الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٢٣٣
الحديث رقم ٤٢٣٣ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غزوة خيبر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٤٢٣٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : سَمِعَ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي.
قَوْلُهُ: (وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ) بِنَصْبِ أَهْلٍ الِاخْتِصَاصِ أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
قَوْلُهُ: (هِجْرَتَانِ) زَادَ أَبُو يَعْلَى: هَاجَرْتُمْ مَرَّتَيْنِ؛ هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ، وَلِابْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رِجَالًا يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّا لَسْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ. فَقَالَ: بَلْ لَكُمْ هِجْرَتَانِ؛ هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ هَاجَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِيهِ: كَذَبَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: يَقُولُ: لِلنَّاسِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَظَاهِرُهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ مِنَ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَرْفُوعُ مِنَ الْحَدِيثِ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى لَا ذِكْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ) يَعْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى عَنْهَا فَيَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ مِثْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ.
قَوْلُهُ: (يَأْتُونَنِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: يَأْتُونَ. وَقَوْلُهُ: أَرْسَالًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ أَفْوَاجًا، أَيْ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا نَاسًا بَعْدَ نَاسٍ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى: وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى أنه لِيَسْتَعِيدُ مِنِّي هَذَا الْحَدِيثَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لِأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ) الرُّفْقَةُ الْجَمَاعَةُ الْمُتَرَافِقُونَ، وَالرَّاءُ مُثَلَّثَةٌ وَالْأَشْهَرُ ضَمُّهَا.
قَوْلُهُ: (حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ) بِالدَّالِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالرَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَصَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيُّ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ بِالدَّالِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فَلَا مَعْنَى لِلتَّغْيِيرِ، وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ اخْتِيَارَ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْمُهْمَلَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى صَحِيحَةٌ أَوْ أَصَحُّ، وَالْمُرَادُ: يَدْخُلُونَ مَنَازِلَهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ إِلَى شُغْلٍ مَا ثُمَّ رَجَعُوا.
قَوْلُهُ: (بِالْقُرْآنِ) يَتَعَلَّقُ بِأَصْوَاتٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ مُسْتَحْسَنٌ لَكِنْ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا وَأَمِنَ مِنَ الرِّيَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ) قَالَ عِيَاضٌ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ: هُوَ صِفَةٌ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَاسْتَدْرَكَهُ عَلَى صَاحِبِ الِاسْتِيعَابِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ - أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُمَ: إِنَّ أَصْحَابِيَ يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ)؛ أَيْ تَنْتَظِرُوهُمْ، مِنَ الِانْتِظَارِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لِفَرْطِ شَجَاعَتِهِ كَانَ لَا يَفِرُّ مِنَ الْعَدُوِّ بَلْ يُوَاجِهُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ مَثَلًا: انْتَظِرُوا الْفُرْسَانَ حَتَّى يَأْتُوكُمْ؛ لِيُثَبِّتَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشِّقِّ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ: الْعَدُوَّ، وَأَمَّا عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا خَيْلَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا رَجَّالَةً فَكَانَ هُوَ يَأْمُرُ الْفُرْسَانَ أَنْ يَنْتَظِرُوهُمْ لِيَسِيرُوا إِلَى الْعَدُوِّ جَمِيعًا، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ أَصْحَابَهُ يُحِبُّونَ الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُبَالُونَ بِمَا يُصِيبُهُمْ.
٤٢٣٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَنْ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَقَسَمَ لَنَا، وَلَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدْ الْفَتْحَ غَيْرَنَا.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَوْلُهُ: سَمِعَ؛ أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ. وَبرِيدُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَدِمْنَا)؛ أَيْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَعَ جَعْفَرٍ وَمَنْ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ الْفَتْحَ غَيْرَنَا) يَعْنِي الْأَشْعَرِيِّينَ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَجَعْفَر وَمَنْ مَعَهُ. وَقَدْ سَبَقَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ: وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ.
وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالَّذِي بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٢٣٤ - حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي الْقُرَى،
وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا. فَجَاءَ رَجُلٌ - حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ.
[الحديث ٤٢٣٤ - طرفه في: ٦٧٠٧]
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْأَزْدِيُّ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الْفَزَارِيُّ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ حَدِيثِ مَالِكٍ، لِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ طَرِيقَ الْمُسَيِّبِ بْنِ وَاضِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَالِكٍ) نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَرَجَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ وَحْدَهُ عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ: عَنْ ثَوْرٍ، وَلِلْبُخَارِيِّ حِرْصٌ شَدِيدٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالطُّرُقِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّحْدِيثِ، انْتَهَى. وَثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الدِّيلِيُّ، مَدَّنِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ هَذِهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَنْ بَاقِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ جَمِيعُ الْإِسْنَادِ، وَسَالِمٌ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ يُكْنَى أَبَا الْغَيْثِ وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ، وَقَدْ سُمِّيَ هُنَا. فَلَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى اسْمِهِ صَحِيحًا. وَهُوَ مَدَنِيٌّ لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ، وَابْنُ مُطِيعٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَلَيْسَتْ لِسَالِمٍ فِي الصَّحِيحِ رِوَايَةٌ عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَهُ عَنْهُ تِسْعَةُ أَحَادِيثَ تَقَدَّمَ مِنْهَا فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَفِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَنَاقِبِ.
قَوْلُهُ: (افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمُوَطَّأِ حُنَيْنٍ بَدَلَ خَيْبَرَ، وَخَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَقَالَ: خَيْبَرَ مِثْلُ الْجَمَاعَةِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَةِ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ رِوَايَةُ رواة الْمُوَطَّأِ أَعْنِي قَوْلَهُ: خَرَجْنَا، وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ ثَوْرٍ، فَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ: وَهَمَ ثَوْرٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ وَإِنَّمَا قَدِمَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحُوهَا قَالَ: وَلَكِنْ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ، فَالْغَرَضُ مِنَ الْحَدِيثِ قِصَّةُ مِدْعَمٍ فِي غُلُولِ الشَّمْلَةِ.
قُلْتُ: وَكَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ صَاحِبَ الْمَغَازِي اسْتَشْعَرَ بِوَهْمِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْهُ بِدُونِهَا، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَرِوَايَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ الَّتِي فِي الْبَابِ تسلم مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: افْتَتَحْنَا أَيِ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ قَرِيبًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ
النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى فَلَعَلَّ هَذَا أَصْلُ الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ قُدُومِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بْنِ عُرْفُطَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَزَوَّدُونَا شَيْئًا حَتَّى أَتَيْنَا خَيْبَرَ وَقَدِ افْتَتَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَكَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْرَكُونَا فِي سِهَامِهِمْ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْحَصْرِ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ أَبَا مُوسَى أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْهَمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ الْوَقْعَةَ مِنْ غَيْرِ اسْتِرْضَاءِ أَحَدٍ مِنَ الْغَانِمِينَ إِلَّا لِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يُعْطِهِمْ إِلَّا عَنْ طِيبِ خَوَاطِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَأَذْكُرُ رِوَايَةَ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو مَسْعُودٍ وَبَيَانُ مَا فِيهَا بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا غَنَمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: غَنَمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، وَعِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ: إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، وَعِنْدَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَحْدَهُ: إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ لَا تُسَمَّى مَالًا، وَقَدْ نَقَلَ ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ قَالَ: الْمَالُ عِنْدَ الْعَرَبِ الصَّامِتُ وَالنَّاطِقُ، فَالصَّامِتُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْجَوْهَرُ، وَالنَّاطِقُ الْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ، فَإِذَا قُلْتَ عَنْ حَضَرِيٍّ كَثُرَ مَالُهُ فَالْمُرَادُ الصَّامِتُ، وَإِذَا قُلْتَ عَنْ بَدْوِيٍّ فَالْمُرَادُ النَّاطِقُ، انْتَهَى.
وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْبُسْتَانِ مَالًا فَقَالَ فِي قِصَّةِ السَّلَبِ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ هُوَ وَالْقُرَشِيُّ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: فَابْتَعْتُ بِهِ مِخْرَفًا، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَالَ مَا لَهُ قِيمَةٌ، لَكِنْ قَدْ يَغْلِبُ عَلَى قَوْمٍ تَخْصِيصُهُ بِشَيْءٍ كَمَا حَكَاهُ الْمُفَضَّلُ فَتُحْمَلُ الْأَمْوَالُ عَلَى الْمَوَاشِي وَالْحَوَائِطِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ وَلَا يُرَادُ بِهَا النُّقُودُ لِأَنَّهُ نَفَاهَا أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (إِلَى وَادِي الْقُرَى) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْبُيُوعِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدٌ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ: عَبْدٌ أَسْوَدُ.
قَوْلُهُ: (مِدْعَمٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ بِلَفْظِ جَمْعِ الضَّبِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ بَنِي الضُّبَيْبِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ ثُمَّ الضُّبَنِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ نِسْبَةٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْ جُذَامٍ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ رِفَاعَةُ قَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَسْلَمُوا وَعَقَدَ لَهُ عَلَى قَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: (فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَقَدِ اسْتَقْبَلَتْنَا يَهُودُ بِالرَّمْيِ، وَلَمْ نَكُنْ عَلَى تَعْبِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (سَهْمٌ عَائِرٌ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بِوَزْنِ فَاعِلٍ؛ أَيْ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ، وَقِيلَ: الْحَائِدُ عَنْ قَصْدِهِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَلَى، وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: كَلَّا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ.
قَوْلُهُ: (لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بِأَنْ تَصِيرَ الشَّمْلَةُ نَفْسَهَا نَارًا فَيُعَذَّبَ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهَا سَبَبٌ لِعَذَابِ النَّارِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الشِّرَاكِ الْآتِي ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ) الشِّرَاكُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: سَيْرُ النَّعْلِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الْغُلُولِ، وَقَدْ مَرَّ شَرْحُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ الْقَلِيلِ مِنَ الْغُلُولِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقُلَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كَرْكَرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هُوَ فِي النَّارِ فِي عَبَاءَةٍ غَلَّهَا. وَكَلَامُ عِيَاضٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ قِصَّتَهُ مَعَ قِصَّةِ مِدْعَمٍ مُتَّحِدَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ تَغَايُرُهُمَا. نَعَمْ، عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَلَّا، إِنِّي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي.
قَوْلُهُ: (وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ) بِنَصْبِ أَهْلٍ الِاخْتِصَاصِ أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
قَوْلُهُ: (هِجْرَتَانِ) زَادَ أَبُو يَعْلَى: هَاجَرْتُمْ مَرَّتَيْنِ؛ هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ، وَلِابْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رِجَالًا يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّا لَسْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ. فَقَالَ: بَلْ لَكُمْ هِجْرَتَانِ؛ هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ هَاجَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِيهِ: كَذَبَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: يَقُولُ: لِلنَّاسِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَظَاهِرُهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ مِنَ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَرْفُوعُ مِنَ الْحَدِيثِ ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى لَا ذِكْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ) يَعْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى عَنْهَا فَيَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ مِثْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ.
قَوْلُهُ: (يَأْتُونَنِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: يَأْتُونَ. وَقَوْلُهُ: أَرْسَالًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ أَفْوَاجًا، أَيْ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا نَاسًا بَعْدَ نَاسٍ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى: وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى أنه لِيَسْتَعِيدُ مِنِّي هَذَا الْحَدِيثَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لِأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ) الرُّفْقَةُ الْجَمَاعَةُ الْمُتَرَافِقُونَ، وَالرَّاءُ مُثَلَّثَةٌ وَالْأَشْهَرُ ضَمُّهَا.
قَوْلُهُ: (حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ) بِالدَّالِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالرَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَصَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيُّ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ بِالدَّالِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فَلَا مَعْنَى لِلتَّغْيِيرِ، وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ اخْتِيَارَ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْمُهْمَلَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى صَحِيحَةٌ أَوْ أَصَحُّ، وَالْمُرَادُ: يَدْخُلُونَ مَنَازِلَهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ إِلَى شُغْلٍ مَا ثُمَّ رَجَعُوا.
قَوْلُهُ: (بِالْقُرْآنِ) يَتَعَلَّقُ بِأَصْوَاتٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ مُسْتَحْسَنٌ لَكِنْ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا وَأَمِنَ مِنَ الرِّيَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ) قَالَ عِيَاضٌ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ: هُوَ صِفَةٌ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَاسْتَدْرَكَهُ عَلَى صَاحِبِ الِاسْتِيعَابِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ - أَوْ قَالَ الْعَدُوَّ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَهُمَ: إِنَّ أَصْحَابِيَ يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ)؛ أَيْ تَنْتَظِرُوهُمْ، مِنَ الِانْتِظَارِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لِفَرْطِ شَجَاعَتِهِ كَانَ لَا يَفِرُّ مِنَ الْعَدُوِّ بَلْ يُوَاجِهُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ مَثَلًا: انْتَظِرُوا الْفُرْسَانَ حَتَّى يَأْتُوكُمْ؛ لِيُثَبِّتَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشِّقِّ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ: الْعَدُوَّ، وَأَمَّا عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا خَيْلَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا رَجَّالَةً فَكَانَ هُوَ يَأْمُرُ الْفُرْسَانَ أَنْ يَنْتَظِرُوهُمْ لِيَسِيرُوا إِلَى الْعَدُوِّ جَمِيعًا، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ أَصْحَابَهُ يُحِبُّونَ الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُبَالُونَ بِمَا يُصِيبُهُمْ.
٤٢٣٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَنْ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَقَسَمَ لَنَا، وَلَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدْ الْفَتْحَ غَيْرَنَا.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَوْلُهُ: سَمِعَ؛ أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ. وَبرِيدُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَدِمْنَا)؛ أَيْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَعَ جَعْفَرٍ وَمَنْ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ الْفَتْحَ غَيْرَنَا) يَعْنِي الْأَشْعَرِيِّينَ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَجَعْفَر وَمَنْ مَعَهُ. وَقَدْ سَبَقَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ بُرَيْدٍ بِلَفْظِ: وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ.
وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالَّذِي بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٢٣٤ - حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي الْقُرَى،
وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا. فَجَاءَ رَجُلٌ - حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ.
[الحديث ٤٢٣٤ - طرفه في: ٦٧٠٧]
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ. وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْأَزْدِيُّ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الْفَزَارِيُّ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ حَدِيثِ مَالِكٍ، لِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ طَرِيقَ الْمُسَيِّبِ بْنِ وَاضِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَالِكٍ) نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَرَجَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ وَحْدَهُ عَنْ مَالِكٍ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ: عَنْ ثَوْرٍ، وَلِلْبُخَارِيِّ حِرْصٌ شَدِيدٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالطُّرُقِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّحْدِيثِ، انْتَهَى. وَثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الدِّيلِيُّ، مَدَّنِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ هَذِهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَنْ بَاقِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ جَمِيعُ الْإِسْنَادِ، وَسَالِمٌ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ يُكْنَى أَبَا الْغَيْثِ وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ، وَقَدْ سُمِّيَ هُنَا. فَلَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى اسْمِهِ صَحِيحًا. وَهُوَ مَدَنِيٌّ لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ، وَابْنُ مُطِيعٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَلَيْسَتْ لِسَالِمٍ فِي الصَّحِيحِ رِوَايَةٌ عَنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَهُ عَنْهُ تِسْعَةُ أَحَادِيثَ تَقَدَّمَ مِنْهَا فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَفِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَنَاقِبِ.
قَوْلُهُ: (افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمُوَطَّأِ حُنَيْنٍ بَدَلَ خَيْبَرَ، وَخَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَقَالَ: خَيْبَرَ مِثْلُ الْجَمَاعَةِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَةِ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ رِوَايَةُ رواة الْمُوَطَّأِ أَعْنِي قَوْلَهُ: خَرَجْنَا، وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ ثَوْرٍ، فَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ: وَهَمَ ثَوْرٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ وَإِنَّمَا قَدِمَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحُوهَا قَالَ: وَلَكِنْ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ، فَالْغَرَضُ مِنَ الْحَدِيثِ قِصَّةُ مِدْعَمٍ فِي غُلُولِ الشَّمْلَةِ.
قُلْتُ: وَكَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ صَاحِبَ الْمَغَازِي اسْتَشْعَرَ بِوَهْمِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْهُ بِدُونِهَا، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَرِوَايَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ الَّتِي فِي الْبَابِ تسلم مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: افْتَتَحْنَا أَيِ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ قَرِيبًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ
النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى فَلَعَلَّ هَذَا أَصْلُ الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ قُدُومِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بْنِ عُرْفُطَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَزَوَّدُونَا شَيْئًا حَتَّى أَتَيْنَا خَيْبَرَ وَقَدِ افْتَتَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَكَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْرَكُونَا فِي سِهَامِهِمْ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْحَصْرِ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ أَبَا مُوسَى أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْهَمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ الْوَقْعَةَ مِنْ غَيْرِ اسْتِرْضَاءِ أَحَدٍ مِنَ الْغَانِمِينَ إِلَّا لِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يُعْطِهِمْ إِلَّا عَنْ طِيبِ خَوَاطِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَأَذْكُرُ رِوَايَةَ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو مَسْعُودٍ وَبَيَانُ مَا فِيهَا بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا غَنَمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: غَنَمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، وَعِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ: إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، وَعِنْدَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَحْدَهُ: إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ لَا تُسَمَّى مَالًا، وَقَدْ نَقَلَ ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ قَالَ: الْمَالُ عِنْدَ الْعَرَبِ الصَّامِتُ وَالنَّاطِقُ، فَالصَّامِتُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْجَوْهَرُ، وَالنَّاطِقُ الْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ، فَإِذَا قُلْتَ عَنْ حَضَرِيٍّ كَثُرَ مَالُهُ فَالْمُرَادُ الصَّامِتُ، وَإِذَا قُلْتَ عَنْ بَدْوِيٍّ فَالْمُرَادُ النَّاطِقُ، انْتَهَى.
وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْبُسْتَانِ مَالًا فَقَالَ فِي قِصَّةِ السَّلَبِ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ هُوَ وَالْقُرَشِيُّ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: فَابْتَعْتُ بِهِ مِخْرَفًا، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَالَ مَا لَهُ قِيمَةٌ، لَكِنْ قَدْ يَغْلِبُ عَلَى قَوْمٍ تَخْصِيصُهُ بِشَيْءٍ كَمَا حَكَاهُ الْمُفَضَّلُ فَتُحْمَلُ الْأَمْوَالُ عَلَى الْمَوَاشِي وَالْحَوَائِطِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ وَلَا يُرَادُ بِهَا النُّقُودُ لِأَنَّهُ نَفَاهَا أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (إِلَى وَادِي الْقُرَى) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْبُيُوعِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدٌ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ: عَبْدٌ أَسْوَدُ.
قَوْلُهُ: (مِدْعَمٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ بِلَفْظِ جَمْعِ الضَّبِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ بَنِي الضُّبَيْبِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ ثُمَّ الضُّبَنِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ نِسْبَةٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْ جُذَامٍ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ رِفَاعَةُ قَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَسْلَمُوا وَعَقَدَ لَهُ عَلَى قَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: (فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَقَدِ اسْتَقْبَلَتْنَا يَهُودُ بِالرَّمْيِ، وَلَمْ نَكُنْ عَلَى تَعْبِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (سَهْمٌ عَائِرٌ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بِوَزْنِ فَاعِلٍ؛ أَيْ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ، وَقِيلَ: الْحَائِدُ عَنْ قَصْدِهِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَلَى، وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: كَلَّا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ.
قَوْلُهُ: (لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بِأَنْ تَصِيرَ الشَّمْلَةُ نَفْسَهَا نَارًا فَيُعَذَّبَ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهَا سَبَبٌ لِعَذَابِ النَّارِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الشِّرَاكِ الْآتِي ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ) الشِّرَاكُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: سَيْرُ النَّعْلِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الْغُلُولِ، وَقَدْ مَرَّ شَرْحُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ الْقَلِيلِ مِنَ الْغُلُولِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقُلَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كَرْكَرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هُوَ فِي النَّارِ فِي عَبَاءَةٍ غَلَّهَا. وَكَلَامُ عِيَاضٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ قِصَّتَهُ مَعَ قِصَّةِ مِدْعَمٍ مُتَّحِدَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ تَغَايُرُهُمَا. نَعَمْ، عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَلَّا، إِنِّي