«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٣

الحديث رقم ٤٣ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أحب الدين إلى الله أدومه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٣ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ».

بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وَقَالَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ

إسناد حديث رقم ٤٣ من صحيح البخاري

٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ.

قَوْلُهُ: (بِمِثْلِهَا) زَادَ مُسْلِمٌ، وَإِسْحَاقُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمْ: حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ﷿.

٣٢ - بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ ﷿ أَدْوَمُهُ

٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ - تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا - قَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا. وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.

[الحديث ٤٣ - في: ١١٥١]

قَوْلُهُ: (بَابُ أَحَبِّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ) مُرَادُ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ هُنَا الْعَمَلُ، وَالدِّينُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَالْإِسْلَامُ الْحَقِيقِيُّ مُرَادِفٌ لِلْإِيمَانِ، فَيَصِحُّ بِهَذَا مَقْصُودُهُ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَحْسُنُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ جِهَادَ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِّ الْمُغَالَبَةِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الدِّينُ يُسْرٌ وَفِي هَذَا مَا لَيْسَ فِي ذَاكَ عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَنْ هَذِهِ) لِلْأَصِيلِيِّ قَالَ مَنْ هَذِهِ بِغَيْرِ فَاءٍ، وَيُوَجَّهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: مَاذَا قَالَ حِينَ دَخَلَ؟ قَالَتْ: قَالَ مَنْ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ فُلَانَةُ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كُلِّ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ فَلَا يَنْصَرِفُ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَسَنَةُ الْهَيْئَةِ.

قَوْلُهُ: (تَذْكُرُ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَالْفَاعِلُ عَائِشَةُ. وَرُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ: يَذْكُرُونَ أَنَّ صَلَاتَهَا كَثِيرَةٌ. وَلِأَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ مُعَلَّقًا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الْمُوَطَّأِ لِلْقَعْنَبِيِّ وَحْدَهُ فِي آخِرِهِ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا الْحَوْلَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ اسْمُهَا بِنْتُ تُوَيْتٍ بِمُثَنَّاتَيْنِ مُصَغَّرًا ابْنِ حَبِيبٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْ رَهْطِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ فِي أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ قِيلَ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ هِشَامٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ عِنْدَهَا، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْحَوْلَاءَ مَرَّتْ بِهَا فَظَاهِرُهُ التَّغَايُرُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَارَّةُ امْرَأَةً غَيْرَهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَيْضًا أَوْ أَنَّ قِصَّتَهَا تَعَدَّدَتْ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْآتِيَةِ، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُجَ مَرَّتْ بِهِ فِي خِلَالِ ذَهَابِهَا فَسَأَلَ عَنْهَا، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ.

(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّهَا أَمِنَتْ عَلَيْهَا الْفِتْنَةَ فَلِذَلِكَ مَدَحَتْهَا فِي وَجْهِهَا. قُلْتُ: لَكِنَّ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ، أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَلَمَّا قَامَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ هَذِهِ يَا عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ فُلَانَةُ، وَهِيَ أَعْبَدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ،

فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (مَهْ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ، وَهِيَ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ، وَالْمَعْنَى اكْفُفْ، يُقَالُ مَهْمَهْتُهُ إِذَا زَجَرْتُهُ، فَإِنْ وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فَقُلْتَ مَهٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَا هَذَا كَالْإِنْكَارِ فَطَرَحُوا بَعْضَ اللَّفْظَةِ فَقَالُوا مَهْ فَصَيَّرُوا الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةً، وَهَذَا الزَّجْرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعَائِشَةَ، وَالْمُرَادُ نَهْيُهَا عَنْ مَدْحِ الْمَرْأَةِ بِمَا ذَكَرَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَقَالُوا: يُكْرَهُ صَلَاةُ جَمِيعِ اللَّيْلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ) أَيِ: اشْتَغِلُوا مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا تَسْتَطِيعُونَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ، فَمَنْطُوقُهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يُطَاقُ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يُطَاقُ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَاصًّا بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ. قُلْتُ: سَبَبُ وُرُودِهِ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. وَقَدْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ عَلَيْكُمْ مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ النِّسَاءُ طَلَبًا لِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ، فَغُلِّبَتِ الذُّكُورُ عَلَى الْإِنَاثِ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ. وَقَدْ يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ فِي تَفْخِيمِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ حَثٍّ عَلَيْهِ أَوْ تَنْفِيرٍ مِنْ مَحْذُورٍ.

قَوْلُهُ: (لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْمَلَالُ اسْتِثْقَالُ الشَّيْءِ وَنُفُورُ النَّفْسِ عَنْهُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّفَاقٍ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّمَا أُطْلِقَ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ مَجَازًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَأَنْظَارُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَجْهُ مَجَازِهِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَمَّنْ يَقْطَعُ الْعَمَلَ مَلَالًا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَلَالِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يَقْطَعُ عَنْكُمْ فَضْلَهُ حَتَّى تَمَلُّوا سُؤَالَهُ فَتَزْهَدُوا فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ لَا يَتَنَاهَى حَقُّهُ عَلَيْكُمْ فِي الطَّاعَةِ حَتَّى يَتَنَاهَى جُهْدُكُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَتَّى عَلَى بَابِهَا فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْهُومِ. وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَأْوِيلِهَا فَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ اللَّهُ إِذَا مَلَلْتُمْ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ: لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَارُ أَوْ حَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْبَلِيغِ: لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يَنْقَطِعَ خُصُومُهُ ; لِأَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ حِينَ يَنْقَطِعُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ. وَهَذَا الْمِثَالُ أَشْبَهُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ شَيْبَ الْغُرَابِ لَيْسَ مُمْكِنًا عَادَةً، بِخِلَافِ الْمَلَلِ مِنَ الْعَابِدِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ إِنَّ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ، فَنَفَى عَنْهُ الْمَلَلَ وَأَثْبَتَهُ لَهُمْ. قَالَ: وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى حِينَ.

وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: هَذَا مِنَ أَلْفَاظِ التَّعَارُفِ الَّتِي لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَعْرِفَ الْقَصْدَ مِمَّا يُخَاطَبُ بِهِ إِلَّا بِهَا، وَهَذَا رَأْيُهُ فِي جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ.

قَوْلُهُ: (أَحَبُّ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَى الْمَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالثَّوَابِ (١) أَيْ: أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ ثَوَابًا أَدْوَمُهَا.

قَوْلُهُ: (إِلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ إِلَى اللَّهِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ، وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ، وَقَالَ بَاقِي الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامٍ: وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ أَيْ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المشهورة المرويَّة بإسنادٍ واحدٍ عن عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ عنه، والجمهور على جواز سياق حديثٍ منها بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأً به، فافهم.

(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ) زاد في رواية الأَصيليِّ: «﷿» (أَدْوَمُهُ) «أَفْعَلُ» تفضيلٍ من الدَّوام، والمُرَاد به هنا: الدَّوام العرفيُّ، وهو قابلٌ للكثرة والقلَّة.

٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة والنُّون المفتوحة المُشدَّدة، أبو موسى البصريُّ، المذكور في «باب حلاوة الإيمان» [خ¦١٦] قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان الأحول (عَنْ هِشَامٍ) يعني: ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَ) الحال أنَّ (١) (عِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ) بإثبات فاء العطف، وللأَصيليِّ: «قال» بحذفها، فتكون جملةً استئنافيَّةً جواب سؤالٍ مقدَّرٍ؛ كأنَّ قائلًا يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ) عائشة: هي (فُلَانَةُ) بعدم الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة؛ إذ هو كنايةٌ عن ذلك، وهي الحَوْلاء -بالمُهملَة والمدِّ كما في «مسلمٍ» - بنت تُوَيتٍ؛ بمُثنَّاتين مُصغَّرًا (تَذْكُرُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: عائشة (مِنْ صَلَاتِهَا) في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، ولغير الأربعة (٢): «يُذكَر» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتاليه نائبٌ عنه، أي: يذكرون أنَّ صلاتها كثيرةٌ، وعند المؤلِّف في «صلاة

اللَّيل» معلَّقًا: «لا تنام باللَّيل» [خ¦١١٥١] ولعلَّ عائشة أَمِنَتْ عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، لكن في «مُسنَد الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأةٌ، فلمَّا قامت قال رسول الله : «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله، هذه فلانةُ، وهي أَعْبَدُ أهلِ المدينة، فظاهر هذه الرِّواية أنَّ مدحها كان في غيبتها (قَالَ) : (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسمٌ للزَّجر بمعنى: اكفُف، ينهاها عن مدح المرأة بما ذكرته، أو عن تكلُّف عملِ ما لا يُطَاق؛ ولذا قال بعده: (عَلَيْكُمْ) من العمل (بِمَا) بمُوحَّدَةٍ قبل الميم، وفي رواية الأَصيليِّ: «ما» (تُطِيقُونَ) أي: بالذي تطيقون المُداوَمَةَ عليه، وحذف العائد للعلم به، ويُفهَم منه النَّهيُ عن تكليف ما لا يُطَاق، وسبب وروده خاصٌّ بالصَّلاة، لكنَّ اللَّفظ عامٌّ، فيشمل جميع الأعمال، وعَدَلَ عن خطاب النِّساء إلى خطاب الرِّجال طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذُّكور على الإناث في الذِّكر (فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى) إلى أن (تَمَلُّوا) (١) بفتح الميم في الموضعين، وهو من باب

المُشاكَلَة والازدواج؛ وهو أن تكون إحدى اللَّفظتين موافقةً للأخرى، وإن خالفت معناها، والمَلال: ترك الشَّيء استثقالًا وكراهةً له بعد حِرصٍ ومحبَّةٍ فيه، فهو من صفات المخلوقين، لا من صفات الخالق تعالى، فيحتاج إلى تأويلٍ، فقال المحقِّقون: هو على سبيل المجاز لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمَّن قطع العمل ملالًا عبَّر عن ذلك بـ «الملال»، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتَّى تملُّوا سؤالَه (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ) أي: الطَّاعة (إِلَيْهِ) أي: إلى الرسول ، وفي رواية المُستملي: «إلى الله» وليس بين الرِّوايتين تخالفٌ لأنَّ ما كان أحبَّ إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله، وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: «وكان أحبُّ» بالرَّفع اسمُ «كان» (مَا دَاوَمَ) أي: واظب (عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) وإن قلَّ، فبالمُداوَمة على القليل تستمرُّ الطَّاعة، بخلاف الكثير الشَّاقِّ، وربَّما ينمو القليل الدَّائم حتَّى يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرةً، وهذا من مزيد شفقته ورأفته بأمَّته؛ حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدَّوام عليه من غير مشقَّةٍ، جزاه الله عنَّا ما هو أهله، وسقط عند الأَصيليِّ قوله «ما داوم عليه صاحبه»، والتَّعبير بـ «أحبَّ» هنا يقتضي أنَّ ما لم يداوم عليه صاحبه من الدِّين محبوبٌ، ولا يكون هذا إلَّا في العمل ضرورةَ أنَّ (١) تركَ الإيمان كفرٌ، قاله في «المصابيح».

وفي هذا الحديث: الدَّلالة على استعمال المجاز، وجواز الحلف من غير استحلافٍ، وأنَّه لا كراهة فيه إذا كان لمصلحةٍ، وفضيلة المُداوَمَة على العمل، وتسمية العمل دِينًا، وقد أخرجه

المؤلِّف أيضًا في «الصلاة» [خ¦١١٥١]، ومسلمٌ، ومالكٌ في «موطَّئه».

(٣٣) (بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) بإضافة «بابُ» لتاليه فقط (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بجرِّ «قولِ» عطفًا على «زيادةِ الإيمان» ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «﷿» بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]) لأنَّ زيادتَه مستلزمةٌ للإيمان، أو (١) المُرَاد بـ «الهدى» الإيمان نفسه، وقوله تعالى: (﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ) تعالى: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) أي: شرائعه، فإن قلت: إذا كان تفسير الآية ما ذُكِرَ فما وجه استدلال المصنِّف بها على زيادة الإيمان ونقصانه؟ أُجِيب: بأنَّ الكمال مستلزمٌ للنَّقص، واستلزامه للنَّقص يستدعي قبولَه الزِّيادةَ، ومن ثمَّ قال المؤلِّف: (فَإِذَا تَرَكَ) وللأَصيليِّ: «فإذا تركت» (شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ) لا يُقَال: إنَّ الدِّين كان ناقصًا قبلُ، وإنَّ مَنْ مات من الصَّحابة كان ناقص الإيمان من حيث إنَّ موته قبل نزول الفرائض أو بعضها؛ لأنَّ الإيمان لم يَزَلْ تامًّا، والنَّقص بالنِّسبة إلى الذين ماتوا قبل نزول الفرائض من الصَّحابة صوريٌّ نسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا يشبه قول القائل: إنَّ شرع محمَّدٍ أكمل من شرع موسى وعيسى؛ لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب السَّابقة، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملًا، وتجدَّد في شرع عيسى بعده ما تجدَّد، فالأكمليَّة أمرٌ نسبيٌّ، وعبَّر المؤلِّف: بـ «قال» الماضي، ولم يَقُلْ: «وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾» على أسلوب السَّابق؛ لأنَّ الاستدلال به نصٌّ صريحٌ في الزِّيادة، وهو مستلزمٌ للنَّقص بخلاف هذه فإنَّ الصَّريح فيها الكمالُ، وليس هو نصًّا صريحًا في الزِّيادة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ.

قَوْلُهُ: (بِمِثْلِهَا) زَادَ مُسْلِمٌ، وَإِسْحَاقُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمْ: حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ﷿.

٣٢ - بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ ﷿ أَدْوَمُهُ

٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ - تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا - قَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا. وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.

[الحديث ٤٣ - في: ١١٥١]

قَوْلُهُ: (بَابُ أَحَبِّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ) مُرَادُ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ هُنَا الْعَمَلُ، وَالدِّينُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَالْإِسْلَامُ الْحَقِيقِيُّ مُرَادِفٌ لِلْإِيمَانِ، فَيَصِحُّ بِهَذَا مَقْصُودُهُ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَحْسُنُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ جِهَادَ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِّ الْمُغَالَبَةِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الدِّينُ يُسْرٌ وَفِي هَذَا مَا لَيْسَ فِي ذَاكَ عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَنْ هَذِهِ) لِلْأَصِيلِيِّ قَالَ مَنْ هَذِهِ بِغَيْرِ فَاءٍ، وَيُوَجَّهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: مَاذَا قَالَ حِينَ دَخَلَ؟ قَالَتْ: قَالَ مَنْ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ فُلَانَةُ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كُلِّ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ فَلَا يَنْصَرِفُ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَسَنَةُ الْهَيْئَةِ.

قَوْلُهُ: (تَذْكُرُ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَالْفَاعِلُ عَائِشَةُ. وَرُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ: يَذْكُرُونَ أَنَّ صَلَاتَهَا كَثِيرَةٌ. وَلِأَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ مُعَلَّقًا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الْمُوَطَّأِ لِلْقَعْنَبِيِّ وَحْدَهُ فِي آخِرِهِ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا الْحَوْلَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ اسْمُهَا بِنْتُ تُوَيْتٍ بِمُثَنَّاتَيْنِ مُصَغَّرًا ابْنِ حَبِيبٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْ رَهْطِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ فِي أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ قِيلَ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ هِشَامٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ عِنْدَهَا، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْحَوْلَاءَ مَرَّتْ بِهَا فَظَاهِرُهُ التَّغَايُرُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَارَّةُ امْرَأَةً غَيْرَهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَيْضًا أَوْ أَنَّ قِصَّتَهَا تَعَدَّدَتْ.

وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْآتِيَةِ، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُجَ مَرَّتْ بِهِ فِي خِلَالِ ذَهَابِهَا فَسَأَلَ عَنْهَا، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ.

(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّهَا أَمِنَتْ عَلَيْهَا الْفِتْنَةَ فَلِذَلِكَ مَدَحَتْهَا فِي وَجْهِهَا. قُلْتُ: لَكِنَّ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ، أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَلَمَّا قَامَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ هَذِهِ يَا عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ فُلَانَةُ، وَهِيَ أَعْبَدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ،

فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (مَهْ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ، وَهِيَ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ، وَالْمَعْنَى اكْفُفْ، يُقَالُ مَهْمَهْتُهُ إِذَا زَجَرْتُهُ، فَإِنْ وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فَقُلْتَ مَهٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَا هَذَا كَالْإِنْكَارِ فَطَرَحُوا بَعْضَ اللَّفْظَةِ فَقَالُوا مَهْ فَصَيَّرُوا الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةً، وَهَذَا الزَّجْرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعَائِشَةَ، وَالْمُرَادُ نَهْيُهَا عَنْ مَدْحِ الْمَرْأَةِ بِمَا ذَكَرَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَقَالُوا: يُكْرَهُ صَلَاةُ جَمِيعِ اللَّيْلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ) أَيِ: اشْتَغِلُوا مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا تَسْتَطِيعُونَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ، فَمَنْطُوقُهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يُطَاقُ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يُطَاقُ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَاصًّا بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ. قُلْتُ: سَبَبُ وُرُودِهِ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. وَقَدْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ عَلَيْكُمْ مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ النِّسَاءُ طَلَبًا لِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ، فَغُلِّبَتِ الذُّكُورُ عَلَى الْإِنَاثِ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ. وَقَدْ يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ فِي تَفْخِيمِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ حَثٍّ عَلَيْهِ أَوْ تَنْفِيرٍ مِنْ مَحْذُورٍ.

قَوْلُهُ: (لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْمَلَالُ اسْتِثْقَالُ الشَّيْءِ وَنُفُورُ النَّفْسِ عَنْهُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّفَاقٍ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّمَا أُطْلِقَ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ مَجَازًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَأَنْظَارُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَجْهُ مَجَازِهِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَمَّنْ يَقْطَعُ الْعَمَلَ مَلَالًا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَلَالِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يَقْطَعُ عَنْكُمْ فَضْلَهُ حَتَّى تَمَلُّوا سُؤَالَهُ فَتَزْهَدُوا فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ لَا يَتَنَاهَى حَقُّهُ عَلَيْكُمْ فِي الطَّاعَةِ حَتَّى يَتَنَاهَى جُهْدُكُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَتَّى عَلَى بَابِهَا فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْهُومِ. وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَأْوِيلِهَا فَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ اللَّهُ إِذَا مَلَلْتُمْ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ: لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَارُ أَوْ حَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْبَلِيغِ: لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يَنْقَطِعَ خُصُومُهُ ; لِأَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ حِينَ يَنْقَطِعُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ. وَهَذَا الْمِثَالُ أَشْبَهُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ شَيْبَ الْغُرَابِ لَيْسَ مُمْكِنًا عَادَةً، بِخِلَافِ الْمَلَلِ مِنَ الْعَابِدِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ إِنَّ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ، فَنَفَى عَنْهُ الْمَلَلَ وَأَثْبَتَهُ لَهُمْ. قَالَ: وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى حِينَ.

وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: هَذَا مِنَ أَلْفَاظِ التَّعَارُفِ الَّتِي لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَعْرِفَ الْقَصْدَ مِمَّا يُخَاطَبُ بِهِ إِلَّا بِهَا، وَهَذَا رَأْيُهُ فِي جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ.

قَوْلُهُ: (أَحَبُّ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَى الْمَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالثَّوَابِ (١) أَيْ: أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ ثَوَابًا أَدْوَمُهَا.

قَوْلُهُ: (إِلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ إِلَى اللَّهِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ، وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ، وَقَالَ بَاقِي الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامٍ: وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ أَيْ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المشهورة المرويَّة بإسنادٍ واحدٍ عن عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ عنه، والجمهور على جواز سياق حديثٍ منها بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأً به، فافهم.

(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ) زاد في رواية الأَصيليِّ: «﷿» (أَدْوَمُهُ) «أَفْعَلُ» تفضيلٍ من الدَّوام، والمُرَاد به هنا: الدَّوام العرفيُّ، وهو قابلٌ للكثرة والقلَّة.

٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة والنُّون المفتوحة المُشدَّدة، أبو موسى البصريُّ، المذكور في «باب حلاوة الإيمان» [خ¦١٦] قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان الأحول (عَنْ هِشَامٍ) يعني: ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَيْهَا وَ) الحال أنَّ (١) (عِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ) بإثبات فاء العطف، وللأَصيليِّ: «قال» بحذفها، فتكون جملةً استئنافيَّةً جواب سؤالٍ مقدَّرٍ؛ كأنَّ قائلًا يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ) عائشة: هي (فُلَانَةُ) بعدم الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة؛ إذ هو كنايةٌ عن ذلك، وهي الحَوْلاء -بالمُهملَة والمدِّ كما في «مسلمٍ» - بنت تُوَيتٍ؛ بمُثنَّاتين مُصغَّرًا (تَذْكُرُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: عائشة (مِنْ صَلَاتِهَا) في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، ولغير الأربعة (٢): «يُذكَر» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتاليه نائبٌ عنه، أي: يذكرون أنَّ صلاتها كثيرةٌ، وعند المؤلِّف في «صلاة

اللَّيل» معلَّقًا: «لا تنام باللَّيل» [خ¦١١٥١] ولعلَّ عائشة أَمِنَتْ عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، لكن في «مُسنَد الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأةٌ، فلمَّا قامت قال رسول الله : «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله، هذه فلانةُ، وهي أَعْبَدُ أهلِ المدينة، فظاهر هذه الرِّواية أنَّ مدحها كان في غيبتها (قَالَ) : (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسمٌ للزَّجر بمعنى: اكفُف، ينهاها عن مدح المرأة بما ذكرته، أو عن تكلُّف عملِ ما لا يُطَاق؛ ولذا قال بعده: (عَلَيْكُمْ) من العمل (بِمَا) بمُوحَّدَةٍ قبل الميم، وفي رواية الأَصيليِّ: «ما» (تُطِيقُونَ) أي: بالذي تطيقون المُداوَمَةَ عليه، وحذف العائد للعلم به، ويُفهَم منه النَّهيُ عن تكليف ما لا يُطَاق، وسبب وروده خاصٌّ بالصَّلاة، لكنَّ اللَّفظ عامٌّ، فيشمل جميع الأعمال، وعَدَلَ عن خطاب النِّساء إلى خطاب الرِّجال طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذُّكور على الإناث في الذِّكر (فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى) إلى أن (تَمَلُّوا) (١) بفتح الميم في الموضعين، وهو من باب

المُشاكَلَة والازدواج؛ وهو أن تكون إحدى اللَّفظتين موافقةً للأخرى، وإن خالفت معناها، والمَلال: ترك الشَّيء استثقالًا وكراهةً له بعد حِرصٍ ومحبَّةٍ فيه، فهو من صفات المخلوقين، لا من صفات الخالق تعالى، فيحتاج إلى تأويلٍ، فقال المحقِّقون: هو على سبيل المجاز لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمَّن قطع العمل ملالًا عبَّر عن ذلك بـ «الملال»، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتَّى تملُّوا سؤالَه (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ) أي: الطَّاعة (إِلَيْهِ) أي: إلى الرسول ، وفي رواية المُستملي: «إلى الله» وليس بين الرِّوايتين تخالفٌ لأنَّ ما كان أحبَّ إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله، وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: «وكان أحبُّ» بالرَّفع اسمُ «كان» (مَا دَاوَمَ) أي: واظب (عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) وإن قلَّ، فبالمُداوَمة على القليل تستمرُّ الطَّاعة، بخلاف الكثير الشَّاقِّ، وربَّما ينمو القليل الدَّائم حتَّى يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرةً، وهذا من مزيد شفقته ورأفته بأمَّته؛ حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدَّوام عليه من غير مشقَّةٍ، جزاه الله عنَّا ما هو أهله، وسقط عند الأَصيليِّ قوله «ما داوم عليه صاحبه»، والتَّعبير بـ «أحبَّ» هنا يقتضي أنَّ ما لم يداوم عليه صاحبه من الدِّين محبوبٌ، ولا يكون هذا إلَّا في العمل ضرورةَ أنَّ (١) تركَ الإيمان كفرٌ، قاله في «المصابيح».

وفي هذا الحديث: الدَّلالة على استعمال المجاز، وجواز الحلف من غير استحلافٍ، وأنَّه لا كراهة فيه إذا كان لمصلحةٍ، وفضيلة المُداوَمَة على العمل، وتسمية العمل دِينًا، وقد أخرجه

المؤلِّف أيضًا في «الصلاة» [خ¦١١٥١]، ومسلمٌ، ومالكٌ في «موطَّئه».

(٣٣) (بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) بإضافة «بابُ» لتاليه فقط (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بجرِّ «قولِ» عطفًا على «زيادةِ الإيمان» ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «﷿» بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]) لأنَّ زيادتَه مستلزمةٌ للإيمان، أو (١) المُرَاد بـ «الهدى» الإيمان نفسه، وقوله تعالى: (﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ) تعالى: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) أي: شرائعه، فإن قلت: إذا كان تفسير الآية ما ذُكِرَ فما وجه استدلال المصنِّف بها على زيادة الإيمان ونقصانه؟ أُجِيب: بأنَّ الكمال مستلزمٌ للنَّقص، واستلزامه للنَّقص يستدعي قبولَه الزِّيادةَ، ومن ثمَّ قال المؤلِّف: (فَإِذَا تَرَكَ) وللأَصيليِّ: «فإذا تركت» (شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ) لا يُقَال: إنَّ الدِّين كان ناقصًا قبلُ، وإنَّ مَنْ مات من الصَّحابة كان ناقص الإيمان من حيث إنَّ موته قبل نزول الفرائض أو بعضها؛ لأنَّ الإيمان لم يَزَلْ تامًّا، والنَّقص بالنِّسبة إلى الذين ماتوا قبل نزول الفرائض من الصَّحابة صوريٌّ نسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا يشبه قول القائل: إنَّ شرع محمَّدٍ أكمل من شرع موسى وعيسى؛ لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب السَّابقة، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملًا، وتجدَّد في شرع عيسى بعده ما تجدَّد، فالأكمليَّة أمرٌ نسبيٌّ، وعبَّر المؤلِّف: بـ «قال» الماضي، ولم يَقُلْ: «وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾» على أسلوب السَّابق؛ لأنَّ الاستدلال به نصٌّ صريحٌ في الزِّيادة، وهو مستلزمٌ للنَّقص بخلاف هذه فإنَّ الصَّريح فيها الكمالُ، وليس هو نصًّا صريحًا في الزِّيادة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله