«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٧

الحديث رقم ٤١٧ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤١٧ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ، أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ، وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ، فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا».

بَابُ عِظَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ الْقِبْلَةِ

إسناد حديث رقم ٤١٧ من صحيح البخاري

٤١٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤١٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَذَى الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنْ يُقَالَ: كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ أَشَدَّ إِثْمًا مُطْلَقًا، وَكَوْنُهُ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ أَشَدَّ إِثْمًا مِنْ كَوْنِهِ فِي غَيْرِهَا مِنْ جُدُرِ الْمَسْجِدِ، فَهِيَ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَنْعِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ اخْتِصَاصُهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ الْكَاتِبُ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَنْ يَسَارِهِ مَلَكًا آخَرَ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ.

وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ اهـ. فَالتَّفْلُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْيَمِينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَيَدْفِنُهَا) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَمْ يَقُلْ يُغَطِّيهَا؛ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ يَسْتَمِرُّ الضَّرَرُ بِهَا إِذْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْلِسَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا فَتُؤْذِيَهُ، بِخِلَافِ الدَّفْنِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّعْمِيقُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ: الْمُرَادُ بِدَفْنِهَا مَا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ تُرَابِيًّا أَوْ رَمْلِيًّا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُبَلَّطًا مَثَلًا فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَثَلًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ بَلْ زِيَادَةٌ فِي التَّقْذِيرِ. قُلْتُ: لَكِنْ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتَّةَ فَلَا مَانِعَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْمُتَقَدِّمِ: ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ طَارِقٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: وَبَزَقَ تَحْتَ رِجْلِهِ وَدَلَكَ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ أَوْ يَنْزِلُ مِنَ الرَّأْسِ، أَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ فَهُوَ نَجَسٌ فَلَا يُدْفَنُ فِي الْمَسْجِدِ اهـ. وَهَذَا عَلَى اخْتِيَارِهِ، لَكِنْ يَظْهَرُ التَّفْصِيلُ فِيمَا إِذَا كَانَ طَرَفًا مِنْ قَيْءٍ، وَكَذَا إِذَا خَالَطَ الْبُزَاقَ دَمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٩ - بَاب إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ

٤١٧ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ - أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ - وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ) أَنْكَرَ السُّرُوجِيُّ قَوْلُهُ: بَدَرَهُ وَقَالَ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ بَدَرْتُ إِلَيْهِ وَبَادَرْتُهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُغَالَبَةِ فَيُقَالُ: بَادَرْتُ كَذَا فَبَدَرَنِي أَيْ سَبَقَنِي، وَاسْتَشْكَلَ آخَرُونَ التَّقْيِيدَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْمُبَادَرَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثُمَّ طَوَى بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ وَفَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: بِأَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ لَكِنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنْ حَمَلَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تَفْصِيلَ فِيهَا عَلَى مَا فَصَّلَ فِيهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في المغالبة يقال: بادرني فبادرته (١)، ولا يقال: بادرت كذا فبدرني، والفعل اللَّازم في باب المُغالَبة يُجعَل متعدِّيًا بلا حرف صلةٍ، يقال: كارمني فكرمته، وليس هنا باب المغالبة حتَّى يقال: بدره. انتهى.

٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ (٢) الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بالتَّصغير، ابن معاوية الكوفيُّ الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ، وللأَصيليِّ: «عن أنس ابن مالكٍ»: (أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ) أي: في جهة حائطها (فَحَكَّهَا بِيَدِهِ) الشَّريفة (٣)، بالكاف، أي: النُّخامة، وللأَصيليِّ: «فحكَّه» أي: أثر النُّخامة أو البصاق (وَرُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ ثمَّ ياءٍ مفتوحةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «ورِيْءَ» بكسر الرَّاء ثمَّ ياءٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ (مِنْهُ) (كَرَاهِيَةٌ -أَوْ رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ فياءٍ (٤) مفتوحةٍ (كَرَاهِيَتُهُ) (لِذَلِكَ) أي: الفعل، والشَّكُّ من الرَّواي، و «كراهيَّةٌ» (٥): مرفوعٌ بـ «رُئِيَ» المبنيِّ للمفعول (وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ-) رُفِعَ عطفًا على «كراهيته»، أو جُرَّ عطفًا على قوله: «لذلك» (وَقَالَ) : (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) بكلامه وذكره، ويناجيه ربُّه بلازم ذلك من إرادة الخير، قال النَّوويُّ: وهو إشارةٌ لإخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى (أَوْ رَبُّهُ) تعالى مبتدأٌ خبرُه: (بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) والجملة عطفٌ على الجملة

الفعليَّة الَّتي (١) قبلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «وبين القبلة» (٢) وليس المراد ظاهر ذلك إذ هو محالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب تأويله بنحو ما مرَّ في «باب حكِّ البزاق باليد» [خ¦٤٠٥] (فَلَا يَبْزُقَنَّ) أحدكم (فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ) أي (٣): (قَدَمِهِ) اليسرى (ثُمَّ أَخَذَ) (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ) بالزَّاي (وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ) ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقال»: (أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا).

فإن قلت: ليس في الحديث مطابقةٌ للتَّرجمة لأنَّه لم يذكر في الحديث: بدره البزاق، أُجيب بأنَّه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث عند مسلمٍ من حديث جابرٍ، فإن عجلت به بادرةٌ فليقل بثوبه هكذا، ثمَّ طوى بعضه على بعضٍ.

واستُنبِط من الحديث: أنَّ على الإمام النَّظر في أحوال المساجد وتعاهدها ليصونها عن المؤذيات، وأنَّ البصق في الصَّلاة والنَّفخ والتَّنحنح غير مفسدٍ لها، لكنَّ الأصحَّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّ التَّنحنح والنَّفخ إن ظهر من كلٍّ منهما حرفان، أو حرفٌ مفهمٌ كَـ «قِ» من الوقاية، أو مَدَّةٌ بعد حرفٍ بطلت الصَّلاة، وإِلَّا فلا تبطل مطلقًا لأنَّه ليس من جنس الكلام، وعن (٤) أبي حنيفة ومحمَّدٍ: تبطل بظهور ثلاثة أحرفٍ، والله أعلم (٥).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَذَى الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنْ يُقَالَ: كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ أَشَدَّ إِثْمًا مُطْلَقًا، وَكَوْنُهُ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ أَشَدَّ إِثْمًا مِنْ كَوْنِهِ فِي غَيْرِهَا مِنْ جُدُرِ الْمَسْجِدِ، فَهِيَ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَنْعِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ اخْتِصَاصُهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ الْكَاتِبُ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَنْ يَسَارِهِ مَلَكًا آخَرَ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ.

وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ اهـ. فَالتَّفْلُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْيَمِينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَيَدْفِنُهَا) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَمْ يَقُلْ يُغَطِّيهَا؛ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ يَسْتَمِرُّ الضَّرَرُ بِهَا إِذْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْلِسَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا فَتُؤْذِيَهُ، بِخِلَافِ الدَّفْنِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّعْمِيقُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ: الْمُرَادُ بِدَفْنِهَا مَا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ تُرَابِيًّا أَوْ رَمْلِيًّا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُبَلَّطًا مَثَلًا فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَثَلًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ بَلْ زِيَادَةٌ فِي التَّقْذِيرِ. قُلْتُ: لَكِنْ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتَّةَ فَلَا مَانِعَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْمُتَقَدِّمِ: ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ طَارِقٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: وَبَزَقَ تَحْتَ رِجْلِهِ وَدَلَكَ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ أَوْ يَنْزِلُ مِنَ الرَّأْسِ، أَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ فَهُوَ نَجَسٌ فَلَا يُدْفَنُ فِي الْمَسْجِدِ اهـ. وَهَذَا عَلَى اخْتِيَارِهِ، لَكِنْ يَظْهَرُ التَّفْصِيلُ فِيمَا إِذَا كَانَ طَرَفًا مِنْ قَيْءٍ، وَكَذَا إِذَا خَالَطَ الْبُزَاقَ دَمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٩ - بَاب إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ

٤١٧ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ - أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ - وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ) أَنْكَرَ السُّرُوجِيُّ قَوْلُهُ: بَدَرَهُ وَقَالَ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ بَدَرْتُ إِلَيْهِ وَبَادَرْتُهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُغَالَبَةِ فَيُقَالُ: بَادَرْتُ كَذَا فَبَدَرَنِي أَيْ سَبَقَنِي، وَاسْتَشْكَلَ آخَرُونَ التَّقْيِيدَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْمُبَادَرَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثُمَّ طَوَى بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ وَفَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: بِأَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ لَكِنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنْ حَمَلَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تَفْصِيلَ فِيهَا عَلَى مَا فَصَّلَ فِيهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في المغالبة يقال: بادرني فبادرته (١)، ولا يقال: بادرت كذا فبدرني، والفعل اللَّازم في باب المُغالَبة يُجعَل متعدِّيًا بلا حرف صلةٍ، يقال: كارمني فكرمته، وليس هنا باب المغالبة حتَّى يقال: بدره. انتهى.

٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ (٢) الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بالتَّصغير، ابن معاوية الكوفيُّ الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ، وللأَصيليِّ: «عن أنس ابن مالكٍ»: (أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ) أي: في جهة حائطها (فَحَكَّهَا بِيَدِهِ) الشَّريفة (٣)، بالكاف، أي: النُّخامة، وللأَصيليِّ: «فحكَّه» أي: أثر النُّخامة أو البصاق (وَرُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ ثمَّ ياءٍ مفتوحةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «ورِيْءَ» بكسر الرَّاء ثمَّ ياءٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ (مِنْهُ) (كَرَاهِيَةٌ -أَوْ رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ فياءٍ (٤) مفتوحةٍ (كَرَاهِيَتُهُ) (لِذَلِكَ) أي: الفعل، والشَّكُّ من الرَّواي، و «كراهيَّةٌ» (٥): مرفوعٌ بـ «رُئِيَ» المبنيِّ للمفعول (وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ-) رُفِعَ عطفًا على «كراهيته»، أو جُرَّ عطفًا على قوله: «لذلك» (وَقَالَ) : (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) بكلامه وذكره، ويناجيه ربُّه بلازم ذلك من إرادة الخير، قال النَّوويُّ: وهو إشارةٌ لإخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى (أَوْ رَبُّهُ) تعالى مبتدأٌ خبرُه: (بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) والجملة عطفٌ على الجملة

الفعليَّة الَّتي (١) قبلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «وبين القبلة» (٢) وليس المراد ظاهر ذلك إذ هو محالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب تأويله بنحو ما مرَّ في «باب حكِّ البزاق باليد» [خ¦٤٠٥] (فَلَا يَبْزُقَنَّ) أحدكم (فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ) أي (٣): (قَدَمِهِ) اليسرى (ثُمَّ أَخَذَ) (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ) بالزَّاي (وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ) ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقال»: (أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا).

فإن قلت: ليس في الحديث مطابقةٌ للتَّرجمة لأنَّه لم يذكر في الحديث: بدره البزاق، أُجيب بأنَّه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث عند مسلمٍ من حديث جابرٍ، فإن عجلت به بادرةٌ فليقل بثوبه هكذا، ثمَّ طوى بعضه على بعضٍ.

واستُنبِط من الحديث: أنَّ على الإمام النَّظر في أحوال المساجد وتعاهدها ليصونها عن المؤذيات، وأنَّ البصق في الصَّلاة والنَّفخ والتَّنحنح غير مفسدٍ لها، لكنَّ الأصحَّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّ التَّنحنح والنَّفخ إن ظهر من كلٍّ منهما حرفان، أو حرفٌ مفهمٌ كَـ «قِ» من الوقاية، أو مَدَّةٌ بعد حرفٍ بطلت الصَّلاة، وإِلَّا فلا تبطل مطلقًا لأنَّه ليس من جنس الكلام، وعن (٤) أبي حنيفة ومحمَّدٍ: تبطل بظهور ثلاثة أحرفٍ، والله أعلم (٥).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله