الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٢٨٠
الحديث رقم ٤٢٨٠ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٤٧⦘
رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْلِ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ. فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ، قَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ غِفَارُ، قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ، ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ، قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ: عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ، وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: مَا قَالَ. قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ» قَالَ عُرْوَةُ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، هَا هُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟ قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الْأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ.
٤٢٨٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
(عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ) اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ حُنَيْنًا كَانَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَذَا حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، أَوْ كَانَتْ خَيْبَرُ فَتَصَحَّفَتْ. قُلْتُ: وَحَمْلُهُ عَلَى خَيْبَرَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا لَمْ يَكُنْ فِي رَمَضَانَ، وَتَأْوِيلُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إِلَى حُنَيْنٍ أَيِ الَّتِي وَقَعَتْ عَقِبَ الْفَتْحِ لِأَنَّهَا لَمَّا وَقَعَتْ أَثَرُهَا أُطْلِقَ الْخُرُوجُ إِلَيْهَا. وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي قَرِيبًا. وَبِهَذَا جَمَعَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ فِي بَقِيَّةِ رَمَضَانَ قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ فَقَدِمَ مَكَّةَ وَسَطَهُ وَأَقَامَ بِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ كَمَا سَيَأْتِي. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ مُعْتَرَضٌ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا مَضَى فِي آخِرِ الْغَزْوَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ الْخُرُوجُ إِلَى حُنَيْنٍ فِي شَوَّالٍ.
قَوْلُهُ في هذه الرواية: (دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ) فِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ آخِرَ الْبَابِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا الْحَدِيثَ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَعَا بِهَذَا مَرَّةً وَبِهَذَا مَرَّةً. قُلْتُ: لَا دَلِيلَ عَلَى التَّعَدُّدِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَالْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي فَقَدَّمَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَنْ جَزَمَ، وَأَبْعَدَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: كَانَتْ قِصَّتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي الْفَتْحِ وَالْأُخْرَى فِي حُنَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّمِ: أَفْطِرُوا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ لِلصُّوَّامِ بِأَلِفِ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ صَائِمٍ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا يَا عُصَاةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا مَعْمَرٌ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْهُ وَبَقِيَّتُهُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى مَرَّ بِغَدِيرٍ فِي الطَّرِيقِ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِلْأَكْثَرِ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَكَذَلِكَ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ أَحَدُ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي فَتْحِ مَكَّةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ: لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ أَيُّوبُ، عِكْرِمَةَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلَهُ، وَأَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَهُ هَكَذَا مُرْسَلًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ بِهِ بِطُولِهِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى شَرْحِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ.
وَطَرِيقُ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ أَيْضًا.
٤٨ - بَاب أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ؟
٤٢٨٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ. فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ:، عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْجبلِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتْ
الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؛ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ. فقَالَ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَذِهِ؟ فقَالَ: هَذِهِ غِفَارُ. قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ؟ ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ. قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ؛ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا.
قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ: الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ، حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ.
قَالَ عُرْوَةُ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟ قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الْأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بْنُ جابِرٍ الْفِهْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَيْنَ رَكَّزَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ) أَيْ بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي رُكِّزَتْ فِيهِ رَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُرْسَلًا، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ عُرْوَةَ مَوْصُولًا، وَمَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ مَا تَرْجَمَ بِهِ وَهُوَ آخِرُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مَوْصُولٌ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ.
قَوْلُهُ: (فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ مَسِيرُهُ قَبْلَ خُرُوجِ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَالَّذِي عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ مَغَازِي عُرْوَةَ: ثُمَّ خَرَجُوا وَقَادُوا الْخُيُولَ حَتَّى نَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَلَمْ تَعْلَمْ بِهِمْ قُرَيْشٌ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالطُّرُقِ فَحُبِسَتْ، ثُمَّ خَرَجَ، فَغُمَّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ الْأَمْرُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: هَلْ لَكَ أَنْ تَرْكَبَ إِلَى أَمْرٍ لَعَلَّنَا أَنْ نَلْقَى خَبَرًا؟ فَقَالَ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: وَأَنَا مَعَكُمْ، قَالَا: وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ فَرَكِبُوا.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمْ يَغْزُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِمْ ضَمْرَةَ يُخَيِّرُهُمْ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: أَنْ يُودُوا قَتِيلَ خُزَاعَةَ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْرَأوا مِنْ حِلْفِ بَكْرٍ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ. فَأَتَاهُمْ ضَمْرَةُ فَخَيَّرَهُمْ، فَقَالَ قَرَظَةُ بْنُ عَمْرٍو: لَا نُودِي وَلَا نَبْرَأُ، وَلَكِنَّا نَنْبِذُ إِلَيْهِ عَلَى سَوَاءٍ. فَانْصَرَفَ ضَمْرَةُ بِذَلِكَ. فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ أَبَا سُفْيَانَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي تَجْدِيدِ الْعَهْدِ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدُ مِنْ مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَأَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَزَعَمَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ إِنَّمَا تَوَجَّهَ مُبَادِرًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمُسْلِمِينَ الْخَبَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَنَحْوُهُ فِي مَغَازِي عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَابْنِ عَائِذٍ فَخَافَتْ قُرَيْشٌ، فَانْطَلَقَ أَبُو
سُفْيَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: جَدِّدْ لَنَا الْحِلْفَ، قَالَ: لَيْسَ الْأَمْرُ إِلَيَّ. ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَأَغْلَظَ لَهُ عُمَرُ. ثُمَّ أَتَى فَاطِمَةَ فَقَالَتْ لَهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ إِلَيَّ. فَأَتَى عَلِيًّا فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَضَلَّ - أَيْ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ - أَنْتَ كَبِيرُ النَّاسِ، فَجَدِّدِ الْحِلْفَ. قَالَ: فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ: قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ. وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَقَالُوا لَهُ: جِئْتَنَا بِحَرْبٍ فَنَحْذَرَ، وَلَا بِصُلْحٍ فَنَأْمَنَ لَفْظُ عِكْرِمَةَ وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ فَقَالُوا لَهُ: لَعِبَ بِكَ عَلِيٌّ وَإِنَّ إِخْفَارَ جِوَارِكَ لَهَيِّنٌ عَلَيْهِمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بَلَغَ قُرَيْشًا أَيْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ ذَلِكَ لَا أَنَّ مُبَلِّغًا بَلَّغَهُمْ ذَلِكَ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (خَرَجُوا يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ فَبَعَثُوا أَبَا سُفْيَانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ فَلَقِيَا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ فَاسْتَصْحَبَاهُ فَخَرَجَ مَعَهُمَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُهُ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَزِيَادَةِ وَاوٍ، وَالظَّهْرَانُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ ظَهْرِ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ حَتَّى إِذَا دَنُوا مِنْ ثَنِيَّةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ أَظْلَمُوا - أَيْ دَخَلُوا فِي اللَّيْلِ - فَأَشْرَفُوا عَلَى الثَّنِيَّةِ، فَإِذَا النِّيرَانُ قَدْ أَخَذَتِ الْوَادِيَ كُلَّهُ وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْقَدُوا تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَشَرَةَ آلَافِ نَارٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ) أَيِ النِّيرَانُ (لَكَأَنَّهَا) جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وَقَوْلُهُ: (نِيرَانُ عَرَفَةَ) إِشَارَةٌ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ إِيقَادِ النِّيرَانِ الْكَثِيرَةِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَوْقَدُوا عَشْرَةَ آلَافِ نَارٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: هَذِهِ نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو) يَعْنِي خُزَاعَةَ، وَعَمْرٌو يَعْنِي: ابْنُ لُحَيٍّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ نَسَبِ خُزَاعَةَ فِي أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ) وَمِثْلُ هَذَا فِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ، وَفِي مَغَازِي عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ عَكْسُ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْفَسَاطِيطَ وَسَمِعُوا صَهِيلَ الْخَيْلِ فَرَاعَهُمْ ذَلِكَ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ بَنُو كَعْبٍ - يَعْنِي خُزَاعَةَ، وَكَعْبٌ أَكْبَرُ بُطُونِ خُزَاعَةَ - جَاشَتْ بِهِمُ الْحَرْبُ. فَقَالَ بَدِيلٌ: هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي كَعْبٍ مَا بَلَغَ تَأْلِيبُهَا هَذَا. قَالُوا: فَانْتَجَعَتْ هَوَازِنُ أَرْضَنَا، وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ هَذَا أَنَّهُ هَذَا الْمَثَلُ صَاحَ النَّاسُ.
قَوْلُهُ: (فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ) وفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَيْلًا تَقْبِضُ الْعُيُونَ، وَخُزَاعَةُ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يَمْضِي، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ أَخَذَتْهُمُ الْخَيْلُ تَحْتَ اللَّيْلِ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ وَكَانَ حَرَسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفَرًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَجَاءُوا بِهِمْ إِلَيْهِ فَقَالُوا: جِئْنَاكَ بِنَفَرٍ أَخَذْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَوْ جِئْتُمُونِي بِأَبِي سُفْيَانَ مَا زِدْتُمْ. قَالُوا: قَدْ أَتَيْنَاكَ بِأَبِي سُفْيَانَ وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْعَبَّاسَ خَرَجَ لَيْلًا فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ، وَبُدَيْلًا، فَحَمَلَ أَبَا سُفْيَانَ مَعَهُ عَلَى الْبَغْلَةِ وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْحَرَسَ لَمَّا أَخَذُوهُمُ اسْتَنْقَذَ الْعَبَّاسُ، أَبَا سُفْيَانَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ إِنَّهُ لَهَلَاكَ قُرَيْشٍ. قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جِئْتُ الْأَرَاكَ فَقُلْتُ: لَعَلِّي أَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُمْ، إِذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ، وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، قَالَ: فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي فَقَالَ: أَبَا الْفَضْلِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: مَا الْحِيلَةُ؟ قُلْتُ: فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتَّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِنَهُ لَكَ. قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُمْ، وَلَكِنْ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فَدَخَلَ بُدَيْلٌ، وَحَكِيمٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَاه فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَا، وَاسْتَمَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عِنْدَ الْعَبَّاسِ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ
حَتَّى يَرَى الْعَسَاكِرَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا رَجَعَا لَمَّا الْتَقَى، بِأَبِي سُفْيَانَ فَأَخَذَهُمَا الْعَسْكَرُ أَيْضًا. وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَفِيهِ فَلَقِيَهُمُ الْعَبَّاسُ فَأَجَارَهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَسْلَمَ بُدَيْلٌ، وَحَكِيمٌ، وَتَأَخَّرَ أَبُو سُفْيَانَ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى أَصْبَحَ.
وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَمُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ بِأَنَّ الْحَرَسَ أَخَذُوهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا أَبَا سُفْيَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ تَرَكُوهُ مَعَهُ. وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ فَذَهَبَ بِهِ الْعَبَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، قَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى؟ قَالَ: فَسَمِعَهُ عُمَرُ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ خَارِجًا مِنَ الْقُبَّةِ مَا قُلْتَهَا أَبَدًا، فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَذَهَبَ بِهِ الْعَبَّاسُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَرَأَى مُبَادَرَةَ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ أَسْلَمَ.
قَوْلُهُ: (احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَا آمَنُ أَنْ يَرْجِعَ أَبُو سُفْيَانَ فَيَكْفُرَ، فَاحْبِسْهُ حَتَّى تُرِيَهُ جُنُودَ اللَّهِ، فَفَعَلَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَغَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ؟ قَالَ الْعَبَّاسُ: لَا وَلَكِنْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ فَتُصْبِحَ فَتَنْظُرَ جُنُودَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، فَحَبَسَهُ بِالْمَضِيقِ دُونَ الْأَرَاكِ حَتَّى أَصْبَحُوا.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ أَنْفِ الْجَبَلِ، وَهِيَ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ اللَّفْظَةِ الْأُولَى وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيِ ازْدِحَامِهَا، وَإِنَّمَا حَبَسَهُ هُنَاكَ لِكَوْنِهِ مَضِيقًا لِيَرَى الْجَمِيعَ وَلَا يَفُوتُهُ رُؤْيَةَ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: لِتُظْهِرْ كُلُّ قَبِيلَةٍ مَا مَعَهَا مِنَ الْأَدَاةِ وَالْعُدَّةِ، وَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَتَائِبَ فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ أَفِي هَذِهِ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قُضَاعَةُ. ثُمَّ مَرَّتِ الْقَبَائِلُ فَرَأَى أَمْرًا عَظِيمًا أَرْعَبَهُ.
قَوْلُهُ: (كَتِيبَةً كَتِيبَةً) بِمُثَنَّاةٍ وَزْنُ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ، فَعَيْلَةٌ مِنَ الْكَتْبِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الْجَمْعُ.
قَوْلُهُ: (مَا لِي وَلِغِفَارٍ. ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ فَقَالَ: أَيْ عَبَّاسٌ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَذِهِ جُهَيْنَةُ. قَالَ: مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ، وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ حَرْبٌ قَطُّ وَالْمَذْكُورُ فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ هَذَا مِنَ الْقَبَائِلِ غِفَارٌ وَجُهَيْنَةُ وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ وَسُلَيْمٌ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ أَسْلَمُ وَمُزَيْنَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ وَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ قُضَاعَةَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ الْمَعْرُوفُ فِيهَا سَعْدُ هُذَيْمٍ بِالْإِضَافَةِ، وَيَصِحُّ الْآخَرُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُودٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ أَسْلُمِ بِضَمِّ اللَّامِ ابْنِ الْحَافِّ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ ابْنِ قُضَاعَةَ. وَفِي سَعْدِ هُذَيْمٍ طَوَائِفُ مِنَ الْعَرَبِ، مِنْهُمْ بَنُو ضِنَةَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ نُونٍ وَبَنُو عُذْرَةَ وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَهُذَيْمٌ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ عَبْدٌ كَانَ رَبَّاهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْقَبَائِلِ أَيْضًا أَشْجَعَ وَأَسْلَمَ وَتَمِيمًا وَفَزَارَةَ.
قَوْلُهُ: (مَعَهُ الرَّايَةُ) أَيْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ الزُّبَيْرِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَوْمُ حَرْبٍ لَا يُوجَدُ مِنْهُ مُخَلِّصٌ، أَيْ يَوْمُ قَتْلٍ، يُقَالُ: لَحَمَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا قَتَلَهُ.
قَوْلُهُ: (الْيَوْمُ تسْتَحيل الْكَعْبَةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ) وَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُخْتَصَرًا، وَمُرَادُ سَعْدٍ بِقَوْلِهِ: يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ يَوْمُ الْمَقْتَلَةِ الْعُظْمَى، وَمُرَادُ أَبِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ: يَوْمُ الذِّمَارِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيِ الْهَلَاكُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَمَنَّى أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ فَيَحْمِي قَوْمَهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا يَوْمُ الْغَضَبِ لِلْحَرِيمِ وَالْأَهْلِ وَالِانْتِصَارِ لَهُمْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا يَوْمُ يَلْزَمُكَ فِيهِ حِفْظِي وَحِمَايَتِي مِنْ أَنْ يَنَالَنِي مَكْرُوهٌ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ، فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا
آمَنُ أَنْ يَكُونَ لِسَعْدٍ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ. فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَدْرِكْهُ فَخُذِ الرَّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ تَدْخُلْ بِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ هُوَ عُمَرُ.
قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعْرُوفًا بِشِدَّةِ الْبَأْسِ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رَوَى الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا حَاذَاهُ: أُمِرْتُ بِقَتْلِ قَوْمِكَ؟ قَالَ: لَا. فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، ثُمَّ نَاشَدَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمُ يَعِزُّ اللَّهُ قُرَيْشًا. وَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ فَأَخَذَ الرَّايَةَ مِنْهُ فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسٍ. وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذَلِكَ عَارَضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ:
يَا نَبِيَّ الْهُدَى إِلَيْكَ لَجَا … حَيُّ قُرَيْشٍ وَلَاتَ حِينَ لَجَاءٍ
حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ سَعَةُ الْأَرضِ … وَعَادَاهُمْ إِلَهُ السَّمَاءِ
إِنَّ سَعْدًا يُرِيدُ قَاصِمَةَ الظَّهْرِ … بِأَهْلِ الْحُجُونِ وَالْبَطْحَاءِ
فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الشِّعْرَ دَخَلَتْهُ رَأْفَةٌ لَهُمْ وَرَحْمَةٌ، فَأَمَرَ بِالرَّايَةِ فَأُخِذَتْ مِنْ سَعْدٍ وَدُفِعَتْ إِلَى ابْنِهِ قَيْسٍ. وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَدَخَلَ مَكَّةَ بِلِوَاءَيْنِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، لَكِنْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِيمَنْ دُفِعَتْ إِلَيْهِ الرَّايَةُ الَّتِي نُزِعَتْ مِنْ سَعْدٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ أَنَّ عَلِيَّا أُرْسِلَ بِنَزْعِهَا، وَأَنْ يَدْخُلَ بِهَا، ثُمَّ خَشِيَ تَغَيُّرَ خَاطِرِ سَعْدٍ فَأَمَرَ بِدَفْعِهَا لِابْنِهِ قَيْسٍ، ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا خَشِيَ أَنْ يَقَعَ مِنَ ابْنِهِ شَيْءٌ يُنْكِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ فَحِينَئِذٍ أَخَذَهَا الزُّبَيْرُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ الْأَخِيرَةُ قَدْ ذَكَرَهَا الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ كَانَ قَيْسٌ فِي مُقَدِّمَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، فَكَلَّمَ سَعْدٌ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْدُمَ عَلَى شَيْءٍ، فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ وَالشِّعْرُ الَّذِي أَنْشَدَتْهُ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ لِضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيِّ، وَكَأَنَّهُ أَرْسَلَ بِهِ الْمَرْأَةَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمُعَاطَفَةِ عَلَيْهِمْ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا قَالَ سَعْدٌ فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ أَيْ أَخْطَأَ.
وَذَكَرَ الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمَّا قَالَ: الْيَوْمُ تسْتَحيل الْحُرْمَةُ، الْيَوْمُ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا، فَحَاذَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا مَرَّ بِهِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ بِقَتْلِ قَوْمِكَ - وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ - ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي قَوْمِكَ، فَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمُ يَعِزُّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا. فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ فَأَخَذَ اللِّوَاءَ مِنْ يَدِهِ فَجَعَلَهُ فِي يَدِ ابْنِهِ قَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ) أَيْ أَقَلُّهَا عَدَدًا، قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِلْجَمِيعِ بِالْقَافِ، وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ أَجَلُّ بِالْجِيمِ وَهِيَ أَظْهَرُ، وَلَا يَبْعُدُ صِحَّةُ الْأُولَى لِأَنَّ عَدَدَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ.
قَوْلُهُ: (وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) لَمْ يَكْتَفِ أَبُو سُفْيَانَ بِمَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ حَتَّى شَكَا لِلنَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ) فِيهِ إِطْلَاقُ الْكَذِبِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِغَيْرِ مَا سَيَقَعُ وَلَوْ كَانَ قَائِلُهُ بَنَاهُ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ وَقُوَّةِ الْقَرِينَةِ.
قَوْلُهُ: (يَوْمٌ يُعَظِّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ) يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَأَذَانِ بِلَالٍ عَلَى ظَهْرِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُزِيلَ عَنْهَا مِمَّا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَصْنَامِ وَمَحْوِ مَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ) قِيلَ: إِنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَكْسُونَ الْكَعْبَةَ فِي رَمَضَانَ فَصَادَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الزَّمَانُ كَمَا قَالَ
يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَكْسُوهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ الْخَفِيفَةِ هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْقُرْبِ مِنْ مَقْبَرَةِ مَكَّةَ. (قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكِزَ الرَّايَةَ) وَهَذَا السِّيَاقُ يُوهِمُ أَنَّ نَافِعًا حَضَرَ الْمَقَالَةَ الْمَذْكُورَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا صُحْبَةَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَجَّةٍ اجْتَمَعُوا فِيهَا إِمَّا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ أَوْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِلَخْ فَحُذِفَتْ قُلْتُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ عُرْوَةُ وَهُوَ مِنْ بَقِيَّةِ الْخَبَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِرْسَالِ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا فِي الْقَدْرِ الَّذِي صَرَّحَ عُرْوَةُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَمَّا بَاقِيهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ تَلَقَّاهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ أَدْرَكَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، أَوْ جَمَعَهُ مِنْ نَقْلِ جَمَاعَةٍ لَهُ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ) أَيْ بِالْمَدِّ ; وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كَدَا أَيْ بِالْقَصْرِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْآتِيَةِ أَنَّ خَالِدًا دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَعْلَاهَا، وَكَذَا جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ خَالِدًا دَخَلَ مِنْ أَسْفَلَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَعْلَاهَا وَضُرِبَتْ لَهُ هُنَاكَ قُبَّةٌ، وَقَدْ سَاقَ ذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سِيَاقًا وَاضِحًا فَقَالَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَخَيْلِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ بِالْحَجُونِ وَلَا يَبْرَحَ حَتَّى يَأْتِيَهُ، وَبَعَثَ خَالِدَ ب نَ الْوَلِيدِ فِي قَبَائِلِ قُضَاعَةٍ وَسُلَيْمٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَأَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ عِنْدَ أَدْنَى الْبُيُوتِ، وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ عِبَادَةَ فِي كَتِيبَةِ الْأَنْصَارِ فِي مُقَدِّمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ رَأَى النِّسَاءَ يَلْطِمْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِالْخُمُرِ، فَتَبَسَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ قَالَ حَسَّانُ؟ فَأَنْشَدَهُ قَوْلَهُ:
عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءٌ
يُنَازِعْنَ الْأَسِنَّةَ مُسْرَجَاتٍ … يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فَقَالَ: أَدْخِلُوهَا مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ.
قَوْلُهُ: (فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشٌ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ (ابْنُ الْأَشْعَرِ) وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ خَالِدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَخْزَمَ الْخُزَاعِيُّ، وَهُوَ أَخُو أُمِّ مَعْبَدٍ الَّتِي مَرَّ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مُهَاجِرًا. وَرَوَى الْبَغَوِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَآخَرُونَ قِصَّتَهَا مِنْ طَرِيقِ حِزَامِ بْنِ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حِزَامُ بْنُ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: شَهِدَ جَدِّي الْفَتْحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَكُرْزٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ هُوَ ابْنُ جَابِرِ بْنِ حِسْلِ بِمُهْمَلَتَيْنِ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ ابْنِ الْأَحَبِّ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُشَدَّدَةٍ ابْنِ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَغَارَ عَلَى سَرْحِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْأُولَى، ثُمَّ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِ الْعُرَنِيِّينِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ سَلَكَا طَرِيقًا فَشَذَّا عَنْ عَسْكَرِ خَالِدٍ فَقَتَلَهُمَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَصْحَابَ خَالِدٍ لَقُوا نَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ كَانُوا تَجَمَّعُوا بِالْخَنْدَمَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ مَكَانٍ أَسْفَلَ مَكَّةَ لِيُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ، فَنَاوَشُوهُمْ
شَيْئًا مِنَ الْقِتَالِ، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ، مَسْلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ الْجُهَنِيُّ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَانْهَزَمُوا، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَمَّاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْبَكْرِيُّ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ هِيَ لِلمرعاشِ الْهُذَلِيِّ - يُخَاطِبُ امْرَأَتَهُ حِينَ لَامَتْهُ عَلَى الْفِرَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ … إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ … يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ
ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ … لَمْ تَنْطِقِي فِي اللُّوَّمِ أَدْنَى كَلِمَهْ
وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: وَانْدَفَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَقَدْ تَجَمَّعَ بِهَا بَنُو بَكْرٍ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةٍ وَنَاسٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَمِنَ الْأَحَابِيشِ الَّذِينَ اسْتَنْصَرَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، فَقَاتَلُوا خَالِدًا، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ نَحْوُ عِشْرِينَ رَجُلًا وَمِنْ هُذَيْلٍ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ الْقَتْلُ إِلَى الْحَزْوَرَةِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى دَخَلُوا فِي الدُّورِ، وَارْتَفَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى الْجِبَالِ، وَصَاحَ أَبُو سُفْيَانَ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، قَالَ: وَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَارِقَةِ فَقَالَ: مَا هَذَا وَقَدْ نُهِيتُ عَنِ الْقِتَالِ؟ فَقَالُوا: نَظُنُّ أَنَّ خَالِدًا قُوتِلَ وَبُدِئَ بِالْقِتَالِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُقَاتِلَ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: لِمَ قَاتَلْتَ وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ الْقِتَالِ؟ فَقَالَ: هُمْ بَدَءُونَا بِالْقِتَالِ وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاحَ، وَقَدْ كَفَفْتُ يَدَيَّ مَا اسْتَطَعْتُ. فَقَالَ: قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ عِدَّةَ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْكُفَّارِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَمِنْ هُذَيْلٍ خَاصَّةً أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ: مَجْمُوعُ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ الْحَدِيثَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَقْتُلُ، فَقَالَ: قُمْ يَا فُلَانُ فَقُلْ لَهُ فَلْيَرْفَعِ الْقَتْلَ، فَأَتَاهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يَقُولُ لَكَ اقْتُلْ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ ثُمَّ اعْتَذَرَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ، فَسَكَتَ قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أُمَرَاءَهُ أَنْ لَا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ أَهْدَرَ دَمَ نَفَرٍ سَمَّاهُمْ. وَقَدْ جَمَعْتُ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ مُفَرَّقَاتِ الْأَخْبَارِ وَهُمْ: عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدٍ بِنُونٍ وَقَافٍ مُصَغَّرٌ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةِ بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَقَيْنَتَانِ كَانَتَا لِابْنِ خَطَلٍ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهَجْوِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَارَةُ مَوْلَاةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَهِيَ الَّتِي وُجِدَ مَعَهَا كِتَابُ حَاطِبٍ. فَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ عُثْمَانُ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَقَنَ دَمَهُ وَقَبِلَ إِسْلَامَهُ. وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَفَرَّ إِلَى الْيَمَنِ فَتَبِعَتْهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَرَجَعَ مَعَهَا بِأَمَانٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ فَكَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ يَوْمَ الْفَتْحِ.
وَأَمَّا مَقِيسٌ بْنُ صُبَابَةَ فَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ عَدَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ قَتَلَ أَخَاهُ هِشَامًا خَطَأً، فَجَاءَ مَقِيسٌ فَأَخَذَ الدِّيَةَ ثُمَّ قَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَأَمَّا هَبَّارٌ فَكَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِلْمُسْلِمِينَ وَعَرَضَ لِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَتْ فَنَخَسَ بَعِيرَهَا فَأُسْقِطَتْ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْمَرَضُ بِهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ بَعْدَ أَنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُ أَعْلَنَ بِالْإِسْلَامِ فَقَبِلَ مِنْهُ فَعَفَا عَنْهُ. وَأَمَّا الْقَيْنَتَانِ فَاسْمُهُمَا فَرْتَنَى وَقَرِينَةُ، فَاسْتُؤْمِنَ لِإِحْدَاهُمَا فَأَسْلَمَتْ وَقُتِلَتِ الْأُخْرَى. وَأَمَّا سَارَةُ فَأَسْلَمَتْ وَعَاشَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ. وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: بَلْ قُتِلَتْ. وَذَكَرَ أَبُو مَعْشَرٍ فِيمَنْ أَهْدَرَ دَمَهُ الْحَارِثَ بْنَ طَلَاطِلَ الْخُزَاعِيَّ قَتَلَهُ عَلِيٌّ. وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ فَرْتَنَى هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ وَأَنَّ قَرِينَةَ قُتِلَتْ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِمَّنْ أَهْدَرَ دَمَهُ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَسْلَمَ وَمَدَحَ. وَوَحْشِيَّ بْنَ حَرْبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَأْنُهُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ. وَهِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ. وَأَرْنَبَ مَوْلَاةَ ابْنِ خَطَلٍ أَيْضًا قُتِلَتْ. وَأُمَّ سَعْدٍ قُتِلَتْ فِيمَا ذَكَرَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَكَمُلَتِ الْعِدَّةُ ثَمَانِيَةَ رِجَالٍ وَسِتَّ نِسْوَةٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرْنَبُ وَأُمُّ سَعْدٍ هُمَا الْقَيْنَتَانِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِمَا أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكُنْيَةِ وَاللَّقَبِ.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرُ ابْنِ خَطَلٍ.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ بَعَثَ عَلَى إِحْدَى الْجَنْبَتَيْنِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْأُخْرَى وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ الَّذِينَ بِغَيْرِ سلاحٍ - فَقَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ. فَهَتَفَ بِهِمْ فَجَاءُوا فَأَطَافُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ؟ ثُمَّ قَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى: احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا نَشَاءُ أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا قَتَلْنَاهُ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا لَمَّا وَقَعَ هَذَا التَّأْمِينُ، وَلِإِضَافَةِ الدُّورِ إِلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَلِأَنَّ الْغَانِمِينَ لَمْ يَمْلِكُوا دُورَهَا وَإِلَّا لَجَازَ إِخْرَاجُ أَهْلِ الدُّورِ مِنْهَا. وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ مَا وَقَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَوُقُوعِهِ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبِتَصْرِيحِهِ ﷺ بِأَنَّهَا أُحِلَّتْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَنَهْيِهِ عَنِ التَّأَسِّي بِهِ فِي ذَلِكَ.
وَأَجَابُوا عَنْ تَرْكِ الْقِسْمَةِ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْعَنْوَةِ فَقَدْ تُفْتَحُ الْبَلَدُ عَنْوَةً وَيَمُنُّ عَلَى أَهْلِهَا وَيَتْرُكُ لَهُمْ دُورَهَمْ وَغَنَائِمَهُمْ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، بَلِ الْخِلَافُ ثَابِتٌ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ فُتِحَتْ أَكْثَرُ الْبِلَادِ عَنْوَةً فَلَمْ تُقْسَمْ وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ مَعَ وُجُودِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ زَادَتْ مَكَّةُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِي اخْتِصَاصَهَا بِهِ دُونَ بَقِيَّةِ الْبِلَادِ، وَهِيَ أَنَّهَا دَارُ النُّسُكِ وَمُتَعَبَّدُ الْخَلْقِ، وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - حَرَمًا سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالَبَادِ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيُّ: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَهُمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مُرَادُهُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَمَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى صُلْحًا إِلَّا إِذَا الْتَزَمَ مَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ، وَالَّذِي وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمُ اسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَّشَتْ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا فَقَالُوا: نُقدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَاهُ الَّذِينَ سَأَلْنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟ ثُمَّ قَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى أَيِ احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي عَلَى الصَّفَا. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا نَشَاءُ أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالصُّلْحِ وُقُوعَ عَقْدٍ بِهِ فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ وَلَا أَظُنُّهُ عَنَى إِلَّا الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ وَفِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ.
وَتَمَسَّكَ أَيْضًا مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُبْهَمٌ بِمَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ الْفَتْحِ: فَقَالَ الْعَبَّاسُ، لِعَلِيٍّ: أَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَنْوَةً. ثُمَّ قَالَ فِي الْقِصَّةِ بَعْدَ قِصَّةِ أَبِي سُفْيَانَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ.
وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي - وَهِيَ أَصَحُّ مَا صُنِّفَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ - مَا نَصُّهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَا:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
(عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ) اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ حُنَيْنًا كَانَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَذَا حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، أَوْ كَانَتْ خَيْبَرُ فَتَصَحَّفَتْ. قُلْتُ: وَحَمْلُهُ عَلَى خَيْبَرَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا لَمْ يَكُنْ فِي رَمَضَانَ، وَتَأْوِيلُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إِلَى حُنَيْنٍ أَيِ الَّتِي وَقَعَتْ عَقِبَ الْفَتْحِ لِأَنَّهَا لَمَّا وَقَعَتْ أَثَرُهَا أُطْلِقَ الْخُرُوجُ إِلَيْهَا. وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي قَرِيبًا. وَبِهَذَا جَمَعَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ فِي بَقِيَّةِ رَمَضَانَ قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ فَقَدِمَ مَكَّةَ وَسَطَهُ وَأَقَامَ بِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ كَمَا سَيَأْتِي. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ مُعْتَرَضٌ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا مَضَى فِي آخِرِ الْغَزْوَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ الْخُرُوجُ إِلَى حُنَيْنٍ فِي شَوَّالٍ.
قَوْلُهُ في هذه الرواية: (دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ) فِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ آخِرَ الْبَابِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا الْحَدِيثَ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَعَا بِهَذَا مَرَّةً وَبِهَذَا مَرَّةً. قُلْتُ: لَا دَلِيلَ عَلَى التَّعَدُّدِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَالْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي فَقَدَّمَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَنْ جَزَمَ، وَأَبْعَدَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: كَانَتْ قِصَّتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي الْفَتْحِ وَالْأُخْرَى فِي حُنَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّمِ: أَفْطِرُوا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ لِلصُّوَّامِ بِأَلِفِ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ صَائِمٍ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا يَا عُصَاةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا مَعْمَرٌ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْهُ وَبَقِيَّتُهُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى مَرَّ بِغَدِيرٍ فِي الطَّرِيقِ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِلْأَكْثَرِ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَكَذَلِكَ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ أَحَدُ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي فَتْحِ مَكَّةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ: لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ أَيُّوبُ، عِكْرِمَةَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلَهُ، وَأَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَهُ هَكَذَا مُرْسَلًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ بِهِ بِطُولِهِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى شَرْحِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ.
وَطَرِيقُ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ أَيْضًا.
٤٨ - بَاب أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ؟
٤٢٨٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ. فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ:، عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْجبلِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتْ
الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؛ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ. فقَالَ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَذِهِ؟ فقَالَ: هَذِهِ غِفَارُ. قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ؟ ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ. قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ؛ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا.
قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ: الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ، حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ.
قَالَ عُرْوَةُ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟ قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الْأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بْنُ جابِرٍ الْفِهْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَيْنَ رَكَّزَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ) أَيْ بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي رُكِّزَتْ فِيهِ رَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُرْسَلًا، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ عُرْوَةَ مَوْصُولًا، وَمَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ مَا تَرْجَمَ بِهِ وَهُوَ آخِرُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مَوْصُولٌ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ.
قَوْلُهُ: (فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ مَسِيرُهُ قَبْلَ خُرُوجِ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَالَّذِي عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ مَغَازِي عُرْوَةَ: ثُمَّ خَرَجُوا وَقَادُوا الْخُيُولَ حَتَّى نَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَلَمْ تَعْلَمْ بِهِمْ قُرَيْشٌ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالطُّرُقِ فَحُبِسَتْ، ثُمَّ خَرَجَ، فَغُمَّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ الْأَمْرُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: هَلْ لَكَ أَنْ تَرْكَبَ إِلَى أَمْرٍ لَعَلَّنَا أَنْ نَلْقَى خَبَرًا؟ فَقَالَ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: وَأَنَا مَعَكُمْ، قَالَا: وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ فَرَكِبُوا.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمْ يَغْزُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِمْ ضَمْرَةَ يُخَيِّرُهُمْ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: أَنْ يُودُوا قَتِيلَ خُزَاعَةَ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْرَأوا مِنْ حِلْفِ بَكْرٍ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ. فَأَتَاهُمْ ضَمْرَةُ فَخَيَّرَهُمْ، فَقَالَ قَرَظَةُ بْنُ عَمْرٍو: لَا نُودِي وَلَا نَبْرَأُ، وَلَكِنَّا نَنْبِذُ إِلَيْهِ عَلَى سَوَاءٍ. فَانْصَرَفَ ضَمْرَةُ بِذَلِكَ. فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ أَبَا سُفْيَانَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي تَجْدِيدِ الْعَهْدِ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدُ مِنْ مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَأَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَزَعَمَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ إِنَّمَا تَوَجَّهَ مُبَادِرًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمُسْلِمِينَ الْخَبَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَنَحْوُهُ فِي مَغَازِي عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَابْنِ عَائِذٍ فَخَافَتْ قُرَيْشٌ، فَانْطَلَقَ أَبُو
سُفْيَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: جَدِّدْ لَنَا الْحِلْفَ، قَالَ: لَيْسَ الْأَمْرُ إِلَيَّ. ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَأَغْلَظَ لَهُ عُمَرُ. ثُمَّ أَتَى فَاطِمَةَ فَقَالَتْ لَهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ إِلَيَّ. فَأَتَى عَلِيًّا فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَضَلَّ - أَيْ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ - أَنْتَ كَبِيرُ النَّاسِ، فَجَدِّدِ الْحِلْفَ. قَالَ: فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ: قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ. وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَقَالُوا لَهُ: جِئْتَنَا بِحَرْبٍ فَنَحْذَرَ، وَلَا بِصُلْحٍ فَنَأْمَنَ لَفْظُ عِكْرِمَةَ وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ فَقَالُوا لَهُ: لَعِبَ بِكَ عَلِيٌّ وَإِنَّ إِخْفَارَ جِوَارِكَ لَهَيِّنٌ عَلَيْهِمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بَلَغَ قُرَيْشًا أَيْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ ذَلِكَ لَا أَنَّ مُبَلِّغًا بَلَّغَهُمْ ذَلِكَ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (خَرَجُوا يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ فَبَعَثُوا أَبَا سُفْيَانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ فَلَقِيَا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ فَاسْتَصْحَبَاهُ فَخَرَجَ مَعَهُمَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُهُ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَزِيَادَةِ وَاوٍ، وَالظَّهْرَانُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ ظَهْرِ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ حَتَّى إِذَا دَنُوا مِنْ ثَنِيَّةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ أَظْلَمُوا - أَيْ دَخَلُوا فِي اللَّيْلِ - فَأَشْرَفُوا عَلَى الثَّنِيَّةِ، فَإِذَا النِّيرَانُ قَدْ أَخَذَتِ الْوَادِيَ كُلَّهُ وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْقَدُوا تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَشَرَةَ آلَافِ نَارٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ) أَيِ النِّيرَانُ (لَكَأَنَّهَا) جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وَقَوْلُهُ: (نِيرَانُ عَرَفَةَ) إِشَارَةٌ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ إِيقَادِ النِّيرَانِ الْكَثِيرَةِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَوْقَدُوا عَشْرَةَ آلَافِ نَارٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: هَذِهِ نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو) يَعْنِي خُزَاعَةَ، وَعَمْرٌو يَعْنِي: ابْنُ لُحَيٍّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ نَسَبِ خُزَاعَةَ فِي أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ) وَمِثْلُ هَذَا فِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ، وَفِي مَغَازِي عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ عَكْسُ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْفَسَاطِيطَ وَسَمِعُوا صَهِيلَ الْخَيْلِ فَرَاعَهُمْ ذَلِكَ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ بَنُو كَعْبٍ - يَعْنِي خُزَاعَةَ، وَكَعْبٌ أَكْبَرُ بُطُونِ خُزَاعَةَ - جَاشَتْ بِهِمُ الْحَرْبُ. فَقَالَ بَدِيلٌ: هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي كَعْبٍ مَا بَلَغَ تَأْلِيبُهَا هَذَا. قَالُوا: فَانْتَجَعَتْ هَوَازِنُ أَرْضَنَا، وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ هَذَا أَنَّهُ هَذَا الْمَثَلُ صَاحَ النَّاسُ.
قَوْلُهُ: (فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ) وفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَيْلًا تَقْبِضُ الْعُيُونَ، وَخُزَاعَةُ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يَمْضِي، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ أَخَذَتْهُمُ الْخَيْلُ تَحْتَ اللَّيْلِ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ وَكَانَ حَرَسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفَرًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَجَاءُوا بِهِمْ إِلَيْهِ فَقَالُوا: جِئْنَاكَ بِنَفَرٍ أَخَذْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَوْ جِئْتُمُونِي بِأَبِي سُفْيَانَ مَا زِدْتُمْ. قَالُوا: قَدْ أَتَيْنَاكَ بِأَبِي سُفْيَانَ وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْعَبَّاسَ خَرَجَ لَيْلًا فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ، وَبُدَيْلًا، فَحَمَلَ أَبَا سُفْيَانَ مَعَهُ عَلَى الْبَغْلَةِ وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْحَرَسَ لَمَّا أَخَذُوهُمُ اسْتَنْقَذَ الْعَبَّاسُ، أَبَا سُفْيَانَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ إِنَّهُ لَهَلَاكَ قُرَيْشٍ. قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جِئْتُ الْأَرَاكَ فَقُلْتُ: لَعَلِّي أَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُمْ، إِذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ، وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، قَالَ: فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي فَقَالَ: أَبَا الْفَضْلِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: مَا الْحِيلَةُ؟ قُلْتُ: فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتَّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِنَهُ لَكَ. قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُمْ، وَلَكِنْ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فَدَخَلَ بُدَيْلٌ، وَحَكِيمٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَاه فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَا، وَاسْتَمَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عِنْدَ الْعَبَّاسِ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ
حَتَّى يَرَى الْعَسَاكِرَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا رَجَعَا لَمَّا الْتَقَى، بِأَبِي سُفْيَانَ فَأَخَذَهُمَا الْعَسْكَرُ أَيْضًا. وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَفِيهِ فَلَقِيَهُمُ الْعَبَّاسُ فَأَجَارَهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَسْلَمَ بُدَيْلٌ، وَحَكِيمٌ، وَتَأَخَّرَ أَبُو سُفْيَانَ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى أَصْبَحَ.
وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَمُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ بِأَنَّ الْحَرَسَ أَخَذُوهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا أَبَا سُفْيَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ تَرَكُوهُ مَعَهُ. وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ فَذَهَبَ بِهِ الْعَبَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، قَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى؟ قَالَ: فَسَمِعَهُ عُمَرُ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ خَارِجًا مِنَ الْقُبَّةِ مَا قُلْتَهَا أَبَدًا، فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَذَهَبَ بِهِ الْعَبَّاسُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَرَأَى مُبَادَرَةَ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ أَسْلَمَ.
قَوْلُهُ: (احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَا آمَنُ أَنْ يَرْجِعَ أَبُو سُفْيَانَ فَيَكْفُرَ، فَاحْبِسْهُ حَتَّى تُرِيَهُ جُنُودَ اللَّهِ، فَفَعَلَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَغَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ؟ قَالَ الْعَبَّاسُ: لَا وَلَكِنْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ فَتُصْبِحَ فَتَنْظُرَ جُنُودَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، فَحَبَسَهُ بِالْمَضِيقِ دُونَ الْأَرَاكِ حَتَّى أَصْبَحُوا.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ أَنْفِ الْجَبَلِ، وَهِيَ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ اللَّفْظَةِ الْأُولَى وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيِ ازْدِحَامِهَا، وَإِنَّمَا حَبَسَهُ هُنَاكَ لِكَوْنِهِ مَضِيقًا لِيَرَى الْجَمِيعَ وَلَا يَفُوتُهُ رُؤْيَةَ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: لِتُظْهِرْ كُلُّ قَبِيلَةٍ مَا مَعَهَا مِنَ الْأَدَاةِ وَالْعُدَّةِ، وَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَتَائِبَ فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ أَفِي هَذِهِ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قُضَاعَةُ. ثُمَّ مَرَّتِ الْقَبَائِلُ فَرَأَى أَمْرًا عَظِيمًا أَرْعَبَهُ.
قَوْلُهُ: (كَتِيبَةً كَتِيبَةً) بِمُثَنَّاةٍ وَزْنُ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ، فَعَيْلَةٌ مِنَ الْكَتْبِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الْجَمْعُ.
قَوْلُهُ: (مَا لِي وَلِغِفَارٍ. ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ فَقَالَ: أَيْ عَبَّاسٌ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَذِهِ جُهَيْنَةُ. قَالَ: مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ، وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ حَرْبٌ قَطُّ وَالْمَذْكُورُ فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ هَذَا مِنَ الْقَبَائِلِ غِفَارٌ وَجُهَيْنَةُ وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ وَسُلَيْمٌ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ أَسْلَمُ وَمُزَيْنَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ وَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ قُضَاعَةَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ الْمَعْرُوفُ فِيهَا سَعْدُ هُذَيْمٍ بِالْإِضَافَةِ، وَيَصِحُّ الْآخَرُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُودٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ أَسْلُمِ بِضَمِّ اللَّامِ ابْنِ الْحَافِّ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ ابْنِ قُضَاعَةَ. وَفِي سَعْدِ هُذَيْمٍ طَوَائِفُ مِنَ الْعَرَبِ، مِنْهُمْ بَنُو ضِنَةَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ نُونٍ وَبَنُو عُذْرَةَ وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَهُذَيْمٌ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ عَبْدٌ كَانَ رَبَّاهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْقَبَائِلِ أَيْضًا أَشْجَعَ وَأَسْلَمَ وَتَمِيمًا وَفَزَارَةَ.
قَوْلُهُ: (مَعَهُ الرَّايَةُ) أَيْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ الزُّبَيْرِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَوْمُ حَرْبٍ لَا يُوجَدُ مِنْهُ مُخَلِّصٌ، أَيْ يَوْمُ قَتْلٍ، يُقَالُ: لَحَمَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا قَتَلَهُ.
قَوْلُهُ: (الْيَوْمُ تسْتَحيل الْكَعْبَةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ) وَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُخْتَصَرًا، وَمُرَادُ سَعْدٍ بِقَوْلِهِ: يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ يَوْمُ الْمَقْتَلَةِ الْعُظْمَى، وَمُرَادُ أَبِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ: يَوْمُ الذِّمَارِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيِ الْهَلَاكُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَمَنَّى أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ فَيَحْمِي قَوْمَهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا يَوْمُ الْغَضَبِ لِلْحَرِيمِ وَالْأَهْلِ وَالِانْتِصَارِ لَهُمْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا يَوْمُ يَلْزَمُكَ فِيهِ حِفْظِي وَحِمَايَتِي مِنْ أَنْ يَنَالَنِي مَكْرُوهٌ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ، فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا
آمَنُ أَنْ يَكُونَ لِسَعْدٍ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ. فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَدْرِكْهُ فَخُذِ الرَّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ تَدْخُلْ بِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ هُوَ عُمَرُ.
قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعْرُوفًا بِشِدَّةِ الْبَأْسِ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رَوَى الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا حَاذَاهُ: أُمِرْتُ بِقَتْلِ قَوْمِكَ؟ قَالَ: لَا. فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، ثُمَّ نَاشَدَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمُ يَعِزُّ اللَّهُ قُرَيْشًا. وَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ فَأَخَذَ الرَّايَةَ مِنْهُ فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسٍ. وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذَلِكَ عَارَضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ:
يَا نَبِيَّ الْهُدَى إِلَيْكَ لَجَا … حَيُّ قُرَيْشٍ وَلَاتَ حِينَ لَجَاءٍ
حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ سَعَةُ الْأَرضِ … وَعَادَاهُمْ إِلَهُ السَّمَاءِ
إِنَّ سَعْدًا يُرِيدُ قَاصِمَةَ الظَّهْرِ … بِأَهْلِ الْحُجُونِ وَالْبَطْحَاءِ
فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الشِّعْرَ دَخَلَتْهُ رَأْفَةٌ لَهُمْ وَرَحْمَةٌ، فَأَمَرَ بِالرَّايَةِ فَأُخِذَتْ مِنْ سَعْدٍ وَدُفِعَتْ إِلَى ابْنِهِ قَيْسٍ. وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَدَخَلَ مَكَّةَ بِلِوَاءَيْنِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، لَكِنْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِيمَنْ دُفِعَتْ إِلَيْهِ الرَّايَةُ الَّتِي نُزِعَتْ مِنْ سَعْدٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ أَنَّ عَلِيَّا أُرْسِلَ بِنَزْعِهَا، وَأَنْ يَدْخُلَ بِهَا، ثُمَّ خَشِيَ تَغَيُّرَ خَاطِرِ سَعْدٍ فَأَمَرَ بِدَفْعِهَا لِابْنِهِ قَيْسٍ، ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا خَشِيَ أَنْ يَقَعَ مِنَ ابْنِهِ شَيْءٌ يُنْكِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ فَحِينَئِذٍ أَخَذَهَا الزُّبَيْرُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ الْأَخِيرَةُ قَدْ ذَكَرَهَا الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ كَانَ قَيْسٌ فِي مُقَدِّمَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، فَكَلَّمَ سَعْدٌ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْدُمَ عَلَى شَيْءٍ، فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ وَالشِّعْرُ الَّذِي أَنْشَدَتْهُ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ لِضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيِّ، وَكَأَنَّهُ أَرْسَلَ بِهِ الْمَرْأَةَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمُعَاطَفَةِ عَلَيْهِمْ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا قَالَ سَعْدٌ فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ أَيْ أَخْطَأَ.
وَذَكَرَ الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمَّا قَالَ: الْيَوْمُ تسْتَحيل الْحُرْمَةُ، الْيَوْمُ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا، فَحَاذَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا مَرَّ بِهِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ بِقَتْلِ قَوْمِكَ - وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ - ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي قَوْمِكَ، فَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمُ يَعِزُّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا. فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ فَأَخَذَ اللِّوَاءَ مِنْ يَدِهِ فَجَعَلَهُ فِي يَدِ ابْنِهِ قَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ) أَيْ أَقَلُّهَا عَدَدًا، قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِلْجَمِيعِ بِالْقَافِ، وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ أَجَلُّ بِالْجِيمِ وَهِيَ أَظْهَرُ، وَلَا يَبْعُدُ صِحَّةُ الْأُولَى لِأَنَّ عَدَدَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ.
قَوْلُهُ: (وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) لَمْ يَكْتَفِ أَبُو سُفْيَانَ بِمَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ حَتَّى شَكَا لِلنَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ) فِيهِ إِطْلَاقُ الْكَذِبِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِغَيْرِ مَا سَيَقَعُ وَلَوْ كَانَ قَائِلُهُ بَنَاهُ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ وَقُوَّةِ الْقَرِينَةِ.
قَوْلُهُ: (يَوْمٌ يُعَظِّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ) يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَأَذَانِ بِلَالٍ عَلَى ظَهْرِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُزِيلَ عَنْهَا مِمَّا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَصْنَامِ وَمَحْوِ مَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ) قِيلَ: إِنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَكْسُونَ الْكَعْبَةَ فِي رَمَضَانَ فَصَادَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الزَّمَانُ كَمَا قَالَ
يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَكْسُوهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ الْخَفِيفَةِ هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْقُرْبِ مِنْ مَقْبَرَةِ مَكَّةَ. (قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكِزَ الرَّايَةَ) وَهَذَا السِّيَاقُ يُوهِمُ أَنَّ نَافِعًا حَضَرَ الْمَقَالَةَ الْمَذْكُورَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا صُحْبَةَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَجَّةٍ اجْتَمَعُوا فِيهَا إِمَّا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ أَوْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِلَخْ فَحُذِفَتْ قُلْتُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ عُرْوَةُ وَهُوَ مِنْ بَقِيَّةِ الْخَبَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِرْسَالِ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا فِي الْقَدْرِ الَّذِي صَرَّحَ عُرْوَةُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَمَّا بَاقِيهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ تَلَقَّاهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ أَدْرَكَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، أَوْ جَمَعَهُ مِنْ نَقْلِ جَمَاعَةٍ لَهُ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ) أَيْ بِالْمَدِّ ; وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كَدَا أَيْ بِالْقَصْرِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْآتِيَةِ أَنَّ خَالِدًا دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَعْلَاهَا، وَكَذَا جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ خَالِدًا دَخَلَ مِنْ أَسْفَلَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَعْلَاهَا وَضُرِبَتْ لَهُ هُنَاكَ قُبَّةٌ، وَقَدْ سَاقَ ذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سِيَاقًا وَاضِحًا فَقَالَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَخَيْلِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ بِالْحَجُونِ وَلَا يَبْرَحَ حَتَّى يَأْتِيَهُ، وَبَعَثَ خَالِدَ ب نَ الْوَلِيدِ فِي قَبَائِلِ قُضَاعَةٍ وَسُلَيْمٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَأَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ عِنْدَ أَدْنَى الْبُيُوتِ، وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ عِبَادَةَ فِي كَتِيبَةِ الْأَنْصَارِ فِي مُقَدِّمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ رَأَى النِّسَاءَ يَلْطِمْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِالْخُمُرِ، فَتَبَسَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ قَالَ حَسَّانُ؟ فَأَنْشَدَهُ قَوْلَهُ:
عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءٌ
يُنَازِعْنَ الْأَسِنَّةَ مُسْرَجَاتٍ … يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فَقَالَ: أَدْخِلُوهَا مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ.
قَوْلُهُ: (فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشٌ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ (ابْنُ الْأَشْعَرِ) وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ خَالِدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَخْزَمَ الْخُزَاعِيُّ، وَهُوَ أَخُو أُمِّ مَعْبَدٍ الَّتِي مَرَّ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مُهَاجِرًا. وَرَوَى الْبَغَوِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَآخَرُونَ قِصَّتَهَا مِنْ طَرِيقِ حِزَامِ بْنِ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حِزَامُ بْنُ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: شَهِدَ جَدِّي الْفَتْحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَكُرْزٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ هُوَ ابْنُ جَابِرِ بْنِ حِسْلِ بِمُهْمَلَتَيْنِ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ ابْنِ الْأَحَبِّ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُشَدَّدَةٍ ابْنِ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَغَارَ عَلَى سَرْحِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْأُولَى، ثُمَّ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِ الْعُرَنِيِّينِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ سَلَكَا طَرِيقًا فَشَذَّا عَنْ عَسْكَرِ خَالِدٍ فَقَتَلَهُمَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَصْحَابَ خَالِدٍ لَقُوا نَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ كَانُوا تَجَمَّعُوا بِالْخَنْدَمَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ مَكَانٍ أَسْفَلَ مَكَّةَ لِيُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ، فَنَاوَشُوهُمْ
شَيْئًا مِنَ الْقِتَالِ، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ، مَسْلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ الْجُهَنِيُّ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَانْهَزَمُوا، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَمَّاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْبَكْرِيُّ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ هِيَ لِلمرعاشِ الْهُذَلِيِّ - يُخَاطِبُ امْرَأَتَهُ حِينَ لَامَتْهُ عَلَى الْفِرَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ … إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ … يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ
ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ … لَمْ تَنْطِقِي فِي اللُّوَّمِ أَدْنَى كَلِمَهْ
وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: وَانْدَفَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَقَدْ تَجَمَّعَ بِهَا بَنُو بَكْرٍ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةٍ وَنَاسٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَمِنَ الْأَحَابِيشِ الَّذِينَ اسْتَنْصَرَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، فَقَاتَلُوا خَالِدًا، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ نَحْوُ عِشْرِينَ رَجُلًا وَمِنْ هُذَيْلٍ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ الْقَتْلُ إِلَى الْحَزْوَرَةِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى دَخَلُوا فِي الدُّورِ، وَارْتَفَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى الْجِبَالِ، وَصَاحَ أَبُو سُفْيَانَ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، قَالَ: وَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَارِقَةِ فَقَالَ: مَا هَذَا وَقَدْ نُهِيتُ عَنِ الْقِتَالِ؟ فَقَالُوا: نَظُنُّ أَنَّ خَالِدًا قُوتِلَ وَبُدِئَ بِالْقِتَالِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُقَاتِلَ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: لِمَ قَاتَلْتَ وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ الْقِتَالِ؟ فَقَالَ: هُمْ بَدَءُونَا بِالْقِتَالِ وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاحَ، وَقَدْ كَفَفْتُ يَدَيَّ مَا اسْتَطَعْتُ. فَقَالَ: قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ عِدَّةَ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْكُفَّارِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَمِنْ هُذَيْلٍ خَاصَّةً أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ: مَجْمُوعُ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ الْحَدِيثَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَقْتُلُ، فَقَالَ: قُمْ يَا فُلَانُ فَقُلْ لَهُ فَلْيَرْفَعِ الْقَتْلَ، فَأَتَاهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يَقُولُ لَكَ اقْتُلْ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ ثُمَّ اعْتَذَرَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ، فَسَكَتَ قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أُمَرَاءَهُ أَنْ لَا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ أَهْدَرَ دَمَ نَفَرٍ سَمَّاهُمْ. وَقَدْ جَمَعْتُ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ مُفَرَّقَاتِ الْأَخْبَارِ وَهُمْ: عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدٍ بِنُونٍ وَقَافٍ مُصَغَّرٌ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةِ بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَقَيْنَتَانِ كَانَتَا لِابْنِ خَطَلٍ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهَجْوِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَارَةُ مَوْلَاةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَهِيَ الَّتِي وُجِدَ مَعَهَا كِتَابُ حَاطِبٍ. فَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ عُثْمَانُ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَقَنَ دَمَهُ وَقَبِلَ إِسْلَامَهُ. وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَفَرَّ إِلَى الْيَمَنِ فَتَبِعَتْهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَرَجَعَ مَعَهَا بِأَمَانٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ فَكَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ يَوْمَ الْفَتْحِ.
وَأَمَّا مَقِيسٌ بْنُ صُبَابَةَ فَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ عَدَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ قَتَلَ أَخَاهُ هِشَامًا خَطَأً، فَجَاءَ مَقِيسٌ فَأَخَذَ الدِّيَةَ ثُمَّ قَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَأَمَّا هَبَّارٌ فَكَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِلْمُسْلِمِينَ وَعَرَضَ لِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَتْ فَنَخَسَ بَعِيرَهَا فَأُسْقِطَتْ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْمَرَضُ بِهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ بَعْدَ أَنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُ أَعْلَنَ بِالْإِسْلَامِ فَقَبِلَ مِنْهُ فَعَفَا عَنْهُ. وَأَمَّا الْقَيْنَتَانِ فَاسْمُهُمَا فَرْتَنَى وَقَرِينَةُ، فَاسْتُؤْمِنَ لِإِحْدَاهُمَا فَأَسْلَمَتْ وَقُتِلَتِ الْأُخْرَى. وَأَمَّا سَارَةُ فَأَسْلَمَتْ وَعَاشَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ. وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: بَلْ قُتِلَتْ. وَذَكَرَ أَبُو مَعْشَرٍ فِيمَنْ أَهْدَرَ دَمَهُ الْحَارِثَ بْنَ طَلَاطِلَ الْخُزَاعِيَّ قَتَلَهُ عَلِيٌّ. وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ فَرْتَنَى هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ وَأَنَّ قَرِينَةَ قُتِلَتْ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِمَّنْ أَهْدَرَ دَمَهُ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَسْلَمَ وَمَدَحَ. وَوَحْشِيَّ بْنَ حَرْبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَأْنُهُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ. وَهِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ. وَأَرْنَبَ مَوْلَاةَ ابْنِ خَطَلٍ أَيْضًا قُتِلَتْ. وَأُمَّ سَعْدٍ قُتِلَتْ فِيمَا ذَكَرَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَكَمُلَتِ الْعِدَّةُ ثَمَانِيَةَ رِجَالٍ وَسِتَّ نِسْوَةٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرْنَبُ وَأُمُّ سَعْدٍ هُمَا الْقَيْنَتَانِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِمَا أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكُنْيَةِ وَاللَّقَبِ.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرُ ابْنِ خَطَلٍ.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ بَعَثَ عَلَى إِحْدَى الْجَنْبَتَيْنِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْأُخْرَى وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ الَّذِينَ بِغَيْرِ سلاحٍ - فَقَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ. فَهَتَفَ بِهِمْ فَجَاءُوا فَأَطَافُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ؟ ثُمَّ قَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى: احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا نَشَاءُ أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا قَتَلْنَاهُ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا لَمَّا وَقَعَ هَذَا التَّأْمِينُ، وَلِإِضَافَةِ الدُّورِ إِلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَلِأَنَّ الْغَانِمِينَ لَمْ يَمْلِكُوا دُورَهَا وَإِلَّا لَجَازَ إِخْرَاجُ أَهْلِ الدُّورِ مِنْهَا. وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ مَا وَقَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَوُقُوعِهِ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبِتَصْرِيحِهِ ﷺ بِأَنَّهَا أُحِلَّتْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَنَهْيِهِ عَنِ التَّأَسِّي بِهِ فِي ذَلِكَ.
وَأَجَابُوا عَنْ تَرْكِ الْقِسْمَةِ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْعَنْوَةِ فَقَدْ تُفْتَحُ الْبَلَدُ عَنْوَةً وَيَمُنُّ عَلَى أَهْلِهَا وَيَتْرُكُ لَهُمْ دُورَهَمْ وَغَنَائِمَهُمْ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، بَلِ الْخِلَافُ ثَابِتٌ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ فُتِحَتْ أَكْثَرُ الْبِلَادِ عَنْوَةً فَلَمْ تُقْسَمْ وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ مَعَ وُجُودِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ زَادَتْ مَكَّةُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِي اخْتِصَاصَهَا بِهِ دُونَ بَقِيَّةِ الْبِلَادِ، وَهِيَ أَنَّهَا دَارُ النُّسُكِ وَمُتَعَبَّدُ الْخَلْقِ، وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - حَرَمًا سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالَبَادِ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيُّ: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَهُمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مُرَادُهُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَمَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى صُلْحًا إِلَّا إِذَا الْتَزَمَ مَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ، وَالَّذِي وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمُ اسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَّشَتْ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا فَقَالُوا: نُقدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَاهُ الَّذِينَ سَأَلْنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟ ثُمَّ قَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى أَيِ احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي عَلَى الصَّفَا. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا نَشَاءُ أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالصُّلْحِ وُقُوعَ عَقْدٍ بِهِ فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ وَلَا أَظُنُّهُ عَنَى إِلَّا الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ وَفِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ.
وَتَمَسَّكَ أَيْضًا مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُبْهَمٌ بِمَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ الْفَتْحِ: فَقَالَ الْعَبَّاسُ، لِعَلِيٍّ: أَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَنْوَةً. ثُمَّ قَالَ فِي الْقِصَّةِ بَعْدَ قِصَّةِ أَبِي سُفْيَانَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ.
وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي - وَهِيَ أَصَحُّ مَا صُنِّفَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ - مَا نَصُّهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَا: