الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٣١
الحديث رقم ٤٣١ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ) النَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِ، (التَّنُّورُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَضْمُومَةِ: مَا تُوقَدُ فِيهِ النَّارُ لِلْخُبْزِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ فِي الْأَكْثَرِ يَكُونُ حَفِيرَةً فِي الْأَرْضِ، وَرُبَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَوَهِمَ مَنْ خَصَّهُ بِالْأَوَّلِ. قِيلَ: هُوَ مُعَرَّبٌ، وَقِيلَ: هُوَ عَرَبِيٌّ تَوَافَقَتْ عَلَيْهِ الْأَلْسِنَةُ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ ذَكَرَ النَّارَ بَعْدَهُ اهْتِمَامًا بِهِ؛ لِأَنَّ عَبَدَةَ النَّارِ مِنَ الْمَجُوسِ لَا يَعْبُدُونَهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُتَوَقِّدَةً بِالْجَمْرِ كَالَّتِي فِي التَّنُّورِ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ إِلَى التَّنُّورِ وَقَالَ: هُوَ بَيْتُ نَارٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ شَيْءٌ) مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الشَّمْسُ مَثَلًا وَالْأَصْنَامُ وَالتَّمَاثِيلُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَأْتِي مَوْصُولًا فِي بَابِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَسَيَأْتِي بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ نَازَعَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: لَيْسَ مَا أَرَى اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّارِ بِمَنْزِلَةِ نَارٍ مَعْبُودَةٍ لِقَوْمٍ يَتَوَجَّهُ الْمُصَلِّي إِلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُخْتَارًا، وَإِنَّمَا عَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ تَنْبِيهِ الْعِبَادِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاخْتِيَارَ وَعَدَمَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَا يُقَرُّ عَلَى بَاطِلٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ جَائِزٌ. وَتَفْرِقَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً لَكِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَالْحَدِيثِ وُجُودُ نَارٍ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِكَرَاهَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ أَوِ انْحِرَافِهِ عَنْهُ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّ الثَّانِي، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِحَدِيثَيِ الْبَابِ، وَيُكْرَهُ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّمَاثِيلِ، وَكَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ إِلَى التَّنُّورِ أَوْ إِلَى بَيْتِ نَارٍ، وَنَازَعَهُ أَيْضًا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَاضِي السُّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فَقَالَ: لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: أُرِيتَ النَّارَ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَمَامَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ ﵀ كُوشِفَ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ فَعَجَّلَ بِالْجَوَابِ عَنْهُ حَيْثُ صَدَّرَ الْبَابَ بِالْمُعَلَّقِ عَنْ أَنَسٍ، فَفِيهِ: عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلِّي وَأَمَّا كَوْنُهُ رَآهَا أَمَامَهُ فَسِيَاقُ حَدِيثِ ابْنِ ع بَّاسٍ يَقْتَضِيهِ، فَفِيهِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ بَعْدَ أَنْ انْصَرَفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلَتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ أَيْ تَأَخَّرْتَ إِلَى خَلْفٍ، وَفِي جَوَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ أُرِي النَّارَ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُعَلَّقِ هُنَا عِنْدَهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مَوْصُولًا لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ وَأَنَا أُصَلِّي وَهَذَا يَدْفَعُ جَوَابَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ مِنَ الْمُصَلِّي وَالْبَعِيدِ.
٥٢ - بَاب كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ
٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا.
[الحديث ٤٣٢ - طرفه في: ١١٨٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ) اسْتَنْبَطَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا، أَنَّ الْقُبُورَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلْعِبَادَةِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهَا مَكْرُوهَةً، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّتِهِ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صَلَاتِكُمْ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَالْمُرَادُ النَّوَافِلُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِذَا قَضَى أَحَدَكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، قُلْتُ: وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ. وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ: اجْعَلُوا بَعْضَ فَرَائِضِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لِيَقْتَدِيَ بِكُمْ مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ نِسْوَةٍ وَغَيْرِهِنَّ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الرَّاجِحُ.
وَقَدْ بَالَغَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْفَرِيضَةِ، وَقَدْ نَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْمُصَنِّفَ أَيْضًا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْقَبْرِ لَا فِي الْمَقَابِرِ. قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْمَقَابِرِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: تَأَوَّلَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ، وَتَأَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا فِيهِ النَّدْبُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ إِذِ الْمَوْتَى لَا يُصَلُّونَ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَكُونُوا كَالْمَوْتَى الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَهِيَ الْقُبُورُ. قَالَ: فَأَمَّا جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ أَوِ الْمَنْعِ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَلَا، فَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ اسْتِنْبَاطِهِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِلْمَطَالِعِ: إِنَّ تَأْوِيلَ الْبُخَارِيِّ مَرْجُوحٌ، وَالْأَوْلَى قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ إِنَّ الْمَيِّتَ لَا يُصَلَّى فِي قَبْرِهِ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَقْبَرَةَ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَالْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ أَيْضًا: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ وَطَنًا لِلنَّوْمِ فَقَطْ لَا تُصَلُّونَ فِيهَا فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ وَالْمَيِّتَ لَا يُصَلِّي. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: حَاصِلُ مَا يَحْتَمِلُهُ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ، فَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْمَاضِيَةَ وَرَابِعُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فِي بَيْتِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ كَالْمَيِّتِ وَبَيْتَهُ كَالْقَبْرِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ دَفْنِ الْمَوْتَى فِي الْبُيُوتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ دُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، قُلْتُ: مَا ادَّعَى أَنَّهُ تَأْوِيلٌ هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَلَا سِيَّمَا أنْ جَعَلَ النَّهْيَ حُكْمًا مُنْفَصِلًا عَنِ الْأَمْرِ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى رَدِّهِ تَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ.
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا: مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ، وَفِي إِسْنَادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مُرْسَلَةٌ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ الصَّحَابِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَأَيْنَ يُدْفَنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَبَضَ اللَّهُ فِيهِ رُوحَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَالَّذِي قَبْلَهُ أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُودِ. وَإِذَا حُمِلَ دَفْنُهُ فِي بَيْتِهِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لَمْ يَبْعُدْ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الدَّفْنِ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
النَّارُ) الجهنَّميَّة (وَأَنَا أُصَلِّي).
٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُهمَلة المخفَّفة، القاضي (١) المدنيِّ الهلاليِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ) أي: انكسفت، أي: تغيَّر لونها، أو ذهب ضوؤُها (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ) صلاة الكسوف (ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، أي: أبصرت (النَّارَ) في الصَّلاة رؤية عينٍ (فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَاليَوْمِ) أي: رؤيةً مثل رؤية اليوم (قَطُّ) بضمِّ الطَّاء (أَفْظَعَ) منه، بفاءٍ وظاءٍ مُعجمَةٍ، ونصب «العين» صفةً لـ «منظرٍ»، أو صلة «أفعل» التَّفضيل محذوفةٌ، أي: منه كـ «الله أكبر» أي: من كلِّ شيءٍ، أو بمعنى: فظيعٍ كـ «أكبر» بمعنى: كبيرٍ، والفظيع: الشَّنيع الشَّديد المجاوز المقدار، قال السَّفاقسيُّ: ولا حجَّة في الحديث على ما بُوِّب له لأنَّه ﵊ لم يفعل ذلك مختارًا، وإنَّما عرض عليه ذلك لمعنًى أراده الله تعالى تنبيهًا لعباده. انتهى. وأُجيب بأنَّ الاختيار وعدمه في ذلك سواءٌ منه لأنَّه ﵊ لا يقرُّ على باطلٍ، فدلَّ على أنَّ مثله جائزٌ، قاله الحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا نسلم التَّسوية، فإنَّ الكراهة تتأكَّد عند الاختيار، وأمَّا عند عدمه فلا كراهة لعدم العلَّة الموجبة للكراهة، وهي التَّشبُّه (٢) بعبدة النار.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون. نعم عبد الله بن مسلمة سكن البصرة، وفيه: التَّحديث
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَرَوَاهُ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن عبيد الله بن عمر بِلَفْظ كَانَ يُصَلِّي سبحته حَيْثُ مَا تَوَجَّهت نَاقَته وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة ووهب بن بَقِيَّة وَابْن أبي خلف وَعبد الله بن سعيد عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن سُفْيَان بن وَكِيع حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى إِلَى بعيره أَو رَاحِلَته وَكَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته حَيْثُ مَا تَوَجَّهت بِهِ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيث صَحِيح وَفِي الْبَاب عَن أبي الدَّرْدَاء وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده بِلَفْظ " صلى بِنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى بعير من الْمغنم " وَذكر مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَنه بلغه أَن ابْن عمر كَانَ يسْتَتر براحلته فِي السّفر إِذا صلى وَوَصله ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يُصَلِّي إِلَى بعيره " وَفِي الْمُحكم الْبَعِير الْجمل الْبَاذِل وَقيل الْجذع وَقد يكون للْأُنْثَى حكى عَن بعض الْعَرَب شربت من لبن بَعِيري وصرعتني بعير لي وَالْجمع أَبْعِرَة وأباعر وأباعير وبعران وبعران وَفِي الْمُخَصّص قَالَ الْفَارِسِي أباعر جمع أَبْعِرَة كأسقية وأساق وَفِي الْجَامِع الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس إِذا رَأَيْت جملا على الْبعد قلت هَذَا بعير فَإِذا استثبته قلت هَذَا جمل أَو نَاقَة قَالَ الْأَصْمَعِي إِذا وضعت النَّاقة وَلَدهَا سَاعَة تضعه سليل قبل أَن يعلم أذكر هُوَ أم أُنْثَى فَإِذا علم فَإِن كَانَ ذكرا فَهُوَ سقب وَأمه مسقب وَقد أذكرت فَهِيَ مُذَكّر وَإِن كَانَ أُنْثَى فَهِيَ حَائِل وَأمّهَا أم حَائِل فَإِذا مَشى فَهُوَ راشح وَالأُم مرشح فَإِذا ارْتَفع عَن الراشح فَهُوَ جادل فَإِذا جمل فِي سنامه شحما فَهُوَ مجذومكعر وَهُوَ فِي هَذَا كُله حوار فَإِذا اشْتَدَّ قيل ربع وَالْجمع أَربَاع وَربَاع وَالْأُنْثَى ربعَة فَلَا يزَال ربعا حَتَّى يَأْكُل الشّجر ويعين على نَفسه ثمَّ هُوَ فصيل وهبع وَالْأُنْثَى فصيلة وَالْجمع فصلان وفصلان لِأَنَّهُ فصل عَن أمه فَإِذا اسْتكْمل الْحول وَدخل فِي الثَّانِي فَهُوَ ابْن مَخَاض وَالْأُنْثَى بنت مَخَاض فَإِذا اسْتكْمل السّنة الثَّانِيَة وَدخل فِي الثَّالِثَة فَهُوَ ابْن لبون وَالْأُنْثَى بنت لبون فَإِذا اسْتكْمل الثَّالِثَة وَدخل فِي الرَّابِعَة فَهُوَ حِينَئِذٍ حق وَالْأُنْثَى حقة سمي بِهِ لِأَنَّهُ اسْتحق أَن يحمل عَلَيْهِ ويركب فَإِذا مَضَت الرَّابِعَة وَدخل فِي الْخَامِسَة فَهُوَ جذع وَالْأُنْثَى جَذَعَة فَإِذا مَضَت الْخَامِسَة وَدخل فِي السّنة السَّادِسَة وَألقى ثنيته فَهُوَ ثني وَالْأُنْثَى ثنية فَإِذا مَضَت السَّادِسَة وَدخل فِي السَّابِعَة فَهُوَ حِينَئِذٍ رباع وَالْأُنْثَى ربَاعِية فَإِذا مَضَت السَّابِعَة وَدخل فِي الثَّامِنَة وَألقى السن فَهُوَ سديس وَسدس لُغَتَانِ وَكَذَا يُقَال للْأُنْثَى فَإِذا مَضَت الثَّامِنَة وَدخل فِي التَّاسِعَة فطرنا بِهِ وطلع فَهُوَ حِينَئِذٍ فاطر وباذل وَكَذَلِكَ يُقَال للْأُنْثَى فَلَا يزَال باذلا حَتَّى تمْضِي التَّاسِعَة فَإِذا مَضَت وَدخل فِي الْعَاشِرَة فَهُوَ حِينَئِذٍ مخلف ثمَّ لَيْسَ لَهُ اسْم بعد الإخلاف وَلَكِن يُقَال لَهُ باذل عَام وباذل عَاميْنِ ومخلف عَام ومخلف عَاميْنِ إِلَى مَا زَاد على ذَلِك فَإِذا كبر فَهُوَ عود وَالْأُنْثَى عودة فَإِذا ارْتَفع عَن ذَلِك فَهُوَ قحر وَالْجمع أقحر وقحور قَوْله " يَفْعَله " أَي يُصَلِّي وَالْبَعِير فِي طرف قبلته (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة إِلَى الْحَيَوَان وَنقل ابْن التِّين عَن مَالك أَنه لَا يصلى إِلَى الْخَيل وَالْحمير لنجاسة أبوالها وَفِيه جَوَاز الصَّلَاة بِقرب الْبَعِير وَأَنه لَا بَأْس أَن يسْتَتر الْمُصَلِّي بالراحلة وَالْبَعِير فِي الصَّلَاة وَقد حكى التِّرْمِذِيّ عَن بعض أهل الْعلم أَنهم لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن أنس أَنه صلى وَبَينه وَبَين الْقبْلَة بعير عَلَيْهِ محمله وروى أَيْضا الاستتار بالبعير عَن سُوَيْد بن غَفلَة وَالْأسود بن يزِيد وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالقَاسِم وَسَالم وَعَن الْحسن لَا بَأْس أَن يسْتَتر بالبعير وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الاستذكار لَا أعلم فِيهِ أَي فِي الاستتار بالراحلة خلافًا وَقَالَ ابْن حزم من منع من الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير فَهُوَ مُبْطل
١٥ - (بابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَو نارٌ أَو شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَد فَأَرَادَ بهِ وَجْهَ الله تَعَالَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من صلى وَبَين يَدَيْهِ تنور أَو شَيْء إِلَى آخِره، يَعْنِي لَا يكره، فَإِن قلت: لَمْ يُوضح البُخَارِيّ ذَلِك بل أجمله وأبهمه يحْتَمل: لَا يكره، وَيحْتَمل: يكره، فَمن أَيْن تَرْجِيح احْتِمَال عدم الْكَرَاهَة؟ قلت: إِيرَاده بِالْحَدِيثين الْمَذْكُورين فِي الْبَاب يدل على احْتِمَال عدم الْكَرَاهَة، لِأَن النَّبِي لَا يُصَلِّي صَلَاة مَكْرُوهَة، وَلَكِن لَا يتم استدلاله بِهَذَا من وُجُوه:
الأول: مَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ بقوله: لَيْسَ مَا أرَاهُ اتعالى من النَّار حِين أطلعه عَلَيْهَا بِمَنْزِلَة نَار يتَوَجَّه الْمَرْء إِلَيْهَا وَهِي معبودة
لقوم، وَلَا حكم مَا أرِي ليخبرهم كَحكم من وضع الشَّيْء بَين يَدَيْهِ أَو رَآهُ قَائِما مَوْضُوعا، فَجعله أَمَام مُصَلَّاهُ وقبلته. الْوَجْه الثَّانِي: مَا ذكره السفاقسي: لَيْسَ فِيهِ مَا بوب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يَفْعَله مُخْتَارًا، وَإِنَّمَا عرض ذَلِك لِمَعْنى أَرَادَهُ اتعالى، ورؤيته للنار رُؤْيَة عين كشف اعنها، فَأرَاهُ إِيَّاهَا، وَكَذَلِكَ الْجنَّة كَمَا كشف لَهُ عَن الْمَسْجِد الْأَقْصَى. الْوَجْه الثَّالِث: مَا ذكره القَاضِي السرُوجِي فِي (شرح الْهِدَايَة) فَقَالَ: لَا دلَالَة فِي هَذَا الحَدِيث على عدم الْكَرَاهَة، لِأَنَّهُ، قَالَ: أُريت النَّار، وَلَا يلْزم أَن تكون أَمَامه مُتَوَجها إِلَيْهَا، بل يجوز أَن تكون عَن يَمِينه أَو عَن يسَاره أَو غير ذَلِك. الْوَجْه الرَّابِع: مَا ذكره هُوَ أَيْضا، فَقَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَقع لَهُ قبل شُرُوعه فِي الصَّلَاة. انْتهى. قلت: قد تصدى بَعضهم فِي نصْرَة البُخَارِيّ فَأجَاب عَن هذَيْن الْوَجْهَيْنِ بِجَوَاب تمجه الأسماع وتستمجه الطباع، وَهُوَ أَن البُخَارِيّ كوشف بِهَذَا الِاعْتِرَاض فَعجل بِالْجَوَابِ عَنهُ حَيْثُ صدر الْبَاب بالمعلق عَن أنس، فَفِيهِ: (عرضت عَليّ النَّار وَأَنا أُصَلِّي) . وَأما كَونه رَآهَا أَمَامه فسياق حَدِيث ابْن عَبَّاس يَقْتَضِيهِ، فَفِيهِ أَنهم قَالُوا لَهُ بعد أَن انْصَرف: (يَا رَسُول ارأيناك تناولت شَيْئا فِي مقامك ثمَّ رَأَيْنَاك تكعكعت) أَي: تَأَخَّرت إِلَى خلف، وَفِي جَوَابه أَن ذَلِك بِسَبَب كَونه أرى النَّار انْتهى.
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْأَمر الْغَرِيب العجيب، شخص يكاشف اعْتِرَاض شخص يَأْتِي من بعده بِمدَّة مِقْدَار خَمْسمِائَة سنة أَو أَكثر بِقَلِيل، ويجيب عَنهُ بتصدير هَذَا الْبَاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث أنس مُعَلّقا، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس مَوْصُولا، وَمَعَ هَذَا لَا يتم الْجَواب بِمَا ذكره، وَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بِهِ للْبُخَارِيّ. بَيَان ذَلِك أَن قَوْله: (وَأَنا أُصَلِّي) ، فِي حَدِيث أنس، يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: وَأَنا أُرِيد الصَّلَاة، وَلَا مَانع من هَذَا التَّقْدِير. وَأما تنَاوله الشَّيْء وتأخره إِلَى خلف فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا يسْتَلْزم أَن يكون ذَلِك بِسَبَب رُؤْيَته النَّار أَمَامه، وَلَا يَسْتَحِيل أَن يكون ذَلِك بِسَبَب رُؤْيَته إِيَّاهَا عَن يَمِينه أَو عَن شِمَاله. وَقَوله وَفِي جَوَابه: إِن ذَلِك بِسَبَب كَونه أرِي النَّار، مُسلم إِن ذَلِك كَانَ بِسَبَب كَونه أرِي النَّار، وَلَكِن لَا نسلم أَنه كَانَ ذَلِك بِسَبَب كَون رُؤْيَته النَّار أَمَامه، وَلَئِن سلمنَا جَمِيع ذَلِك فَنَقُول: لنا جوابان آخرَانِ غير الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة:
أَحدهمَا: أَنه أريها فِي جَهَنَّم وَبَينه وَبَينهَا مَا لَا يُحْصى من بعد الْمسَافَة، فَعدم كَرَاهَة صلَاته لذَلِك. وَالْآخر: يجوز أَن يكون ذَلِك مِنْهُ رُؤْيَة علم ووحي باطلاعه وتعريفه فِي أمورها، تَفْصِيلًا مَا لم يعرفهُ قبل ذَلِك. وَجَوَاب آخر: ذكره ابْن التِّين، وَقَالَ: لَا حجَّة فِيهِ على التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ لم يفعل ذَلِك اخْتِيَارا، وَإِنَّمَا عرض عَلَيْهِ ذَلِك للمعنى الَّذِي أَرَادَهُ امن تنبيهه للعباد، وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن الِاخْتِيَار وَعَدَمه فِي ذَلِك سَوَاء مِنْهُ قلت: لَا نسلم التَّسْوِيَة، فَإِن الْكَرَاهَة تتأكد عِنْد الِاخْتِيَار، وَأما عِنْد عَدمه فَلَا كَرَاهَة لعدم الْعلَّة الْمُوجبَة للكراهة، وَهِي التَّشَبُّه بعبدة النَّار. وَقَالَ ابْن بطال: الصَّلَاة جَائِزَة إِلَى كل شَيْء إِذا لم يقْصد الصَّلَاة إِلَيْهِ وَقصد بهَا اتعالى، وَالسُّجُود لوجهه خَالِصا. وَلَا يضرّهُ اسْتِقْبَال شَيْء من المعبودات وَغَيرهَا، كَمَا لم يضر النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، مَا رَآهُ فِي قبلته من النَّار.
قَوْله: (وقدامه تنور) جملَة إسمية وَقعت حَالا. فَقَوله: (تنور) مُبْتَدأ، و (قدامه) بِالنّصب على الظّرْف خَبره، و: التَّنور، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم النُّون الْمُشَدّدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حفيرة النَّار: قلت: التَّنور مَشْهُور، وَهُوَ تَارَة يحْفر فِي الأَرْض حفيرة، وَتارَة يتَّخذ من الطين ويدفن فِي الأَرْض وتوقد فِيهِ النَّار إِلَى أَن يحمى فيخبز فِيهِ، وَتارَة يطْبخ فِيهِ، فَقيل: هُوَ عَرَبِيّ، وَقيل: مُعرب توافقت عَلَيْهِ الْعَرَب والعجم. قَوْله: (أَو نَار) ، عطف على قَوْله: (تنور) . فَإِن قلت: هَذَا يُغني عَن ذكر التَّنور. قلت: هَذَا من عطف الْعَام على الْخَاص، وَفَائِدَته الاهتمام بِهِ لِأَن عَبدة النَّار من الْمَجُوس لَا يعْبدُونَ إلَاّ النَّار المكومة الظَّاهِرَة، وَرُبمَا لَا تظهر النَّار من التَّنور لعمقه أَو لقلَّة النَّار. قَوْله: (أَو شَيْء مِمَّا يعبد) عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير أَو: من صلى وقدامه شَيْء مِمَّا يعبد كالأوثان والأصنام والتماثيل والصور وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يعبده أهل الضلال وَالْكفْر، وَهَذَا أَعم من النَّار والتنور. قَوْله: (فَأَرَادَ بِهِ وَجه ا) أَي: فَأَرَادَ الْمُصَلِّي الَّذِي قدامه شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء ذَات اتعالى، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الصَّلَاة إِلَى شَيْء من الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرهَا لَا تكون مَكْرُوهَة إِذا قصد بِهِ وَجه اتعالى، وَلم يقْصد الصَّلَاة إِلَيْهِ. وَعند أَصْحَابنَا يكره ذَلِك مُطلقًا لما فِيهِ من نوع التَّشَبُّه بعبدة الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة ظَاهرا، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن ابْن سيربن أَنه كره الصَّلَاة إِلَى التَّنور، وَقَالَ: بَيت نَار.
وقالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبرنِي أَنَسٌ قَالَ قَالَ النَّبِي عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأنَا أصلِّي
وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث الْمُعَلق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، شَاهد النَّار وَهُوَ فِي الصَّلَاة، وَلَكِن فِيهِ مَا فِيهِ، وَقد أمعنا الْكَلَام فِيهِ، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الَّذِي علقه مَوْصُولا فِي بَاب: وَقت الظّهْر عِنْد الزَّوَال، كَمَا ستقف عَلَيْهِ عَن قريب إِن شَاءَ اتعالى، وَأخرجه أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي عَن عبد اللَّه ابْن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن أبي الْيَمَان بِهِ.
١٣٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم عنْ عَطاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رسولُ الله ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أرَ مَنْظَراً كالْيَوْمِ قَطُّ أفْظَعَ. .
وَجه التطابق مَعَ مَا فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ هُوَ الَّذِي مضى فِي حَدِيث أنس. وَرِجَاله قد ذكرُوا غَيره مرّة.
وَمن لطائف إِسْنَاده: أَن فِيهِ: صِيغَة التحديث بِالْجمعِ فِي مَوضِع وَاحِد، وَالْبَاقِي عنعنة، وَأَن: رُوَاته كلهم مدنيون إلَاّ أَن عبد اللَّه بن مسلمة سكن الْبَصْرَة. وَأَن هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مر فِي بَاب كفران العشير.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صَلَاة الخسوف، وَفِي الْإِيمَان عَن عبد اللَّه بن مسلمة، وَفِي النِّكَاح عَن عبد اللَّه بن يُوسُف، وَفِي بَدْء الْخلق عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق بن عِيسَى عَن مَالك بِهِ، وَعَن سُوَيْد بن سعيد عَن حَفْص بن ميسرَة عَن زيد بن أسلم بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (انخسفت الشَّمْس) أَي: انكسفت، روى جمَاعَة أَن الْكُسُوف يكون فِي الشَّمْس وَالْقَمَر، وروى جمَاعَة فيهمَا بِالْخَاءِ، وروى جمَاعَة فِي الشَّمْس بِالْكَاف، وَفِي الْقَمَر بِالْخَاءِ، وَالْكثير فِي اللُّغَة، وَهُوَ اخْتِيَار الْفراء أَن يكون الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر، يُقَال: كسفت الشَّمْس وكسفها اتعالى، وانكسفت. وَخسف الْقَمَر وخسفه اوانخسف، وَذكر ثَعْلَب فِي (الفصيح) أَن كسفت الشَّمْس وَخسف الْقَمَر أَجود الْكَلَام. وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري خسف الْقَمَر وخسفت الشَّمْس إِذا ذهب ضوؤهما. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: خسف الْقَمَر وكسف وَاحِد: ذهب ضوؤه، وَقيل: الْكُسُوف أَن يكسف ببعضهما، والخسوف أَن يخسف بكلهما، قَالَ اتعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض} (الْقَصَص: ١٨) . وَقَالَ شمر: الْكُسُوف فِي الْوَجْه: الصُّفْرَة والتغير، وَقَالَ ابْن حبيب فِي (شرح الْمُوَطَّأ) : الْكُسُوف تغير اللَّوْن، والخسوف انخسافهما، وَكَذَلِكَ تَقول فِي عين الْأَعْوَر إِذا انخسفت وَغَارَتْ فِي جفن الْعين وَذهب نورها وضياؤها. وَفِي (نَوَادِر اليزيدي) و (الغريبين) انكسفت الشَّمْس، وانكر ذَلِك الْفراء والجوهري. وَقَالَ الْقَزاز: كسفت الشَّمْس وَالْقَمَر تكسف كسوفاً فَهِيَ كاسفة، وكسفت فَهِيَ مكسوفة وَقوم يَقُولُونَ: انكسفت وَهُوَ غلط. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعَامَّة يَقُولُونَ: انكسفت وَفِي (الْمُحكم) : كسفها اوأكسفها، وَالْأولَى أَعلَى، وَالْقَمَر كَالشَّمْسِ. وَقَالَ اليزيدي: خسف الْقَمَر وَهُوَ يخسف خسوفاً فَهُوَ خسف وخسيف وخاسف، وانخسف انخسافاً قَالَ: وانخسف أَكثر فِي أَلْسِنَة النَّاس، وَفِي (شرح الفصيح) لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْجَلِيل: كسفت الشَّمْس اسودت فِي رَأْي الْعين من ستر الْقَمَر إِيَّاهَا عَن الْأَبْصَار، وَبَعْضهمْ يَقُول: كسفت على مَا لم يسم فَاعله، وانكسفت. وَعَن أبي حَاتِم: إِذا ذهب ضوء بعض الشَّمْس بخفاء بعض جرمها فَذَلِك الْكُسُوف، وَزعم ابْن التِّين وَغَيره: أَن بعض اللغويين قَالَ: لَا يُقَال فِي الشَّمْس إلَاّ كسفت، وَفِي الْقَمَر إلَاّ خسف، وَذكر هَذَا عَن عُرْوَة بن الزبير أَيْضا، وَحكى عِيَاض عَن بعض أهل اللُّغَة عَكسه، وَهَذَا غير جيد، لقَوْله تَعَالَى: {وَخسف الْقَمَر} (الْقِيَامَة: ٨) . وَعند ابْن طريف: كسفت الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْوُجُوه كسوفاً، وَفِي (المغيث) لأبي مُوسَى: روى حَدِيث الْكُسُوف عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي بن كَعْب وَسمرَة وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَعبد اللَّه ابْن عَمْرو والمغيرة وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو بكرَة وَأَبُو شُرَيْح الكعبي والنعمان بن بشير وَقبيصَة الْهِلَالِي، رَضِي اعنهم جَمِيعًا، بِالْكَاف. وَرَوَاهُ أَبُو مُوسَى وَأَسْمَاء وَعبد اللَّه بن عدي بن الْخِيَار، بِالْخَاءِ. وَرُوِيَ عَن جَابر وَابْن مَسْعُود (١) وَعَائِشَة رَضِي اعنهم باللفظين
جَمِيعًا، كلهم حكوا عَن النَّبِي: (لَا ينكسفان) ، بِالْكَاف، فَسُمي كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر كسوفاً.
قلت: أغفل حَدِيث ابْن مَسْعُود من عِنْد البُخَارِيّ: لَا ينكسفان. قَوْله: (فصلى رَسُول ا) أَي: صَلَاة الْكُسُوف. قَوْله: (أريت) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء، أَي: بصرت النَّار فِي الصَّلَاة. قَوْله: (كَالْيَوْمِ) ، الْكَاف للتشبيه بِمَعْنى: مثل، وَهُوَ صفة لقَوْله: (منْظرًا) ، وَهُوَ مَوضِع النّظر مَنْصُوب بقوله: (لم أر) . قَوْله: (أفظع) ، بِالنّصب صفة لقَوْله: (منْظرًا) ، وَفِيه حذف أَيْضا وَتَقْدِير الْكَلَام: فَلم أر منْظرًا أفظع مثل منظر الْيَوْم، وأفظع من الفظيع، وَهُوَ الشنيع الشَّديد، والمجاوز للمقدار، يُقَال: فظع الْأَمر بِالضَّمِّ، فظاعة فَهُوَ فظيع أَي: شَدِيد شنيع جَاوز الْمِقْدَار. وَكَذَلِكَ أفظع الْأَمر فَهُوَ مفظع، وأفظع الرجل، على مَا لم يسم فَاعله، أَي: نزل بِهِ أَمر عَظِيم. فَإِن قلت: أفظع أفعل، وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ بِمن، قلت: أفظع هُنَا بِمَعْنى فظيع، فَلَا يحْتَاج إِلَى: من، أَو يكون على بَابه، وَحذف مِنْهُ من، كَمَا فِي اأكبر، أَي: أكبر من كل شَيْء. قَوْله: (قطّ) هَهُنَا لاستغراق زمَان مضى فتختص بِالنَّفْيِ، واشتقاقه من: قططته أَي: قطعته، فَمَعْنَى: مَا فعلته قطّ، مَا فعلته فِيمَا انْقَطع من عمري، وَهِي بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الطَّاء المضمومة فِي أفْصح اللُّغَات، وَقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وَقد تتبع قافه طاءه فِي الضَّم، وَقد تخفف طاؤه مَعَ ضمهَا أَو اسكانها، وبنيت لتضمنها معنى: مذ، وَإِلَى إِذْ الْمَعْنى: مذ أَن خلقت إِلَى الْآن. وَإِنَّمَا بنيت على الْحَرَكَة لِئَلَّا يلتقي ساكنان، وعَلى الضمة تَشْبِيها بالغايات.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ اسْتِحْبَاب صَلَاة الْكُسُوف. وَفِيه: أَن النَّار مخلوفة الْيَوْم وَكَذَا الْجنَّة، إِذْ لَا قَائِل بِالْفرقِ خلافًا لمن أنكر ذَلِك من الْمُعْتَزلَة. وَفِيه: من معجزات النَّبِي، رُؤْيَته النَّار رَأْي عين حَيْثُ كشف اتعالى عَنهُ الْحجب، فرآها مُعَاينَة كَمَا كشف اله عَن الْمَسْجِد الْأَقْصَى. وَفِيه: على مَا بوب البُخَارِيّ عدم كَرَاهَة الصَّلَاة إِذا كَانَت بَين يَدي الْمُصَلِّي نَار وَلم يقْصد بِهِ إلَاّ وَجه اتعالى.
٢٥ - (بابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر، وَفِي بعض النّسخ: كَرَاهَة الصَّلَاة. الْكَرَاهَة والكراهية كِلَاهُمَا مصدران، تَقول: كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، فَهُوَ شَيْء: كريه ومكروه. وَبَين الْبَابَيْنِ تناسب من حَيْثُ الضِّدّ، والمقابر جمع مَقْبرَة، بِضَم الْبَاء، هُوَ المسموع، وَالْقِيَاس فتح الْبَاء. وَفِي (شرح الْهَادِي) : إِن مَا جَاءَ على: مفعلة بِالضَّمِّ يُرَاد بهَا أَنَّهَا مَوْضُوعَة لذَلِك ومتخذة لَهُ، فَإِذا قَالُوا: الْمقْبرَة بِالْفَتْح أَرَادوا مَكَان الْفِعْل، وَإِذا ضمُّوا أَرَادوا الْبقْعَة الَّتِي من شَأْنهَا أَن يقبر فِيهَا، وَكَذَلِكَ: الْمشْربَة والمشربة، والتأنيث فِي هَذِه الْأَسْمَاء لإِرَادَة الْبقْعَة، أَو للْمُبَالَغَة، ليدل على أَن لَهَا ثباتاً فِي أَنْفسهَا.
٢٣٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ عنِ ابْن عُمَرَ عنِ النبيِّ قَالَ: اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ ولَا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً. (الحَدِيث ٢٣٤ طرفه فِي: ٧٨١١) .
قيل: هَذَا الحَدِيث لَا يُطَابق التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا فِي كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر، وَالْمرَاد من الحَدِيث: أَن لَا تَكُونُوا فِي بُيُوتكُمْ كالأموات فِي الْقُبُور حَيْثُ انْقَطَعت عَنْهُم الْأَعْمَال، وَارْتَفَعت عَنْهُم التكاليف، وَهُوَ غير متعرض لصَلَاة الْأَحْيَاء فِي ظواهر الْمَقَابِر، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تتخذوها قبوراً، وَلم يقل: مَقَابِر. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا الحَدِيث يدل على النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْقَبْر لَا فِي الْمَقَابِر. وَقَالَ السفاقسي مَا ملخصه: إِن البُخَارِيّ تَأَول هَذَا الحَدِيث على منع الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر، والهذا ترْجم بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن منع الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر أَو جَوَازهَا لَا يفهم مِنْهُ، وَقَالَ بَعضهم فِي رد مَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ. قلت: قد ورد بِلَفْظ: الْمَقَابِر، كَمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر) . انْتهى. قلت: هَذَا عَجِيب، كَيفَ يُقَال: حَدِيث يرويهِ غَيره، بِأَنَّهُ مُطَابق لما ترْجم بِهِ؟ وَقَالَ بَعضهم أَيْضا، فِي رد مَا قَالَه السفاقسي: إِن أَرَادَ أَنه لَا يُؤْخَذ مِنْهُ بطرِيق الْمَنْطُوق فَسلم، وَإِن أَرَادَ نفي ذَلِك مُطلقًا فَلَا، فقد قدمنَا وَجه استنباطه. انْتهى. قلت: وَجه استنباطه أَنه قَالَ: استنبط من قَوْله فِي الحَدِيث: (وَلَا تتخذوها قبوراً) . أَن الْقُبُور لَيست بِمحل لِلْعِبَادَةِ، فَتكون الصَّلَاة فِيهَا مَكْرُوهَة، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي ذَلِك حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي اعنه، مَرْفُوعا: (الأَرْض كلهَا مَسْجِد إلَاّ الْمقْبرَة وَالْحمام) . انْتهى.
قلت: دَعْوَاهُ بِأَن البُخَارِيّ استنبط كَذَا، وَأَنه أَشَارَ إِلَى حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أعجب وَأغْرب من الأول لِأَن معنى قَوْله، صلى اعليه وَآله وَسلم: (لَا تتخذوها قبوراً) ، لَا تتخذوها خَالِيَة من الصَّلَاة وتلاوة الْقُرْآن كالقبور حَيْثُ لَا يصلى فِيهَا وَلَا يقْرَأ الْقُرْآن، وَيدل على هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سابط عَن أَبِيه، يرفعهُ: (نوروا بُيُوتكُمْ بِذكر اتعالى وَأَكْثرُوا فِيهَا تِلَاوَة الْقُرْآن، وَلَا تتخذوها قبوراً كَمَا اتخذها الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَإِن الْبَيْت الَّذِي يقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن يَتَّسِع على أَهله وَيكثر خَيره واتحضره الْمَلَائِكَة، وتدحض عَنهُ الشَّيَاطِين، وَإِن الْبَيْت الَّذِي لَا يقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن يضيق على أَهله ويقل خَيره وتنفر مِنْهُ الْمَلَائِكَة وتحضر فِيهِ الشَّيَاطِين) . انْتهى. وَأَيْضًا، فَإِن معنى هَذَا على التَّشْبِيه البليغ، فحذفت مِنْهُ أَدَاة التَّشْبِيه لِأَن مَعْنَاهُ لَا تجعلوها مثل الْقُبُور حَيْثُ لَا يصلى فِيهَا، وَلَا دلَالَة لهَذَا أصلا على أَنَّهَا لَيست بِمحل لِلْعِبَادَةِ بِنَوْع من أَنْوَاع الدلالات اللفظية.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: مُسَدّد بن مسرهد، وَيحيى الْقطَّان، وَعبيد اللَّه بن عمر الْعمريّ، وَنَافِع مولى ابْن عمر، وَعبد اللَّه بن عمر، وَالْكل ذكرُوا غَيره مرّة.
وَفِيه من لطائف الْإِسْنَاد: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين.
وَأخرجه: مُسلم عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل ومسدد فرقهما. وَابْن مَاجَه عَن زيد بن أخزم وَعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو مُخْتَصرا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من صَلَاتكُمْ) ، قيل: أَي بعض صَلَاتكُمْ. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مفعول الْجعل، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِد، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَجعل الظُّلُمَات والنور} (الْأَنْعَام: ١) وَهُوَ إِذا كَانَ بِمَعْنى: التصيير، يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض} (الْأَنْعَام: ٥٦١) قلت: معنى قَوْله: (اجعلوا فِي بُيُوتكُمْ من صَلَاتكُمْ) : صلوا فِيهَا وَلَا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصَّلَاة، وَالْمرَاد صَلَاة النَّافِلَة، أَي: صلوا النَّوَافِل فِي بُيُوتكُمْ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قيل هَذَا فِي الْفَرِيضَة، وَمَعْنَاهُ: اجعلوا بعض فرائضكم فِي بُيُوتكُمْ ليقتدي بكم من لَا يخرج إِلَى الْمَسْجِد من نسْوَة وَعبيد ومريض وَنَحْوهم. قَالَ: وَقَالَ الْجُمْهُور: بل هُوَ فِي النَّافِلَة لإخفائها، وَلِلْحَدِيثِ الآخر: (أفضل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلَاّ الْمَكْتُوبَة) . قلت: فعلى التَّقْدِير الأول يكون: من، فِي قَوْله: (من صَلَاتكُمْ) ، زَائِدَة، وَيكون التَّقْدِير: إجعلوا صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ، وَيكون المُرَاد مِنْهَا النَّوَافِل، وعَلى التَّقْدِير الثَّانِي تكون: من، للتَّبْعِيض مُطلقًا. وَيكون المُرَاد: من الصَّلَاة، مُطلق الصَّلَاة، وَيكون الْمَعْنى: اجعلوا بعض صَلَاتكُمْ وَهُوَ النَّفْل من الصَّلَاة الْمُطلقَة فِي بُيُوتكُمْ، وَالصَّلَاة الْمُطلقَة تَشْمَل النَّفْل وَالْفَرْض، على أَن الْأَصَح منع مَجِيء من، زَائِدَة فِي الْكَلَام الْمُثبت، وَلَا يجوز حمل الْكَلَام على الْفَرِيضَة لَا كلهَا وَلَا بَعْضهَا، لِأَن الْحَث على النَّفْل فِي الْبَيْت، وَذَلِكَ لكَونه أبعد من الرِّيَاء وأصون من المحبطات، وليتبرك بِهِ الْبَيْت وتنزل الرَّحْمَة فِيهِ وَالْمَلَائِكَة، وتنفر الشَّيَاطِين مِنْهُ على مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الَّذِي أخرجه الطَّبَرَانِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله: (وَلَا تتخذوها قبوراً) من التَّشْبِيه البليغ البديع بِحَذْف حرف التَّشْبِيه للْمُبَالَغَة، وَهُوَ تَشْبِيه الْبَيْت الَّذِي لَا يصلى فِيهِ بالقبر الَّذِي لَا يتَمَكَّن الْمَيِّت من الْعِبَادَة فِيهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ أوطاتاً للنوم لَا تصلونَ فِيهَا، فَإِن النّوم أَخُو الْمَوْت. وَقَالَ: وَأما من أَوله على النَّهْي عَن دفن الْمَوْتَى فِي الْبيُوت فَلَيْسَ بِشَيْء، وَقد دفن رَسُول الله فِي بَيته الَّذِي كَانَ يسكنهُ أَيَّام حَيَاته. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ شَيْء فِيهِ نظر، وَدفن رَسُول الله فِيهِ لَعَلَّه من خَصَائِصه، سِيمَا وَقد رُوِيَ: (الْأَنْبِيَاء يدفنون حَيْثُ يموتون) . قلت: هَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أبي بكر مَرْفُوعا: (مَا قبض نَبِي إلَاّ دفن حَيْثُ يقبض) . وَفِي إِسْنَاده: حُسَيْن بن عبد اللَّه الْهَاشِمِي، وَهُوَ ضَعِيف، وروى التِّرْمِذِيّ فِي (الشَّمَائِل) وَالنَّسَائِيّ فِي (الْكُبْرَى) من طَرِيق سَالم بن عبيد الْأَشْجَعِيّ: (عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي اتعالى عَنهُ أَنه: قيل لَهُ: وَأَيْنَ يدْفن رَسُول ا؟ قَالَ: فِي الْمَكَان الَّذِي قبض افيه روحه، فَإِنَّهُ لم يقبض روحه إلَاّ فِي مَكَان طيب) ، وَهَذَا الْإِسْنَاد صَحِيح وَلكنه مَوْقُوف، وَحَدِيث ابْن مَاجَه أَكثر تَصْرِيحًا فِي الْمَقْصُود.
وَقَالَ بَعضهم: وَإِذا حمل دَفنه فِي بَيته على الِاخْتِصَاص لم يبعد نهي غَيره عَن ذَلِك، بل هُوَ مُتَّجه لِأَن اسْتِمْرَار الدّفن فِي الْبيُوت رُبمَا يصيرها مَقَابِر فَتَصِير الصَّلَاة فِيهَا مَكْرُوهَة. وَلَفظ أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم أصرح من حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: (لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر) ، فَإِن ظَاهره يَقْتَضِي النَّهْي عَن الدّفن فِي الْبيُوت مُطلقًا. قلت: لَا نسلم هَذَا الِاقْتِضَاء من ظَاهر اللَّفْظ، بل الْمَعْنى الَّذِي يدل عَلَيْهِ ظَاهر اللَّفْظ: لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ
خَالِيَة عَن الصَّلَاة كالمقابر، فَإِنَّهَا لَيست بِمحل لِلْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا احتجت بِهِ طَائِفَة على كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على أَن الصَّلَاة لَا تجوز فِي الْمَقَابِر. قلت: الحَدِيث لَا يدل على هَذَا، بل تَرْجَمَة الْبَاب تساعده على ذَلِك، وَقد حققنا الْكَلَام فِيهِ. وَقد وَردت أَحَادِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة تدل على كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر، بل استدلت بهَا جمَاعَة على عدم الْجَوَاز كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى، وَهِي مَا رُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعلي وَعبد اللَّه بن عَمْرو وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة وَأنس وَأبي أُمَامَة وَأبي ذَر، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حدّثنا ابْن أبي عمر أَبُو عمار الْحُسَيْن بن حُرَيْث، قَالَ: أخبرنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (الأَرْض كلهَا مَسْجِدا إلَاّ الْمقْبرَة وَالْحمام) . ثمَّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ، وَذكر من ذَكَرْنَاهُمْ إِلَى آخِره، وللعلماء قَولَانِ فِي معنى حَدِيث الْبَاب: أَحدهمَا: أَنه ورد فِي صَلَاة النَّافِلَة لِأَنَّهُ قد سنّ الصَّلَوَات فِي جمَاعَة كَمَا هُوَ مُقَرر فِي الشَّرْع. وَالثَّانِي: أَنه ورد فِي صَلَاة الْفَرِيضَة ليقتدي بِهِ من لَا يَسْتَطِيع الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد، وَقد ذَكرْنَاهُ مفصلا عَن قريب، من صلى فِي بَيته جمَاعَة فقد أصَاب سنة الْجَمَاعَة وفضلها. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِذا صلى الرجل مَعَ الرجل فهما جمَاعَة، وَلَهُمَا التَّضْعِيف خمْسا وَعشْرين دَرَجَة، وَرُوِيَ أَن إِسْحَاق وَأحمد وَعلي بن الْمدنِي اجْتَمعُوا فِي دَار أَحْمد فَسَمِعُوا النداء، فَقَالَ أحدهم أخرج بِنَا إِلَى الْمَسْجِد، فَقَالَ أَحْمد: خروجنا إِنَّمَا هُوَ للْجَمَاعَة وَنحن جمَاعَة، فأقاموا الصَّلَاة وصلوا فِي الْبَيْت: وَقد رُوِيَ عَن جمَاعَة أَنهم كَانُوا لَا يتطوعون فِي الْمَسْجِد، مِنْهُم حُذَيْفَة والسائب بن يزِيد وَالربيع بن خثيم وسُويد بن غلفة، وَمن هَذَا أَخذ علماءونا أَن الْأَفْضَل فِي غير الْفَرَائِض الْمنزل، وروى ابْن أبي شيبَة بِسَنَد جيد عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ يرفعهُ: (صلوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبوراً) ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث جَعْفَر بن إِبْرَاهِيم عَن ولد ذِي الجناحين حَدثنِي عَليّ بن عمر عَن أَبِيه جَعْفَر الطيار عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن جده يرفعهُ: (لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيداً وَلَا بُيُوتكُمْ قبوراً) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حدّثنا أَبُو بكرَة قَالَ: حدّثنا أَبُو الْمطرف بن أبي الْوَزير قَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن مُوسَى عَن سعيد بن إِسْحَاق عَن أَبِيه عَن جده: (أَن النَّبِي صلى الْمغرب فِي مَسْجِد بني عبد الْأَشْهَل، فَلَمَّا فرغ رأى النَّاس يسبحون، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا هَذِه الصَّلَاة فِي الْبيُوت) .
وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه أَيْضا، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن بَحر بن نصر بِإِسْنَادِهِ عَن عبد اللَّه بن سعد، قَالَ: (سَأَلت النَّبِي عَن الصَّلَاة فِي بَيْتِي وَالصَّلَاة فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: قد ترى مَا أقرب بَيْتِي من الْمَسْجِد، فَلِأَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد إلَاّ أَن تكون صَلَاة مَكْتُوبَة) . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: بَاب الْقيام فِي شهر رَمَضَان هَل هُوَ فِي الْمنَازل أفضل أم مَعَ الإِمَام؟ ثمَّ روى حَدِيث أبي ذَر، رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ: (صمت مَعَ النَّبِي)
الحَدِيث وَفِيه: (إِن الْقَوْم إِذا صلوا مَعَ الإِمَام حَتَّى ينْصَرف كتب لَهُم قيام تِلْكَ اللَّيْلَة) . ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَن الْقيام فِي شهر رَمَضَان مَعَ الإِمَام أفضل مِنْهُ فِي الْمنَازل، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا ذكرنَا، وَأَرَادَ بهؤلاء: اللَّيْث بن سعد وَعبد اللَّه بن الْمُبَارك وَإِسْحَاق وَأحمد فَإِنَّهُم قَالُوا: الْقيام مَعَ الإِمَام فِي شهر رَمَضَان أفضل مِنْهُ فِي الْمنَازل. وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: الْقيام فِي الْمَسْجِد مَعَ الإِمَام أحب إِلَيّ وَأفضل من صَلَاة المرأ فِي بَيته. وَقَالَ بِهِ قوم من الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَأَصْحَاب الشَّافِعِي، فَمن أَصْحَاب أبي حنيفَة: عِيسَى بن أبان وبكار بن قُتَيْبَة وَأحمد بن أبي عمرَان. وَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي: إِسْمَاعِيل بن يحيى الْمُزنِيّ وَمُحَمّد بن عبد اللَّه بن الحكم. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ جَابر وَعلي وَعبد اللَّه يصلونها فِي جمَاعَة.
قلت: ويحكى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَمُحَمّد بن سِيرِين وَطَاوُس، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) يسْتَحبّ أَن يجْتَمع النَّاس فِي شهر رَمَضَان بعد الْعشَاء فَيصَلي بهم إمَامهمْ خمس ترويحات، ثمَّ قَالَ: وَالسّنة فِيهَا الْجَمَاعَة على وَجه الْكِفَايَة، حَتَّى لَو امْتنع أهل مَسْجِد عَن إِقَامَتهَا كَانُوا مسيئين، وَلَو أَقَامَهَا الْبَعْض فالمتخلف عَن الْجَمَاعَة تَارِك للفضيلة، لِأَن أَفْرَاد الصَّحَابَة يرْوى عَنْهُم التَّخَلُّف، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: بل صلَاته فِي بَيته أفضل من صلَاته مَعَ الإِمَام، وَأَرَادَ بهؤلاء الْقَوْم: مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ وَرَبِيعَة وَإِبْرَاهِيم وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأسود وعلقمة، فَإِنَّهُم قَالُوا: بل صلَاته فِي بَيته أفضل من صلَاته مَعَ الإِمَام. وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل من الْقيام مَعَ النَّاس أَو الِانْفِرَاد فِي شهر رَمَضَان، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: صَلَاة الْمُنْفَرد فِي بَيته أفضل، وَقَالَ مَالك: وَكَانَ ربيعَة وَغير وَاحِد من عُلَمَائِنَا يَنْصَرِفُونَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ) النَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِ، (التَّنُّورُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَضْمُومَةِ: مَا تُوقَدُ فِيهِ النَّارُ لِلْخُبْزِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ فِي الْأَكْثَرِ يَكُونُ حَفِيرَةً فِي الْأَرْضِ، وَرُبَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَوَهِمَ مَنْ خَصَّهُ بِالْأَوَّلِ. قِيلَ: هُوَ مُعَرَّبٌ، وَقِيلَ: هُوَ عَرَبِيٌّ تَوَافَقَتْ عَلَيْهِ الْأَلْسِنَةُ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ ذَكَرَ النَّارَ بَعْدَهُ اهْتِمَامًا بِهِ؛ لِأَنَّ عَبَدَةَ النَّارِ مِنَ الْمَجُوسِ لَا يَعْبُدُونَهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُتَوَقِّدَةً بِالْجَمْرِ كَالَّتِي فِي التَّنُّورِ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ إِلَى التَّنُّورِ وَقَالَ: هُوَ بَيْتُ نَارٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ شَيْءٌ) مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الشَّمْسُ مَثَلًا وَالْأَصْنَامُ وَالتَّمَاثِيلُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَأْتِي مَوْصُولًا فِي بَابِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَسَيَأْتِي بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ نَازَعَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: لَيْسَ مَا أَرَى اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّارِ بِمَنْزِلَةِ نَارٍ مَعْبُودَةٍ لِقَوْمٍ يَتَوَجَّهُ الْمُصَلِّي إِلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُخْتَارًا، وَإِنَّمَا عَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ تَنْبِيهِ الْعِبَادِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاخْتِيَارَ وَعَدَمَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَا يُقَرُّ عَلَى بَاطِلٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ جَائِزٌ. وَتَفْرِقَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً لَكِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَالْحَدِيثِ وُجُودُ نَارٍ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِكَرَاهَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ أَوِ انْحِرَافِهِ عَنْهُ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّ الثَّانِي، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِحَدِيثَيِ الْبَابِ، وَيُكْرَهُ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّمَاثِيلِ، وَكَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ إِلَى التَّنُّورِ أَوْ إِلَى بَيْتِ نَارٍ، وَنَازَعَهُ أَيْضًا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَاضِي السُّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فَقَالَ: لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: أُرِيتَ النَّارَ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَمَامَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ ﵀ كُوشِفَ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ فَعَجَّلَ بِالْجَوَابِ عَنْهُ حَيْثُ صَدَّرَ الْبَابَ بِالْمُعَلَّقِ عَنْ أَنَسٍ، فَفِيهِ: عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلِّي وَأَمَّا كَوْنُهُ رَآهَا أَمَامَهُ فَسِيَاقُ حَدِيثِ ابْنِ ع بَّاسٍ يَقْتَضِيهِ، فَفِيهِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ بَعْدَ أَنْ انْصَرَفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلَتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ أَيْ تَأَخَّرْتَ إِلَى خَلْفٍ، وَفِي جَوَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ أُرِي النَّارَ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُعَلَّقِ هُنَا عِنْدَهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مَوْصُولًا لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ وَأَنَا أُصَلِّي وَهَذَا يَدْفَعُ جَوَابَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ مِنَ الْمُصَلِّي وَالْبَعِيدِ.
٥٢ - بَاب كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ
٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا.
[الحديث ٤٣٢ - طرفه في: ١١٨٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ) اسْتَنْبَطَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا، أَنَّ الْقُبُورَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلْعِبَادَةِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهَا مَكْرُوهَةً، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّتِهِ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صَلَاتِكُمْ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَالْمُرَادُ النَّوَافِلُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: إِذَا قَضَى أَحَدَكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، قُلْتُ: وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ. وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ: اجْعَلُوا بَعْضَ فَرَائِضِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لِيَقْتَدِيَ بِكُمْ مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ نِسْوَةٍ وَغَيْرِهِنَّ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الرَّاجِحُ.
وَقَدْ بَالَغَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْفَرِيضَةِ، وَقَدْ نَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْمُصَنِّفَ أَيْضًا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْقَبْرِ لَا فِي الْمَقَابِرِ. قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْمَقَابِرِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: تَأَوَّلَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ، وَتَأَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا فِيهِ النَّدْبُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ إِذِ الْمَوْتَى لَا يُصَلُّونَ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَكُونُوا كَالْمَوْتَى الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَهِيَ الْقُبُورُ. قَالَ: فَأَمَّا جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ أَوِ الْمَنْعِ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَلَا، فَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ اسْتِنْبَاطِهِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِلْمَطَالِعِ: إِنَّ تَأْوِيلَ الْبُخَارِيِّ مَرْجُوحٌ، وَالْأَوْلَى قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ إِنَّ الْمَيِّتَ لَا يُصَلَّى فِي قَبْرِهِ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَقْبَرَةَ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَالْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ أَيْضًا: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ وَطَنًا لِلنَّوْمِ فَقَطْ لَا تُصَلُّونَ فِيهَا فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ وَالْمَيِّتَ لَا يُصَلِّي. وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: حَاصِلُ مَا يَحْتَمِلُهُ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ، فَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْمَاضِيَةَ وَرَابِعُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فِي بَيْتِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ كَالْمَيِّتِ وَبَيْتَهُ كَالْقَبْرِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ دَفْنِ الْمَوْتَى فِي الْبُيُوتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ دُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، قُلْتُ: مَا ادَّعَى أَنَّهُ تَأْوِيلٌ هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَلَا سِيَّمَا أنْ جَعَلَ النَّهْيَ حُكْمًا مُنْفَصِلًا عَنِ الْأَمْرِ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى رَدِّهِ تَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ.
قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا: مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ، وَفِي إِسْنَادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مُرْسَلَةٌ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ الصَّحَابِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَأَيْنَ يُدْفَنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَبَضَ اللَّهُ فِيهِ رُوحَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ طَيِّبٍ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَالَّذِي قَبْلَهُ أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُودِ. وَإِذَا حُمِلَ دَفْنُهُ فِي بَيْتِهِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لَمْ يَبْعُدْ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الدَّفْنِ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
النَّارُ) الجهنَّميَّة (وَأَنَا أُصَلِّي).
٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُهمَلة المخفَّفة، القاضي (١) المدنيِّ الهلاليِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ) أي: انكسفت، أي: تغيَّر لونها، أو ذهب ضوؤُها (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ) صلاة الكسوف (ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، أي: أبصرت (النَّارَ) في الصَّلاة رؤية عينٍ (فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَاليَوْمِ) أي: رؤيةً مثل رؤية اليوم (قَطُّ) بضمِّ الطَّاء (أَفْظَعَ) منه، بفاءٍ وظاءٍ مُعجمَةٍ، ونصب «العين» صفةً لـ «منظرٍ»، أو صلة «أفعل» التَّفضيل محذوفةٌ، أي: منه كـ «الله أكبر» أي: من كلِّ شيءٍ، أو بمعنى: فظيعٍ كـ «أكبر» بمعنى: كبيرٍ، والفظيع: الشَّنيع الشَّديد المجاوز المقدار، قال السَّفاقسيُّ: ولا حجَّة في الحديث على ما بُوِّب له لأنَّه ﵊ لم يفعل ذلك مختارًا، وإنَّما عرض عليه ذلك لمعنًى أراده الله تعالى تنبيهًا لعباده. انتهى. وأُجيب بأنَّ الاختيار وعدمه في ذلك سواءٌ منه لأنَّه ﵊ لا يقرُّ على باطلٍ، فدلَّ على أنَّ مثله جائزٌ، قاله الحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا نسلم التَّسوية، فإنَّ الكراهة تتأكَّد عند الاختيار، وأمَّا عند عدمه فلا كراهة لعدم العلَّة الموجبة للكراهة، وهي التَّشبُّه (٢) بعبدة النار.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون. نعم عبد الله بن مسلمة سكن البصرة، وفيه: التَّحديث
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَرَوَاهُ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه عَن عبيد الله بن عمر بِلَفْظ كَانَ يُصَلِّي سبحته حَيْثُ مَا تَوَجَّهت نَاقَته وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة ووهب بن بَقِيَّة وَابْن أبي خلف وَعبد الله بن سعيد عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن سُفْيَان بن وَكِيع حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى إِلَى بعيره أَو رَاحِلَته وَكَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته حَيْثُ مَا تَوَجَّهت بِهِ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيث صَحِيح وَفِي الْبَاب عَن أبي الدَّرْدَاء وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده بِلَفْظ " صلى بِنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى بعير من الْمغنم " وَذكر مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَنه بلغه أَن ابْن عمر كَانَ يسْتَتر براحلته فِي السّفر إِذا صلى وَوَصله ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يُصَلِّي إِلَى بعيره " وَفِي الْمُحكم الْبَعِير الْجمل الْبَاذِل وَقيل الْجذع وَقد يكون للْأُنْثَى حكى عَن بعض الْعَرَب شربت من لبن بَعِيري وصرعتني بعير لي وَالْجمع أَبْعِرَة وأباعر وأباعير وبعران وبعران وَفِي الْمُخَصّص قَالَ الْفَارِسِي أباعر جمع أَبْعِرَة كأسقية وأساق وَفِي الْجَامِع الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس إِذا رَأَيْت جملا على الْبعد قلت هَذَا بعير فَإِذا استثبته قلت هَذَا جمل أَو نَاقَة قَالَ الْأَصْمَعِي إِذا وضعت النَّاقة وَلَدهَا سَاعَة تضعه سليل قبل أَن يعلم أذكر هُوَ أم أُنْثَى فَإِذا علم فَإِن كَانَ ذكرا فَهُوَ سقب وَأمه مسقب وَقد أذكرت فَهِيَ مُذَكّر وَإِن كَانَ أُنْثَى فَهِيَ حَائِل وَأمّهَا أم حَائِل فَإِذا مَشى فَهُوَ راشح وَالأُم مرشح فَإِذا ارْتَفع عَن الراشح فَهُوَ جادل فَإِذا جمل فِي سنامه شحما فَهُوَ مجذومكعر وَهُوَ فِي هَذَا كُله حوار فَإِذا اشْتَدَّ قيل ربع وَالْجمع أَربَاع وَربَاع وَالْأُنْثَى ربعَة فَلَا يزَال ربعا حَتَّى يَأْكُل الشّجر ويعين على نَفسه ثمَّ هُوَ فصيل وهبع وَالْأُنْثَى فصيلة وَالْجمع فصلان وفصلان لِأَنَّهُ فصل عَن أمه فَإِذا اسْتكْمل الْحول وَدخل فِي الثَّانِي فَهُوَ ابْن مَخَاض وَالْأُنْثَى بنت مَخَاض فَإِذا اسْتكْمل السّنة الثَّانِيَة وَدخل فِي الثَّالِثَة فَهُوَ ابْن لبون وَالْأُنْثَى بنت لبون فَإِذا اسْتكْمل الثَّالِثَة وَدخل فِي الرَّابِعَة فَهُوَ حِينَئِذٍ حق وَالْأُنْثَى حقة سمي بِهِ لِأَنَّهُ اسْتحق أَن يحمل عَلَيْهِ ويركب فَإِذا مَضَت الرَّابِعَة وَدخل فِي الْخَامِسَة فَهُوَ جذع وَالْأُنْثَى جَذَعَة فَإِذا مَضَت الْخَامِسَة وَدخل فِي السّنة السَّادِسَة وَألقى ثنيته فَهُوَ ثني وَالْأُنْثَى ثنية فَإِذا مَضَت السَّادِسَة وَدخل فِي السَّابِعَة فَهُوَ حِينَئِذٍ رباع وَالْأُنْثَى ربَاعِية فَإِذا مَضَت السَّابِعَة وَدخل فِي الثَّامِنَة وَألقى السن فَهُوَ سديس وَسدس لُغَتَانِ وَكَذَا يُقَال للْأُنْثَى فَإِذا مَضَت الثَّامِنَة وَدخل فِي التَّاسِعَة فطرنا بِهِ وطلع فَهُوَ حِينَئِذٍ فاطر وباذل وَكَذَلِكَ يُقَال للْأُنْثَى فَلَا يزَال باذلا حَتَّى تمْضِي التَّاسِعَة فَإِذا مَضَت وَدخل فِي الْعَاشِرَة فَهُوَ حِينَئِذٍ مخلف ثمَّ لَيْسَ لَهُ اسْم بعد الإخلاف وَلَكِن يُقَال لَهُ باذل عَام وباذل عَاميْنِ ومخلف عَام ومخلف عَاميْنِ إِلَى مَا زَاد على ذَلِك فَإِذا كبر فَهُوَ عود وَالْأُنْثَى عودة فَإِذا ارْتَفع عَن ذَلِك فَهُوَ قحر وَالْجمع أقحر وقحور قَوْله " يَفْعَله " أَي يُصَلِّي وَالْبَعِير فِي طرف قبلته (ذكر مَا يستنبط مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة إِلَى الْحَيَوَان وَنقل ابْن التِّين عَن مَالك أَنه لَا يصلى إِلَى الْخَيل وَالْحمير لنجاسة أبوالها وَفِيه جَوَاز الصَّلَاة بِقرب الْبَعِير وَأَنه لَا بَأْس أَن يسْتَتر الْمُصَلِّي بالراحلة وَالْبَعِير فِي الصَّلَاة وَقد حكى التِّرْمِذِيّ عَن بعض أهل الْعلم أَنهم لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا وروى ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن أنس أَنه صلى وَبَينه وَبَين الْقبْلَة بعير عَلَيْهِ محمله وروى أَيْضا الاستتار بالبعير عَن سُوَيْد بن غَفلَة وَالْأسود بن يزِيد وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالقَاسِم وَسَالم وَعَن الْحسن لَا بَأْس أَن يسْتَتر بالبعير وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الاستذكار لَا أعلم فِيهِ أَي فِي الاستتار بالراحلة خلافًا وَقَالَ ابْن حزم من منع من الصَّلَاة إِلَى الْبَعِير فَهُوَ مُبْطل
١٥ - (بابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَو نارٌ أَو شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَد فَأَرَادَ بهِ وَجْهَ الله تَعَالَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من صلى وَبَين يَدَيْهِ تنور أَو شَيْء إِلَى آخِره، يَعْنِي لَا يكره، فَإِن قلت: لَمْ يُوضح البُخَارِيّ ذَلِك بل أجمله وأبهمه يحْتَمل: لَا يكره، وَيحْتَمل: يكره، فَمن أَيْن تَرْجِيح احْتِمَال عدم الْكَرَاهَة؟ قلت: إِيرَاده بِالْحَدِيثين الْمَذْكُورين فِي الْبَاب يدل على احْتِمَال عدم الْكَرَاهَة، لِأَن النَّبِي لَا يُصَلِّي صَلَاة مَكْرُوهَة، وَلَكِن لَا يتم استدلاله بِهَذَا من وُجُوه:
الأول: مَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ بقوله: لَيْسَ مَا أرَاهُ اتعالى من النَّار حِين أطلعه عَلَيْهَا بِمَنْزِلَة نَار يتَوَجَّه الْمَرْء إِلَيْهَا وَهِي معبودة
لقوم، وَلَا حكم مَا أرِي ليخبرهم كَحكم من وضع الشَّيْء بَين يَدَيْهِ أَو رَآهُ قَائِما مَوْضُوعا، فَجعله أَمَام مُصَلَّاهُ وقبلته. الْوَجْه الثَّانِي: مَا ذكره السفاقسي: لَيْسَ فِيهِ مَا بوب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يَفْعَله مُخْتَارًا، وَإِنَّمَا عرض ذَلِك لِمَعْنى أَرَادَهُ اتعالى، ورؤيته للنار رُؤْيَة عين كشف اعنها، فَأرَاهُ إِيَّاهَا، وَكَذَلِكَ الْجنَّة كَمَا كشف لَهُ عَن الْمَسْجِد الْأَقْصَى. الْوَجْه الثَّالِث: مَا ذكره القَاضِي السرُوجِي فِي (شرح الْهِدَايَة) فَقَالَ: لَا دلَالَة فِي هَذَا الحَدِيث على عدم الْكَرَاهَة، لِأَنَّهُ، قَالَ: أُريت النَّار، وَلَا يلْزم أَن تكون أَمَامه مُتَوَجها إِلَيْهَا، بل يجوز أَن تكون عَن يَمِينه أَو عَن يسَاره أَو غير ذَلِك. الْوَجْه الرَّابِع: مَا ذكره هُوَ أَيْضا، فَقَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَقع لَهُ قبل شُرُوعه فِي الصَّلَاة. انْتهى. قلت: قد تصدى بَعضهم فِي نصْرَة البُخَارِيّ فَأجَاب عَن هذَيْن الْوَجْهَيْنِ بِجَوَاب تمجه الأسماع وتستمجه الطباع، وَهُوَ أَن البُخَارِيّ كوشف بِهَذَا الِاعْتِرَاض فَعجل بِالْجَوَابِ عَنهُ حَيْثُ صدر الْبَاب بالمعلق عَن أنس، فَفِيهِ: (عرضت عَليّ النَّار وَأَنا أُصَلِّي) . وَأما كَونه رَآهَا أَمَامه فسياق حَدِيث ابْن عَبَّاس يَقْتَضِيهِ، فَفِيهِ أَنهم قَالُوا لَهُ بعد أَن انْصَرف: (يَا رَسُول ارأيناك تناولت شَيْئا فِي مقامك ثمَّ رَأَيْنَاك تكعكعت) أَي: تَأَخَّرت إِلَى خلف، وَفِي جَوَابه أَن ذَلِك بِسَبَب كَونه أرى النَّار انْتهى.
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْأَمر الْغَرِيب العجيب، شخص يكاشف اعْتِرَاض شخص يَأْتِي من بعده بِمدَّة مِقْدَار خَمْسمِائَة سنة أَو أَكثر بِقَلِيل، ويجيب عَنهُ بتصدير هَذَا الْبَاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث أنس مُعَلّقا، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس مَوْصُولا، وَمَعَ هَذَا لَا يتم الْجَواب بِمَا ذكره، وَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بِهِ للْبُخَارِيّ. بَيَان ذَلِك أَن قَوْله: (وَأَنا أُصَلِّي) ، فِي حَدِيث أنس، يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: وَأَنا أُرِيد الصَّلَاة، وَلَا مَانع من هَذَا التَّقْدِير. وَأما تنَاوله الشَّيْء وتأخره إِلَى خلف فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا يسْتَلْزم أَن يكون ذَلِك بِسَبَب رُؤْيَته النَّار أَمَامه، وَلَا يَسْتَحِيل أَن يكون ذَلِك بِسَبَب رُؤْيَته إِيَّاهَا عَن يَمِينه أَو عَن شِمَاله. وَقَوله وَفِي جَوَابه: إِن ذَلِك بِسَبَب كَونه أرِي النَّار، مُسلم إِن ذَلِك كَانَ بِسَبَب كَونه أرِي النَّار، وَلَكِن لَا نسلم أَنه كَانَ ذَلِك بِسَبَب كَون رُؤْيَته النَّار أَمَامه، وَلَئِن سلمنَا جَمِيع ذَلِك فَنَقُول: لنا جوابان آخرَانِ غير الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة:
أَحدهمَا: أَنه أريها فِي جَهَنَّم وَبَينه وَبَينهَا مَا لَا يُحْصى من بعد الْمسَافَة، فَعدم كَرَاهَة صلَاته لذَلِك. وَالْآخر: يجوز أَن يكون ذَلِك مِنْهُ رُؤْيَة علم ووحي باطلاعه وتعريفه فِي أمورها، تَفْصِيلًا مَا لم يعرفهُ قبل ذَلِك. وَجَوَاب آخر: ذكره ابْن التِّين، وَقَالَ: لَا حجَّة فِيهِ على التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ لم يفعل ذَلِك اخْتِيَارا، وَإِنَّمَا عرض عَلَيْهِ ذَلِك للمعنى الَّذِي أَرَادَهُ امن تنبيهه للعباد، وَقَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن الِاخْتِيَار وَعَدَمه فِي ذَلِك سَوَاء مِنْهُ قلت: لَا نسلم التَّسْوِيَة، فَإِن الْكَرَاهَة تتأكد عِنْد الِاخْتِيَار، وَأما عِنْد عَدمه فَلَا كَرَاهَة لعدم الْعلَّة الْمُوجبَة للكراهة، وَهِي التَّشَبُّه بعبدة النَّار. وَقَالَ ابْن بطال: الصَّلَاة جَائِزَة إِلَى كل شَيْء إِذا لم يقْصد الصَّلَاة إِلَيْهِ وَقصد بهَا اتعالى، وَالسُّجُود لوجهه خَالِصا. وَلَا يضرّهُ اسْتِقْبَال شَيْء من المعبودات وَغَيرهَا، كَمَا لم يضر النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، مَا رَآهُ فِي قبلته من النَّار.
قَوْله: (وقدامه تنور) جملَة إسمية وَقعت حَالا. فَقَوله: (تنور) مُبْتَدأ، و (قدامه) بِالنّصب على الظّرْف خَبره، و: التَّنور، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم النُّون الْمُشَدّدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: حفيرة النَّار: قلت: التَّنور مَشْهُور، وَهُوَ تَارَة يحْفر فِي الأَرْض حفيرة، وَتارَة يتَّخذ من الطين ويدفن فِي الأَرْض وتوقد فِيهِ النَّار إِلَى أَن يحمى فيخبز فِيهِ، وَتارَة يطْبخ فِيهِ، فَقيل: هُوَ عَرَبِيّ، وَقيل: مُعرب توافقت عَلَيْهِ الْعَرَب والعجم. قَوْله: (أَو نَار) ، عطف على قَوْله: (تنور) . فَإِن قلت: هَذَا يُغني عَن ذكر التَّنور. قلت: هَذَا من عطف الْعَام على الْخَاص، وَفَائِدَته الاهتمام بِهِ لِأَن عَبدة النَّار من الْمَجُوس لَا يعْبدُونَ إلَاّ النَّار المكومة الظَّاهِرَة، وَرُبمَا لَا تظهر النَّار من التَّنور لعمقه أَو لقلَّة النَّار. قَوْله: (أَو شَيْء مِمَّا يعبد) عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير أَو: من صلى وقدامه شَيْء مِمَّا يعبد كالأوثان والأصنام والتماثيل والصور وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يعبده أهل الضلال وَالْكفْر، وَهَذَا أَعم من النَّار والتنور. قَوْله: (فَأَرَادَ بِهِ وَجه ا) أَي: فَأَرَادَ الْمُصَلِّي الَّذِي قدامه شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء ذَات اتعالى، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الصَّلَاة إِلَى شَيْء من الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرهَا لَا تكون مَكْرُوهَة إِذا قصد بِهِ وَجه اتعالى، وَلم يقْصد الصَّلَاة إِلَيْهِ. وَعند أَصْحَابنَا يكره ذَلِك مُطلقًا لما فِيهِ من نوع التَّشَبُّه بعبدة الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة ظَاهرا، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن ابْن سيربن أَنه كره الصَّلَاة إِلَى التَّنور، وَقَالَ: بَيت نَار.
وقالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبرنِي أَنَسٌ قَالَ قَالَ النَّبِي عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأنَا أصلِّي
وَجه مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث الْمُعَلق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، شَاهد النَّار وَهُوَ فِي الصَّلَاة، وَلَكِن فِيهِ مَا فِيهِ، وَقد أمعنا الْكَلَام فِيهِ، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الَّذِي علقه مَوْصُولا فِي بَاب: وَقت الظّهْر عِنْد الزَّوَال، كَمَا ستقف عَلَيْهِ عَن قريب إِن شَاءَ اتعالى، وَأخرجه أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي عَن عبد اللَّه ابْن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن أبي الْيَمَان بِهِ.
١٣٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم عنْ عَطاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى رسولُ الله ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أرَ مَنْظَراً كالْيَوْمِ قَطُّ أفْظَعَ. .
وَجه التطابق مَعَ مَا فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ هُوَ الَّذِي مضى فِي حَدِيث أنس. وَرِجَاله قد ذكرُوا غَيره مرّة.
وَمن لطائف إِسْنَاده: أَن فِيهِ: صِيغَة التحديث بِالْجمعِ فِي مَوضِع وَاحِد، وَالْبَاقِي عنعنة، وَأَن: رُوَاته كلهم مدنيون إلَاّ أَن عبد اللَّه بن مسلمة سكن الْبَصْرَة. وَأَن هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مر فِي بَاب كفران العشير.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صَلَاة الخسوف، وَفِي الْإِيمَان عَن عبد اللَّه بن مسلمة، وَفِي النِّكَاح عَن عبد اللَّه بن يُوسُف، وَفِي بَدْء الْخلق عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق بن عِيسَى عَن مَالك بِهِ، وَعَن سُوَيْد بن سعيد عَن حَفْص بن ميسرَة عَن زيد بن أسلم بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (انخسفت الشَّمْس) أَي: انكسفت، روى جمَاعَة أَن الْكُسُوف يكون فِي الشَّمْس وَالْقَمَر، وروى جمَاعَة فيهمَا بِالْخَاءِ، وروى جمَاعَة فِي الشَّمْس بِالْكَاف، وَفِي الْقَمَر بِالْخَاءِ، وَالْكثير فِي اللُّغَة، وَهُوَ اخْتِيَار الْفراء أَن يكون الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر، يُقَال: كسفت الشَّمْس وكسفها اتعالى، وانكسفت. وَخسف الْقَمَر وخسفه اوانخسف، وَذكر ثَعْلَب فِي (الفصيح) أَن كسفت الشَّمْس وَخسف الْقَمَر أَجود الْكَلَام. وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري خسف الْقَمَر وخسفت الشَّمْس إِذا ذهب ضوؤهما. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: خسف الْقَمَر وكسف وَاحِد: ذهب ضوؤه، وَقيل: الْكُسُوف أَن يكسف ببعضهما، والخسوف أَن يخسف بكلهما، قَالَ اتعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض} (الْقَصَص: ١٨) . وَقَالَ شمر: الْكُسُوف فِي الْوَجْه: الصُّفْرَة والتغير، وَقَالَ ابْن حبيب فِي (شرح الْمُوَطَّأ) : الْكُسُوف تغير اللَّوْن، والخسوف انخسافهما، وَكَذَلِكَ تَقول فِي عين الْأَعْوَر إِذا انخسفت وَغَارَتْ فِي جفن الْعين وَذهب نورها وضياؤها. وَفِي (نَوَادِر اليزيدي) و (الغريبين) انكسفت الشَّمْس، وانكر ذَلِك الْفراء والجوهري. وَقَالَ الْقَزاز: كسفت الشَّمْس وَالْقَمَر تكسف كسوفاً فَهِيَ كاسفة، وكسفت فَهِيَ مكسوفة وَقوم يَقُولُونَ: انكسفت وَهُوَ غلط. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعَامَّة يَقُولُونَ: انكسفت وَفِي (الْمُحكم) : كسفها اوأكسفها، وَالْأولَى أَعلَى، وَالْقَمَر كَالشَّمْسِ. وَقَالَ اليزيدي: خسف الْقَمَر وَهُوَ يخسف خسوفاً فَهُوَ خسف وخسيف وخاسف، وانخسف انخسافاً قَالَ: وانخسف أَكثر فِي أَلْسِنَة النَّاس، وَفِي (شرح الفصيح) لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْجَلِيل: كسفت الشَّمْس اسودت فِي رَأْي الْعين من ستر الْقَمَر إِيَّاهَا عَن الْأَبْصَار، وَبَعْضهمْ يَقُول: كسفت على مَا لم يسم فَاعله، وانكسفت. وَعَن أبي حَاتِم: إِذا ذهب ضوء بعض الشَّمْس بخفاء بعض جرمها فَذَلِك الْكُسُوف، وَزعم ابْن التِّين وَغَيره: أَن بعض اللغويين قَالَ: لَا يُقَال فِي الشَّمْس إلَاّ كسفت، وَفِي الْقَمَر إلَاّ خسف، وَذكر هَذَا عَن عُرْوَة بن الزبير أَيْضا، وَحكى عِيَاض عَن بعض أهل اللُّغَة عَكسه، وَهَذَا غير جيد، لقَوْله تَعَالَى: {وَخسف الْقَمَر} (الْقِيَامَة: ٨) . وَعند ابْن طريف: كسفت الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْوُجُوه كسوفاً، وَفِي (المغيث) لأبي مُوسَى: روى حَدِيث الْكُسُوف عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي بن كَعْب وَسمرَة وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَعبد اللَّه ابْن عَمْرو والمغيرة وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو بكرَة وَأَبُو شُرَيْح الكعبي والنعمان بن بشير وَقبيصَة الْهِلَالِي، رَضِي اعنهم جَمِيعًا، بِالْكَاف. وَرَوَاهُ أَبُو مُوسَى وَأَسْمَاء وَعبد اللَّه بن عدي بن الْخِيَار، بِالْخَاءِ. وَرُوِيَ عَن جَابر وَابْن مَسْعُود (١) وَعَائِشَة رَضِي اعنهم باللفظين
جَمِيعًا، كلهم حكوا عَن النَّبِي: (لَا ينكسفان) ، بِالْكَاف، فَسُمي كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر كسوفاً.
قلت: أغفل حَدِيث ابْن مَسْعُود من عِنْد البُخَارِيّ: لَا ينكسفان. قَوْله: (فصلى رَسُول ا) أَي: صَلَاة الْكُسُوف. قَوْله: (أريت) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء، أَي: بصرت النَّار فِي الصَّلَاة. قَوْله: (كَالْيَوْمِ) ، الْكَاف للتشبيه بِمَعْنى: مثل، وَهُوَ صفة لقَوْله: (منْظرًا) ، وَهُوَ مَوضِع النّظر مَنْصُوب بقوله: (لم أر) . قَوْله: (أفظع) ، بِالنّصب صفة لقَوْله: (منْظرًا) ، وَفِيه حذف أَيْضا وَتَقْدِير الْكَلَام: فَلم أر منْظرًا أفظع مثل منظر الْيَوْم، وأفظع من الفظيع، وَهُوَ الشنيع الشَّديد، والمجاوز للمقدار، يُقَال: فظع الْأَمر بِالضَّمِّ، فظاعة فَهُوَ فظيع أَي: شَدِيد شنيع جَاوز الْمِقْدَار. وَكَذَلِكَ أفظع الْأَمر فَهُوَ مفظع، وأفظع الرجل، على مَا لم يسم فَاعله، أَي: نزل بِهِ أَمر عَظِيم. فَإِن قلت: أفظع أفعل، وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ بِمن، قلت: أفظع هُنَا بِمَعْنى فظيع، فَلَا يحْتَاج إِلَى: من، أَو يكون على بَابه، وَحذف مِنْهُ من، كَمَا فِي اأكبر، أَي: أكبر من كل شَيْء. قَوْله: (قطّ) هَهُنَا لاستغراق زمَان مضى فتختص بِالنَّفْيِ، واشتقاقه من: قططته أَي: قطعته، فَمَعْنَى: مَا فعلته قطّ، مَا فعلته فِيمَا انْقَطع من عمري، وَهِي بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الطَّاء المضمومة فِي أفْصح اللُّغَات، وَقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وَقد تتبع قافه طاءه فِي الضَّم، وَقد تخفف طاؤه مَعَ ضمهَا أَو اسكانها، وبنيت لتضمنها معنى: مذ، وَإِلَى إِذْ الْمَعْنى: مذ أَن خلقت إِلَى الْآن. وَإِنَّمَا بنيت على الْحَرَكَة لِئَلَّا يلتقي ساكنان، وعَلى الضمة تَشْبِيها بالغايات.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ اسْتِحْبَاب صَلَاة الْكُسُوف. وَفِيه: أَن النَّار مخلوفة الْيَوْم وَكَذَا الْجنَّة، إِذْ لَا قَائِل بِالْفرقِ خلافًا لمن أنكر ذَلِك من الْمُعْتَزلَة. وَفِيه: من معجزات النَّبِي، رُؤْيَته النَّار رَأْي عين حَيْثُ كشف اتعالى عَنهُ الْحجب، فرآها مُعَاينَة كَمَا كشف اله عَن الْمَسْجِد الْأَقْصَى. وَفِيه: على مَا بوب البُخَارِيّ عدم كَرَاهَة الصَّلَاة إِذا كَانَت بَين يَدي الْمُصَلِّي نَار وَلم يقْصد بِهِ إلَاّ وَجه اتعالى.
٢٥ - (بابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر، وَفِي بعض النّسخ: كَرَاهَة الصَّلَاة. الْكَرَاهَة والكراهية كِلَاهُمَا مصدران، تَقول: كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، فَهُوَ شَيْء: كريه ومكروه. وَبَين الْبَابَيْنِ تناسب من حَيْثُ الضِّدّ، والمقابر جمع مَقْبرَة، بِضَم الْبَاء، هُوَ المسموع، وَالْقِيَاس فتح الْبَاء. وَفِي (شرح الْهَادِي) : إِن مَا جَاءَ على: مفعلة بِالضَّمِّ يُرَاد بهَا أَنَّهَا مَوْضُوعَة لذَلِك ومتخذة لَهُ، فَإِذا قَالُوا: الْمقْبرَة بِالْفَتْح أَرَادوا مَكَان الْفِعْل، وَإِذا ضمُّوا أَرَادوا الْبقْعَة الَّتِي من شَأْنهَا أَن يقبر فِيهَا، وَكَذَلِكَ: الْمشْربَة والمشربة، والتأنيث فِي هَذِه الْأَسْمَاء لإِرَادَة الْبقْعَة، أَو للْمُبَالَغَة، ليدل على أَن لَهَا ثباتاً فِي أَنْفسهَا.
٢٣٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ عنِ ابْن عُمَرَ عنِ النبيِّ قَالَ: اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ ولَا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً. (الحَدِيث ٢٣٤ طرفه فِي: ٧٨١١) .
قيل: هَذَا الحَدِيث لَا يُطَابق التَّرْجَمَة لِأَنَّهَا فِي كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر، وَالْمرَاد من الحَدِيث: أَن لَا تَكُونُوا فِي بُيُوتكُمْ كالأموات فِي الْقُبُور حَيْثُ انْقَطَعت عَنْهُم الْأَعْمَال، وَارْتَفَعت عَنْهُم التكاليف، وَهُوَ غير متعرض لصَلَاة الْأَحْيَاء فِي ظواهر الْمَقَابِر، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تتخذوها قبوراً، وَلم يقل: مَقَابِر. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا الحَدِيث يدل على النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْقَبْر لَا فِي الْمَقَابِر. وَقَالَ السفاقسي مَا ملخصه: إِن البُخَارِيّ تَأَول هَذَا الحَدِيث على منع الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر، والهذا ترْجم بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن منع الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر أَو جَوَازهَا لَا يفهم مِنْهُ، وَقَالَ بَعضهم فِي رد مَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ. قلت: قد ورد بِلَفْظ: الْمَقَابِر، كَمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر) . انْتهى. قلت: هَذَا عَجِيب، كَيفَ يُقَال: حَدِيث يرويهِ غَيره، بِأَنَّهُ مُطَابق لما ترْجم بِهِ؟ وَقَالَ بَعضهم أَيْضا، فِي رد مَا قَالَه السفاقسي: إِن أَرَادَ أَنه لَا يُؤْخَذ مِنْهُ بطرِيق الْمَنْطُوق فَسلم، وَإِن أَرَادَ نفي ذَلِك مُطلقًا فَلَا، فقد قدمنَا وَجه استنباطه. انْتهى. قلت: وَجه استنباطه أَنه قَالَ: استنبط من قَوْله فِي الحَدِيث: (وَلَا تتخذوها قبوراً) . أَن الْقُبُور لَيست بِمحل لِلْعِبَادَةِ، فَتكون الصَّلَاة فِيهَا مَكْرُوهَة، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي ذَلِك حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي اعنه، مَرْفُوعا: (الأَرْض كلهَا مَسْجِد إلَاّ الْمقْبرَة وَالْحمام) . انْتهى.
قلت: دَعْوَاهُ بِأَن البُخَارِيّ استنبط كَذَا، وَأَنه أَشَارَ إِلَى حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أعجب وَأغْرب من الأول لِأَن معنى قَوْله، صلى اعليه وَآله وَسلم: (لَا تتخذوها قبوراً) ، لَا تتخذوها خَالِيَة من الصَّلَاة وتلاوة الْقُرْآن كالقبور حَيْثُ لَا يصلى فِيهَا وَلَا يقْرَأ الْقُرْآن، وَيدل على هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سابط عَن أَبِيه، يرفعهُ: (نوروا بُيُوتكُمْ بِذكر اتعالى وَأَكْثرُوا فِيهَا تِلَاوَة الْقُرْآن، وَلَا تتخذوها قبوراً كَمَا اتخذها الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَإِن الْبَيْت الَّذِي يقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن يَتَّسِع على أَهله وَيكثر خَيره واتحضره الْمَلَائِكَة، وتدحض عَنهُ الشَّيَاطِين، وَإِن الْبَيْت الَّذِي لَا يقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن يضيق على أَهله ويقل خَيره وتنفر مِنْهُ الْمَلَائِكَة وتحضر فِيهِ الشَّيَاطِين) . انْتهى. وَأَيْضًا، فَإِن معنى هَذَا على التَّشْبِيه البليغ، فحذفت مِنْهُ أَدَاة التَّشْبِيه لِأَن مَعْنَاهُ لَا تجعلوها مثل الْقُبُور حَيْثُ لَا يصلى فِيهَا، وَلَا دلَالَة لهَذَا أصلا على أَنَّهَا لَيست بِمحل لِلْعِبَادَةِ بِنَوْع من أَنْوَاع الدلالات اللفظية.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: مُسَدّد بن مسرهد، وَيحيى الْقطَّان، وَعبيد اللَّه بن عمر الْعمريّ، وَنَافِع مولى ابْن عمر، وَعبد اللَّه بن عمر، وَالْكل ذكرُوا غَيره مرّة.
وَفِيه من لطائف الْإِسْنَاد: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين.
وَأخرجه: مُسلم عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل ومسدد فرقهما. وَابْن مَاجَه عَن زيد بن أخزم وَعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو مُخْتَصرا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من صَلَاتكُمْ) ، قيل: أَي بعض صَلَاتكُمْ. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مفعول الْجعل، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِد، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَجعل الظُّلُمَات والنور} (الْأَنْعَام: ١) وَهُوَ إِذا كَانَ بِمَعْنى: التصيير، يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض} (الْأَنْعَام: ٥٦١) قلت: معنى قَوْله: (اجعلوا فِي بُيُوتكُمْ من صَلَاتكُمْ) : صلوا فِيهَا وَلَا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصَّلَاة، وَالْمرَاد صَلَاة النَّافِلَة، أَي: صلوا النَّوَافِل فِي بُيُوتكُمْ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قيل هَذَا فِي الْفَرِيضَة، وَمَعْنَاهُ: اجعلوا بعض فرائضكم فِي بُيُوتكُمْ ليقتدي بكم من لَا يخرج إِلَى الْمَسْجِد من نسْوَة وَعبيد ومريض وَنَحْوهم. قَالَ: وَقَالَ الْجُمْهُور: بل هُوَ فِي النَّافِلَة لإخفائها، وَلِلْحَدِيثِ الآخر: (أفضل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلَاّ الْمَكْتُوبَة) . قلت: فعلى التَّقْدِير الأول يكون: من، فِي قَوْله: (من صَلَاتكُمْ) ، زَائِدَة، وَيكون التَّقْدِير: إجعلوا صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ، وَيكون المُرَاد مِنْهَا النَّوَافِل، وعَلى التَّقْدِير الثَّانِي تكون: من، للتَّبْعِيض مُطلقًا. وَيكون المُرَاد: من الصَّلَاة، مُطلق الصَّلَاة، وَيكون الْمَعْنى: اجعلوا بعض صَلَاتكُمْ وَهُوَ النَّفْل من الصَّلَاة الْمُطلقَة فِي بُيُوتكُمْ، وَالصَّلَاة الْمُطلقَة تَشْمَل النَّفْل وَالْفَرْض، على أَن الْأَصَح منع مَجِيء من، زَائِدَة فِي الْكَلَام الْمُثبت، وَلَا يجوز حمل الْكَلَام على الْفَرِيضَة لَا كلهَا وَلَا بَعْضهَا، لِأَن الْحَث على النَّفْل فِي الْبَيْت، وَذَلِكَ لكَونه أبعد من الرِّيَاء وأصون من المحبطات، وليتبرك بِهِ الْبَيْت وتنزل الرَّحْمَة فِيهِ وَالْمَلَائِكَة، وتنفر الشَّيَاطِين مِنْهُ على مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الَّذِي أخرجه الطَّبَرَانِيّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله: (وَلَا تتخذوها قبوراً) من التَّشْبِيه البليغ البديع بِحَذْف حرف التَّشْبِيه للْمُبَالَغَة، وَهُوَ تَشْبِيه الْبَيْت الَّذِي لَا يصلى فِيهِ بالقبر الَّذِي لَا يتَمَكَّن الْمَيِّت من الْعِبَادَة فِيهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ أوطاتاً للنوم لَا تصلونَ فِيهَا، فَإِن النّوم أَخُو الْمَوْت. وَقَالَ: وَأما من أَوله على النَّهْي عَن دفن الْمَوْتَى فِي الْبيُوت فَلَيْسَ بِشَيْء، وَقد دفن رَسُول الله فِي بَيته الَّذِي كَانَ يسكنهُ أَيَّام حَيَاته. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ شَيْء فِيهِ نظر، وَدفن رَسُول الله فِيهِ لَعَلَّه من خَصَائِصه، سِيمَا وَقد رُوِيَ: (الْأَنْبِيَاء يدفنون حَيْثُ يموتون) . قلت: هَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أبي بكر مَرْفُوعا: (مَا قبض نَبِي إلَاّ دفن حَيْثُ يقبض) . وَفِي إِسْنَاده: حُسَيْن بن عبد اللَّه الْهَاشِمِي، وَهُوَ ضَعِيف، وروى التِّرْمِذِيّ فِي (الشَّمَائِل) وَالنَّسَائِيّ فِي (الْكُبْرَى) من طَرِيق سَالم بن عبيد الْأَشْجَعِيّ: (عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي اتعالى عَنهُ أَنه: قيل لَهُ: وَأَيْنَ يدْفن رَسُول ا؟ قَالَ: فِي الْمَكَان الَّذِي قبض افيه روحه، فَإِنَّهُ لم يقبض روحه إلَاّ فِي مَكَان طيب) ، وَهَذَا الْإِسْنَاد صَحِيح وَلكنه مَوْقُوف، وَحَدِيث ابْن مَاجَه أَكثر تَصْرِيحًا فِي الْمَقْصُود.
وَقَالَ بَعضهم: وَإِذا حمل دَفنه فِي بَيته على الِاخْتِصَاص لم يبعد نهي غَيره عَن ذَلِك، بل هُوَ مُتَّجه لِأَن اسْتِمْرَار الدّفن فِي الْبيُوت رُبمَا يصيرها مَقَابِر فَتَصِير الصَّلَاة فِيهَا مَكْرُوهَة. وَلَفظ أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم أصرح من حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: (لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر) ، فَإِن ظَاهره يَقْتَضِي النَّهْي عَن الدّفن فِي الْبيُوت مُطلقًا. قلت: لَا نسلم هَذَا الِاقْتِضَاء من ظَاهر اللَّفْظ، بل الْمَعْنى الَّذِي يدل عَلَيْهِ ظَاهر اللَّفْظ: لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ
خَالِيَة عَن الصَّلَاة كالمقابر، فَإِنَّهَا لَيست بِمحل لِلْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا احتجت بِهِ طَائِفَة على كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على أَن الصَّلَاة لَا تجوز فِي الْمَقَابِر. قلت: الحَدِيث لَا يدل على هَذَا، بل تَرْجَمَة الْبَاب تساعده على ذَلِك، وَقد حققنا الْكَلَام فِيهِ. وَقد وَردت أَحَادِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة تدل على كَرَاهَة الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر، بل استدلت بهَا جمَاعَة على عدم الْجَوَاز كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى، وَهِي مَا رُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعلي وَعبد اللَّه بن عَمْرو وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة وَأنس وَأبي أُمَامَة وَأبي ذَر، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حدّثنا ابْن أبي عمر أَبُو عمار الْحُسَيْن بن حُرَيْث، قَالَ: أخبرنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (الأَرْض كلهَا مَسْجِدا إلَاّ الْمقْبرَة وَالْحمام) . ثمَّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ، وَذكر من ذَكَرْنَاهُمْ إِلَى آخِره، وللعلماء قَولَانِ فِي معنى حَدِيث الْبَاب: أَحدهمَا: أَنه ورد فِي صَلَاة النَّافِلَة لِأَنَّهُ قد سنّ الصَّلَوَات فِي جمَاعَة كَمَا هُوَ مُقَرر فِي الشَّرْع. وَالثَّانِي: أَنه ورد فِي صَلَاة الْفَرِيضَة ليقتدي بِهِ من لَا يَسْتَطِيع الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد، وَقد ذَكرْنَاهُ مفصلا عَن قريب، من صلى فِي بَيته جمَاعَة فقد أصَاب سنة الْجَمَاعَة وفضلها. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِذا صلى الرجل مَعَ الرجل فهما جمَاعَة، وَلَهُمَا التَّضْعِيف خمْسا وَعشْرين دَرَجَة، وَرُوِيَ أَن إِسْحَاق وَأحمد وَعلي بن الْمدنِي اجْتَمعُوا فِي دَار أَحْمد فَسَمِعُوا النداء، فَقَالَ أحدهم أخرج بِنَا إِلَى الْمَسْجِد، فَقَالَ أَحْمد: خروجنا إِنَّمَا هُوَ للْجَمَاعَة وَنحن جمَاعَة، فأقاموا الصَّلَاة وصلوا فِي الْبَيْت: وَقد رُوِيَ عَن جمَاعَة أَنهم كَانُوا لَا يتطوعون فِي الْمَسْجِد، مِنْهُم حُذَيْفَة والسائب بن يزِيد وَالربيع بن خثيم وسُويد بن غلفة، وَمن هَذَا أَخذ علماءونا أَن الْأَفْضَل فِي غير الْفَرَائِض الْمنزل، وروى ابْن أبي شيبَة بِسَنَد جيد عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ يرفعهُ: (صلوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تتخذوها قبوراً) ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث جَعْفَر بن إِبْرَاهِيم عَن ولد ذِي الجناحين حَدثنِي عَليّ بن عمر عَن أَبِيه جَعْفَر الطيار عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن جده يرفعهُ: (لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيداً وَلَا بُيُوتكُمْ قبوراً) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حدّثنا أَبُو بكرَة قَالَ: حدّثنا أَبُو الْمطرف بن أبي الْوَزير قَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن مُوسَى عَن سعيد بن إِسْحَاق عَن أَبِيه عَن جده: (أَن النَّبِي صلى الْمغرب فِي مَسْجِد بني عبد الْأَشْهَل، فَلَمَّا فرغ رأى النَّاس يسبحون، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا هَذِه الصَّلَاة فِي الْبيُوت) .
وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه أَيْضا، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا عَن بَحر بن نصر بِإِسْنَادِهِ عَن عبد اللَّه بن سعد، قَالَ: (سَأَلت النَّبِي عَن الصَّلَاة فِي بَيْتِي وَالصَّلَاة فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: قد ترى مَا أقرب بَيْتِي من الْمَسْجِد، فَلِأَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد إلَاّ أَن تكون صَلَاة مَكْتُوبَة) . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: بَاب الْقيام فِي شهر رَمَضَان هَل هُوَ فِي الْمنَازل أفضل أم مَعَ الإِمَام؟ ثمَّ روى حَدِيث أبي ذَر، رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ: (صمت مَعَ النَّبِي)
الحَدِيث وَفِيه: (إِن الْقَوْم إِذا صلوا مَعَ الإِمَام حَتَّى ينْصَرف كتب لَهُم قيام تِلْكَ اللَّيْلَة) . ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَن الْقيام فِي شهر رَمَضَان مَعَ الإِمَام أفضل مِنْهُ فِي الْمنَازل، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا ذكرنَا، وَأَرَادَ بهؤلاء: اللَّيْث بن سعد وَعبد اللَّه بن الْمُبَارك وَإِسْحَاق وَأحمد فَإِنَّهُم قَالُوا: الْقيام مَعَ الإِمَام فِي شهر رَمَضَان أفضل مِنْهُ فِي الْمنَازل. وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: الْقيام فِي الْمَسْجِد مَعَ الإِمَام أحب إِلَيّ وَأفضل من صَلَاة المرأ فِي بَيته. وَقَالَ بِهِ قوم من الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَأَصْحَاب الشَّافِعِي، فَمن أَصْحَاب أبي حنيفَة: عِيسَى بن أبان وبكار بن قُتَيْبَة وَأحمد بن أبي عمرَان. وَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي: إِسْمَاعِيل بن يحيى الْمُزنِيّ وَمُحَمّد بن عبد اللَّه بن الحكم. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ جَابر وَعلي وَعبد اللَّه يصلونها فِي جمَاعَة.
قلت: ويحكى ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَمُحَمّد بن سِيرِين وَطَاوُس، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) يسْتَحبّ أَن يجْتَمع النَّاس فِي شهر رَمَضَان بعد الْعشَاء فَيصَلي بهم إمَامهمْ خمس ترويحات، ثمَّ قَالَ: وَالسّنة فِيهَا الْجَمَاعَة على وَجه الْكِفَايَة، حَتَّى لَو امْتنع أهل مَسْجِد عَن إِقَامَتهَا كَانُوا مسيئين، وَلَو أَقَامَهَا الْبَعْض فالمتخلف عَن الْجَمَاعَة تَارِك للفضيلة، لِأَن أَفْرَاد الصَّحَابَة يرْوى عَنْهُم التَّخَلُّف، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: بل صلَاته فِي بَيته أفضل من صلَاته مَعَ الإِمَام، وَأَرَادَ بهؤلاء الْقَوْم: مَالِكًا وَالشَّافِعِيّ وَرَبِيعَة وَإِبْرَاهِيم وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأسود وعلقمة، فَإِنَّهُم قَالُوا: بل صلَاته فِي بَيته أفضل من صلَاته مَعَ الإِمَام. وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل من الْقيام مَعَ النَّاس أَو الِانْفِرَاد فِي شهر رَمَضَان، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: صَلَاة الْمُنْفَرد فِي بَيته أفضل، وَقَالَ مَالك: وَكَانَ ربيعَة وَغير وَاحِد من عُلَمَائِنَا يَنْصَرِفُونَ