُ فأقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فخَرَجْتُ معَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حتَّى إذَا فَرَغَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ قافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ فلَمَّا قَضَيْتُ شأنِي أقْبَلْتُ إلَى
رَحْلِي فلَمَسْتُ صَدْرِي فإذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَار قَدِ انْقَطَعَ فرَجَعْتُ فالْتَمَسْتُ عِقْدِي فحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ قالَتْ وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحِّلُونِي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ علَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أرْكَبُ عَلَيْهِ وهُمْ يَحْسِبُونَ أنِّي فِيهِ وكانَ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافَاً لَمْ يَهْبُلْنَ ولَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إنَّمَا يأكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ فلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وحَمَلُوهُ وكُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فبَعَثُوا الجَمَلَ فسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ ولَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وظَنَنْتُ أنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ فَبَيْنَا أنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السَّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فرَأى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رآنِي وكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ فاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَوالله مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ ولَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ وهَوَي حَتَّى أنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِيءَ علَى يَدِهَا فقُمْتُ إلَيْهَا فرَكِبْتُهَا فانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حتَّى أتَيْنَا الجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وهُمْ نُزُولٌ قالَتْ فهَلَكَ فِيَّ مَنْ هَلَكَ وكانَ الَّذِي تَوَلَّي كِبْرَ الإفْكِ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ أُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُشَاعُ ويُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ ويَسْتَمِعُهُ ويَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضا لَمْ يُسَمَّ مِنْ أهْلِ الإفْكِ أَيْضا إلَاّ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي ناسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أنَّهُمْ عُصْبَةٌ كَمَا قَالَ الله تعالَى وإنَّ كُبْرَ ذالِكَ يُقَالُ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ كَانَتْ عائِشَةُ تَكْرَهُ أنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وتَقُولُ إنَّهُ الَّذِي قَالَ:
(فَإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وعِرْضِي ... لِعِرْض مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ)
قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرَاً والنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أصْحَابِ الإفْكِ لَا أشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أنِّي لَا أعْرِفُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أرَى مِنْهُ حِينَ أشْتَكى إنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيُّ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذالِكَ يَرِيبُنِي ولَا أشْعُرُ بالشَّرِّ حتَّى خَرَجْتُ حِينَ نقَهْتُ فخَرَجْتُ معَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ وكانُ مُتَبَرَّزَنَا وكُنَّا لَا نَخْرُجُ إلَاّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ وذالِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبَاً مِنْ بُيُوتِنَا قالَتْ وأمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي البَرِيَّةِ قِبَلَ الغَائِطِ وكُنَّا نَتَأذَّى بالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا قالَتْ فانْطَلَقْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ وهْيَ ابْنَةُ أبِي رُهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنافٍ وأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ خالَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابْنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادٍ ابنِ المُطَّلِبِ فأقْبَلْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شأنِنَا فعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْرَاً فقَالَتْ أيْ هَنْتَاهُ ولَمْ
تَسْمَعِي مَا قَالَ قالَتْ وقُلْتُ مَا قَالَ فأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ قالَتْ فازْدَدْتُ مَرَضاً علَى مَرَضِي فلَمَّا رَجَعْتُ إلَى بَيْتِي دخَلَ علَيَّ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ فقُلْتُ لَهُ أتَأذَنُ لِي أنْ آتِي أبَوَيَّ قالَتْ وأُرِيدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الخَبرَ مِنْ قِبَلِهِمَا قالتْ فأذِنَ لي رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ لأُمِّي يَا أُمَّتَاهُ ماذَا يتَحَدَّثُ النَّاسُ قالتْ يَا بُنَيَّةُ هَوِّني علَيْكِ فَوَالله لقَلَّمَا كانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرَ إلَاّ كَثَّرْنَ علَيْهَا قالَتْ فقُلْتُ سُبْحَانَ الله أوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهاذَا قالتْ فبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أصْبَحْتُ لَا يَرْقأ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أصْبَحْتُ أبْكِي قالَتْ ودَعَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علِيَّ بنَ أبِي طالِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلبَثَ الوَحْيُ يَسْألُهُمَا ويَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أهْلِهِ قالَتْ فأمَّا أُسَامَةُ فأشَارَ علَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أهْلِهِ وبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ أُسَامَةُ أهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَاّ خَيْرَاً وأمَّا عليٌّ فقَالَ يَا رسُولَ الله لَمْ يُضَيِّقِ الله عَلَيْكَ والنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ قالَتْ فدَعَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَرِيرَةَ فَقال أيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا رأيْتُ علَيْهَا أمْرَاً قَطُّ أغْمِصُهُ غيْرَ أنَّهَا جَارِيَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عنْ عَجِينِ أهْلِهَا فتَأتِي الدَّاجِنُ فتَأكُلُهُ قالتْ فَقامَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ يَوْمِهِ فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ وَهْوَ علَى المِنْبَرِ فَقال يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قدْ بَلَغَنِي عنْهُ أذَاهُ فِي أهْلِي وَالله مَا عَلِمْتُ علَى أهْلِي إلَاّ خَيْرَاً ولَقَدْ ذكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ علَيْهِ إلَاّ خَيْرَاً وَمَا يَدْخُلُ علَى أهْلِي إلَاّ مَعِي قالَتْ فقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ فَقال أنَا يَا رسُولَ الله أعْذِرُكَ فإنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ قالَتْ فقَامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ وكانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخْذِهِ وهْوَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وهْوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ قالَتْ وكانَ قَبْلَ ذالِكَ رجُلاً صالِحَاً ولاكِنْ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فقَالَ لِسَعْدٍ كَذَبْت لَعَمْرُ الله لَا تَقْتُلْهُ ولَا تَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ ولَوْ كانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أحْبَبْتَ أنْ يُقْتَلَ فقامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وهْوَ ابنُ عَمِّ سَعْدٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عنِ المُنَافِقِينَ قالَتْ فَثارَ الْحَيَّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قائِمٌ علَى المِنْبَرِ قالَتْ فلَمْ يَزَلْ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُخَفِّضُهُمْ حتَّى سَكَتُوا وسَكَتَ قالَتْ فبَكَيْتُ يَوْمِي ذالِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ قالَتْ وأصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي وقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ ويَوْماً لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حتَّى إنِّي لأَظُنُّ أنَّ البُكَاءَ فالِقٌ كَبِدِي فبَيْنَا أبَوَايَ جالِسَانِ عِنْدِي وأنَا أبْكِي فاسْتأذَنَتْ علَيَّ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ فأذِنْتُ لَهَا فجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ علَى ذالِكَ دَخَلَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم عَلَيْنَا فسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قالَتْ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وقَدْ لَبِثَ شَهْرَاً لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي شأني بِشَيْءٍ قالَتْ فتَشَهَّدَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ يَا عائِشَةُ إنَّهُ بلَغَنِي عَنْكِ كذَا وكَذَا فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فسَيُبَرِّئُكِ الله وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي الله وتُوبِي إلَيْهِ فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تابَ الله علَيْهِ قالَتْ فلَمَّا قَضَى رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لأِبِي أجِبْ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنِّي فِيمَا قَالَ فَقَالَ أبي وَالله مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْتُ لاُِمِّي أجِيبِي رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا قالَ قالَتْ أُمِّي مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقُلْتُ وأنَا جَارِيَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ لَا أقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ كَثِيرَاً إنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هاذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أنْفُسِكُمْ وصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأمْرٍ وَالله يَعْلَمُ أنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِي فَوَالله لَا أجِدُ لِي ولَكُمْ مَثَلاً إلَاّ أبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعانُ علَى مَا تَصِفُونَ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ واضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي وَالله يَعْلَمُ أنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ وأنَّ الله مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي ولَكِنْ وَالله مَا كُنْتُ أظُنُّ أنَّ الله مُنْزِلٌ فِي شأنِي وَحْيَاً يُتْلَى لِشأنِي فِي نَفْسِي كانَ أحْقَرَ مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ الله فِيَّ بأمْر ولَكِنْ كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي الله بِهَا فَوالله مَا رَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ علَيْهِ فأخَذَهُ مَا كَانَ يأخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ حَتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ العَرَقِ مِثْلُ الجُمَانِ وهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قالَتْ فَسُرِّيَ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ يَضْحَكُ فكَانَتْ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أنْ قَالَ يَا عَائِشَةُ أمَّا الله فقَدْ بَرَّأكِ قالَتْ فقالَتْ لِي أُمِّي قُوُمِي إلَيْهِ فقُلْتُ لَا وَالله لَا أقُومُ إلَيْهِ فإنِّي لَا أحْمَدُ إلَاّ الله عَزَّ وَجَلَّ قالَتْ وأنْزَلَ الله تعَالى: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} (النُّور: ١١) . العَشَرَ الآياتِ ثُمَّ أنْزَلَ الله تعَالى هاذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وكانَ يُنْفِقُ علَى مِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وفَقْرِهِ وَالله لَا أُنْفِقُ علَى مِسْطَحٍ شَيْئَاً أبَداً بعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ فأنْزَلَ الله تعالَى: {وَلَا يأتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النُّور: ٢٢) . قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بلَى وَالله إنِّي لأحِبُّ أنْ يَغْفِرَ الله لِي فرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ علَيْهِ وَقَالَ وَالله لَا أنْزِعُهَا مِنْهُ أبَدَاً قالَتْ عائِشَةُ وكانَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سألَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عنْ أمْرِي فَقال لِزَيْنَبَ ماذَا عَلِمْتِ أوْ رَأيْتِ فقالَتْ يَا رسُولَ الله أحْمِي سَمْعِي وبَصَرِي وَالله مَا عَلِمْتُ إلَاّ خَيْرَاً قالَتْ عائِشَةُ وهْيَ الَّتِي كانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعَصَمَهَا الله بالوَرَعِ قالَتْ وطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا فهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ فهاذَا الَّذِي بلَغَنِي مِنْ
حَدِيثَ هاؤُلاءِ الرَّهْطِ ثُمَّ قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عائِشَةُ وَالله إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لِيَقُولَ سُبْحَانَ الله فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ قالَتْ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذالِكَ فِي سَبِيلِ الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات فِي أول: بَاب تَعْدِيل النِّسَاء بَعضهنَّ بَعْضًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان ... إِلَى آخِره، وليعتبر النَّاظر التَّفَاوُت بَينهمَا من حَدِيث الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ولنتكلم هُنَا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُ.
فَقَوله: (وَأثبت لَهُ اقتصاصاً) أَي: أحفظ وَأحسن إيراداً وسرداً للْحَدِيث، وَهَذَا الَّذِي فعله الزُّهْرِيّ من جمع الحَدِيث عَنْهُم جَائِز لَا كَرَاهَة فِيهِ، لِأَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَئِمَّة حفاظ ثقاة من عُظَمَاء التَّابِعين، فالحجة قَائِمَة بقول أَي كَانَ مِنْهُم. قَوْله: (فِي غَزْوَة غَزَاهَا) ، أرادة الْغَزْوَة الْمُصْطَلِقِيَّة. قَوْله: (سهمي) ، السهْم فِي الأَصْل وَاحِد السِّهَام الَّتِي يضْرب بهَا فِي الميسر، وَهِي القداح، ثمَّ سمى بهَا مَا يفوز بِهِ الفالح سَهْمه، ثمَّ كثر حَتَّى سمي كل نصيب سَهْما، وَالْمرَاد من السهْم هُنَا الْقدح الَّذِي يقترع بِهِ. قَوْله: (أحمل) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي هودجي) ، الهودج مركب من مراكب النِّسَاء مقتب وَغَيره مقتب. قَوْله: (من جزع ظفار) ، الْجزع بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة: خرز، وَهُوَ مُضَاف إِلَى: ظفار، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالراء مَبْنِيَّة على الْكسر وَهُوَ اسْم قَرْيَة بِالْيمن. قَوْله: (ابتغاؤه) ، أَي: طلبه. قَوْله: (لم يهبلن) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: من الهبل وَهُوَ كَثْرَة اللَّحْم والشحم. ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول من الإهبال، ويروى لم يهبلهن اللَّحْم أَي: لم يكثر عَلَيْهِنَّ، يُقَال: هبله اللَّحْم إِذا كثر عَلَيْهِ وَركب بعضه بَعْضًا. قَوْله: (الْعلقَة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَهِي الْقَلِيل من الْأكل. قَوْله: (فَلم يستنكر الْقَوْم خفَّة الهودج) ، وَقد تقدم فِي كتاب الشَّهَادَات: وَلم يستنكر الْقَوْم ثقل الهودج، والتوفيق بَينهمَا أَن الخفة والثقل من الْأُمُور الإضافية فيتفاوتان بِالنِّسْبَةِ. قَوْله: (فَتَيَمَّمت) ، أَي: قصدت. قَوْله: (وَكَانَ صَفْوَان ابْن الْمُعَطل) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن ربيضة بن خزاعي بن محَارب بن مرّة بن فالح بن ثَعْلَبَة بن بهثة بن سليم السّلمِيّ بِالضَّمِّ ثمَّ الذكواني، يكنى أَبَا عَمْرو، وَيُقَال: إِنَّه أسلم قبل الْمُريْسِيع وَشهد الْمُريْسِيع وَمَا بعْدهَا، قَالَ أَبُو عمر: وَكَانَ يكون على ساقة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن ابْن إِسْحَاق: أَنه قتل فِي غزَاة أرمينية شَهِيدا وأميرهم يَوْمئِذٍ عُثْمَان بن العَاصِي سنة تسع عشرَة فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: مَاتَ بالجزيرة فِي نَاحيَة سميساط وَدفن هُنَاكَ، وَقيل: غير ذَلِك. قَوْله: (باسترجاعه) ، أَي: بقوله: {إِنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجعُونَ} (الْبَقَرَة: ١٥٦) . قَوْله: (فحمرت) أَي: غطيت من التخمير، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: وَهِي التغطية. قَوْله: (وَهوى) ، أَي: اسرع حَتَّى أَنَاخَ أَي: برك رَاحِلَته، وَيُقَال: هوى يهوي هوياً من بَاب ضرب يضْرب إِذا أسْرع فِي السّير، وَهوى يهوي من بَاب علم يعلم هوياً إِذا أحب وَهوى يهوى هوياً بِالضَّمِّ: إِذا صعد، وبالفتح إِذا هَبَط، وَفِي رِوَايَة: وأهوى، بِالْهَمْزَةِ فِي أَوله من أَهْوى إِلَيْهِ إِذا مَال وَأَخذه. قَوْله: (فوطىء على يَدهَا) ، أَي: وطىء صَفْوَان على يَد الرَّاحِلَة ليسهل ركُوبهَا وَلَا يحْتَاج إِلَى مساعدته. قَوْله: (موغرين) ، يجوز أَن يكون صِيغَة تَثْنِيَة وَأَن يكون صِيغَة جمع نصبا على الْحَال، أَي: داخلين فِي الوغرة، بالغين الْمُعْجَمَة، وَيُقَال: أوغر الرجل أَي: دخل فِي شدَّة الْحر، كَمَا يُقَال: أظهر إِذا دخل فِي وَقت الظّهْر، ووغرت الهاجرة وغراً، إِذا اشتدت فِي وَقت توَسط الشَّمْس السَّمَاء، ووغر الصَّدْر بتحريك الْغَيْن الْمُعْجَمَة الغل والحرارة، ويروى: موعرين، بِالْعينِ الْمُهْملَة من الوعر. قَوْله: (فِي نحر الظهيرة) أَي: فِي صدر الظّهْر. قَوْله: (وهم نزُول) أَي: وَالْحَال أَن الْجَيْش نازلون. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (فَهَلَك فِي) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء، أَرَادَت مَا قَالُوا فِيهَا من الْكَذِب والبهتان والافتراء الَّذِي هُوَ سَبَب لهلاك الْقَائِلين، أَي: لخزيهم وَسَوَاد وُجُوههم عِنْد الله وَعند النَّاس. قَوْله: (وَالَّذِي تولى كبر الْإِفْك) بِكَسْر الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: الَّذِي بَاشر مُعظم الْإِفْك وَأَكْثَره (عبد الله بن أبي) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء: ابْن سلول، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَاّم الأولى، وَهِي امْرَأَة من خُزَاعَة وَهِي أم أبي بن مَالك بن الْحَارِث بن عبيد بن مَالك بن سَالم بن غنم بن الْخَزْرَج، وَكَانَ عبد الله هَذَا رَأس الْمُنَافِقين وَابْنه عبد الله من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة) أَي: ابْن الزبير بن الْعَوام أحد الروَاة
الْمَذْكُورين أول الحَدِيث، وَهُوَ مُتَّصِل بالسند الأول. قَوْله: (أخْبرت) على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ مقول عُرْوَة. قَوْله: (أَنه كَانَ يشاع ويتحدث بِهِ عِنْده) أَي: أَن الْإِفْك كَانَ يشاع عِنْد عبد الله بن أبي وكل من يشاع ويتحدث على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب تنَازع العاملين فِي قَوْله: عِنْده. قَوْله: (فيقره) بِضَم الْيَاء أَي: فَيقر عبد الله حَدِيث الْإِفْك وينكره وَلَا ينْهَى من يَقُول بِهِ. قَوْله: (ويستوشيه) أَي: يَسْتَخْرِجهُ بالبحث وَالْمَسْأَلَة ثمَّ يفشيه وَلَا يَدعه ينخمد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يستوشيه أَي يطْلب مَا عِنْده ليزيده. قَوْله: (لم يسم) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مسطح) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة الأولى وَفتح الثَّانِيَة: ابْن أَثَاثَة، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى: ابْن عباد بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي المطلبي، يكنى أَبَا عبَادَة، وَأمه سلمى بنت صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة، وَهِي ابْنة خَالَة أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: أم مسطح بن عَامر خَالَة أبي بكر، شهد بَدْرًا ثمَّ خَاضَ فِي الْإِفْك فجلده رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَن جلد، وَيُقَال: مسطح، لقب واسْمه: عَوْف، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ، وَقيل: شهد مسطح صفّين وَتُوفِّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (وَحمْنَة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالنون: بنت جحش، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن رياب الأَسدِية، من بني أَسد بن خُزَيْمَة، أُخْت زَيْنَب بنت جحش، كَانَت عِنْد مُصعب بن عُمَيْر فَقتل عَنْهَا يَوْم أحد فَتَزَوجهَا طَلْحَة بن عبيد الله وَكَانَت جلدت مَعَ من جلد فِي الْإِفْك. قَوْله: (فِي نَاس آخَرين) أَي: حَال كَون الْمَذْكُورين فِي جمَاعَة آخَرين فِي الْإِفْك. قَالَ عُرْوَة: (وَلَا علم لي بهم) أَي: بأساميهم، غير أَنهم كَانُوا عصبَة. قَالَ ابْن فَارس: الْعصبَة الْعشْرَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَا فَوق الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين، وَقيل: الْعصبَة الْجَمَاعَة. قَوْله: كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي قَوْله: {إِن الَّذين جاؤا بالإفك عصبَة مِنْكُم} (النُّور: ١١) . أَي: جمَاعَة متعصبون مِنْكُم أَي: من الْمُسلمين. قَوْله: (وَأَن كبر ذَلِك) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: وَأَن مُتَوَلِّي مُعظم الْإِفْك يُقَال لَهُ عبد الله بن أبي. قَوْله: (أَن يسب) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَتقول: إِنَّه) أَي: تَقول عَائِشَة: إِن حسان قَالَ: فَإِن أبي ووالده ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَإِن أبي) أَرَادَ بِهِ حسان أَبَاهُ ثَابتا، وَأَرَادَ بقوله: (ووالده) أَي: وَالِد أَبِيه وَهُوَ مُنْذر، وَأَبُو جده: حرَام، لِأَن حسان هُوَ ابْن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام بن عَمْرو بن زيد مَنَاة بن عدي بن مَالك بن النجار النجاري الْأنْصَارِيّ، وَحرَام ضد الْحَلَال وعاش كل وَاحِد من حسان وَأَبِيهِ وجده وجد أَبِيه مائَة وَعشْرين سنة، وَهَذَا من الغرائب. قَوْله: (وعرضي) بِالْكَسْرِ: هُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه أَو من يلْزمه أمره، وَقيل: هُوَ جَانِبه الَّذِي يصونه من نَفسه وحسبه ويحامي عَنهُ أَن ينتقص ويثلب. قَوْله: (وقاء) بِكَسْر الْوَاو، قَالَ الْجَوْهَرِي: الوقاء والوقاء مَا وقيت بِهِ شَيْئا. قَوْله: (فاشتكيت) أَي: مَرضت. قَوْله: (وَالنَّاس يفيضون) ، بِضَم الْيَاء أَي: يَخُوضُونَ. قَوْله: (وَهُوَ يريبني) ، بِفَتْح الْيَاء وَضمّهَا يُقَال: رابه وأرابه إِذا أَوْهَمهُ وشككه. قَوْله: (اللطف) ، بِضَم اللَّام وَسُكُون الطَّاء وَبِفَتْحِهَا جَمِيعًا: الْبر والرفق. قَوْله: (كَيفَ تيكم؟) إعلم أَن: تأوته: ته، اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمُؤَنَّث، فَإِن خاطبت جِئْت بِالْكَاف، فَقلت: تيك وتيكما وتيكم، وَمَا قبل الْكَاف لمن تُشِير إِلَيْهِ فِي التَّذْكِير والتأنيث والثنية وَالْجمع. قَوْله: (حِين نقهت) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا أَي: حِين أَفَقْت من الْمَرَض، يُقَال: نقه نقهاً ونقوها: إِذا صَحَّ عقيب علته، وأنقهه الله فَهُوَ ناقه. قَوْله: (قبل المناصع) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، والمناصع بالنُّون وَالصَّاد وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ على وزن الْمَسَاجِد: مَوَاضِع خَارج الْمَدِينَة كَانُوا يتبرزون فِيهَا، قَالَه الْأَزْهَرِي. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي يتخلى فِيهَا لقَضَاء الْحَاجة، وَاحِدهَا منصع لِأَنَّهُ يبرز إِلَيْهَا وَيظْهر، من نصع الشَّيْء ينصع إِذا وضح وَبَان. قَوْله: (متبرزنا) ، بتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة بعْدهَا الزَّاي الْمَفْتُوحَة: وَهُوَ مَوضِع البرَاز. قَوْله: (الكنف) ، بِضَمَّتَيْنِ جمع: كنيف، وَهُوَ كل مَا ستر من بِنَاء أَو حَظِيرَة. قَوْله: (الأول) بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو المخففة، ويروى بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو. قَوْله: (وَهِي ابْنة أبي رهم) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهَاء واسْمه: أنيس، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر النُّون: ابْن الْمطلب بن عبد منَاف، ذكره الزبير وَضَبطه ابْن مَاكُولَا هَكَذَا، وَيُقَال اسْمه صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة. قَوْله: (تعس) ، بِكَسْر الْعين، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَبِفَتْحِهَا قَالَه القَاضِي. قَوْله: (أَي: هنتاه) يَعْنِي: يَا هنتاه، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون النُّون وَفتحهَا، وَأما الْهَاء الْأَخِيرَة فتضم وتسكن وَهَذِه اللَّفْظَة تخْتَص بالنداء، وَمَعْنَاهُ: يَا هَذِه، وَقيل: يَا بلهاء كَأَنَّهَا نسبت إِلَى قلَّة الْمعرفَة بمكائد النَّاس وشرورهم. قَوْله: (وضيئة) ، أَي: حَسَنَة جميلَة، من الْوَضَاءَة وَهِي الْحسن. قَوْله: (إلَاّ كثرن) ، بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، ويروى: أكثرن، من
الْإِكْثَار، أَي: كثرن القَوْل الرَّدِيء عَلَيْهَا. قَوْله: (لَا يرقأ) بِالْقَافِ والهمزة، أَي: لَا يَنْقَطِع يُقَال رقا الدمع وَالدَّم والعرق يرقأ رقوء بِالضَّمِّ: إِذا سكن وَانْقطع. قَوْله: (أهلك) ، قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: وَجه الرّفْع على أَنه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: هِيَ أهلك مَا بهَا شَيْء، وَوجه النصب على تَقْدِير: إلزم أهلك. قَوْله: (لم يضيق الله عَلَيْك) قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا لم يكن عَدَاوَة وَلَا بغضاً، وَلَكِن لما رأى انزعاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الْأَمر وتقلقه بِهِ أَرَادَ إراحة خاطره وتسهيل الْأَمر عَلَيْهِ. قَوْله: (أَي بَرِيرَة) يَعْنِي: يَا بَرِيرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَهِي مولاة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (أغمصه) جملَة وَقعت صفة لقَوْله: أمرا، وَمَعْنَاهُ: أعيبها بِهِ وأطع بِهِ عَلَيْهَا، ومادته: غين مُعْجمَة وَمِيم وصاد مُهْملَة. قَوْله: (الدَّاجِن) ، بِكَسْر الْجِيم وَهِي: الشَّاة الَّتِي تقتنى فِي الْبَيْت وتعلف، وَقد تطلق على غير الشَّاة من كل مَا يألف الْبيُوت من الطير وَغَيره. قَوْله: (فاستعذر من عبد الله بن أبي) ، أَي: قَالَ من يعذرني فِيمَن أذاني فِي أَهلِي؟ وَمعنى: من يعذرني؟ وَمن يقوم بعذري إِن كافأته على قبح فعله؟ وَقيل: مَعْنَاهُ: من ينصرني؟ والعذير النَّاصِر. قَوْله: (فَقَامَ سعد بن معَاذ) ، فَإِن قلت: حَدِيث الْإِفْك كَانَ فِي الْمُريْسِيع، وَسعد قد مَاتَ قبله؟ قلت: ذكر ابْن مَنْدَه أَن سَعْدا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة خمس، وغزوة الْمُريْسِيع كَانَت فِي شعْبَان سنة خمس، فَكَأَن سَعْدا مَاتَ بعد شعْبَان من هَذِه السّنة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: يشبه أَن سَعْدا لم ينفجر جرحه إلَاّ بعد الْمُريْسِيع. قَوْله: (قلص دمعي) ، أَي: انْقَطع، قَوْله: (من البرحاء) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وبالمد، وبرحاء الْحمى وَغَيرهَا: شدَّة الْأَذَى. قَوْله: (الجمان) ، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم وَهُوَ: اللُّؤْلُؤ الصغار، وَقيل: حب يتَّخذ من الْفضة أَمْثَال اللُّؤْلُؤ. قَوْله: (من ثقل القَوْل) ، وَضَبطه ابْن التِّين بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْقَاف. قَوْله: {وَلَا يَأْتَلِ أولو الْفضل مِنْكُم} (النُّور: ٢٢) . أَي: لَا يحلف. قَوْله: (أحمى سَمْعِي وبصري) هُوَ مَأْخُوذ من الْحمى، تَقول: أحميه من المآثم إِن رَأَيْت مَا قيل، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت فِي كتاب الشَّهَادَات مستوفاة.
٤١٤٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّد قَالَ أمْلَى عَلَيَّ هِشَامُ بنُ يُوسُفَ مِنْ حِفْظِهِ قَالَ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ لي الولِيدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ أبْلَغَكَ أنَّ عَلِيَّاً كانَ فِيمَنْ قَذَفَ عائِشَةَ قُلْتُ لَا وَلاكِنْ قَدْ أخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِكَ أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ وأبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ لَهُمَا كانَ عَلِيٌّ مُسَلِّمَاً فِي شَأنِهَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ السَّابِق الطَّوِيل، وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ، والوليد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْأمَوِي.
قَوْله: (أمْلى عَليّ) ، من الْإِمْلَاء. قَوْله: (من حفظه) ، فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْإِمْلَاء قد يَقع من الْكتاب. قَوْله: (قَالَ لي الْوَلِيد) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن معمر: كنت عِنْد الْوَلِيد بن عبد الْملك ... أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله: (أبلغك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (قلت: لَا) ، الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ، أَي: لَا، كَانَ فِيمَن قذف عَائِشَة لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، منزه عَن أَن يَقُول مثل مقَالَة أهل الْإِفْك. قَوْله: (أَبُو سَلمَة) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَأَبُو بكر، عطف عَلَيْهِ تَقْدِيره: هما أَبُو سَلمَة وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، وَالْأولَى أَن يكون أَبُو سَلمَة عطف بَيَان، وَأَبُو بكر عطف عَلَيْهِ، وَأَرَادَ من قَوْله: (من قَوْمك) قُريْشًا، لِأَن أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن مخزومي وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف زهري يجمعهما مَعَ بني أُميَّة رَهْط الْوَلِيد مرّة بن كَعْب ابْن لؤَي بن غَالب. قَوْله: (قَالَت لَهما) ، أَي: قَالَت عَائِشَة لأبي سَلمَة وَأبي بكر. قَوْله: (مُسلما) بِكَسْر اللَّام الْمُشَدّدَة، كَذَا فِي نسخ البُخَارِيّ وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: مُسلما، بِفَتْح اللَاّم، فَالرِّوَايَة الأولى من التَّسْلِيم بِمَعْنى تَسْلِيم الْأَمر بِمَعْنى السُّكُوت، وَالثَّانيَِة من السَّلامَة من الْخَوْض فِيهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: ويروى: مسيئاً، يَعْنِي من الْإِسَاءَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : فِيهِ بعد، ورد عَلَيْهِ بِأَن عياضاً ذكر أَنه النَّسَفِيّ رَوَاهُ عَن البُخَارِيّ بِلَفْظ مسيئاً وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَليّ بن السكن عَن الْفربرِي. قلت: الظَّاهِر أَن نِسْبَة هَذِه اللَّفْظَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من حَيْثُ إِنَّه لم يقل مثل مَا قَالَ أُسَامَة بن زيد: أهلك، وَلَا نعلم إلَاّ خيرا، بل قَالَ: لم يضيق الله عَلَيْك وَالنِّسَاء
سواهَا كثير، وَمن هَذَا أَن بعض الغلاة من الناصبية تقربُوا إِلَى بني أُميَّة بِهَذِهِ اللَّفْظَة، فجزى الله تَعَالَى الزُّهْرِيّ خيرا حَيْثُ بَين للوليد بن عبد الْملك مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.
فَرَاجَعُوهُ فلَمْ يَرْجِعْ وَقَالَ مُسَلِّمَاً بِلَا شَكَّ فِيهِ وعَلَيْهِ كانَ فِي أصلِ العَتِيقِ كذَلِكَ
أَي: فراجعوا الزُّهْرِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَلم يرجع، أَي: فَلم يجب بِغَيْر ذَلِك. وَقَالَ معمر: قَالَ الزُّهْرِيّ: مُسلما بِلَا شكّ فِي هَذَا اللَّفْظ، وَزَاد أَيْضا لفظ: عَلَيْهِ، أَي: على الْوَلِيد. قَوْله: (وَقَالَ: مُسلما) أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَت عَائِشَة: قَالَ عَليّ بِلَفْظ مُسلما، لَا بِلَفْظ: مسيئاً، وَقَالَ بَعضهم: الْمُرَاجَعَة فِي ذَلِك وَقعت مَعَ هِشَام بن يُوسُف فِيمَا أَحسب، وَذَلِكَ أَن عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ عَن معمر فخالفه، فَرَوَاهُ بِلَفْظ: مسيئاً. قلت: الَّذِي فسره الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب، أَلا يرى أَن الْأصيلِيّ لما رَوَاهُ بِلَفْظ: مُسلما، قَالَ: كَذَا قرأناه؟ وَالله أعلم.
١٧٣ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن حُصَيْن عَن أبي وَائِل قَالَ حَدثنِي مَسْرُوق بن الأجدع قَالَ حَدَّثتنِي أم رُومَان وَهِي أم عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَت بَينا أَنا قَاعِدَة أَنا وَعَائِشَة إِذْ ولجت امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَت فعل الله بفلان وَفعل بفلان فَقَالَت أم رُومَان وَمَا ذَاك قَالَت ابْني فِيمَن حدث الحَدِيث قَالَت وَمَا ذَاك قَالَت كَذَا وَكَذَا قَالَت عَائِشَة سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت نعم قَالَت وَأَبُو بكر قَالَت نعم فخرت مغشيا عَلَيْهَا فَمَا أفاقت إِلَّا وَعَلَيْهَا حمى بنافض فطرحت عَلَيْهَا ثِيَابهَا فغطيتها فجَاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ مَا شَأْن هَذِه قلت يَا رَسُول الله أَخَذتهَا الْحمى بنافض قَالَ فَلَعَلَّ فِي حَدِيث تحدث بِهِ قَالَت نعم فَقَعَدت عَائِشَة فَقَالَت وَالله وَلَئِن حَلَفت لَا تصدقوني وَلَئِن قلت لَا تعذروني مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون قَالَت وَانْصَرف وَلم يقل شَيْئا فَأنْزل الله عذرها قَالَت بِحَمْد الله لَا بِحَمْد أَحْمد وَلَا بحَمْدك) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن لَهُ تعلقا بِالْحَدِيثِ الطَّوِيل السَّابِق وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة الْأَزْدِيّ وَأم رُومَان بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو تقدم ذكرهَا غير مرّة والْحَدِيث مر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي بَاب قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن إِلَى آخِره وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ ولنذكر هُنَا بعض شَيْء فَقَوله حَدَّثتنِي أم رُومَان فِيهِ إِشْكَال استشكله الْخَطِيب وَآخَرُونَ لِأَن أم رُومَان مَاتَت فِي زمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ومسروق لَيست لَهُ صُحْبَة لِأَنَّهُ لم يقدم من الْيمن إِلَّا بعد موت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي خلَافَة أبي بكر أَو عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ الْخَطِيب أَيْضا كَانَ مَسْرُوق يُرْسل هَذَا الحَدِيث عَن أم رُومَان وَيَقُول سُئِلت أم رُومَان فَوَهم حُصَيْن فِيهِ حَيْثُ جعل السَّائِل لَهَا مسروقا أَو يكون بعض النقلَة كتب سُئِلت بِالْألف فَصَارَت سَأَلت فَقَرَأت بِفتْحَتَيْنِ قَالَ عَليّ أَن بعض الروَاة قد رَوَاهُ عَن حُصَيْن على الصَّوَاب يَعْنِي بالعنعنة قَالَ وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِنَاء على ظَاهر الِاتِّصَال وَلم تظهر لَهُ علته انْتهى ورد على الْخَطِيب وَمن تبعه بِوَجْهَيْنِ الأول أَن مستندهم فِي تَارِيخ وَفَاة أم رُومَان عَن الْوَاقِدِيّ فَلَا يضر ذَلِك الْإِسْنَاد الصَّحِيح (الثَّانِي) ذكر أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ أَن أم رُومَان عاشت بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيُؤَيّد هَذَا مَا تقدم فِي عَلَامَات النُّبُوَّة من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فِي قصَّة أضياف أبي بكر قَالَ عبد الرَّحْمَن وَإِنَّمَا هُوَ أَنا وَأبي وَأمي
وامرأتي وخادم وَفِي كتاب الْأَدَب عِنْد البُخَارِيّ فَلَمَّا جَاءَ أَبُو بكر قَالَت لَهُ أُمِّي احْتبست عَن أضيافك الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن وَفَاة أم رُومَان تَأَخَّرت إِلَى زمن بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله إِذْ ولجت أَي إِذْ دخلت وَكلمَة إِذْ جَوَاب قَوْله بَينا قَوْله " حمى بنافض " النافض من الْحمى ذَات الرعدة قَوْله " فِي حَدِيث تحدث " بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " لَئِن حَلَفت " أَي على براءتي قَوْله " لَا تصدقوني " ويروى لَا تصدقونني قَوْله لَا تعذروني أَي لَا تقبلُوا مني الْعذر قَوْله " وَانْصَرف " أَي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
٤١٤٤ - حدَّثني يَحْيَى حدَّثنا وَكِيعٌ عنْ نَافِعِ بنِ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا كانَتْ تَقْرَأُ {إذْ تلِقُونَهُ بألْسِنَتِكُمْ} (النُّور: ١٥) . وتقُولُ الوَلْقُ الكَذِبُ.
قَالَ ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ وكانَتْ أعْلَمَ مِنْ غَيْرِهَا بِذَلِكَ لأِنَّهُ نَزَلَ فِيهَا. (الحَدِيث ٤١٤٤ طرفه فِي: ٤٧٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الَّذِي قبله. وَيحيى هُوَ ابْن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، ووكيع ابْن الْجراح، وَنَافِع بن عمر بن عبد الله الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، يروي عَن عبد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم.
قَوْله: (إِذْ تلقونه) يَعْنِي: تقْرَأ بِكَسْر اللَّام وَضم الْقَاف المخففة، وفسرته بقولِهَا: من الولق وَهُوَ: الْكَذِب، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ الْإِسْرَاع فِي الْكَذِب، وَقيل: هُوَ الِاسْتِمْرَار فِيهِ، وأصل: تلقونه، تولقونه، حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الكسرة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف فِي فعل الْغَائِب، وحذفت فِي فعل الْمُخَاطب وَغَيره طرداً للباب. قَوْله: (وَكَانَت أعلم من غَيرهَا) أَي: وَكَانَت عَائِشَة أعلم بِهَذِهِ الْقِرَاءَة من غَيرهَا، وَقِرَاءَة الْعَامَّة: إِذْ تلقونه، بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْقَاف من التلقي، وَأَصله: إِذْ تتلقونه، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
٤١٤٥ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ قَالَ ذَهَبْتُ أسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عائِشَةَ فقالَتْ لَا تَسُبَّهُ فإنَّهُ كانَ يُنافِحُ عَنْ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وقالَتْ عائِشَةُ اسْتَأذَنَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ قالَ كَيْفَ بِنَسَبي قالَ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٣١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حسانا مَذْكُور فِي حَدِيث الْبَاب، وَعَبدَة بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي، وَكَانَ اسْمه عبد الرَّحْمَن فغلب عَلَيْهِ لقبه عَبدة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن عَبدة وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة.
قَوْله: (ينافح) بِالْحَاء الْمُهْملَة، يُقَال: نافحت عَن فلَان إِذا خَاصَمت عَنهُ. قَوْله: (كَيفَ بنسبي؟) أَي: تعْمل فِي أَمر نسبي، إِذا هجوت قُريْشًا من الْمُشْركين؟
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بنُ عُقْبَةَ وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ فَرْقَدٍ سَمِعْتُ هِشَاماً عنْ أبِيهِ قَالَ سَبَبْتُ حَسَّانَ وكانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَيْهَا
مُحَمَّد بن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة: أَبُو جَعْفَر الطَّحَّان الْكُوفِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، علق عَنهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي: حَدثنَا مُحَمَّد بِغَيْر نِسْبَة، وَعرف نسبه من الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَعُثْمَان بن فرقد، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة: الْبَصْرِيّ، وَله حَدِيث آخر تقدم فِي أَوَاخِر الْبيُوع. قَوْله: (وَكَانَ مِمَّن كثر) بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة من التكثير (عَلَيْهَا) ، أَي: على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي ذكر قَضِيَّة الْإِفْك، فَلذَلِك كَانَ عُرْوَة يسبه.
١٧٦ - (حَدثنِي بشر بن خَالِد أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق قَالَ دَخَلنَا على عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَعِنْدهَا حسان بن ثَابت ينشدها شعرًا يشبب بِأَبْيَات لَهُ وَقَالَ
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لُحُوم الغوافل)
فَقَالَت لَهُ عَائِشَة لكنك لست كَذَلِك قَالَ مَسْرُوق فَقلت لَهَا لم تَأْذَنِي لَهُ أَن يدْخل عَلَيْك وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم} فَقَالَت وَأي عَذَاب أَشد من الْعَمى قَالَت لَهُ إِنَّه كَانَ ينافح أَو يهاجي عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث الْمَاضِي وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن خَالِد أَبُو مُحَمَّد العسكري الْفَرَائِضِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَمُحَمّد بن جَعْفَر وَهُوَ الملقب بغندر وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش وَأَبُو الضُّحَى بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة اسْمه مُسلم بن صبيح الْكُوفِي والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن بشر بن خَالِد وَعَن مُحَمَّد بن مثنى قَوْله يشبب بالشين الْمُعْجَمَة من التشبيب وَهُوَ ذكر الشَّاعِر مَا يتَعَلَّق بالغزل وَنَحْوه قَوْله حصان إِلَى آخِره وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل وحصان بِفَتْح الْحَاء أَي عفيفة تمْتَنع من الرِّجَال قَوْله رزان بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الزَّاي أَي صَاحِبَة الْوَقار وَقيل يُقَال امْرَأَة رزان إِذا كَانَت رزينة فِي مجلسها والرزان والثقال بِمَعْنى وَاحِد وَهِي قَليلَة الْحَرَكَة وَكِلَاهُمَا على وزن فعال بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ يكثر فِي أَوْصَاف الْمُؤَنَّث وَفِي الْأَعْلَام قَوْله " مَا تزن " بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الزَّاي وَتَشْديد النُّون أَي مَا تتهم بريبة يُقَال أزننت الرجل إِذا اتهمته بريبة والريبة بِكَسْر الرَّاء التُّهْمَة قَوْله " غرثى " بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة أَي جائعة يَعْنِي لَا تغتاب النَّاس إِذْ لَو كَانَت مغتابة لكَانَتْ آكِلَة من لحم أَخِيهَا فَتكون شبعانة لَا جوعانة وَيُقَال رجل غرثان وَامْرَأَة غرثى وَيُقَال وتصبح غرثى أَي خميصة الْبَطن من لُحُوم الغوافل وَهن العفيفات قَالَ تَعَالَى {إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات} جَعلهنَّ الله غافلات لِأَن الَّذِي رمين بِهِ من الشَّرّ لم يهمن بِهِ قطّ وَلَا خطر على قلوبهن فهن فِي غَفلَة عَنهُ وَهَذَا أبلغ مَا يكون من الْوَصْف بالعفاف قَوْله لكنك لست كَذَلِك الْخطاب لحسان فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه اغتاب عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حِين وَقعت قصَّة الْإِفْك وَقد عمي فِي آخر عمره قَوْله فَقلت لَهَا أَي لعَائِشَة لم تَأْذَنِي لَهُ أَي لحسان قَوْله أَن يدْخل أَي بِأَن يدْخل وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة قَوْله أَنه كَانَ ينافح أَي أَن حسان كَانَ يذب عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالشعر ويخاصم عَنهُ -
٣٦ - (بابُ غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بَاب عمْرَة الْحُدَيْبِيَة بدل غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَهِي بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ الْأَصْمَعِي هِيَ مُخَفّفَة الْيَاء الْأَخِيرَة وَزعم صَاحب تثقيف اللِّسَان أَن تشديدها لحن، وَقَالَ أَبُو الْخطاب خفف ياءها المتقنون وَعَامة الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء يشد دونهَا وَهِي قَرْيَة لَيست بالكبيرة سميت ببئر هُنَاكَ عِنْد مَسْجِد الشَّجَرَة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة تسع مراحل ومرحلة إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى والشجرة سَمُرَة بَايع الصَّحَابَة تحتهَا قَالَ مَالك هِيَ من الْحرم وَقَالَ ابْن الْقصار بَعْضهَا من الْحل وَبَعضهَا من الْحرم وَكَانَ يضارب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحل وَمُصَلَّاهُ فِي الْحرم وَقَالَ الْخطابِيّ: أهل الحَدِيث يشددونها وَكَذَلِكَ رَاء الْجِعِرَّانَة وَأهل الْعَرَبيَّة يخففونها وَقَالَ الْبكْرِيّ أهل الْعرَاق يشددون الْيَاء وَأهل الْحجاز يخففونها وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس سَأَلت كل من لَقيته مِمَّن أَثِق بِعِلْمِهِ عَن الْحُدَيْبِيَة فَلم يَخْتَلِفُوا على أَنَّهَا بِالتَّخْفِيفِ وَقيل سميت الْحُدَيْبِيَة بشجرة هُنَاكَ حدباء فصغرت.
وقوْلِ الله تعَالى لَقَدْ رضِيَ الله عنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَأَرَادَ بِذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة الْإِشَارَة إِلَى أَنَّهَا نزلت فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة وَقد مر بَيَان قصَّة الْحُدَيْبِيَة فِي كتاب الصُّلْح فِي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وَكَانَت فِي هِلَال ذِي الْقعدَة يَوْم الِاثْنَيْنِ سنة سِتّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَإِلَيْهِ ذهب الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة وَابْن عقبَة وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهم وَاخْتلف فِيهِ على عُرْوَة فَقيل مثل الْجَمَاعَة وَقيل فِي رَمَضَان فروى عَنهُ خرج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَمَضَان وَكَانَت الْعمرَة فِي شَوَّال وَقَالَ ابْن سعد وَلم يخرج
رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَه بسلاح إِلَّا السيوف فِي الْقرب وسَاق سبعين بَدَنَة فِيهَا جمل أبي جهل الَّذِي غنمه يَوْم بدر وَمَعَهُ من الْمُسلمين ألف وسِتمِائَة وَيُقَال ألف وَأَرْبَعمِائَة وَيُقَال خَمْسمِائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ رجلا وَمَعَهُ أم سَلمَة قَالَ الْحَاكِم وَالْقلب أميل إِلَى رِوَايَة من روى الْفَا وَخَمْسمِائة لاشتهاره ولمتابعة الْمسيب بن حزن لَهُ فِيهِ قَالَ وَرِوَايَة مُوسَى بن عقبَة كَانُوا ألفا وسِتمِائَة وَلم يُتَابع عَلَيْهَا. قلت: قَالَه أَبُو معشر وَأَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي قَالَ وروى عَن عبد الله بن أبي أوفى أَنهم كَانُوا ألفا وثلاثمائة وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة الْبَراء أَنهم كَانُوا ألفا وَأَرْبَعمِائَة. فَإِن قلت: مَا وَجه التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: الْوَجْه فِيهِ أَن بَعضهم ضم إِلَيْهِم النِّسَاء والاتباع وَبَعْضهمْ حذف وَقَالَ ابْن دحْيَة اخْتِلَاف الرِّوَايَات لِأَن ذَلِك من بَاب الْحِرْز والتخمين لَا من بَاب التَّحْدِيد.
٤١٤٧ - حدَّثني خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حدَّثنَا سُلَيْمَانُ بنُ بِلالٍ قَالَ حدَّثنِي صالِحُ بنُ كَيْسَانَ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ الحُدَيْبِيَةِ فأصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ فصَلَّى لَنَا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصُّبْحَ ثُمَّ أقْبَلَ علَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقال أتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قُلْنَا الله ورسُولُهُ أعْلَمُ فَقال قَالَ الله أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤمِنٌ بِي وكَافِرٌ بِي فأمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ الله وبِرِزْقِ الله وبِفَضْلِ الله فهْوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بالْكَوْكَبِ وأمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا فَهْوَ مُؤْمِنٌ بالْكَوْكَبِ كافِرٌ بِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله خرجنَا عَام الْحُدَيْبِيَة وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام البَجلِيّ الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب يسْتَقْبل الإِمَام النَّاس إِذا سلم.
٤١٤٨ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ أنَسَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أخْبَرَهُ قالَ اعْتَمَرَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْبَعَ عُمَر كُلُّهُنَّ فِي ذِي القَعْدَةِ إلَاّ الَّتِي كانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَةً مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَةً مِنَ الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله من الْحُدَيْبِيَة وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم الأولى ابْن يحيى الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي بَاب كم اعْتَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حسان بن حسان عَن همام عَن قَتَادَة إِلَى آخِره قَوْله: (عمْرَة من الْحُدَيْبِيَة) مُرَاده أَن عمْرَة الْحصْر عَن الطّواف محسوبة بِعُمْرَة وان لم يتم مناسكها قَوْله (من الْجِعِرَّانَة) بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَقد تشدد كَمَا مر هُنَاكَ فَإِن قلت: ذكر فِي الْجِهَاد فِي بَاب مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعْطى الْمُؤَلّفَة، قَالَ نَافِع وَلم يعْتَمر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْجِعِرَّانَة وَلَو اعْتَمر لم يخف على عبد الله بن عمر قلت: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لاحْتِمَال غيبته فِي ذَلِك الْوَقْت أَو نسيانه.
٤١٤٩ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ الرُّبِيعِ حدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ عنْ يَحْيَى عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قتَادَةَ أنَّ أبَاهُ حدَّثَهُ قَالَ انْطَلَقْنَا معَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ الحُدَيْبِيَةِ فأحْرَمَ أصْحَابُهُ ولَمْ أُحْرِمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَسَعِيد بن الرّبيع بِفَتْح الرَّاء العامري وعَلى بن الْمُبَارك الْهَبَّاري الْبَصْرِيّ وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير اليمامي الطَّائِي وَعبد الله بن أبي قَتَادَة يروي عَن أَبِيه أبي قَتَادَة وَفِي اسْمه أَقْوَال وَالْأَشْهر الْحَرْث بن ربعي الْأنْصَارِيّ الخزرجي والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي كتاب الْحَج فِي بَاب إِذا صَاد الْحَلَال فأهدى للْمحرمِ الصَّيْد أكله.
//
١٨٠ - (حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء رَضِي الله عَنهُ قَالَ تَعدونَ أَنْتُم الْفَتْح فتح مَكَّة وَقد كَانَ فتح مَكَّة فتحا وَنحن نعد الْفَتْح بيعَة الرضْوَان يَوْم الْحُدَيْبِيَة كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَربع عشرَة مائَة وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر فنزحناها فَلم نَتْرُك فِيهَا قَطْرَة فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَتَاهَا فَجَلَسَ على شفيرها ثمَّ دَعَا بِإِنَاء من مَاء فَتَوَضَّأ ثمَّ مضمض ودعا ثمَّ صبه فِيهَا فتركناها غير بعيد ثمَّ إِنَّهَا أصدرتنا مَا شِئْنَا نَحن وركابنا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب قَوْله " تَعدونَ أَنْتُم الْفَتْح فتح مَكَّة " أَي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا} وَقد كَانَ فتحا وَلَكِن بيعَة الرضْوَان هِيَ الْفَتْح الْعَظِيم لِأَنَّهَا كَانَت مُقَدّمَة لفتح مَكَّة وسببا لرضوان الله تَعَالَى وَذكر ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ قَالَ لم يكن فِي الْإِسْلَام فتح قبل فتح الْحُدَيْبِيَة أعظم مِنْهُ قَوْله " أَربع عشرَة مائَة " وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال ألفا وَأَرْبَعمِائَة لَكِن الْغَرَض مِنْهُ الْإِشْعَار بِأَن الْجَيْش كَانَ منقسما إِلَى المآت وَكَانَت كل مائَة ممتازة عَن الْأُخْرَى وَقد مر الْكَلَام عَن قريب فِي اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي الْعدَد قَوْله " وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر " أَي اسْم بِئْر ثمَّ عرف الْمَكَان كُله بذلك قَوْله " فنزحناها " كَذَا فِي الْأُصُول وَذكره ابْن التِّين بِلَفْظ " فنزفناها " ثمَّ قَالَ النزف والنزح وَاحِد وَهُوَ أَخذ المَاء شَيْئا فَشَيْئًا قَوْله " فتركناها غير بعيد " أَرَادَ أَنهم تركوها قدر سَاعَة يدل عَلَيْهِ رِوَايَة زُهَيْر فَدَعَا ثمَّ قَالَ دَعُوهَا سَاعَة قَوْله " أصدرتنا " من الإصدار يُقَال أصدرته فصدر أَي أرجعته فَرجع قَوْله " مَا شِئْنَا " أَي الْقدر الَّذِي أردنَا شربه والركاب بِكَسْر الرَّاء الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا -
٤١٥١ - حدَّثني فَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ حدَّثنَا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أعْيُنَ أبُو عَلِيٍّ الحَرَّانِيُّ حدَّثنَا زُهَيْرٌ حدَّثَنَا أبُو إسْحَاقَ قَالَ أنْبَأنَا البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُمْ كانُوا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ألْفَاً وأرْبَعَمِائَةٍ أوْ أكْثَرَ فنَزَلُوا علَى بِئْرٍ فنَزَحُوهَا فأتَوْا رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأتَى البِئْرَ وقَعَدَ علَى شَفِيرِهَا ثُمَّ قَال ائْتُونِي بِدَلوٍ مِنْ مَائِها فأُتِيَ بِهِ فبَصَقَ فدَعَا ثُمَّ قَالَ دَعُوهَا سَاعَة فأرْوَوْا أنْفُسَهُمْ ورِكابَهُمْ حتَّى ارْتَحَلُوا. (انْظُر الحَدِيث ٣٥٧٧ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث الْبَراء أخرجه عَن فضل، بالضاد الْمُعْجَمَة: ابْن يَعْقُوب الرخامي الْبَغْدَادِيّ، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. قَوْله: (فبصق) ، وَيُقَال فِيهِ: بسق وبزق.
٤١٥٢ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدَّثَنَا حُصَيْنٌ عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فتَوَضَّأَ مِنْهَا ثُمَّ أقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا لَكُمْ قالُوا يَا رسُولَ الله لَيْسَ عِنْدَنَا ماءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ ولَا نَشْرَبُ إلَاّ مَا فِي رَكْوَتِكَ قَالَ فوَضَعَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أصَابِعِهِ كأمْثَالِ الْعُيُونِ قَالَ فشَرِبْنَا وتَوَضَّأنَا فقُلْتُ لِجَابِرٍ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ ألْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشَرَةَ مِائَةً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَوْم الْحُدَيْبِيَة) ، ويوسف بن عِيسَى أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا يروي عَن مُحَمَّد بن
فُضَيْل مصغر فضل، بِالْمُعْجَمَةِ عَن حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: أبي عبد الرَّحْمَن عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر بن عبد الله.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن حُصَيْن ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، فَإِن قلت: حَدِيث جَابر هَذَا مُغَاير لحَدِيث الْبَراء الْمُتَقَدّم على مَا لَا يخفى. قلت: وَقع ذَلِك فِي وَقْتَيْنِ، وَذكر فِي الْأَشْرِبَة أَن حَدِيث جَابر فِي نبع المَاء كَانَ حِين حضرت صَلَاة الْعَصْر عِنْد إِرَادَة الْوضُوء، وَحَدِيث الْبَراء كَانَ لإِرَادَة مَا هُوَ أَعم من ذَلِك، وَقيل: يحْتَمل أَنهم لما توضؤا من المَاء الَّذِي نبع من بَين أَصَابِعه وَيَده فِي الركوة صب المَاء الَّذِي بَقِي مِنْهَا فِي الْبِئْر ففار المَاء فِيهَا وَكثر.
٤١٥٣ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّد حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتَادَةَ قُلْتُ لِ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ بلَغَنِي أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْد الله كانَ يَقُولُ كانُوا أرْبَعَةَ عشْرَةَ مِائَةً فقَال لي سَعِيدٌ حدَّثنِي جابرٌ كانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةَ الَّذِينَ بايَعُوا النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر أخرجه عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الخاركي الْبَصْرِيّ عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر الزَّرْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ... إِلَى آخِره، وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ بَين الرِّوَايَتَيْنِ لِأَن كلا يَحْكِي على مَا ظَنّه، وَلَعَلَّ بَعضهم اعْتبر الأكابر وَبَعْضهمْ الأوساط وَبَعْضهمْ الأصاغر، على أَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد. قَوْله: (فَقَالَ لي سعيد) مقول قَتَادَة، أَي: قَالَ لي سعيد بن الْمسيب: حَدثنِي جَابر ... إِلَى آخِره.
تابَعَهُ أبُو دَاوُدَ حدَّثنَا قُرَّةُ عنْ قَتَادَةَ
أَي: تَابع الصَّلْت شيخ البُخَارِيّ فِي رِوَايَته أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن قُرَّة بن خَالِد عَن قَتَادَة، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَمْرو بن عَليّ الفلاس عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن قُرَّة عَن قَتَادَة، قَالَ: سَأَلت سعيد بن الْمسيب: كم كَانُوا فِي بيعَة الرضْوَان؟ فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ أوهم يرحمه الله هُوَ حَدثنِي أَنهم كَانُوا ألفا وَخَمْسمِائة. وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: حَدِيث أبي دَاوُد مَشْهُور عَنهُ، وَأما حَدِيث سعيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة فَإِن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد رَوَاهُ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَقَالَ فِيهِ: نسي جَابر، كَانُوا خمس عشرَة مائَة، وَلم يقل فِيهِ: حَدثنِي، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُوسَى وَبُنْدَار عَن ابْن أبي عدي عَن سعيد كَرِوَايَة الْعَبَّاس.
٤١٥٤ - حدَّثنا أبُو دَاوُدَ حدَّثَنَا شُعْبَةُ. حدَّثَنَا عَلِيٌّ حدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌ وسَمِعْتُ جَابِرَ ابنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ لنا رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ أنْتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وكُنَّا ألْفَاً وأرْبَعَمِائَةٍ ولَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكانَ الشَّجَرَةِ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن عبد الله ... إِلَى آخِره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن عَمْرو وَآخَرين، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور.
قَوْله: (أَنْتُم خير أهل الأَرْض) ، هَذَا يدل صَرِيحًا على فضل أهل الشَّجَرَة، وهم الَّذين بَايعُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحتهَا، وهم أهل بيعَة الرضْوَان. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَلم يرد دُخُول نَفسه فيهم، وَاحْتج بِهِ بعض الشِّيعَة فِي تَفْضِيل عَليّ على عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لِأَن عليا كَانَ حَاضرا وَعُثْمَان كَانَ غَائِبا بِمَكَّة، ورد بِأَن عُثْمَان كَانَ فِي حكم من دخل تَحت الْخطاب لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بَايع عَنهُ وَهُوَ غَائِب، فَدخل عُثْمَان فيهم، وَلم يقْصد فِي الحَدِيث تَفْضِيل بَعضهم على بعض، وَاحْتج بِهِ بَعضهم على أَن الْخضر، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ بِنَبِي، لِأَنَّهُ لَو كَانَ حَيا مَعَ ثُبُوت كَونه نَبيا للَزِمَ تَفْضِيل غير النَّبِي على النَّبِي، وَهَذَا بَاطِل، فَدلَّ على أَنه لَيْسَ بحي حِينَئِذٍ، وَأجَاب من زعم أَنه نَبِي وَأَنه حَيّ بِثُبُوت الْأَدِلَّة الْوَاضِحَة على نبوته، وَأَنه كَانَ حَاضرا مَعَهم، وَلم يقْصد تَفْضِيل بعض على بعض، وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي الْبَحْر، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا جَوَاب سَاقِط. قلت: لَا نسلم سُقُوطه لعدم الْمَانِع من ذَلِك، وَادّعى ابْن التِّين أَنه حَيّ وَبنى عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ بِنَبِي
لدُخُوله فِي عُمُوم من فضل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الشَّجَرَة عَلَيْهِم، ورد عَلَيْهِ بِأَن إِنْكَاره نبوة خضر غير صَحِيح لما ذكرنَا، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي (تاريخنا الْكَبِير) . وَزعم ابْن التِّين أَيْضا أَن إلْيَاس، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ بِنَبِي، وَبِنَاء على قَول من زعم أَنه حَيّ. قلت: لم يَصح أَنه كَانَ حَيا حِينَئِذٍ، وَلَئِن سلمنَا حَيَاته حِينَئِذٍ فَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ الْآن فِي حق الْخضر، وَأما نفي نبوته فَبَاطِل لِأَن الْقُرْآن نطق بِأَنَّهُ {كَانَ من الْمُرْسلين} فَلَا يُمكن أَن يكون مُرْسلا وَهُوَ غير نَبِي. قَوْله: (وَلَو كنت أبْصر الْيَوْم) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ عمي فِي آخر عمره. قَوْله: (لَأَرَيْتُكُمْ) ، من الإراءة. قَوْله: (مَكَان الشَّجَرَة) ، وَهِي شَجَرَة سمة الَّتِي بَايَعت الصَّحَابَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحتهَا.
تابَعَهُ الأعْمَشُ سَمِعَ سالِمَاً سَمِعَ جابِراً ألْفَاً وأرْبَعَمِائَةٍ
أَي: تَابع سُفْيَان بن عُيَيْنَة سُلَيْمَان الْأَعْمَش فِي رِوَايَته: ألفا وَأَرْبَعمِائَة، لِأَنَّهُ سمع سَالم بن أبي الْجَعْد أَنه سمع جَابِرا يَقُول: ألفا وَأَرْبَعمِائَة، وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا البُخَارِيّ فِي آخر كتاب الْأَشْرِبَة، بأتم مِنْهُ.
٤١٥٥ - وَقَالَ عُبَيْدُ الله بنُ مُعَاذٍ حدَّثنَا أبِي حدَّثَنَا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ حدَّثَنِي عَبْدُ الله بنُ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما كانَ أصْحَابُ الشَّجَرَةِ ألْفَاً وثَلَاثَمِائَةٍ وكانَتْ أسْلَمُ ثُمُنَ المُهَاجِرِينَ.
هَذَا التَّعْلِيق مَوْقُوف أخرجه عَن عبيد الله بن معَاذ، بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة، عَن أَبِيه معَاذ بن معَاذ بن نصر التَّمِيمِي الْعَنْبَري قَاضِي الْبَصْرَة عَن شُعْبَة عَن عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: عَن عبد الله بن أبي أوفى الصَّحَابِيّ وَأَبُو أوفى اسْمه عَلْقَمَة الْأَسْلَمِيّ.
وَأخرجه مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا عبيد الله بن معَاذ ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (أسلم) ، بِلَفْظ الْمَاضِي: قَبيلَة، وَقَالَ الرشاطي، هَذَا فِي خُزَاعَة وَفِي مذْحج وَفِي بجيلة. قَوْله: (ثمن الْمُهَاجِرين) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم وَبِضَمِّهَا، قَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة من أسلم مائَة رجل، فعلى هَذَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ ثَمَانمِائَة، وَالله أعلم.
تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثَنا أبُو داوُدَ حدَّثَنَا شُعْبَةُ
أَي: تَابع عبيد الله بن معَاذ بن مُحَمَّد بن بشار الملقب ببندار عَن أبي سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي عبد الْكَرِيم عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه مُسلم عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي دَاوُد بِهِ.
١٨٥ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أخبرنَا عِيسَى عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس أَنه سمع مرداسا الْأَسْلَمِيّ يَقُول وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة يقبض الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حفالة كحفالة التَّمْر وَالشعِير لَا يعبأ الله بهم شَيْئا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة وَعِيسَى هُوَ ابْن يُونُس وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم ومرداس بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن مَالك الْأَسْلَمِيّ الْكُوفِي وَحَدِيثه هَذَا مَوْقُوف وَأوردهُ البُخَارِيّ فِي الرقَاق من طَرِيق بَيَان عَن قيس مَرْفُوعا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَلَا يعرف أَنه روى عَنهُ إِلَّا قيس بن أبي حَازِم قَالَه بَعضهم وَقَالَ أَبُو عمر لَيْسَ لَهُ حَدِيث عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَّا هَذَا الحَدِيث قَوْله " الأول فَالْأول " قَالَ الْكرْمَانِي أَي الْأَصْلَح فالأصلح (قلت) الأول مَرْفُوع بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره يذهب الأول وَقَوله فَالْأول عطف عَلَيْهِ وَحَاصِل الْمَعْنى يذهب الصالحون من وَجه الأَرْض أَولا فأولا قَوْله " وَتبقى حفالة " بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء المخففة أَي تبقى على وَجه الأَرْض بعد ذهَاب الصَّالِحين رذالة من النَّاس كرديء التَّمْر ونفايته وَهُوَ مثل الحثالة بالثاء الْمُثَلَّثَة مَوضِع الْفَاء قَالَ ابْن الْأَثِير الحثالة الرَّدِيء من كل شَيْء وَمِنْه حثالة الشّعير والأرز وَالتَّمْر وكل ذِي قشر وَيُقَال هُوَ من حفالتهم وَمن حثالتهم أَي مِمَّن لَا خير فِيهِ مِنْهُم وَقيل هُوَ الرذال من كل شَيْء وَالْفَاء والثاء كثيرا يتعاقبان نَحْو ثوم وفوم وَفِي التَّوْضِيح وَفِي غير البُخَارِيّ حثالة بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهِي أشهر
كَمَا قَالَ الْخطابِيّ وَالْجَمَاعَة على أَنَّهُمَا بِمَعْنى قَوْله " لَا يعبأ الله بهم شَيْئا " أَي لَا يبال بهم أَي لَيْسَ لَهُم منزلَة عِنْده وَقَالَ الْجَوْهَرِي مَا عبأت بفلان عبأ أَي مَا باليت بِهِ
٤١٥٨ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوَانَ والمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةً قالَا خرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ الحُدَيْبِيَّةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أصْحَابِهِ فَلَمَّا كانَ بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وأشْعَرَ وأحْرَمَ مِنْهَا لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ سُفْيَانَ حتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَا أحْفَظُ مِنَ الزُّهْرِيِّ الإشْعَارَ والتَّقْلِيدَ فَلَا أدْرِي يَعْنِي مَوْضِعَ الإشْعَارِ والتَّقْلِيدِ أوِ الحَدِيثَ كُلَّهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَام الْحُدَيْبِيَة) . وعَلى بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، ومروان هُوَ ابْن الحكم، والمسور، بِكَسْر الْمِيم: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله ... إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي بأتم مِنْهُ فِي هَذَا الْبَاب.
قَوْله: (قلد الْهَدْي) ، من التَّقْلِيد وَهُوَ أَن يُقَلّد فِي عنق الْبَدنَة شَيْء ليعلم أَنه هدي. قَوْله: (وأشعر) ، من الْإِشْعَار. وَهُوَ أَن يضْرب صفحة سَنَام الْبَدنَة الْيُمْنَى بحديدة فيلطخها بِالدَّمِ ليشعر بِهِ أَنَّهَا هدي. قَوْله: (لَا أحصي) إِلَى آخِره، من كَلَام عَليّ بن عبد الله شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (حَتَّى سمعته) أَي: حَتَّى سَمِعت سُفْيَان يَقُول: لَا أحفظ إِنَّمَا كَرَّرَه للتَّأْكِيد. قَوْله: (من الزُّهْرِيّ) ، وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الرَّاوِي. قَوْله: (الْإِشْعَار) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول: لَا أحفظ (والتقليد) بِالنّصب أَيْضا عطف عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: لَا أحصي كم مرّة سَمِعت الحَدِيث من سُفْيَان، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: لَا أحصي كم عددا سمعته أخمسمائة أم أَرْبَعمِائَة أم ثَلَاثمِائَة! وَتعقب عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن حَدِيث سُفْيَان هَذَا لَيْسَ فِيهِ تعرض للتردد فِي عَددهمْ، بل الطّرق كلهَا جازمة بِأَن الزُّهْرِيّ قَالَ فِي رِوَايَته: كَانُوا بضع عشرَة مائَة، وَكَذَلِكَ كل من رَوَاهُ عَن سُفْيَان، وَإِنَّمَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك فِي حَدِيث جَابر والبراء. انْتهى. قلت: تعقبه ظَاهر، وَلَكِن الِاحْتِمَال غير مَدْفُوع لعدم الْجَزْم بِهِ.
٤١٥٩ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ خَلَفٍ قَالَ حدَّثَنا إسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ عنْ أبِي بِشْرٍ ورْقَاءَ عَنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ حدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي لَيْلَى عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رآهُ وقَمْلُهُ يَسْقُطُ علَى وَجْهِهِ فَقَالَ أيُؤذِيكَ هَوَامُكَ قَالَ نَعَمْ فأمَرَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَحْلِقَ وهْوَ بالحُدَيْبِيَّةِ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أنَّهُمْ يحِلُّونَ بِهَا وهُمْ على طَمَعٍ أنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فأنْزَلَ الله الفِدْيَةَ فأمَرَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أوْ يُهْدِيَ شَاةً أوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية) وَالْحسن بن خلف، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام: أَبُو عَليّ الوَاسِطِيّ مَاتَ سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ ثِقَة وَمَا لَهُ عَنهُ فِي (الصَّحِيح) سوى هَذَا الْموضع، وَإِسْحَاق بن يُوسُف ابْن يَعْقُوب الْأَزْرَق الوَاسِطِيّ، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: اسْمه وَرْقَاء، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وبالقاف، وَالْمدّ: ابْن عمر بن كُلَيْب الْيَشْكُرِي، وَيُقَال الشَّيْبَانِيّ، وَأَصله من خوارزم، وَيُقَال: من الْكُوفَة، سكن الْمَدَائِن، يروي عَن عبد الله بن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه: يسَار ضد الْيَمين.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب النّسك بِشَاة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فرقا) ، بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وَقد تسكن، وَهُوَ مكيال يسع سِتَّة عشر رطلا.
١٨٨ - (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله قَالَ حَدثنِي مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ
خرجت مَعَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ إِلَى السُّوق فلحقت عمر امْرَأَة شَابة فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هلك زَوجي وَترك صبية صغَارًا وَالله مَا ينضجون كُرَاعًا وَلَا لَهُم زرع وَلَا ضرع وخشيت أَن تأكلهم الضبع وَأَنا بنت خفاف بن إِيمَاء الْغِفَارِيّ وَقد شهد أبي الْحُدَيْبِيَة مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَوقف مَعهَا عمر وَلم يمض ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بِنسَب قريب ثمَّ انْصَرف إِلَى بعير ظهير كَانَ مربوطا فِي الدَّار فَحمل عَلَيْهِ غرارتين ملأهما طَعَاما وَحمل بَينهمَا نَفَقَة وثيابا ثمَّ ناولها بخطامه ثمَّ قَالَ اقتاديه فَلَنْ يفنى حَتَّى يأتيكم الله بِخَير فَقَالَ رجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أكثرت لَهَا قَالَ عمر ثكلتك أمك وَالله إِنِّي لأرى أَبَا هَذِه وأخاها قد حاصرا حصنا زَمَانا فافتتحاه ثمَّ أَصْبَحْنَا نستفيء سهمانهما فِيهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَقد شهد أبي الْحُدَيْبِيَة وَأسلم وَالِد زيد مولى عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ من سبي الْيمن وَيُقَال من سبي عين التَّمْر ابتاعه عمر بِمَكَّة سنة إِحْدَى عشرَة قَوْله " فلحقت عمر امْرَأَة شَابة " وَفِي رِوَايَة معن عَن مَالك عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فلقينا امْرَأَة فتشبثت بثيابه وَفِي طَرِيق سعيد بن دَاوُد عَن مَالك فتعلقت بثيابه وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ إِنِّي امْرَأَة مؤتمة قَوْله " صبية " بِكَسْر الصَّاد وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة جمع صبي قَوْله " مَا ينضجون كُرَاعًا " بِضَم الْيَاء وَسُكُون النُّون وَكسر الصَّاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا جِيم يَعْنِي لَا كرَاع لَهُم حَتَّى ينضجونه أَو لَا كِفَايَة لَهُم فِي تَرْتِيب مَا يَأْكُلُونَهُ أَو لَا يقدرُونَ على الإنضاج يَعْنِي أَنهم لَو حاولوا نضج كرَاع مَا قدرُوا لصغرهم والكراع من الدَّوَابّ مَا دون الكعب وَمن الْإِنْسَان مَا دون الرّكْبَة قَوْله " وَلَا لَهُم زرع " أَي نَبَات قَوْله وَلَا ضرع كِنَايَة عَن النعم قَوْله " أَن تأكلهم الضبع " بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة السّنة المجدبة الشَّدِيدَة وَأَيْضًا الْحَيَوَان الْمَشْهُور وَقَالَ الدَّاودِيّ سميت بذلك لِأَنَّهُ يكثر الْمَوْتَى فِيهَا حَتَّى لَا يقبر أحدهم فتأكله الضبع وَغَيرهَا قيل فِيهِ نظر قَوْله " وَأَنا بنت خفاف " بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الأولى ابْن إِيمَاء بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمد وَقيل أَيّمَا بِالْفَتْح وَالْقصر وَهُوَ منصرف ابْن رحضة بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن خُزَيْمَة بن خلان بن الْحَارِث بن غفار الْغِفَارِيّ بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالراء وَقَالَ أَبُو عمر يُقَال لخفاف وَأَبِيهِ وجده صُحْبَة وَكَانُوا ينزلون غيقة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وقاف من بِلَاد غفار ويأتون الْمَدِينَة كثيرا وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ خفاف بن إِيمَاء من المعذرين من الْأَعْرَاب وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ فِيمَن جَاءَ من الْأَعْرَاب من بني غفار إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ يُرِيد تَبُوك يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فِي التَّخَلُّف عَنهُ فَلم يعذرهم الله ولخفاف هَذَا حَدِيث مَوْصُول عِنْد مُسلم قَوْله " شهد أبي الْحُدَيْبِيَة " ذكر الْوَاقِدِيّ من حَدِيث أبي رهم الْغِفَارِيّ قَالَ لما نزل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالأبواء أهْدى لَهُ إِيمَاء بن رحضة مائَة شَاة وبعيرين يحْملَانِ لَبَنًا وَبعث بهَا مَعَ ابْنه خفاف فَقبل هديته وَفرق الْغنم فِي أَصْحَابه ودعا بِالْبركَةِ قَوْله مرْحَبًا مَعْنَاهُ أتيت سَعَة ورحبا قَوْله بِنسَب قريب يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ قرب نسب غفار من قُرَيْش لِأَن كنَانَة تجمعهم وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنَّهَا انتسبت إِلَى شخص وَاحِد مَعْرُوف قَوْله ظهير أَي قوي الظّهْر معد للْحَاجة وَقَالَ الْجَوْهَرِي بعير ظهير بَين الظهارة إِذا كَانَ قَوِيا وناقة ظهيرة قَوْله غرارتين تَثْنِيَة غرارة بالغين الْمُعْجَمَة وَهِي الَّتِي تتَّخذ للتبن وَغَيره وَقيل هِيَ معربة قَوْله بخطامه أَي بِخِطَام الْبَعِير وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يُقَاد بِهِ سمي بذلك لِأَنَّهُ يَقع على الخطم وَهُوَ الْأنف قَوْله اقتاديه أَمر من الاقتياد وَفِي رِوَايَة سعيد بن دَاوُد قودي هَذَا الْبَعِير قَوْله بِخَير وَفِي رِوَايَة سعيد بن دَاوُد بالرزق قَوْله ثكلتك أمك هِيَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب للإنكار وَلَا يُرِيدُونَ حَقِيقَتهَا كَقَوْلِهِم تربت يداك وقاتلك الله وَمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ فقدتك أمك وَهُوَ الدُّعَاء بِالْمَوْتِ من الثكل بِضَم الثَّاء وَسُكُون الْكَاف وَهُوَ فقد الْوَلَد
وَيُقَال امْرَأَة ثاكل وثكلى وَرجل ثاكل وثكلان قَوْله أَبَا هَذِه أَي أَبَا هَذِه الْمَرْأَة وَهُوَ خفاف وأخوها لم يدر اسْمه وَكَانَ لخفاف ابْنَانِ الْحَارِث ومخلد وهما تابعيان والْحَارث روى عَن أَبِيه ومخلد يروي عَن عُرْوَة وروى عَنهُ ابْن أبي ذِئْب حَدِيث الْخراج من الضَّمَان أخرج لَهُ الْأَرْبَعَة وَأما مخلد الْغِفَارِيّ فَلهُ صُحْبَة ذكره البُخَارِيّ فِي الصَّحَابَة وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ لَيْسَ لَهُ صُحْبَة وَقَول أبي عمرَان لخفاف وَأَبِيهِ وجده صُحْبَة يدل على أَن يكون هَؤُلَاءِ أَرْبَعَة فِي نسق لَهُ صُحْبَة وهم بنت خفاف وخفاف وَأَبوهُ إِيمَاء وجده رحضة وَفِيه رد على من زعم أَنه لم يُوجد أَرْبَعَة فِي نسق لَهُم صُحْبَة سوى بنت أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله حصنا أَي حصنا من الْحُصُون فافتتحاها وَكَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة لم يدر أَي غَزْوَة كَانَت قيل يحْتَمل أَن تكون خَيْبَر لِأَنَّهَا كَانَت بعد الْحُدَيْبِيَة وَلها حصون قد حوصرت قَوْله نستفيء بِفَتْح النُّون وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالفاء وبالهمزة فِي آخِره من استفأت هَذَا المَال أَي أَخَذته فَيْئا أَي نطلب الْفَيْء من سهمانهما وَسمي فَيْئا لِأَنَّهُ مَال استرجعه الْمُسلمُونَ من يَد الْكفَّار وَمِنْه تتفيأ ظلاله أَي ترجع على كل شَيْء من حوله وَمِنْه فَإِن فاؤا أَي رجعُوا والسهمان بِضَم السِّين وَهُوَ جمع سهم وَهُوَ النَّصِيب وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ نستقي بِالْقَافِ وَبِدُون الْهمزَة
١٨٩ - (حَدثنِي مُحَمَّد بن رَافع حَدثنَا شَبابَة بن سوار أَبُو عَمْرو الْفَزارِيّ حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه قَالَ لقد رَأَيْت الشَّجَرَة ثمَّ أتيتها بعد فَلم أعرفهَا) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله لقد رَأَيْت الشَّجَرَة لِأَنَّهَا كَانَت هِيَ الْحُدَيْبِيَة وَكَانَت شَجَرَة جدباء فصغرت وَمُحَمّد بن رَافع النَّيْسَابُورِي مر فِي الصُّلْح وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الباءين الموحدتين ابْن سوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو وبالراء الْفَزارِيّ بِفَتْح الْفَاء وبالزاي قَوْله الشَّجَرَة وَهِي الشَّجَرَة الَّتِي كَانَت بيعَة الرضْوَان تحتهَا قَوْله بعد بِضَم الدَّال أَي بعد ذَلِك
(قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ مَحْمُود ثمَّ أنسيتها بعد) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَلَيْسَ فِي أَكثر النّسخ هَذَا قَوْله قَالَ مَحْمُود هُوَ ابْن غيلَان أَبُو أَحْمد الْمروزِي شيخ البُخَارِيّ وَمُسلم قَوْله أنسيتها على صِيغَة الْمَجْهُول
١٩٠ - (حَدثنَا مَحْمُود حَدثنَا عبيد الله عَن إِسْرَائِيل عَن طَارق بن عبد الرَّحْمَن قَالَ انْطَلَقت حَاجا فمررت بِقوم يصلونَ قلت مَا هَذَا الْمَسْجِد قَالُوا هَذِه الشَّجَرَة حَيْثُ بَايع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بيعَة الرضْوَان فَأتيت سعيد بن الْمسيب فَأَخْبَرته فَقَالَ سعيد حَدثنِي أبي أَنه كَانَ فِيمَن بَايع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَحت الشَّجَرَة قَالَ فَلَمَّا خرجنَا من الْعَام الْمقبل نسيناها فَلم نقدر عَلَيْهَا فَقَالَ سعيد إِن أَصْحَاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يعلموها وعلمتموها أَنْتُم فَأنْتم أعلم) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة مَا قبله ومحمود قد ذكر الْآن وَعبيد الله هُوَ ابْن مُوسَى وَهُوَ أَيْضا من شُيُوخ البُخَارِيّ وَحدث عَنهُ بِوَاسِطَة وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَق السبيعِي وطارق بن عبد الرَّحْمَن البَجلِيّ الْكُوفِي قَوْله مَا هَذَا الْمَسْجِد أُرِيد بِهِ مَسْجِد الشَّجَرَة وَذَلِكَ لأَنهم جعلُوا تحتهَا مَسْجِدا يصلونَ فِيهِ قَوْله هَذِه الشَّجَرَة أَرَادَ بهَا الشَّجَرَة الَّتِي وَقعت الْمُبَايعَة تحتهَا كَمَا ذكرنَا الْآن قَوْله نسيناها أَي الشَّجَرَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي أنسيناها بِضَم الْهمزَة وَسُكُون النُّون على صِيغَة الْمَجْهُول أَي أنسينا موضعهَا بِدَلِيل قَوْله " فَلم نقدر عَلَيْهِ " قَوْله " فَقَالَ سعيد " أَي سعيد بن الْمسيب إِنَّمَا قَالَ سعيد مَا قَالَه هُنَا مُنْكرا عَلَيْهِم قَوْله " فَأنْتم أعلم " لَيْسَ على حَقِيقَته وَإِنَّمَا هُوَ تهكم وَفِي رِوَايَة قيس بن الرّبيع أَن أقاويل النَّاس كَثِيرَة -
٤١٦٤ - حدَّثنا مُوسى حدَّثَنَا أبُو عَوَانَةَ حدَّثَنا طَارِقٌ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِيهِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَرَجَعْنَا إلَيْهَا العامَ الْمُقْبِلَ فَعَمِيَتْ عَلَيْنَا.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث سعيد بن الْمسيب أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي عَن أبي عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي عَن طَارق بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور آنِفا.
قَوْله: (فعميت) ، أَي: استترت وخفيت، وَكَانَ سَبَب خفائها أَن لَا يفتتن النَّاس بهَا لما جرى تحتهَا من الْخَيْر ونزول الرضْوَان فَلَو بقيت ظَاهِرَة مَعْلُومَة لخيف تَعْظِيم الْجُهَّال إِيَّاهَا وعبادتهم لَهَا، فإخفاؤها رَحْمَة من الله تَعَالَى.
٤١٦٦ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ حدَّثنَا شُعْبَةُ عنْ عمْرِو بن مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي أوْفَى وكانَ مِنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كانَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ علَيْهِمْ فأتَاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ أللَّهُمَّ صلِّ علَى آلِ أبِي أوْفَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة) والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب صَلَاة الإِمَام، ودعائه لصَاحب الصَّدَقَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة ... إِلَخ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤١٦٧ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أخِيهِ عنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ قَالَ لَمَّا كانَ يَوْمُ الحَرَّةِ والنَّاسُ يُبايِعُونَ لِعَبْدِ الله بنِ حَنْظَلَةَ فَقال ابنُ زَيْدٍ علَى مَا يُبَايِعُ ابنُ حَنْظَلَةَ النَّاسَ قِيلَ لَهُ علَى المَوْتِ قَالَ لَا أُبَايِعُ علَى ذالِكَ أحَدَاً بعْدَ رسُولِ الله وكانَ شَهِدَ مَعَهُ الحُدَيْبِيَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٩٥٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ شهد مَعَه الْحُدَيْبِيَة) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، يروي عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن عباد، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن تَمِيم بن زيد بن عَاصِم الْمَازِني، وَهَؤُلَاء كلهم مدنيون.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْبيعَة فِي الْحَرْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب عَن عَمْرو بن يحيى ... إِلَى آخِره، وَمضى بعض الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر بعض شَيْء أَيْضا.
فَقَوله: (يَوْم الْحرَّة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: وَهِي حرَّة الْمَدِينَة، ويومها هُوَ يَوْم الْوَقْعَة الَّتِي وَقعت بَين عَسْكَر يزِيد وَأهل الْمَدِينَة وَكَانَت فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَلما بلغ ذَلِك يزِيد أرسل جَيْشًا إِلَى الْمَدِينَة وعيَّن عَلَيْهِم مُسلم بن عقبَة، قيل: فِي عشرَة آلَاف فَارس، وَقيل: فِي إثني عشر ألفا، وَقَالَ الْمَدَائِنِي، وَيُقَال: فِي سَبْعَة وَعشْرين ألفا، إثني عشر ألف فَارس وَخَمْسَة عشر ألف راجل، وَجعل أهل الْمَدِينَة جيشهم أَرْبَعَة أَربَاع على كل ربع أَمِير، أَو جعلُوا أجل الأرباع عبد الله بن حَنْظَلَة الغسيل، وقصتهم طَوِيلَة، وملخصها: أَنه لما وَقع الْقِتَال بَينهم كسر عَسْكَر يزِيد عَسْكَر أهل الْمَدِينَة وَقتل عبد الله بن حَنْظَلَة وَأَوْلَاده وَجَمَاعَة آخَرُونَ، وَسُئِلَ الزُّهْرِيّ:
كم كَانَ الْقَتْلَى يَوْم الْحرَّة؟ قَالَ: سَبْعمِائة من وُجُوه النَّاس من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، ووجوه الموَالِي وَمِمَّنْ لَا يعرف من حر وَعبد وَغَيرهم عشرَة آلَاف، وَقَالَ الْمَدَائِنِي: أَبَاحَ مُسلم بن عقبَة الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَيَّام يقتلُون النَّاس وَيَأْخُذُونَ الْأَمْوَال ووقعوا على النِّسَاء حَتَّى قيل: إِنَّه حبلت ألف امْرَأَة فِي تِلْكَ الْأَيَّام. وَعَن هِشَام بن حسان: ولدت ألف امْرَأَة من أهل الْمَدِينَة من غير زوج. قَوْله: (وَالنَّاس يبايعون لعبد الله بن حَنْظَلَة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون والظاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام: ابْن أبي عَامر الراهب، وَيُقَال لَهُ: ابْن الغسيل، لِأَن أَبَاهُ حَنْظَلَة غسلته الْمَلَائِكَة، وَقد مر بَيَانه غير مرّة، وَعبد الله هَذَا ولد على عهد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتُوفِّي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وَرَآهُ وروى عَنهُ وَقتل يَوْم الْحرَّة، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَمعنى: يبايعون لعبد الله، أَي: على الطَّاعَة لَهُ وخلع يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَقَالَ بَعضهم: وَعكس الْكرْمَانِي فَزعم أَنه كَانَ يُبَايع النَّاس ليزِيد بن مُعَاوِيَة وَهُوَ غلط كَبِير، انْتهى. قلت: رجعت إِلَى (شرح الْكرْمَانِي) فَوجدت عِبَارَته: كَانَ يَأْخُذ الْبيعَة من النَّاس ليزِيد بن مُعَاوِيَة، وَالظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ الْجَاهِل، فَذكر اللَاّم مَوضِع: على، وَكَانَ الَّذِي كتبه: على يزِيد بن مُعَاوِيَة. قَوْله: (قَالَ ابْن زيد) هُوَ عبد الله بن زيد ابْن عَاصِم عَم عباد بن تَمِيم الْأنْصَارِيّ الْمَازِني البُخَارِيّ الَّذِي قتل مُسَيْلمَة وَقتل هُوَ يَوْم الْحرَّة، وَهُوَ صَاحب حَدِيث الْوضُوء، وَغلط ابْن عُيَيْنَة فَقَالَ: هُوَ الَّذِي أرِي الْأَذَان. قَوْله: (قيل: لَهُ على الْمَوْت) كَذَا وَقع هُنَا، وَقيل: على أَن لَا يَفروا وَقَالَ الدَّاودِيّ: يحمل على أَن لَا يَفروا حَتَّى يموتوا، فَسقط ذَلِك من بعض الروَاة. قَوْله: (قَالَ: لَا أبايع على ذَلِك أحدا) أَي: قَالَ ابْن زيد: لَا أبايع على الْمَوْت أحدا بعد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه إِشْعَار بِأَنَّهُ بَايع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْمَوْت.
٤١٦٨ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ يَعْلَى المُحَارِبِيُّ قَالَ حدَّثَنِي أبِي حدَّثنَا إياسُ بنُ سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قَالَ حدَّثنِي أبي وكانَ مِنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الجُمُعَةَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ ولَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌ نَسْتَظِلٌ فِيهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة) وَيحيى بن يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وبالقصر: الْمحَاربي، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة: الْكُوفِي الثِّقَة من قدماء شُيُوخ البُخَارِيّ، مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، يروي عَن أَبِيه يعلى بن الْحَارِث الْمحَاربي، ثِقَة أَيْضا مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَمَا لَهما فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَإيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن سَلمَة بن الْأَكْوَع.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن شُعَيْب بن يُوسُف، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بنْدَار.
قَوْله: (نستظل فِيهِ) ويروى: بِهِ، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث من جوز صَلَاة الْجُمُعَة قبل الزَّوَال لِأَن الشَّمْس إِذا زَالَت ظَهرت الظلال. وَأجِيب: بِأَن النَّفْي إِنَّمَا تسلط على وجود ظلّ يستظل بِهِ لَا على وجود الظل مُطلقًا، والظل الَّذِي يستظل بِهِ لَا يتهيأ إلَاّ بعد الزَّوَال بعد أَن يخْتَلف فِي الشتَاء والصيف.
٤١٧٠ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ إشْكَابٍ حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عنِ العَلَاءِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِيهِ قَالَ لَ قِيتُ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما فقُلْتُ طُوبَى لَكَ صَحِبْتَ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبايَعْتَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقال يَا ابْنَ أخِي إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثْنَا بَعْدَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تَحت الشَّجَرَة) وَأحمد بن إشكاب، بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو عبد الله الصفار الْكُوفِي ثمَّ الْبَصْرِيّ، وَمُحَمّد بن فُضَيْل مصغر الْفضل بِالْمُعْجَمَةِ، والْعَلَاء بِالْمدِّ ابْن الْمسيب يروي عَن أَبِيه الْمسيب بن رَافع التغلبي، بِفَتْح الفوقانية وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة الْكَاهِلِي.
قَوْله: (طُوبَى لَك) مثل: هَنِيئًا لَك، أَي: طيب الْعَيْش لَك، وَقيل: طُوبَى شَجَرَة فِي الْجنَّة. قَوْله: (يَا ابْن أخي) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يَا ابْن أخٍ، بِلَا إِضَافَة وَهُوَ على عَادَة الْعَرَب فِي المخاطبة، أَو أَرَادَ أخوة الْإِسْلَام. قَوْله: (إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أحدثنا بعده) ، أَي: بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ذَلِك إِمَّا هضماً لنَفسِهِ وتواضعاً، وَإِمَّا نظرا إِلَى مَا وَقع من الْفِتَن بَينهم.
٤١٧١ - حدَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنَا يَحْيَى بنُ صالِحٍ قَالَ حدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ هُوَ ابنُ سَلَاّمٍ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي قِلَابَةَ أنَّ ثابِتَ بنَ الضَّحَّاكِ أخْبَرَهُ أنَّهُ بايَعَ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَحْتَ الشَّجَرَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تَحت الشَّجَرَة) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج الْمروزِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيحيى ابْن صَالح هُوَ الرحاظي الْحِمصِي وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا. وَقد يحدث عَنهُ بِوَاسِطَة، وَمُعَاوِيَة بن سَلام، بتَشْديد اللَّام وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: عَن زيد بن سَلام، بدل: يحيى بن أبي كثير، قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: وَلم يُتَابع على ذَلِك، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وثابت بن الضَّحَّاك بن خَليفَة بن ثَعْلَبَة بن عدي بن كَعْب بن عبد الْأَشْهَل، ولد سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة وَسكن الشَّام ثمَّ انْتقل إِلَى الْبَصْرَة وَمَات بهَا سنة خمس وَأَرْبَعين، وَقيل: إِنَّه مَاتَ فِي فتْنَة ابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَهَذَا الحَدِيث أوردهُ هَكَذَا مُخْتَصرا، وَأخرج مُسلم بَقِيَّته عَن يحيى بن يحيى عَن مُعَاوِيَة بِهَذَا الْإِسْنَاد.
٤١٧٢ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ إسْحَاقَ حدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ أخبَرَنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً} (الْفَتْح: ١) . قَالَ الحُدَيْبِيَةُ قَالَ أصْحَابُهُ هَنِيئاً مَرِيئَاً فَما لَنَا فأنْزَلَ الله {ليُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} (الْفَتْح: ٥) . قَالَ شُعْبَةُ فقَدِمْتُ الكُوفَةَ فَحَدَّثْتُ بِهاذَا كُلِّهِ عنْ قَتَادَةَ ثُمَّ رَجَعْتُ فذَكَرْتُ لَهُ فَقالَ أمَّا إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَعَنْ أنَسٍ وأمَّا هَنِيئَاً مَرِيئَاً فعَنْ عِكْرِمَةَ. (الحَدِيث ٤١٧٢ طرفه فِي: ٤٨٣٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قَالَ: الْحُدَيْبِيَة) وَأحمد بن إِسْحَاق بن الْحصين أَبُو إِسْحَاق السّلمِيّ السرماري، وسرمار قَرْيَة من قرى بُخَارى، مَاتَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ.
قَوْله: (قَالَ: الْحُدَيْبِيَة) ، أَي: قَالَ أنس: الْفَتْح فِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ} (الْفَتْح: ١) . هُوَ فِي الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (قَالَ أَصْحَابه) أَي: أَصْحَاب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (هَنِيئًا) أَي: لَا إِثْم فِيهِ. قَوْله: (مريئاً) أَي: لَا دَاء فِيهِ. يُقَال: هنأني الطَّعَام ومرأني. وَإِذا لم يذكر هنأني يَقُول: امرأني، بِالْهَمْزَةِ. قَالَه أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ، وَقَالَ ابْن فَارس: يُقَال مرأني الطَّعَام وأمرأني أَي: انهضم، وَذكر ابْن الْأَعرَابِي أَنه لَا يُقَال: مرأني. قَوْله: (فَمَا لنا) ، من قَول الصَّحَابَة أَيْضا. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: فَقدمت الْكُوفَة) إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى أَن بعض الحَدِيث عِنْد قَتَادَة عَن أنس، وَبَعضه عِنْده عَن عِكْرِمَة،
وَقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق حجاج بن مُحَمَّد عَن شُعْبَة، وَجمع فِي الحَدِيث بَين أنس وَعِكْرِمَة وَسَاقه مساقاً وَاحِدًا.
٤١٧٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثَنا أبُو عامِرٍ حدَّثَنا إسْرَائِيلُ عنْ مَجْزَأةَ بنِ زَاهِرٍ الأسْلَمِيِّ عنْ أبِيهِ وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ قَالَ إنِّي أوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ إذْ نادَى مُنَادِي رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْهَاكُمْ عنْ لُحُومِ الحُمُرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ مِمَّن شهد الشَّجَرَة) . وَأَبُو عَامر هُوَ عبد الْملك بن عَمْرو الْعَقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: حَدثنَا عُثْمَان بن عمر، بدل: أبي عَامر، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس، وَإِسْرَائِيل هَذَا وَقع فِي الْأُصُول وَلَا بُد مِنْهُ، وَقَالَ بَعضهم: وَحكى بعض الشُّرَّاح أَنه وَقع فِي بعض النّسخ بإسقاطه، وَأنكر عَلَيْهِ. قلت: أَرَادَ بِبَعْض الشُّرَّاح: صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَهُوَ من مشايخه، ومجزأة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وبالزاي والهمزة قبل الْهَاء، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: المحدثون يسهلون الْهمزَة وَلَا يتلفظون بهَا، وَقد يكسرون الْمِيم، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه زَاهِر بن الْأسود بن حجاج ابْن قيس بن عبد بن دعبل بن أنس بن خُزَيْمَة بن مَالك بن سلامان بن سلم بن أفْضى الْأَسْلَمِيّ. وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي بعده.
قَوْله: (عَن أَبِيه) ، كَذَا وَقع للْجَمِيع، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: عَن أبي زيد الْمروزِي عَن أنس، بدل قَوْله: عَن أَبِيه. قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: هُوَ تَصْحِيف. قَوْله: (قَالَ: إِنِّي لأوقد تحد الْقدر) إِلَى آخِره، حِكَايَة عَمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر من النَّهْي الْمَذْكُور، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على أَنه كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة، وَإِنَّمَا أورد البُخَارِيّ الحَدِيث لأجل قَوْله فِيهِ: (وَكَانَ مِمَّن شهد الشَّجَرَة) وَقد اعْترض الدَّاودِيّ هُنَا، وَقَالَ: مَا وَقع هُنَا وهم، فَإِن النَّهْي عَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة لم يكن بِالْحُدَيْبِية. قلت: الْجَواب مَا ذكرته، فَلَا حَاجَة إِلَى النِّسْبَة إِلَى الْوَهم.
٤١٧٥ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثَنا ابنُ أبِي عَدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ عنْ سُوَيْدِ بنِ النُّعْمَانِ وكانَ مِنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ قَالَ كانَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحَابُهُ أُوتُوا بِسَوِيقٍ فَلاكُوهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة) وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْأنْصَارِيّ، وسُويد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو: ابْن النُّعْمَان بن مَالك بن عَائِذ بن مجدعة بن جشم بن حَارِثَة الْأنْصَارِيّ، يعد فِي أهل الْمَدِينَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة
فِي: بَاب من مضمض من السويق وَلم يتَوَضَّأ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فلاكوه) من اللوك وَهُوَ مضغ الشَّيْء وإدارته فِي الْفَم.
تابَعَهُ مُعاذٌ عنْ شُعْبَةَ
أَي: تَابع ابْن أبي عدي معَاذ بن معَاذ قَاضِي الْبَصْرَة عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج، وق وصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن يحيى بن مُحَمَّد عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه مُخْتَصرا.
٤١٧٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ حاتِمِ بنِ بَزِيعٍ حدَّثَنَا شَاذَانُ عنْ شُعْبَةَ عنْ أبِي جَمْرَةَ قَالَ سألْتُ عائِذَ بنَ عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وكانَ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أصْحَابِ الشَّجَرَةِ هَلْ يُنْقَضُ الوِتْرُ قَالَ إذَا أوْتَرْتَ مِنْ أوَّلِهِ فَلَا تُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من أَصْحَاب الشَّجَرَة) وَمُحَمّد بن حَاتِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة: ابْن بزيع، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة، وشاذان، بالشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الذَّال الْمُعْجَمَة: هُوَ الْأسود بن عَامر الشَّامي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ، وَلَفظ: شَاذان مُعرب، وَمَعْنَاهُ: فرحين بِالْفَاءِ، وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: واسْمه نصر بن عمرَان الضبيعي، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني، وَقع فِي نُسْخَة أبي ذَر: عَن أبي الْهَيْثَم، بِالْحَاء وَالزَّاي، وَهُوَ وهم مِنْهُ، وَالصَّوَاب: بِالْجِيم وَالرَّاء، وعائذ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة: ابْن عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن هِلَال الْمُزنِيّ، يكنى أَبَا عُبَيْدَة، وَكَانَ من صالحي الصَّحَابَة سكن الْبَصْرَة وابتنى بهَا دَارا فِي إمرة عبد الله ابْن زِيَاد أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث ذكره مَوْقُوفا.
قَوْله: (هَل ينْقض؟) على صِيغَة الْمَجْهُول (وَالْوتر) مَرْفُوع بِهِ يَعْنِي: إِذا صلى مثلا ثَلَاث رَكْعَات ونام، فَهَل يُصَلِّي بعد النّوم شَيْئا آخر مِنْهُ مُضَافا إِلَى الأول، مُحَافظَة على قَوْله: (إجعلوا آخر صَلَاتكُمْ بِاللَّيْلِ وترا؟) وَإِذا صلاهَا مرّة فَهَل يُصليهَا مرّة أُخْرَى بعد النّوم؟ فَأجَاب بِاخْتِيَار الصّفة الثَّانِيَة (فَقَالَ: إِذا أوترت) إِلَى آخِره، وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَكَانَ أَبُو عمر مِمَّن يرى نقض الْوتر، وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنه لَا ينْقض وَهُوَ قَول مَالك أَيْضا. قلت: وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا أَيْضا، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَالله أعلم.
٢٠٣ - (حَدثنِي عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يسير فِي بعض أَسْفَاره وَكَانَ عمر بن الْخطاب يسير مَعَه لَيْلًا فَسَأَلَهُ عمر بن الْخطاب عَن شَيْء فَلم يجبهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ وَقَالَ عمر بن الْخطاب ثكلتك أمك يَا عمر نزرت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاث مَرَّات كل ذَلِك لَا يجيبك قَالَ عمر فحركت بَعِيري ثمَّ تقدّمت أَمَام الْمُسلمين وخشيت أَن ينزل فِي قُرْآن فَمَا نشبت أَن سَمِعت صَارِخًا يصْرخ بِي قَالَ فَقلت لقد خشيت أَن يكون نزل فِي قُرْآن وَجئْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ لقد أنزلت عَليّ اللَّيْلَة سُورَة لهي أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس ثمَّ قَرَأَ إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا) مطابقته للتَّرْجَمَة إِنَّمَا تتأتى على قَول من يَقُول المُرَاد بِالْفَتْح صلح الْحُدَيْبِيَة وَقد اخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا فَقيل المُرَاد فتح الْإِسْلَام بِالسَّيْفِ والسنان وَقيل الحكم وَقيل فتح مَكَّة قيل هُوَ الْمُخْتَار وَقيل فتح الْإِسْلَام بِالْآيَةِ وَالْبَيَان وَالْحجّة والبرهان وَفِي تَفْسِير النَّسَفِيّ وَالْأَكْثَرُونَ على أَن الْفَتْح كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقَالَ الْبَراء بن عَازِب نَحن نعد الْفَتْح بيعَة الرضْوَان وَقَالَ الشّعبِيّ هُوَ فتح الْحُدَيْبِيَة وَقَالَ الزُّهْرِيّ لم يكن فتح أعظم من صلح الْحُدَيْبِيَة وَيُقَال الْفَتْح فِي اللُّغَة فتح المغلق وَالصُّلْح الَّذِي
جعل بَين الْمُشْركين بِالْحُدَيْبِية كَانَ مشدودا متعذرا حَتَّى فَتحه الله وَزيد بن أسلم مولى عمر بن الْخطاب يروي عَن أَبِيه أسلم عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَظَاهره أَنه مُرْسل وَلَكِن قَول عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فحركت بَعِيري إِلَى آخِره يدل على أَنه عَن عمر والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن القعْنبِي وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن إِسْمَاعِيل وَالْكل عَن مَالك وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن بشار وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي قَوْله " فِي بعض أَسْفَاره " الظَّاهِر أَنه كَانَ فِي سفر الْحُدَيْبِيَة قَوْله " أَن ينزل " على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " فِي " بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء وَكَذَلِكَ فِي بعد قَوْله قد نزل قَوْله " قد نزرت " بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الزَّاي أَي ألححت وضيقت عَلَيْهِ حَتَّى أحرجته وَقيل الْمَعْرُوف بتَخْفِيف الزَّاي من النزر وَهُوَ الْقلَّة وَمِنْه الْبِئْر النزور أَي قَليلَة المَاء فَقيل ذَلِك لمن كثر عَلَيْهِ السُّؤَال حَتَّى انْقَطع جَوَابه وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي النزر الإلحاح فِي السُّؤَال وَعَن الْأَصْمَعِي نزر فلَان فلَانا إِذا استخرج مَا عِنْده قَلِيلا قَلِيلا قَوْله " فَمَا نشبت " أَي فَمَا لَبِثت من نشب ينشب من بَاب علم يعلم يُقَال لم ينشب أَن فعل كَذَا أَي لم يلبث وَحَقِيقَته لم يتَعَلَّق بِشَيْء غَيره وَلَا اشْتغل بسواه قَوْله " إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا " قد مر تَفْسِير الْفَتْح آنِفا وَاخْتلف فِي الْموضع الَّذِي نزلت فِيهِ سُورَة الْفَتْح فَعِنْدَ أبي معشر بِالْجُحْفَةِ وَفِي الإكليل عَن مجمع بن حَارِثَة بكراع الغميم -
٤١٧٩ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثَنا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ حِينَ حَدَّثَ هذَا الحَدِيثَ حَفِظْتُ بَعْضَهُ وثَبَّتَنِي مَعْمَرٌ عنْ عرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ يَزِيدُ أحَدُهُمَا علَى صاحِبِهِ قالَا خرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ الحُدَيْبِيَّةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أصْحَابِهِ فلَمَّا أتَي ذَا الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وأحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ وبعَثَ عَيْنَاً لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ وسارَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى كانَ بِغَدِيرِ الأشْظَاظِ أتَاهُ عَيْنُهُ قَالَ إنَّ قُرَيْشَاً جَمَعُوا لَكَ جموعا وَقد جمعو لَك الأحَابِيشَ وهُمْ مُقَاتِلُوكَ وصادُّوكَ عنِ البَيْتِ ومانِعُوكَ فَقال أشِيرُوا أيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ أتَرَوْنَ أنْ أمِيلَ إلَى عِيَالِهِمْ وذَرَارِيِّ هاؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَصُدُّونَا عنِ البَيْتِ فإنْ يأتُونَا كانَ الله عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَطَعَ عَيْنَاً مِنَ المُشْرِكِينَ وإلَاّ تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ قَالَ أبُو بَكْرٍ يَا رسُولَ الله خَرَجْتَ عامِدَاً لِهاذَا البَيْتِ لَا تُرِيدُ قَتْلَ أحَدٍ ولَا حَرْبَ أحَدٍ فتَوَجَّهْ لَه فَمَنْ صَدَّنَا عنْهُ قاتَلْناهُ قَالَ امْضُوا علَى اسمِ الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، والمسور، بِكَسْر الْمِيم، ومخرمة بِفَتْحِهَا، وَقد ذكر هَؤُلَاءِ غير مرّة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشُّرُوط فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد، مطولا جدا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر هُنَا مَا لم يذكر هُنَاكَ.
قَوْله: (هَذَا الحَدِيث) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى الحَدِيث الَّذِي ذكره هُنَا. قَوْله: (حفظت بعضه) ، الْقَائِل هُوَ سُفْيَان أَي: سَمِعت بعض الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (وثبتني معمر) ، أَي: جعلني معمر بن رَاشد ثَابتا فِيمَا سمعته من الزُّهْرِيّ هَهُنَا. قَوْله: (عَام الْحُدَيْبِيَة) ، وَهُوَ عَام سِتّ من الْهِجْرَة، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب، وَكَذَلِكَ مر الْكَلَام فِي قَوْله: (بضع عشرَة مائَة) قَوْله: (فَلَمَّا أَتَى ذَا الحليفة) أَي: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَكَان الَّذِي يُسمى ذَا الحليفة، وَهُوَ مِيقَات أهل الْمَدِينَة وَهِي الَّتِي تسمى: أبار على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَأَشْعرهُ) من الْإِشْعَار، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (بعث عينا) ، أَي: جاسوساً. قَوْله: (من خُزَاعَة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي، وَهِي فِي الأزد وَفِي قضاعة، وَالَّتِي فِي الأزد تنْسب إِلَى خُزَاعَة وَهُوَ عَمْرو بن ربيعَة، وَالَّتِي فِي قضاعة بطن وَهُوَ خُزَاعَة ابْن مَالك، وَاسم هَذَا الْعين: بسر بن سُفْيَان بن عَمْرو بن عُوَيْمِر الْخُزَاعِيّ، قَالَ أَبُو عمر: أسلم سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَشهد الْحُدَيْبِيَة،
وَبسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة. قَوْله: (بغدير الأشظاظ) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالظاءين المعجمتين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بالمهملتين، وَقيل: بالمعجمتين، مَوضِع تِلْقَاء الْحُدَيْبِيَة، وَضَبطه الْبكْرِيّ أَيْضا بالمهملتين، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: هُوَ بملتقى الطَّرِيقَيْنِ من عسفان للْخَارِج إِلَى مَكَّة على يَمِينك بِمِقْدَار ميلين، وَرُبمَا اجْتمع فِيهِ المَاء وَلَيْسَ ثمَّة غَدِير غَيره، والغدير مُجْتَمع المَاء. قَوْله: (الْأَحَابِيش) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة على وزن المصابيح الْجَمَاعَة من النَّاس لَيْسُوا من قَبيلَة وَاحِدَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هم أَحيَاء من القارة انضموا إِلَى بني لَيْث فِي محاربتهم قُريْشًا، والتحبش التجمع، وَقيل: حالفوا قُريْشًا تَحت جبل يُسمى حبيشاً فسموا بذلك. قَوْله: (من الْمُشْركين) يتَعَلَّق بقوله: (قطع) أَي: إِن يَأْتُونَا كَانَ الله تَعَالَى قد قطع مِنْهُم جاسوساً، يَعْنِي الَّذِي بَعثه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي: غَايَته أَنا كُنَّا كمن لم يبْعَث الجاسوس وَلم يعبر الطَّرِيق، وواجههم بِالْقِتَالِ، وَإِن لم يَأْتُونَا نهبنا عِيَالهمْ وَأَمْوَالهمْ وتركناهم محروبين، بِالْحَاء الْمُهْملَة الرَّاء، أَي: مسلوبين منهوبين، يُقَال: حربه إِذا أَخذ مَاله وَتَركه بِلَا شَيْء، وَقد حَرْب مَاله، أَي: سلبه فَهُوَ محروب، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمَحْفُوظ مِنْهُ كَانَ الله قد قطع عنقًا بِالْقَافِ أَي: جمَاعَة من أهل الْكفْر فيقل عَددهمْ وتهن بذلك قوتهم، قَالَ الْخَلِيل: جَاءَ الْقَوْم عنقًا أَي: طوائف، والأعناق الرؤساء، قَوْله: (فَتوجه) أَمر من توجه يتَوَجَّه. قَوْله: (لَهُ) أَي: الْبَيْت. قَوْله: (وَمن صدنَا عَنهُ) ، أَي: وَمن منعنَا من الْبَيْت.
٤١٨٢ - قَالَ ابنُ شِهَابٍ وأخبرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ إنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هاجَرَ مِنَ المُؤْمِنَاتِ بِهاذِهِ الْآيَة {يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} (الممتحنة: ١٢) . وعَنْ عَمِّهِ قالَ بلَغَنَا حِينَ أَمَرَ الله رسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَرُدَّ إِلَى المُشْرِكِينَ مَا أنْفَقُوا علَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أزْوَاجِهِمْ وبَلَغَنا أنَّ أبَا بَصِيرٍ فذَكَرَهُ بِطُولِهِ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَيَعْقُوب هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد وَابْن أخي ابْن شهَاب اسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم بن شهَاب وَعَمه مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ.
قَوْله: (على قَضِيَّة الْمدَّة) ، أَي: الْمُصَالحَة فِي الْمدَّة الْمعينَة. قَوْله: (أَن يقاضي) ، أَي: يُصَالح ويحاكم. قَوْله: (وامعضوا) ، بتَشْديد الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَضم الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَأَصله: انمعضوا، بالنُّون قبل الْمِيم فأدغمت النُّون فِي الْمِيم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: امتعضوا، بِالتَّاءِ المثناء من: الامتعاض،
يُقَال: إنمعض من شَيْء سَمعه وامتعض إِذا غضب وشق عَلَيْهِ، وَفِي (الْمطَالع) للأصيلي والهمداني: امتعظوا بِمَعْنى كَرهُوا، وَهُوَ غير صَحِيح فِي الْخط والهجاء، وَإِنَّمَا يَصح: امتعضوا، بضاد غير مشالة كَمَا عِنْد أبي ذَر وعبدوس بِمَعْنى: كَرهُوا وأنفوا، وَوَقع عِنْد الْقَابِسِيّ: امعظوا، بتَشْديد الْمِيم وظاء مُعْجمَة، وَعند بَعضهم: اتغظوا، من الغيظ، وَعند بَعضهم عَن النَّسَفِيّ: وانغضوا، بغين مُعْجمَة وضاد مُعْجم غير مشالة من الإنغاص وَهُوَ الِاضْطِرَاب، قَالَ: وكل هَذِه الرِّوَايَات إحالات وتعبيرات وَلَا وَجه لشَيْء من ذَلِك إِلَّا: امتعضوا. قَوْله: (مهاجرات) ، حَال من الْمُؤْمِنَات. قَوْله: (أم كُلْثُوم بنت عقبَة) ، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: ابْن أبي معيط واسْمه أبان بن أبي عَمْرو، وَاسم أبي عَمْرو ذكْوَان بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَقَالَ أَبُو عمر: أسلمت أم كُلْثُوم بِمَكَّة قبل أَن تَأْخُذ النِّسَاء فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ هَاجَرت وبايعت فَهِيَ من الْمُهَاجِرَات المبايعات، وَقيل: هِيَ أول من هَاجر من النِّسَاء، وَكَانَت هجرتهَا سنة سبع فِي الْهُدْنَة الَّتِي كَانَت بَين رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين الْمُشْركين من قُرَيْش، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: هَاجَرت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة فَخرج أَخَوَاهَا عمَارَة والوليد ابْنا عقبَة حَتَّى قدما على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسألانه أَن يردهَا عَلَيْهِمَا بالعهد الَّذِي كَانَ بَينه وَبَين قُرَيْش فِي الْحُدَيْبِيَة، فَلم يفعل، وَقَالَ: أَبى الله ذَلِك. قَالَ أَبُو عمر: يَقُولُونَ إِنَّهَا مشت على قدميها من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة تزَوجهَا زيد بن حَارِثَة فَقتل عَنْهَا يَوْم مُؤْتَة، فَتَزَوجهَا الزبير بن الْعَوام فَولدت لَهُ زَيْنَب ثمَّ طَلقهَا، فَتَزَوجهَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَولدت لَهُ إِبْرَاهِيم وعوفاً، وَمَات عَنْهَا فَتَزَوجهَا عَمْرو بن الْعَاصِ، فَمَكثت عِنْده شهرا وَمَاتَتْ، وَهِي أُخْت عُثْمَان لأمه، وَأمّهَا أورى بنت كريز بن ربيعَة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد منَاف. قَوْله: (وَهِي عاتق) أَي: شَابة، وَقيل: من أشرفت على الْبلُوغ، وَقيل: من لم تتَزَوَّج.
قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب: وَأَخْبرنِي عُرْوَة) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي يعلى عَن أبي خَيْثَمَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ. قَوْله: (كَانَ يمْتَحن) ، من الامتحان وَهُوَ الِابْتِلَاء، أَي: كَانَ يمتحنهن بِالْحلف وَالنَّظَر فِي الأمارات ليغلب على ظَنّه صدق إيمانهن، وَعَن ابْن عَبَّاس: معنى: امتحانهن: أَن يستحلفن من خرجن من بغض زوج، وَمَا خرجن رَغْبَة عَن أَرض إِلَى أَرض، وَمَا خرجن التمَاس دنيا، وَمَا خرجن إلَاّ حبا لله وَرَسُوله. قَوْله: (بِهَذِهِ الْآيَة) وَهِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن} (الممتحنة: ١٢) . الْآيَة، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا ذكره الْمُفَسِّرُونَ: أَن الله تَعَالَى لما نصر رَسُوله وَفتح مَكَّة وَفرغ من بيعَة الرِّجَال جَاءَت النِّسَاء يبايعنه، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَهُوَ على الصَّفَا وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَسْفَل مِنْهُ وَهُوَ يُبَايع النِّسَاء بِأَمْر رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ويبلغهن عَنهُ. قَوْله: (وَعَن عَمه) ، هُوَ عطف على قَوْله: (حَدثنِي ابْن أخي ابْن شهَاب عَن عَمه) ، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ بلغنَا) إِلَى آخِره، مُرْسل وَهُوَ مَوْصُول من رِوَايَة معمر. قَوْله: (مَا أَنْفقُوا) ، أَي: أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، برد مَا أنْفق الْمُشْركُونَ على نِسَائِهِم الْمُهَاجِرَات إِلَيْهِم، وَقَالَ أَبُو زيد من أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: هُوَ عِنْد أهل الْعلم مَخْصُوص بنساء أهل الْعَهْد وَالصُّلْح، وَكَانَ الامتحان أَن تستحلف المهاجرة أَنَّهَا مَا خرجت نَاشِزَة وَلَا هَاجَرت إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ، فَإِذا حَلَفت لم ترد ورد صَدَاقهَا إِلَى بَعْلهَا، وَإِن كَانَت من غَيْرِي أهل الْعَهْد لم تستحلف وَلم يرد صَدَاقهَا. قَوْله: (وبلغنا أَن أَبَا بَصِير ... فَذكره مطولا) أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا مضى من قصَّة أبي بَصِير فِي كتاب الشُّرُوط مطولا، وَاخْتَصَرَهُ هَهُنَا، وَأَبُو بَصِير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة، وَقد اخْتلف فِي اسْمه وَنسبه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الشُّرُوط.
٤١٨٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما خرَجَ مُعْتَمِرَاً فِي الْفِتْنَةِ فَقَالَ إنْ صُدِدْتُ عنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أجْلِ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَام الْحُدَيْبِيَة) والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب إِذا أحْصر الْمُعْتَمِر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره. قَوْله: (فِي الْفِتْنَة) أَي: فِي أَيَّام الْفِتْنَة. قَوْله: (إِن صددت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: إِن منعت.
٢٠٧ - حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحيى عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه أهل وَقَالَ إِن حيل بيني وَبَينه لفَعَلت كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين حَالَتْ كفار قُرَيْش بَينه وتلا {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} .
وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع وَهَذَا أَيْضا مضى فِي الْحَج فِي الْبَاب الْمَذْكُور مطولا
قَوْله (وَبَينه) أَي وَبَين الْبَيْت
٤١٨٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ أسْمَاءَ حدَّثَنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله وسالِمَ بنَ عَبْدِ الله أخْبرَاهُ أنَّهُمَا كلَّمَا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ (ح) .
وحدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ أنَّ بَعْضَ بَني عَبْدِ الله قَالَ لَهُ لَوْ أقَمْتَ العامَ فإنِّي أخَافُ أنْ لَا تَصِلَ إِلَى البَيْتِ قَالَ خَرَجْنَا معَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دونَ البَيْتِ فَنَحَرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هدَايَاهُ وحَلَقَ وقَصَّرَ أصْحَابُهُ وَقَالَ أشْهِدُكُمْ أنِّي أوْجَبْتُ عُمْرَةً فإنْ خُلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَ البَيْتِ طُفْتُ وإنْ حِيلَ بَيْنِي وبَيْنَ البَيْتِ صنَعْتُ كَمَا صنَعَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسارَ ساعَةً ثُمَّ قالَ مَا أُرَى شأنُهُمَا إلَاّ واجِدَاً أشهِدُكُمْ أنِّي قدْ أوْجَبْتُ حَجَّةً معَ عُمْرَتِي فَطَافَ طَوَافَاً واحِدَاً وسَعْيَاً واحِدَاً حتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعَاً. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد ... إِلَى آخِره، وَقد مضى فِي كتاب الْحَج فِي الْبَاب الْمَذْكُور بأتم مِنْهُ، وَجُوَيْرِية مصغر الْجَارِيَة ابْن أَسمَاء بن عبيد الله الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (أَن بعض بني عبد الله) يَعْنِي: عبد الله بن عمر، وَالْمَذْكُور فِي الْحَج عَن نَافِع: أَن عبيد الله بن عبد الله وَسَالم بن عبد الله أخبراه أَنَّهُمَا كلما عبد الله بن عمر ليَالِي نزل الْجَيْش بِابْن الزبير، فَقَالَا: لَا يَضرك أَن لَا تحج الْعَام ... الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
٤١٨٦ - حدَّثني شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ سمِعَ النضْرَ بنَ مُحَمَّدٍ حدَّثَنَا صَخْرٌ عنْ نافِعٍ قَالَ إنَّ النَّاسَ يتَحَدَّثُونَ أنَّ ابنَ عُمَرَ أسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ ولَيْسَ كذَلِكَ ولاكِنْ عُمَرُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أرْسَلَ عبد الله إِلَى فرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ يأتِي بِهِ لِيُقاتِلَ عَلَيْهِ ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وعُمَرُ لَا يَدْرِي بِذالِكَ فبَايَعَهُ عَبْدُ الله ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الفَرَس فجَاءَ بهِ إلَى عُمَرَ وعُمَرُ يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتَالِ فأخْبَرَهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَ فانْطَلَقَ فذَهَبَ معَهُ حتَّى بايَعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهْيَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ ابنَ عُمَرَ أسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٩١٦ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وشجاع بن الْوَلِيد أَبُو اللَّيْث البُخَارِيّ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، مؤدب الْحسن بن الْعَلَاء السَّعْدِيّ الْأَمِير، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ، وَسمع مِنْهُ قَلِيلا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي، وَقع فِي عَامَّة النّسخ من (الصَّحِيح) أخبرنَا شُجَاع بن الْوَلِيد، وَفِي بَعْضهَا: حَدثنِي، وَزعم أَبُو مَسْعُود أَنه فِي كتاب البُخَارِيّ: شُجَاع بن الْوَلِيد، وَلم يقل: حَدثنَا وَلَا أخبرنَا، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد الجرشِي، بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء بعْدهَا شين مُعْجمَة: الْيَمَانِيّ أَبُو مُحَمَّد، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وَمَاله فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وصخر، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن جوَيْرِية النميري، يعد فِي الْبَصرِيين.
وَظَاهر هَذَا الطَّرِيق الْإِرْسَال وَلَكِن الطَّرِيق الَّتِي بعْدهَا
توضح أَن نَافِعًا حمله عَن ابْن عمر.
قَوْله: (وَعمر يستلئم) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَمعنى: يستلئم، أَي: يلبس لأمته بِالْهَمْز وَهِي السِّلَاح، يَعْنِي: الدرْع.
(وَقَالَ هِشَام بن عمار حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا عمر بن مُحَمَّد الْعمريّ أَخْبرنِي نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّاس كَانُوا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْم الْحُدَيْبِيَة تفَرقُوا فِي ظلال الشّجر فَإِذا النَّاس محدقون بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ يَا عبد الله انْظُر مَا شَأْن النَّاس قد أَحدقُوا برَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَوَجَدَهُمْ يبايعون فَبَايع ثمَّ رَجَعَ إِلَى عمر فَخرج فَبَايع) هَكَذَا وَقع فِي كثير من النّسخ بِصُورَة التَّعْلِيق وَفِي بعض النّسخ وَقَالَ لي وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ مَوْصُولا عَن الْحسن بن سُفْيَان عَن دُحَيْم بِضَم الدَّال وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله " محدقون بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَي محيطون بِهِ ناظرون إِلَيْهِ وَمِنْه الحديقة سميت بهَا لإحاطة الْبناء بهَا من الْبَسَاتِين وَغَيرهَا قَوْله " فَقَالَ يَا عبد الله " الْقَائِل هُوَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " قد أَحدقُوا " كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب وَوَقع للمستملي قَالَ أَحدقُوا فَجعل قَالَ مَوضِع قد قَالَ وَهَذَا تَحْرِيف (فَإِن قلت) السَّبَب الَّذِي هُنَا فِي أَن ابْن عمر بَايع قبل أَبِيه غير السَّبَب الَّذِي قبله قلت هَذَا السُّؤَال فِيهِ تعسف فَلَا يرد أصلا وَذَلِكَ أَن ابْن عمر تَكَرَّرت مِنْهُ الْمُبَايعَة هُنَا وتوحدت فِي الحَدِيث السَّابِق وَقد تكلّف الشارحون هَهُنَا بِمَا لَيْسَ بطائل
٤١٨٨ - حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثَنا يَعْلَى حدَّثَنا إسْمَاعِيلُ قالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ اعْتَمَرَ فَطافَ معَهُ وصَلَّى وصَلَّيْنَا مَعَهُ وسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ فَكُنَّا نَسْتُرُهُ منْ أهْلِ مَكَّةَ لَا يُصِيبُهُ أحَدٌ بِشَيْءٍ.
إِنَّمَا ذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا لكَون عبد الله بن أبي أوفى مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة، وَهِي فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة، وَكَانَ أَيْضا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي عمْرَة الْقَضَاء.
وَقد مر الحَدِيث فِي الْحَج فِي: بَاب مَتى يحل الْمُعْتَمِر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم عَن جرير عَن إِسْمَاعِيل عَن عبد الله بن أبي أوفى ... إِلَى آخِره بأتم مِنْهُ، وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير بِضَم النُّون، مصغر النمر عَن يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام: ابْن عبيد بن أبي أُميَّة أبي يُوسُف الطنافسي الْحَنَفِيّ الْإِيَادِي الْكُوفِي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، فَافْهَم.
٢١١ - (حَدثنَا الْحسن بن إِسْحَاق حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق حَدثنَا مَالك بن مغول قَالَ سَمِعت أَبَا حُصَيْن قَالَ قَالَ أَبُو وَائِل لما قدم سهل بن حنيف من صفّين أتيناه نستخبره فَقَالَ اتهموا الرَّأْي فَلَقَد رَأَيْتنِي يَوْم أبي جندل وَلَو أَسْتَطِيع أَن أرد على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمره لرددت وَالله وَرَسُوله أعلم وَمَا وَضعنَا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إِلَّا أسهلن بِنَا إِلَيّ أَمر نعرفه قبل هَذَا الْأَمر مَا نسد مِنْهَا خصما إِلَّا انفجر علينا خصم مَا نَدْرِي كَيفَ نأتي لَهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة تَأتي من حَيْثُ أَن فِيهِ ذكر أبي جندل الَّذِي كَانَت قَضيته يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَذَلِكَ أَنه لما أَتَى إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْم الْحُدَيْبِيَة رده إِلَى أَبِيه لما جَاءَ فِي طلبه وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره لَام وَقد مر بَيَانه فِيمَا مضى وَالْحسن بن إِسْحَق بن زِيَاد مولى بني اللَّيْث الْمروزِي الْمَعْرُوف بحسنويه يكنى أَبَا عَليّ وَثَّقَهُ
النَّسَائِيّ وَقَالَ أَبُو حَاتِم مَجْهُول وَقَالَ ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَكَانَ من أَصْحَاب ابْن الْمُبَارك وَمَات سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين ومأتين وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَمُحَمّد بن سَابق أَبُو جَعْفَر التَّمِيمِي الْبَغْدَادِيّ الْبَزَّار وَأَصله فَارسي كَانَ بِالْكُوفَةِ وَمَات سنة ثَلَاث عشرَة ومأتين وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة وَمَالك بن مغول بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو البَجلِيّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم المفتوحتين مَاتَ سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة الْكُوفِي أدْرك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا وَسَهل بن حنيف بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء الْأنْصَارِيّ الأوسي الصَّحَابِيّ قَوْله " من صفّين " يَعْنِي من وقْعَة صفّين الَّتِي كَانَت بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة وصفين بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء مَوضِع بَين الْعرَاق وَالشَّام قَوْله " اتهموا الرَّأْي " أَي اتهموا رَأْيكُمْ وَذَلِكَ أَن سهلا كَانَ يتهم بالتقصير فِي الْقِتَال فَقَالَ اتهموا رَأْيكُمْ فَإِنِّي لَا أقصر وَمَا كنت مقصرا وَقت الْحَاجة كَمَا فِي يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَإِنِّي رَأَيْت نَفسِي يَوْمئِذٍ بِحَيْثُ لَو قدرت على مُخَالفَة حكم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لقاتلت قتالا لَا مزِيد عَلَيْهِ لَكِن أتوقف عَنهُ الْيَوْم لمصْلحَة الْمُسلمين قَوْله " فَلَقَد رَأَيْتنِي " أَي فَلَقَد رَأَيْت نَفسِي قَوْله " يَوْم أبي جندل " أَرَادَ بِهِ يَوْم الْحُدَيْبِيَة وأضيف إِلَيْهِ إِذْ فِي ذَلِك الْيَوْم رده رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن قَوْله " وَلَو أَسْتَطِيع أَن أرد على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمره لرددت " أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَنه مَا توقف يَوْم الْحُدَيْبِيَة عَن الْقِتَال إِلَّا لأمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالكف عَن الْقِتَال لَا من جِهَة التَّقْصِير فِيهِ ثمَّ أكد كَلَامه بقوله وَالله وَرَسُوله أعلم بِمَا أقوله وَبِمَا كنت فِي يَوْم الْحُدَيْبِيَة قَوْله " وَمَا وَضعنَا أسيافنا " على عواتقنا يُرِيد بِهِ الْبَأْس وَالْقُوَّة والعواتق جمع عاتق وَهُوَ مَا بَين منْكب الرجل إِلَى عُنُقه قَوْله " يفظعنا " جملَة وَقعت صفة لقَوْله لأمر بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْفَاء وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة من أفظع الْأَمر إِذا اشْتَدَّ وَقَالَ ابْن فَارس يُقَال أفظع الْأَمر وفظع إِذا اشْتَدَّ ذكره فِي بَاب الْفَاء مَعَ الظَّاء الْمُعْجَمَة وَذكره ابْن التِّين بالضاد ثمَّ قَالَ هُوَ أَمر مهول وَقَالَ أَيْضا رُوِيَ بِفَتْح الْيَاء قلت حِينَئِذٍ يكون ثلاثيا مُجَردا وعَلى رِوَايَة الضَّم يكون ثلاثيا مزيدا فِيهِ وَفِي الْمطَالع قَوْله " لأمر يفظعنا " أَي يفزعنا ويعظم أمره ويشتد علينا ذكره فِي بَاب الْفَاء مَعَ الظَّاء الْمُعْجَمَة قَوْله قبل هَذَا الْأَمر لفظ قبل ظرف لقَوْله وَضعنَا وَأَرَادَ بِهَذَا الْأَمر مقاتلة عَليّ وَمُعَاوِيَة قَوْله " مِنْهَا " ويروى مِنْهُ أَي من هَذَا الْأَمر قَوْله " إِلَّا أسهلن بِنَا " أَي إِلَّا استمرت بِنَا إِلَى أَمر نعرفه قبل هَذَا الْأَمر وَقيل مَعْنَاهُ أفضت بِنَا إِلَى سهولة قَوْله خصما بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَهُوَ الْجَانِب الَّذِي فِيهِ العروة وَقيل جَانب كل شَيْء خَصمه وَيجمع على أخصام وَمِنْه قيل لِلْخَصْمَيْنِ خصمان لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَأْخُذ بالناحية من الدَّعْوَى غير نَاحيَة صَاحبه وَأَصله خصم الْقرْبَة وَلِهَذَا استعاره هُنَا مَعَ ذكر الانفجار كَمَا ينفجر المَاء من نواحي الْقرْبَة وَكَانَ قَول سهل بن حنيف هَذَا يَوْم صفّين لما حكم الحكمان وَقيل الْخصم الْحَبل الَّذِي تشد بِهِ الْأَحْمَال أَي مَا نلفق مِنْهُ حبلا إِلَّا انْقَطع آخر والْحَدِيث مضى فِي آخر الْجِهَاد مُخْتَصرا -
٤١٩٠ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ أبِي لَيْلَى عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أتَى علَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَمَنَ الحُدَيْبِيَّةِ والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ علَى وجْهِي فقالَ أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فاحْلِقْ وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أوِ انْسُك نَسِيكَةً قَالَ أيُّوبُ لَا أدْرِي بأيِّ هاذَا بَدَأَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (زمن الْحُدَيْبِيَة) وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه} (الْبَقَرَة: ١٩٦) . وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الْهَوَام) ، جمع هَامة بتَشْديد الْمِيم وَالْمرَاد بهَا هُنَا: الْقمل، والنسيكة: الذَّبِيحَة.