«لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٢٠٥

الحديث رقم ٤٢٠٥ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غزوة خيبر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٢٠٥ في صحيح البخاري

«لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ خَيْبَرَ، أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ ، أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ. وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللهِ ، فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ».

إسناد حديث رقم ٤٢٠٥ من صحيح البخاري

٤٢٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٢٠٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَسُبِيَ مَعَهَا بِنْتُ عَمِّهَا - وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِنْتُ عَمِّ زَوْجِهَا - فَلَمَّا اسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ صَفِيَّةَ مِنْ دِحْيَةَ أَعْطَاهُ بِنْتَ عَمِّهَا.

قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ دِحْيَةَ قَبْلَ الْقَسْمِ، وَالَّذِي عَوَّضَهُ عَنْهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْبَيْعِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ النَّفْلِ.

قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ صَفِيَّةَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا فِيهِ: فَاشْتَرَاهَا مِنْ دِحْيَةَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، فَالْأَوْلَى فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِسَهْمِهِ هُنَا نَصِيبُهُ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ أَنْ يُعْطِيَهُ جَارِيَةً فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَةً، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ. فَلَمَّا قِيلَ لِلنَّبِيِّ : إِنَّهَا بِنْتُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ تُوهَبُ لِدِحْيَةَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مِثْلَ دِحْيَةَ وَفَوْقَهُ، وَقِلَّةِ مَنْ كَانَ فِي السَّبْيِ مِثْلَ صَفِيَّةَ فِي نَفَاسَتِهَا، فَلَوْ خَصَّهُ بِهَا لَأَمْكَنَ تَغَيُّرُ خَاطِرِ بَعْضِهِمْ، فَكَانَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ارْتِجَاعُهَا مِنْهُ وَاخْتِصَاصُ النَّبِيِّ بِهَا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِضَا الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مِنْ شَيْءٍ. وَأَمَّا إِطْلَاقُ الشِّرَاءِ عَلَى الْعِوَضِ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَلَعَلَّهُ عَوَّضَهُ عَنْهَا بِنْتَ عَمِّهَا أَوْ بِنْتَ عَمِّ زَوْجِهَا فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ فَأَعْطَاهُ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْيِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ.

وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ - وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ: صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ، فَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ فَأَعْطَى بِهَا دِحْيَةَ مَا رَضِيَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَيَأْتِي تَمَامُ قِصَّتِهَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤٢٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ "لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ خَيْبَرَ أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَقال رسول الله : ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ أبي زِيَادٍ، وَعَاصِمٌ هُوَ الْأَحْوَلُ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ إِلَى أَبِي مُوسَى بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا غَزَا النَّبِيُّ خَيْبَرَ أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.

قَوْلُهُ: (أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِ أَبِي مُوسَى - فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) هَذَا السِّيَاقُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ ذَاهِبُونَ إِلَى خَيْبَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ حَالَ رُجُوعِهِمْ، لِأَنَّ أَبَا مُوسَى إِنَّمَا قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ مَعَ جَعْفَرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِهِ وَاضِحًا، وَعَلَى هَذَا فَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ إِلَى خَيْبَرَ فَحَاصَرَهَا فَفَتَحَهَا فَفَزِعَ فَرَجَعَ أَشْرَفَ النَّاسُ. . . إِلَخْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤٢٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقِيلَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقال رسول الله : "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقال رسول الله : "عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"

٤٢٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ "شَهِدْنَا خَيْبَرَ فَقال رسول الله : "لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَةُ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحَةِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ قُمْ يَا فُلَانُ فَأَذِّنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ". تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ

٤٢٠٤ - وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ شَهِدْنَا مَعَ النَّبِيِّ حُنَيْنًا وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ تَابَعَهُ صَالِحٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ خَيْبَرَ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدٌ عَنْ النَّبِيِّ .

الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ: فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ كَوْنِهَا خَيْبَرَ، لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلٍ مُتَّحِدَةٌ مَعَ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِخَيْبَرَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي سِيَاقِ سَهْلٍ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ اتَّكَأَ عَلَى حَدِّ سَيْفِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَفِي سِيَاقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ أَسْهُمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ.

وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُمْ لَمَّا أَخْبَرُهُ بِقِصَّتِهِ: إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ لَمَّا أَخْبَرُهُ بِقِصَّتِهِ: قُمْ يَا بِلَالُ فَأَذِّنْ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلِهَذَا جَنَحَ ابْنُ التِّينِ إِلَى التَّعَدُّدِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ فِي الْمُغَايِرَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَحَرَ نَفْسَهُ بِأَسْهُمِهِ فَلَمْ تَزْهَقْ رُوحُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ فَاتَّكَأَ حِينَئِذٍ عَلَى سَيْفِهِ اسْتِعْجَالًا لِلْمَوْتِ، لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُشْكِلِهِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي حَكَاهَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَقَعَتْ بِأُحُدٍ، قَالَ: وَاسْمُ الرَّجُلِ قُزْمَانُ الظُّفُرِيُّ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَيَّرَهُ النِّسَاءُ، فَخَرَجَ حَتَّى صَارَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ، ثُمَّ صَارَ إِلَى السَّيْفِ فَفَعَلَ الْعَجَائِبَ، فَلَمَّا انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: الْمَوْتُ أَحْسَنُ مِنَ الْفِرَارِ. فَمَرَّ بِهِ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا لَكَ بالشَّهَادَةُ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي مَا قَاتَلْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنَّمَا قَاتَلْتُ عَلَى حَسَبِ قَوْمِي. ثُمَّ أَقْلَقَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ.

قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ أَخَذَهُ مِنْ مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ وَهُوَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ! نَعَمْ، أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي حَازِمٍ حَدِيثَ الْبَابِ، وَأَوَّلُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا أَبْلَى فُلَانٌ، لَقَدْ فَرَّ النَّاسُ وَمَا فَرَّ، وَمَا تَرَكَ لِلْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً. . . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عَلَى نَحْوِ مَا فِي الصَّحِيحِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَتُهُ، وَسَعِيدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَا أَظُنُّ رِوَايَتَهُ خَفِيَتْ عَلَى الْبُخَارِيِّ، وَأَظُنُّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ أُحُدٍ؛ لِأَنَّ سَهْلًا مَا كَانَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ لِصِغَرِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَيَكُونُ فِي أُحُدٍ ابْنَ عَشَرَةٍ أَوْ إِحْدَى عَشَرَةٍ، عَلَى أَنَّهُ قد حَفِظَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ أُحُدٍ مِثْلَ غَسْلِ فَاطِمَةَ جِرَاحَةَ النَّبِيِّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: غَزَوْنَا إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا سَيَأْتِي لِأَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ يَدْفَعُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ)؛ أَيْ رَجَعَ بَعْدَ فَرَاغِ الْقِتَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.

قَوْلُهُ: (وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ) وَقَعَ فِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ اسْمَهُ قُزْمَانُ - بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الزَّايِ - الظُّفُرَيُّ - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - نِسْبَةً إِلَى بَنِي ظُفُرٍ بَطْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْغَيْدَاقِ - بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَآخِرُهُ قَافٌ - وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً) الشَّاذَّةُ بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ مَا انْفَرَدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَبِالْفَاءِ مِثْلُهُ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِمْ، ثُمَّ هُمَا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ نَسَمَةً، وَالْهَاءُ فِيهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْقَى شَيْئًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالشَّاذِّ وَالْفَاذِّ مَا كَبُرَ وَصَغُرَ، وَقِيلَ: الشَّاذُّ الْخَارِجُ، وَالْفَاذُّ الْمُنْفَرِدُ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَقِيلَ: الثَّانِي إِتْبَاعٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ)؛ أَيْ قَائِلٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ فَقَالُوا، وَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَفْظِ: فَقِيلَ، وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَقُلْتُ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً عُرِفَ اسْمُ قَائِلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (مَا أَجْزَأَ) بِالْهَمْزَةِ؛ أَيْ مَا أَغْنَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالُوا: أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ!. وَفِي حَدِيثِ أَكْثَمَ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فُلَانٌ

يُجْزِئُ فِي الْقِتَالِ. فقَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ فُلَانٌ فِي عِبَادَتِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَلِينِ جَانِبِهِ فِي النَّارِ، فَأَيْنَ نَحْنُ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَخَبَاثُ النِّفَاقِ. قَالَ: فَكُنَّا نَتَحَفَّظُ عَلَيْهِ فِي الْقِتَالِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ: لَأَتْبَعَنَّهُ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَكْثَمُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِهِ.

قَوْلُهُ: (فَجُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا) زَادَ فِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِ اسْتُشْهِدَ فُلَانٌ. قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ.

قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ: فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: أَخَذَ سَيْفَهُ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: تُدْرِكُهُ الشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِهَا، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْكَلَامِ الْأَخِيرِ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:

قَوْلُهُ: (شَهِدْنَا خَيْبَرَ) أَرَادَ جَيْشَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ الثَّابِتَ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ مُعْظَمِ خَيْبَرَ فَحَضَرَ فَتْحَ آخِرِهَا، لَكِنْ مَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحَهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْهِمْ لِي، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ آخِرَ هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ)؛ أَيْ عَنْ رَجُلٍ، وَاللَّامُ قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى عَنْ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فِي؛ أَيْ فِي شَأْنِهِ أَيْ سَبَبِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قَوْلُهُ: (فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِي الْجِهَادِ: فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَفِيهِ دُخُولُ أَنْ عَلَى خَبَرِ كَادَ، وَهُوَ جَائِزٌ مَعَ قِلَّتِهِ.

قَوْلُهُ: (قُمْ يَا فُلَانُ) هُوَ بِلَالٌ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْقَدَرِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَيُؤَيِّدُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ فِي أنَّ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُهَا.

قَوْلُهُ: (بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ قُزْمَانُ الْمَذْكُورُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مَعْمَرٌ)؛ أَيْ تَابَعَ شُعَيْبًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْجِهَادِ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ شَبِيبٌ)؛ أَيِ ابْنُ سَعِيدٍ (عَنْ يُونُسَ)؛ أَيِ ابْنِ يَزِيدَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)؛ أَيِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

قَوْلُهُ: (شَهِدْنَا حُنَيْنًا) يُرِيدُ أَنَّ يُونُسَ خَالَفَ مَعْمَرًا، وَشُعَيْبًا فَذَكَرَ بَدَلَ خَيْبَرَ لَفْظَةَ: حُنَيْنٍ، وَرِوَايَةُ شَبِيبٍ هَذِهِ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى طَرَفٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَوْرَدَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ بِتَمَامِهِ، وَأَحْمَدُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا، وَقَدْ وَافَقَ يُونُسُ، مَعْمَرًا، وَشُعَيْبًا فِي الْإِسْنَادِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ يَعْنِي وَافَقَ شَبِيبًا فِي لَفْظِ حُنَيْنٍ وَخَالَفَهُ فِي الْإِسْنَادِ فَأَرْسَلَ الْحَدِيثَ، وَطَرِيقُ ابْنِ الْمُبَارَكِ هَذِهِ وَصَلَهَا فِي الْجِهَادِ وَلَمْ أَرَ فِيهَا تَعْيِينَ الْغَزْوَةِ.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ صَالِحٌ) يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ. قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ بَعْضَ مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِرَجُلٍ مَعَهُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَابَعَةِ أَنَّ صَالِحًا تَابَعَ رِوَايَةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ فِي تَرْكِ ذِكْرِ اسْمِ الْغَزْوَةِ، لَا فِي بَقِيَّةِ الْمَتْنِ وَلَا فِي الْإِسْنَادِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ

عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا وَوَهَمَ فِيهِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَذَهَلَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ خَيْبَرَ) قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدٌ عَنِ النَّبِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَكَذَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ الزُّبَيْدِيِّ هَذِهِ مُعَلَّقَةً مُخْتَصَرَةً، وَأَجْحَفَ فِيهَا فِي الِاخْتِصَارِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْمَوْصُولَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَبَيْنَ رِوَايَتِهِ الْمُرْسَلَةِ عَنْ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي التَّارِيخِ، وَكَذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ فَسَاقَ الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ بِالْقِصَّةِ، ثُمَّ سَاقَ بَعْدَهُ: قَالَ الزُّبَيْدِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ هَذَا سِيَاقُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي سِيَاقِ الذُّهْلِيِّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهَذَا أَصْوَبُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ، وَقَدِ اقْتَضَى صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَمَعْمَرٍ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ مُحْتَمَلَةٌ وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ إِذَا رَجَحَ بَعْضُهَا

عِنْدَهُ اعْتَمَدَهُ وَأَشَارَ إِلَى الْبَقِيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَدْحَ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الِاضْطِرَابِ أَنْ تَتَسَاوَى وُجُوهُ الِاخْتِلَافِ فَلَا يَرْجَحُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَلْوَانِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: قُلْتُ لِيَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ هَذَا؟ قَالَ: كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخٌ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ، فَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْكِنَانِيُّ. قَالَ مُسْلِمٌ: وَلَيْسَ مَا قَالَ يَعْقُوبُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ وَاوٌ وَاحِدَةٌ فَفَحُشَ خَطَؤُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ هُوَ سَعِيدٌ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ ابْنُ أَخِيهِ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَكَذَا رَجَّحَ الذُّهْلِيُّ رِوَايَةَ شُعَيْبٍ، وَمَعْمَرٍ، قَالَ: وَلَا تُدْفَعُ رِوَايَةُ الْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَقَعُ لَهُ الْحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ فَيَحْمِلُهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، نَعَمْ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُوَافَقَةَ الزُّبَيْدِيِّ عَلَى إِرْسَالِ آخِرِ الْحَدِيثِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ أَعْلَمَنَا النَّبِيُّ أَنَّهُ نَفَذَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ مِنَ الْفُسَّاقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنَّارِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ أَيْ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِينَ أَصَابَتْهُ الْجِرَاحَةُ ارْتَابَ وَشَكَّ فِي الْإِيمَانِ أَوْ اسْتَحَلَّ قَتْلَ نَفْسِهِ فَمَاتَ كَافِرًا. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْمُنِيرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَاجِرِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ : إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْكُفْرَ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ، وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ إِعْلَامِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بِفَضِيلَةٍ تَكُونُ فِيهِ وَالْجَهْرُ بِهَا.

(تَنْبِيهٌ): الْمُنَادِي بِذَلِكَ بِلَالٌ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: قُمْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَسُبِيَ مَعَهَا بِنْتُ عَمِّهَا - وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِنْتُ عَمِّ زَوْجِهَا - فَلَمَّا اسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ صَفِيَّةَ مِنْ دِحْيَةَ أَعْطَاهُ بِنْتَ عَمِّهَا.

قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ دِحْيَةَ قَبْلَ الْقَسْمِ، وَالَّذِي عَوَّضَهُ عَنْهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْبَيْعِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ النَّفْلِ.

قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ صَفِيَّةَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا فِيهِ: فَاشْتَرَاهَا مِنْ دِحْيَةَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، فَالْأَوْلَى فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِسَهْمِهِ هُنَا نَصِيبُهُ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ أَنْ يُعْطِيَهُ جَارِيَةً فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَةً، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ. فَلَمَّا قِيلَ لِلنَّبِيِّ : إِنَّهَا بِنْتُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ تُوهَبُ لِدِحْيَةَ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مِثْلَ دِحْيَةَ وَفَوْقَهُ، وَقِلَّةِ مَنْ كَانَ فِي السَّبْيِ مِثْلَ صَفِيَّةَ فِي نَفَاسَتِهَا، فَلَوْ خَصَّهُ بِهَا لَأَمْكَنَ تَغَيُّرُ خَاطِرِ بَعْضِهِمْ، فَكَانَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ارْتِجَاعُهَا مِنْهُ وَاخْتِصَاصُ النَّبِيِّ بِهَا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِضَا الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مِنْ شَيْءٍ. وَأَمَّا إِطْلَاقُ الشِّرَاءِ عَلَى الْعِوَضِ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَلَعَلَّهُ عَوَّضَهُ عَنْهَا بِنْتَ عَمِّهَا أَوْ بِنْتَ عَمِّ زَوْجِهَا فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ فَأَعْطَاهُ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْيِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ.

وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ - وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ: صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ، فَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ فَأَعْطَى بِهَا دِحْيَةَ مَا رَضِيَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَيَأْتِي تَمَامُ قِصَّتِهَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤٢٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ "لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ خَيْبَرَ أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَقال رسول الله : ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ أبي زِيَادٍ، وَعَاصِمٌ هُوَ الْأَحْوَلُ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ إِلَى أَبِي مُوسَى بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا غَزَا النَّبِيُّ خَيْبَرَ أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.

قَوْلُهُ: (أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِ أَبِي مُوسَى - فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) هَذَا السِّيَاقُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ وَهُمْ ذَاهِبُونَ إِلَى خَيْبَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ حَالَ رُجُوعِهِمْ، لِأَنَّ أَبَا مُوسَى إِنَّمَا قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ مَعَ جَعْفَرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِهِ وَاضِحًا، وَعَلَى هَذَا فَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ إِلَى خَيْبَرَ فَحَاصَرَهَا فَفَتَحَهَا فَفَزِعَ فَرَجَعَ أَشْرَفَ النَّاسُ. . . إِلَخْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤٢٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقِيلَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقال رسول الله : "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقال رسول الله : "عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"

٤٢٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ "شَهِدْنَا خَيْبَرَ فَقال رسول الله : "لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَةُ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحَةِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ قُمْ يَا فُلَانُ فَأَذِّنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ". تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ

٤٢٠٤ - وَقَالَ شَبِيبٌ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ شَهِدْنَا مَعَ النَّبِيِّ حُنَيْنًا وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ تَابَعَهُ صَالِحٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ خَيْبَرَ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدٌ عَنْ النَّبِيِّ .

الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ: فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ كَوْنِهَا خَيْبَرَ، لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلٍ مُتَّحِدَةٌ مَعَ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِخَيْبَرَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي سِيَاقِ سَهْلٍ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ اتَّكَأَ عَلَى حَدِّ سَيْفِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَفِي سِيَاقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ أَسْهُمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ.

وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُمْ لَمَّا أَخْبَرُهُ بِقِصَّتِهِ: إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ لَمَّا أَخْبَرُهُ بِقِصَّتِهِ: قُمْ يَا بِلَالُ فَأَذِّنْ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلِهَذَا جَنَحَ ابْنُ التِّينِ إِلَى التَّعَدُّدِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ فِي الْمُغَايِرَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَحَرَ نَفْسَهُ بِأَسْهُمِهِ فَلَمْ تَزْهَقْ رُوحُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ فَاتَّكَأَ حِينَئِذٍ عَلَى سَيْفِهِ اسْتِعْجَالًا لِلْمَوْتِ، لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُشْكِلِهِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي حَكَاهَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَقَعَتْ بِأُحُدٍ، قَالَ: وَاسْمُ الرَّجُلِ قُزْمَانُ الظُّفُرِيُّ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَيَّرَهُ النِّسَاءُ، فَخَرَجَ حَتَّى صَارَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ، ثُمَّ صَارَ إِلَى السَّيْفِ فَفَعَلَ الْعَجَائِبَ، فَلَمَّا انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: الْمَوْتُ أَحْسَنُ مِنَ الْفِرَارِ. فَمَرَّ بِهِ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا لَكَ بالشَّهَادَةُ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي مَا قَاتَلْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنَّمَا قَاتَلْتُ عَلَى حَسَبِ قَوْمِي. ثُمَّ أَقْلَقَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ.

قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ أَخَذَهُ مِنْ مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ وَهُوَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ! نَعَمْ، أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي حَازِمٍ حَدِيثَ الْبَابِ، وَأَوَّلُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا أَبْلَى فُلَانٌ، لَقَدْ فَرَّ النَّاسُ وَمَا فَرَّ، وَمَا تَرَكَ لِلْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً. . . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عَلَى نَحْوِ مَا فِي الصَّحِيحِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَتُهُ، وَسَعِيدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَا أَظُنُّ رِوَايَتَهُ خَفِيَتْ عَلَى الْبُخَارِيِّ، وَأَظُنُّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ أُحُدٍ؛ لِأَنَّ سَهْلًا مَا كَانَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ لِصِغَرِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَيَكُونُ فِي أُحُدٍ ابْنَ عَشَرَةٍ أَوْ إِحْدَى عَشَرَةٍ، عَلَى أَنَّهُ قد حَفِظَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ أُحُدٍ مِثْلَ غَسْلِ فَاطِمَةَ جِرَاحَةَ النَّبِيِّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: غَزَوْنَا إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا سَيَأْتِي لِأَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ يَدْفَعُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ)؛ أَيْ رَجَعَ بَعْدَ فَرَاغِ الْقِتَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.

قَوْلُهُ: (وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ رَجُلٌ) وَقَعَ فِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ اسْمَهُ قُزْمَانُ - بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الزَّايِ - الظُّفُرَيُّ - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - نِسْبَةً إِلَى بَنِي ظُفُرٍ بَطْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْغَيْدَاقِ - بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَآخِرُهُ قَافٌ - وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً) الشَّاذَّةُ بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ مَا انْفَرَدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَبِالْفَاءِ مِثْلُهُ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِمْ، ثُمَّ هُمَا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ نَسَمَةً، وَالْهَاءُ فِيهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْقَى شَيْئًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالشَّاذِّ وَالْفَاذِّ مَا كَبُرَ وَصَغُرَ، وَقِيلَ: الشَّاذُّ الْخَارِجُ، وَالْفَاذُّ الْمُنْفَرِدُ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَقِيلَ: الثَّانِي إِتْبَاعٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ)؛ أَيْ قَائِلٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ فَقَالُوا، وَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَفْظِ: فَقِيلَ، وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَقُلْتُ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً عُرِفَ اسْمُ قَائِلِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (مَا أَجْزَأَ) بِالْهَمْزَةِ؛ أَيْ مَا أَغْنَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالُوا: أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ!. وَفِي حَدِيثِ أَكْثَمَ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فُلَانٌ

يُجْزِئُ فِي الْقِتَالِ. فقَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ فُلَانٌ فِي عِبَادَتِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَلِينِ جَانِبِهِ فِي النَّارِ، فَأَيْنَ نَحْنُ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَخَبَاثُ النِّفَاقِ. قَالَ: فَكُنَّا نَتَحَفَّظُ عَلَيْهِ فِي الْقِتَالِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ: لَأَتْبَعَنَّهُ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَكْثَمُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِهِ.

قَوْلُهُ: (فَجُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا) زَادَ فِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِ اسْتُشْهِدَ فُلَانٌ. قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ.

قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ: فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: أَخَذَ سَيْفَهُ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَكْثَمَ: تُدْرِكُهُ الشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِهَا، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْكَلَامِ الْأَخِيرِ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:

قَوْلُهُ: (شَهِدْنَا خَيْبَرَ) أَرَادَ جَيْشَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ الثَّابِتَ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ بَعْدَ فَتْحِ مُعْظَمِ خَيْبَرَ فَحَضَرَ فَتْحَ آخِرِهَا، لَكِنْ مَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحَهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْهِمْ لِي، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ آخِرَ هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ)؛ أَيْ عَنْ رَجُلٍ، وَاللَّامُ قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى عَنْ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فِي؛ أَيْ فِي شَأْنِهِ أَيْ سَبَبِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قَوْلُهُ: (فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِي الْجِهَادِ: فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَفِيهِ دُخُولُ أَنْ عَلَى خَبَرِ كَادَ، وَهُوَ جَائِزٌ مَعَ قِلَّتِهِ.

قَوْلُهُ: (قُمْ يَا فُلَانُ) هُوَ بِلَالٌ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْقَدَرِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَيُؤَيِّدُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ فِي أنَّ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُهَا.

قَوْلُهُ: (بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ قُزْمَانُ الْمَذْكُورُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مَعْمَرٌ)؛ أَيْ تَابَعَ شُعَيْبًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْجِهَادِ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ شَبِيبٌ)؛ أَيِ ابْنُ سَعِيدٍ (عَنْ يُونُسَ)؛ أَيِ ابْنِ يَزِيدَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)؛ أَيِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

قَوْلُهُ: (شَهِدْنَا حُنَيْنًا) يُرِيدُ أَنَّ يُونُسَ خَالَفَ مَعْمَرًا، وَشُعَيْبًا فَذَكَرَ بَدَلَ خَيْبَرَ لَفْظَةَ: حُنَيْنٍ، وَرِوَايَةُ شَبِيبٍ هَذِهِ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى طَرَفٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَوْرَدَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ بِتَمَامِهِ، وَأَحْمَدُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا، وَقَدْ وَافَقَ يُونُسُ، مَعْمَرًا، وَشُعَيْبًا فِي الْإِسْنَادِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ يَعْنِي وَافَقَ شَبِيبًا فِي لَفْظِ حُنَيْنٍ وَخَالَفَهُ فِي الْإِسْنَادِ فَأَرْسَلَ الْحَدِيثَ، وَطَرِيقُ ابْنِ الْمُبَارَكِ هَذِهِ وَصَلَهَا فِي الْجِهَادِ وَلَمْ أَرَ فِيهَا تَعْيِينَ الْغَزْوَةِ.

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ صَالِحٌ) يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ. قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ بَعْضَ مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِرَجُلٍ مَعَهُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَابَعَةِ أَنَّ صَالِحًا تَابَعَ رِوَايَةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ فِي تَرْكِ ذِكْرِ اسْمِ الْغَزْوَةِ، لَا فِي بَقِيَّةِ الْمَتْنِ وَلَا فِي الْإِسْنَادِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ

عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا وَوَهَمَ فِيهِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَذَهَلَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ خَيْبَرَ) قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدٌ عَنِ النَّبِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَكَذَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ الزُّبَيْدِيِّ هَذِهِ مُعَلَّقَةً مُخْتَصَرَةً، وَأَجْحَفَ فِيهَا فِي الِاخْتِصَارِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الْمَوْصُولَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَبَيْنَ رِوَايَتِهِ الْمُرْسَلَةِ عَنْ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي التَّارِيخِ، وَكَذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ فَسَاقَ الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ بِالْقِصَّةِ، ثُمَّ سَاقَ بَعْدَهُ: قَالَ الزُّبَيْدِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ هَذَا سِيَاقُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي سِيَاقِ الذُّهْلِيِّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهَذَا أَصْوَبُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ، وَقَدِ اقْتَضَى صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحَ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَمَعْمَرٍ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ مُحْتَمَلَةٌ وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ إِذَا رَجَحَ بَعْضُهَا

عِنْدَهُ اعْتَمَدَهُ وَأَشَارَ إِلَى الْبَقِيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَدْحَ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الِاضْطِرَابِ أَنْ تَتَسَاوَى وُجُوهُ الِاخْتِلَافِ فَلَا يَرْجَحُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَلْوَانِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: قُلْتُ لِيَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ هَذَا؟ قَالَ: كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخٌ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُسَيَّبِ، فَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْكِنَانِيُّ. قَالَ مُسْلِمٌ: وَلَيْسَ مَا قَالَ يَعْقُوبُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ وَاوٌ وَاحِدَةٌ فَفَحُشَ خَطَؤُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ هُوَ سَعِيدٌ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ ابْنُ أَخِيهِ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَكَذَا رَجَّحَ الذُّهْلِيُّ رِوَايَةَ شُعَيْبٍ، وَمَعْمَرٍ، قَالَ: وَلَا تُدْفَعُ رِوَايَةُ الْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَقَعُ لَهُ الْحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ فَيَحْمِلُهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، نَعَمْ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُوَافَقَةَ الزُّبَيْدِيِّ عَلَى إِرْسَالِ آخِرِ الْحَدِيثِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ أَعْلَمَنَا النَّبِيُّ أَنَّهُ نَفَذَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ مِنَ الْفُسَّاقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنَّارِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ أَيْ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِينَ أَصَابَتْهُ الْجِرَاحَةُ ارْتَابَ وَشَكَّ فِي الْإِيمَانِ أَوْ اسْتَحَلَّ قَتْلَ نَفْسِهِ فَمَاتَ كَافِرًا. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْمُنِيرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَاجِرِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ : إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْكُفْرَ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ، وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارُهُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ إِعْلَامِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بِفَضِيلَةٍ تَكُونُ فِيهِ وَالْجَهْرُ بِهَا.

(تَنْبِيهٌ): الْمُنَادِي بِذَلِكَ بِلَالٌ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: قُمْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.4 / 29.5
الإضاءة 13%
البدر بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله