الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٣٣
الحديث رقم ٤٣٣ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْبِيعَةِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁ إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرَِ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي الْبِيعَةِ إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ
٤٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُيُوتِ رُبَّمَا صَيَّرَهَا مَقَابِرَ فَتَصِيرُ الصَّلَاةُ فِيهَا مَكْرُوهَةً، وَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَصْرَحُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٣ - بَاب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ
٤٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ.
[الحديث ٤٣٣ - أطرافه في: ٤٧٠٢، ٤٤٢٠، ٤٤١٩، ٣٣٨١، ٣٣٨٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ) أَيْ مَا حُكْمُهَا؟ وَذِكْرُ الْعَذَابِ بَعْدَ الْخَسْفِ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْخَسْفَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَذَابِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا) هَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُحِلِّ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فَمَرَرْنَا عَلَى الْخَسْفِ الَّذِي بِبَابِلَ، فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى أَجَازَهُ أَيْ تَعَدَّاهُ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُصَلِّيَ فِي أَرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: ثَلَاثَ مِرَارٍ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْخَسْفِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا خَسْفٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَفْظُهُ نَهَانِي حَبِيبِي ﷺ أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّائِقُ بِتَعْلِيقِ الْمُصَنِّفِ مَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالْخَسْفِ هُنَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الْآيَةَ، ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْأَخْبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ النُّمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ بَنَى بِبَابِلَ بُنْيَانًا عَظِيمًا يُقَالُ: إِنَّ ارْتِفَاعَهُ كَانَ خَمْسَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ حَرَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَرْضِ بَابِلَ، فَإِنْ كَانَ حَدِيثُ عَلِيٍّ ثَابِتًا فَلَعَلَّهُ نَهَاهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا وَطَنًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَقَامَ بِهَا كَانَتْ صَلَاتُهُ فِيهَا، يَعْنِي أَطْلَقَ الْمَلْزُومَ وَأَرَادَ اللَّازِمَ.
قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِعَلِيٍّ إِنْذَارًا لَهُ بِمَا لَقِيَ مِنَ الْفِتْنَةِ بِالْعِرَاقِ. قُلْتُ: وَسِيَاقُ قِصَّةِ عَلِيٍّ الْأُولَى يُبْعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ ابْنِ أُخْتِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (لَا تَدْخُلُوا) كَانَ هَذَا النَّهْيُ لَمَّا مَرُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحِجْرِ دِيَارِ ثَمُودَ فِي حَالِ تَوَجُّهِهِمْ إِلَى تَبُوكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِبَعْضِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَلَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ: لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) لَيْسَ الْمُرَادُ الِاقْتِصَارَ فِي ذَلِكَ عَلَى ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ، بَلْ دَائِمًا عِنْدَ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا الِاسْتِقْرَارُ فَالْكَيْفِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَطْلُوبَةٌ فِيهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْبَتَّةَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَوْضِعُ بُكَاءٍ وَتَضَرُّعٍ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْحَدِيثِ لِأَثَرِ عَلِيٍّ. قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ مُطَابِقٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ تَرْكُ النُّزُولِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَنَّعَ ﷺ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ وَلَمْ يُصَلِّ هُنَاكَ كَمَا صَنَعَ عَلِيٌّ فِي خَسْفِ بَابِلَ.
وَرَوَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى ابن عمر (١) (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) لأصحابه لمَّا مرُّوا معه بالحجر ديار ثمود في حال توجُّههم إلى تبوك: (لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ) بفتح الذَّال المُعجمَة، وهم قوم صالحٍ، أي: لا تدخلوا ديارهم (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) شفقةً وخوفًا من حلول مثل ذلك (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ) وعند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٨١]: «أن يصيبكم» أي: خشية أن يصيبكم (مَا أَصَابَهُمْ) من العذاب، و «يصيبُكم» بالرَّفع على الاستئناف، ولا تَنَافِيَ بين خوف إصابة العذاب وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لأنَّ الآية محمولةٌ على عذاب يوم القيامة، ووجه الخوف هنا: أنَّ البكاء يبعثه على التَّفكُّر والاعتبار، فكأنَّه أمرهم بالتَّفكُّر في أحوالٍ تُوجِب البكاء من تقدير الله على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدَّة طويلةً، ثمَّ إيقاع (٢) نقمه بهم وشدَّة عذابه، فمن مرَّ عليهم ولم يتفكَّر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال (٣)، ودلَّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن مِن أن يجرَّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم، قاله ابن حجرٍ ومن قبله الخطَّابيُّ، وقد تشاءم ﵊ بالبقعة الَّتي نام فيها عن الصَّلاة ورحل عنها ثمَّ صلَّى، فكراهية الصَّلاة في مواضع الخسف أَوْلى لأنَّ إباحة الدُّخول فيها إنَّما هو على وجه
الاعتبار والبكاء، فمن صلَّى هناك لا تفسد صلاته، لأنَّ الصَّلاة موضع البكاء والاعتبار.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤١٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٠٢].
(٥٤) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ) بكسر الباء (١) المُوحَّدة، معبد النَّصارى، كالكنائس والصَّلوات لليهود، والصَّوامع للرُّهبان، والمساجد للمسلمين، و (٢) الكنائس أيضًا للنَّصارى كالبِيعة، كما قاله الجوهريُّ، وبه تحصل المطابقة بين التَّرجمة وذكر الكنائس الآتي -إن شاء الله تعالى- في قوله: (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (﵁) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق من طريق أسلمَ مولى عمر قال: لمَّا قدم عمر الشَّام صنع له رجلٌ من النَّصارى طعامًا، وكان من عظمائهم، وقال: أحبُّ أن تجيبني (٣) وتكرمني، فقال له عمر: (إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ) بكاف الخطاب، وللأَصيليِّ: «كنائسهم» بضمير الجمع الغائب (مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرَ) جملةٌ اسميَّةٌ لأنَّ الصُّور مبتدأٌ مرفوعٌ، خبرُه: «فيها» أي: في الكنائس، والجملة صلة الموصول وقعت صفةً للكنائس، لا للتَّماثيل لفساد المعنى؛ لأنَّ التَّماثيل هي الصُّور، كذا قاله العينيُّ (٤)، وهذه رواية أبي ذَرٍّ كما
في الفرع، ووجَّهه في «المصابيح» بأن يكون خبر مبتدأٍ محذوفٍ، والصِّلة جملةٌ فعليَّةٌ، أي: الَّتي استقرَّت فيها، ووجَّهه الحافظ ابن حجرٍ بقوله: أي أنَّ التَّماثيل مُصوَّرةٌ، قال: والضَّمير على هذا للتَّماثيل، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا توجيه مَن لا (١) يعرف من العربيَّة شيئًا، وفي بعض الأصول: «الصُّور» بالجرِّ على البدل من التَّماثيل، أو عطف بيانٍ، ويكون الموصول مع صلته صفةً للتَّماثيل، وصرَّح ابن مالكٍ بجوازه عطفًا بواوٍ محذوفةٍ، وللأَصيليِّ: «والصُّورَ» بواو العطف على التَّماثيل، والمعنى: ومن أجل (٢) الصُّور الَّتي فيها، وفي روايةٍ صُحِّح عليها في الفرع وأصله (٣): «الصُّورَ» بالنَّصب على إضمار «أعني»، والتَّماثيل: جمع تمثالٍ، بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ فمُثلَّثةٍ، وبينه وبين الصُّورة (٤) عمومٌ وخصوصٌ مُطلَقٌ، فالصُّورة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَلَا يقومُونَ مَعَ النَّاس. وَقَالَ مَالك: وَأَنا أفعل ذَلِك، وَمَا قَامَ رَسُول ا، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، إلَاّ فِي بَيته. وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَسَالم وَالقَاسِم وَإِبْرَاهِيم وَنَافِع أَنهم كَانُوا يَنْصَرِفُونَ وَلَا يقومُونَ مَعَ النَّاس. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَاخْتَارَ الشَّافِعِي أَن يُصَلِّي الرجل وَحده إِذا كَانَ قَارِئًا، ثمَّ احْتج الطَّحَاوِيّ بهؤلاء بِمَا رَوَاهُ زيد بن ثَابت عَن النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (خير صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلَاّ الْمَكْتُوبَة) ، ثمَّ روى عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ لَا يُصَلِّي خلف الإِمَام فِي شهر رَمَضَان، وَرُوِيَ أَيْضا إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَذهب إِلَيْهِ الطَّحَاوِيّ أَيْضا حَتَّى قَالَ فِي آخر الْبَاب: وَذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب.
٣٥ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الخَسْفِ وَالعَذَابِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْأَمْكِنَة الَّتِي خسفت أَو نزل عَلَيْهَا الْعَذَاب، وَأبْهم حكمه حَيْثُ لم يبين: هَل هِيَ مَكْرُوهَة أَو غير جَائِزَة؟ وَلَكِن تَقْدِيره: يكره لدلَالَة أثر عَليّ، على ذَلِك، يُقَال: خسف الْمَكَان يخسف خسوفاً: ذهب فِي الأَرْض، وَخسف ابه الأَرْض خسفاً، أَي: غَابَ بِهِ فِيهَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض} (الْقَصَص: ١٨) وَخسف هُوَ فِي الأَرْض، وَخسف بِهِ، وخسوف الْعين ذهابها فِي الرَّأْس، وخسوف الْقَمَر كسوفه. قَوْله: (وَالْعَذَاب) ، من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص.
ويُذْكَرُ أنَّ عَلِيًّا رَضِي الله عَنهُ كَرِه الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بابِلَ
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ يدل أَيْضا على أَن مُرَاده من عقد هَذَا الْبَاب هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَن الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْخَسْف مَكْرُوهَة وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع، حدّثنا سُفْيَان حدّثنا عبد اللَّه بن شريك عَن عبد اللَّه بن أبي الْمحل العامري، قَالَ: (كُنَّا مَعَ عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، فمررنا على الْخَسْف الَّذِي بِبَابِل، فَلم يصلِّ حَتَّى أجَازه) أَي: تعداه، و: الْمحل، بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : من حَدِيث حجاج بن شَدَّاد عَن أبي صَالح الْغِفَارِيّ (عَن عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه مر بِبَابِل وَهُوَ يسير، فَجَاءَهُ الْمُؤَذّن يُؤذن بِصَلَاة الْعَصْر، فَلَمَّا بدر مِنْهَا أَمر الْمُؤَذّن، فَأَقَامَ، فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة قَالَ: إِن حَبِيبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، نهاني أَن أُصَلِّي فِي الْمقْبرَة، ونهاني أَن أُصَلِّي فِي أَرض بابل، فَإِنَّهَا ملعونة) .
قَالَ ابْن يُونُس أَبُو صَالح الْغِفَارِيّ: سعيد بن عبد الرَّحْمَن روى عَن عَليّ، وَمَا أَظُنهُ سمع مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: فِي سَنَده رجال لَا يعْرفُونَ. وَقَالَ عبد الْحق: هُوَ حَدِيث واهٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : إِسْنَاده غير قوي. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِي سَنَده مقالٌ وَلَا أعلم أحدا من الْعلمَاء حرم الصَّلَاة فِي أَرض بابل، وَقد عَارضه مَا هُوَ أصح مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: (جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا) وَيُشبه، إِن ثَبت الحَدِيث، أَن يكون نَهَاهُ أَن يتخذها وطناً ومقاماً، فَإِذا أَقَامَ بهَا كَانَت صلَاته بهَا، وَهَذَا من بَاب التَّعْلِيق فِي علم الْبَيَان قلت: أَرَادَ بهَا الْمُلَازمَة الشَّرْعِيَّة، لِأَن من لَازم إِقَامَة شخص بمَكَان أَن تكون صلَاته فِيهِ، فَيكون من بَاب إِطْلَاق الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم، وَإِنَّمَا قيدنَا الْمُلَازمَة بالشرعية لانْتِفَاء الْمُلَازمَة الْعَقْلِيَّة. وَقَالَ الْخطابِيّ أَيْضا: لَعَلَّ النَّهْي لعَلي خَاصَّة، أَلا ترى أَنه قَالَ: نهاني، وَلَعَلَّ ذَلِك إنذار مِنْهُ مَا لَقِي من المحنة بِالْكُوفَةِ، وَهِي من أَرض بابل. قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: بابل بالعراق مَدِينَة السحر مَعْرُوفَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: بابل، اسْم مَوضِع بالعراق ينْسب إِلَيْهِ السحر وَالْخمر، وَقَالَ الْأَخْفَش: لَا ينْصَرف لتأنيثه، وَذَلِكَ أَن اسْم كل شَيْء مؤنث إِذا كَانَ أَكثر من ثَلَاثَة أحرف فَإِنَّهُ لَا ينْصَرف فِي الْمعرفَة، وَقَالَ أَصْحَاب الْأَخْبَار: بنى نمْرُود المجدل، أَي: الْقصر بهَا، وَطوله فِي السَّمَاء خَمْسَة آلَاف ذِرَاع، وَهُوَ الْبُنيان الَّذِي ذكره اتعالى فِي كِتَابه الْعَزِيز، بقوله تَعَالَى: {فَأتى ابنيانهم من الْقَوَاعِد} (النَّحْل: ٦٢) وَبَات النَّاس ولسانهم سرياني فَأَصْبحُوا وَقد تَفَرَّقت لغاتهم على اثْنَيْنِ وَسبعين لِسَانا، كل يتبلبل بِلِسَانِهِ، فَسمى الْموضع بابلاً. وَقَالَ الْهَمدَانِي: وَرُبمَا سموا الْعرَاق بابلاً، قَالَ عمر بن أبي ربيعَة، وأتى الْبَصْرَة فضافه ابْن الْهلَال الْمَعْرُوف بصديق الْجِنّ:
(يَا أهل بابل مَا نفست عَلَيْكُم ... من عيشكم إلَاّ ثَلَاث خلال)
:
(مَاء الْفُرَات، وظل عَيْش بَادر ... وغنى مسمعتين لِابْنِ هِلَال)
وَذكر الطَّبَرَانِيّ فِي تَفْسِيره: بابل، اسْم قَرْيَة أَو مَوضِع من مَوَاضِع الأَرْض، وَقد اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيهَا، فَقَالَ بَعضهم، وَهُوَ السّديّ: هِيَ بابل دنباوند، وَقَالَ بَعضهم: بل ذَلِك بالعراق، ورد ذَلِك فِي حَدِيث مَرْوِيّ عَن عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا
وَاعْلَم أَنه قد وَردت أَحَادِيث فِيهَا النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي مَوَاضِع، مِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا: (أَن رَسُول الله نهى أَن يصلى فِي سَبْعَة مَوَاطِن: فِي المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطَّرِيق وَفِي الْحمام وَفِي معاطن الْإِبِل وَفَوق ظهر بَيت ا) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ: الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يصلى فِيهَا ثَلَاثَة عشر موضعا، فَذكر السَّبْعَة الْمَذْكُورَة وَزَاد: إِلَى الْمقْبرَة. وأمامك جِدَار مرحاض عَلَيْهِ نَجَاسَة والكنيسة والبيعة وَفِي قبلتك تماثيل وَفِي دَار الْعَذَاب. وَذكر غَيره، الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة وَإِلَى النَّائِم والمتحدث، وَالصَّلَاة فِي بطن الْوَادي وَالصَّلَاة فِي مَسْجِد الضرار، فَصَارَت الْجُمْلَة ثَمَانِيَة عشر موضعا.
فَنَقُول: أما المزبلة فَهِيَ الْمَكَان الَّذِي يلقى فِيهِ الزبل، وَهُوَ السرجين، وفيهَا لُغَتَانِ: فتح الْبَاء وَضمّهَا، أما الصَّلَاة فِيهَا فَإِن كَانَت بهَا نَجَاسَة فَتحرم الصَّلَاة فِيهَا من غير حَائِل، وَإِن فرش عَلَيْهَا شَيْء حَائِل بَينه وَبَينهَا انْتَفَى التَّحْرِيم وَبقيت الْكَرَاهَة. وَأما المجرزة: فَهِيَ: بِفَتْح الزَّاي: الْمَكَان الَّذِي ينْحَر فِيهِ الْإِبِل ويذبح فِيهِ الْبَقر وَالْغنم، وَهِي أَيْضا مَحل الدِّمَاء والأرواث، وَالْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي المزبلة. وَأما الْمقْبرَة: فقد مر الْكَلَام فِيهَا. وَأما قَارِعَة الطَّرِيق: فَلَمَّا فِيهَا من شغل الخاطر بمرور النَّاس ولغطهم. وَأما الْحمام: فَقَالَ أَحْمد: لَا تصح الصَّلَاة فِيهَا، وَمن صلى فِيهَا أعَاد أبدا، وَعند الْجُمْهُور يكره وَلَا يبطل، ثمَّ قيل: الْعلَّة الغسالات، وَقيل: لِأَنَّهَا مأوى الشَّيَاطِين، فعلى الأول إِذا صلى فِي مَكَان طَاهِر فِيهَا لَا يكره، وَيلْزم من الثَّانِي أَن تكره الصَّلَاة فِي غير الْحمام أَيْضا لعدم خلو الْأَمْكِنَة من الشَّيَاطِين. وَأما معاطن الْإِبِل: فقد مر الْكَلَام فِيهَا. وَأما الصَّلَاة فَوق ظهر بَيت ا: فَفِيهِ خلاف وتفصيل عرف ذَلِك من الْفُرُوع. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَلم يَصح فِيهِ حَدِيث. وَأما الصَّلَاة إِلَى جِدَار مر حاض: فَلَمَّا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن عبد اللَّه بن عَمْرو، قَالَ: (لَا يصلى إِلَى الحش) ، وَعَن عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ: (لَا تصلي تجاه حش) . وَعَن إِبْرَاهِيم: (كَانُوا يكْرهُونَ ثَلَاثَة أَبْيَات الْقبْلَة وَذكر مِنْهَا الحش) . وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَقد نَص الشَّافِعِي على أَنه لَا تكره الصَّلَاة إِذا صلى وَبَين يَدَيْهِ جيفة، وَحكى الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي (شرح التَّنْبِيه) : أَنه يكره اسْتِقْبَال الْجِدَار النَّجس والمتنجس فِي الصَّلَاة، وَقَالَ ابْن حبيب من الْمَالِكِيَّة: من تعمد الصَّلَاة إِلَى نَجَاسَة بطلت صلَاته إلَاّ أَن يكون بَعيدا جدا. وَأما الصَّلَاة فِي الْكَنِيسَة والبيعة: فكرهها الْحسن الْبَصْرِيّ، وَفِي (مُصَنف ابْن أبي شيبَة) : إِن ابْن عَبَّاس كره الصَّلَاة فِي الْكَنِيسَة إِذا كَانَت فِيهَا تصاوير، وَلم ير الشّعبِيّ وَعَطَاء وَابْن أبي رَبَاح بِالصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَة والبيعة بَأْسا وَكَذَلِكَ ابْن سِيرِين، وَصلى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز فِي الْكَنِيسَة.
وَأما الصَّلَاة إِلَى قبْلَة فِيهَا تماثيل:، فقد مر الْكَلَام فِيهَا. وَأما الصَّلَاة فِي دَار الْعَذَاب: فَلَمَّا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، وَقد ذكر عَن قريب. وَأما الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة: فَلَمَّا فِيهِ من اسْتِعْمَال حق الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فَيحرم وَتَصِح وَلَا ثَوَاب فِيهَا. وَأما الصَّلَاة إِلَى النَّائِم والمتحدث: فَلَمَّا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس النَّهْي فِي ذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه. وَأما الصَّلَاة فِي بطن الْوَادي؛ فَهُوَ خوف السَّيْل السالب للخشوع، قَالَه الرَّافِعِيّ، وَإِن لم يتَوَقَّع ذَلِك. فَيجوز أَن يُقَال: لَا كَرَاهَة. وَأما الصَّلَاة فِي مَسْجِد الضرار: فَلقَوْله تَعَالَى: {لَا تقم فِيهِ أبدا} (التَّوْبَة: ٨٠١) وَقَالَ ابْن حزم: لَا تصح الصَّلَاة فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع صَلَاة، وَقَالَ: لَا تجوز الصَّلَاة أَيْضا فِي مَسْجِد يستهزأ فِيهِ با أَو بِرَسُولِهِ، أَو بِشَيْء من الدّين، أَو فِي مَكَان يكفر فِيهِ بِشَيْء، فَإِن لم يُمكنهُ الزَّوَال وَلَا قدرَة صلى، وأجزأته صلَاته.
٣٣٤٤٩ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ دِينَارٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِي اعنهما أنَّ رسولَ قَالَ لَا تَدْخلُوا عَلى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إلَاّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ فإِنْ لَمْ تكُونُوا باكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أصَابَهُمْ. (الحَدِيث ٣٣٤ أَطْرَافه فِي: ٠٨٣٣، ١٨٣٣، ٩١٤٤، ٠٢٤٤، ٢٠٧٤) .
هَذَا الحَدِيث مُطَابق لأثر عَليّ من حَيْثُ عدم النُّزُول من النَّبِي لما مر بِالْحجرِ ديار ثَمُود فِي حَال توجهه إِلَى تَبُوك، وَمن عَليّ كَذَلِك حَيْثُ لم ينزل لما أَتَى خسف بابل، فأثر عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، مُطَابق للتَّرْجَمَة للْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَكَذَلِك حَدِيث ابْن عمر مُطَابق للتَّرْجَمَة، لِأَن المطابق للمطابق للشَّيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء، وَعدم نزولهما فيهمَا مُسْتَلْزم لعدم الصَّلَاة فيهمَا، وَعدم الصَّلَاة لأجل الْكَرَاهَة وَالْبَاب مَعْقُود لبَيَان الْكَرَاهَة، فحصلت الْمُطَابقَة فَافْهَم.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة، ذكرُوا
غير مرّة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ الْمَشْهُور بِابْن أويس.
وَمن لطائف إِسْنَاده: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع، والعنعنة فِي مَوضِع، وَأَن رُوَاته كلهم مدنيون.
وَأخرجه: البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكر، وَفِي التَّفْسِير عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن معن بن عِيسَى عَنهُ بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبين) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة: يَعْنِي ديار هَؤُلَاءِ وهم أَصْحَاب الْحجر قوم ثَمُود وَهَؤُلَاء قوم صَالح، عَلَيْهِ السَّلَام، و: الْحجر، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الْجِيم: بلد بَين الشَّام والحجاز، وَعَن قَتَادَة فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ: الْحجر اسْم الْوَادي الَّذِي كَانُوا بِهِ. وَعَن الزُّهْرِيّ: هُوَ اسْم مدينتهم، وَكَانَ نهي النَّبِي إيَّاهُم بقوله: (لَا تدْخلُوا) حِين مروا مَعَ النَّبِي بِالْحجرِ فِي حَال توجههم إِلَى تَبُوك، وللبخاري فِي (أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء) عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لَا تدْخلُوا مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم) . وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا قَالَ: (لَا تدْخلُوا) من جِهَة التشاؤم بِتِلْكَ الْبقْعَة الَّتِي نزل بهَا السخط، يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وسكنتم فِي مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم} (إِبْرَاهِيم: ٥٤) فِي مقَام التوبيخ على السّكُون فِيهَا، وَقد تشاءم بالبقعة الَّتِي نَام فِيهَا عَن الصَّلَاة، ورحل عَنْهَا ثمَّ صلى، فكراهية الصَّلَاة فِي مَوضِع الْخَسْف، أولى، ثمَّ اسْتثْنى من ذَلِك قَوْله. (إلَاّ أَن تَكُونُوا بَاكِينَ) فأباح الدُّخُول فِيهِ على وَجه الْبكاء وَالِاعْتِبَار، وَهَذَا يدل على أَن من صلى هُنَاكَ لَا تفْسد صلَاته، مَوضِع بكاء وَاعْتِبَار.
وَزَعَمت الظَّاهِرِيَّة: أَن من صلى فِي بِلَاد ثَمُود وَهُوَ غير باك فَعَلَيهِ سُجُود السَّهْو إِن كَانَ سَاهِيا، وَإِن تعمد ذَلِك بطلت صلَاته. قلت: هَذَا خلف من القَوْل إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على فَسَاد صَلَاة من لم يبك، وَإِنَّمَا فِيهِ خوف نزُول الْعَذَاب بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث أَن الدَّاخِل فِي ديار الْقَوْم الَّذين أهلكوا بخسف وَعَذَاب، إِذا دَخلهَا فَلم يجلب عَلَيْهِ مَا يرى من آثَار مَا نزل بهم بكاء، وَلم يبْعَث عَلَيْهِ حزنا إِمَّا شَفَقَة عَلَيْهِم وَإِمَّا خوفًا من حُلُول مثلهَا بِهِ، فَهُوَ قاسي الْقلب قَلِيل الْخُشُوع غير مستشعر للخوف والوجل، فَلَا يَأْمَن إِذا كَانَ حَاله كَذَلِك أَن يُصِيبهُ مَا أَصَابَهُم، وَهُوَ معنى قَوْله: (لَا يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم) . وَهُوَ بِالرَّفْع لِأَنَّهُ اسْتِئْنَاف كَلَام.
وَقَالَ بَعضهم: وَالْمعْنَى فِيهِ: لِئَلَّا يصبيكم. قلت: الْجُمْلَة الاستئنافية لَا تكون تعليلاً. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيجوز الْجَزْم على أَن: لَا ناهية وَهُوَ أوجه. قلت: هَذَا مَبْنِيّ على صِحَة الرِّوَايَة بذلك. وَقَوله: وَهُوَ أوجه، غير موجه، لِأَنَّهُ لم يبين وَجهه، وَفِي لفظ البُخَارِيّ: (أَن يُصِيبكُم) ، بِفَتْح همزَة: أَن، وَفِيه إِضْمَار تَقْدِيره: حذر أَن يُصِيبكُم، أَو خشيَة أَن يُصِيبكُم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يُصِيب عَذَاب الظَّالِمين لغَيرهم، {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} (الْأَنْعَام: ٤٦١، الْإِسْرَاء: ٥١ فاطر: ٨١، الزمر: ٧، النَّجْم: ٨٣) قلت: لَا نسلم الْإِصَابَة إِلَى غير الظَّالِم. قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} (الْأَنْفَال: ٥٢) وَأما الْآيَة الأولى فمحمولة على عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ لَا نسلم أَن الَّذِي يدْخل موضعهم وَلَا يتَضَرَّع لَيْسَ بظالم، لِأَن ترك التضرع فِيمَا يجب فِيهِ التضرع ظلم.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة على أَن ديار هَؤُلَاءِ لَا تسكن بعدهمْ وَلَا تتَّخذ وطناً لِأَن الْمُقِيم المستوطن لَا يُمكنهُ أَن يكون دهره باكياً أبدا، وَقد نهى أَن يدْخل دروهم إلَاّ بِهَذِهِ الصّفة. وَفِيه: الْمَنْع من الْمقَام بهَا والاستيطان. وَفِيه: الْإِسْرَاع عَن الْمُرُور بديار الْمُعَذَّبين، كَمَا فعل رَسُول الله فِي وَادي محسر، لِأَن أَصْحَاب الْفِيل هَلَكُوا هُنَاكَ. وَفِيه: أَمرهم بالبكاء لِأَنَّهُ ينشأ عَن التفكر فِي مثل ذَلِك، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: التفكر الَّذِي ينشأ عَنهُ الْبكاء فِي مثل ذَلِك الْمقَام يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا: تفكر يتَعَلَّق با تَعَالَى إِذْ قضى على أُولَئِكَ بالْكفْر. الثَّانِي: يتَعَلَّق بأولئك الْقَوْم إِذا بارزوا رَبهم الْكفْر وَالْفساد. الثَّالِث: يتَعَلَّق بالمار عَلَيْهِم لِأَنَّهُ وفْق للْإيمَان وَتمكن من الِاسْتِدْرَاك والمسامحة فِي الزلل. وَفِيه: الدّلَالَة على كَرَاهَة الصَّلَاة فِي مَوضِع الْخَسْف وَالْعَذَاب، وَالْبَاب مَعْقُود عَلَيْهِ.
٤٥ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْبيعَة، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: معبد النَّصَارَى، والكنيسة: معبد الْيَهُود، فَإِن قلت: إِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف عقد الْبَاب للصَّلَاة فِي الْبيعَة، وَالْمَذْكُور فِي الحَدِيث هُوَ الْكَنِيسَة؟ قلت: عقد الْبَاب هَكَذَا على قَول من لم يفرق بَينهمَا، فَإِن الْجَوْهَرِي قَالَ: الْكَنِيسَة والبيعة لِلنَّصَارَى، وَيُقَال: الْبيعَة صومعة الراهب، ذكره فِي (الْمُحكم) وَيُقَال: الْبيعَة والكنيسة لِلنَّصَارَى، والصلوات للْيَهُود، والصوامع للرهبان. وَقَالَ الدَّاودِيّ: البيع للْيَهُود، والصلوات للصابئين. وَقيل:
كالمساجد للْمُسلمين. وَقَالَ عِيَاض: وَأنكر بعض أهل اللُّغَة هَذِه الْمقَالة، وَقَالَ الجواليقي: جعل بعض الْعلمَاء الْبيعَة والكنيسة فارسيتين معربتين. وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا الْبَاب لَيْسَ مُعَارضا لباب من صلى وقدامه نَار أَو تنور، وَذَلِكَ أَن الِاخْتِيَار أَن لَا يبتدىء بِالصَّلَاةِ إِلَى شَيْء من معبودات الْكفَّار، إلَاّ أَن يعرض لَهُ، كَمَا فِي حَدِيث صَلَاة الخسوف وَعرض النَّار عَلَيْهِ، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم. قلت: تَقْرِير معنى الْمُعَارضَة بَين الْبَابَيْنِ أَن فِي هَذَا الْبَاب كَرَاهَة الصَّلَاة أَو تَحْرِيمهَا، وَفِي ذَاك الْبَاب جَوَازهَا مَعَ عدم الْكَرَاهَة، وَتَقْرِير الْجَواب أَن مَا كَانَ فِي ذَاك الْبَاب بِغَيْر الِاخْتِيَار، وَمَا فِي هَذَا الْبَاب كَقَوْل عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ: إِنَّا لَا ندخل كنائسكم، يَعْنِي بِالِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْسَان دون ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك.
وَقَالَ عُمَرُ، رَضِي اعنه، إنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ منْ أجْلِ التَّمَائِيلِ الَّتِي فِيها الصُّوَرُ
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عدم دُخُوله فِي كنائسهم لأجل الصُّور الَّتِي فِيهَا، وَلَوْلَا الصُّور وَمَا كَانَ يمْتَنع من الدُّخُول، وَعند الدُّخُول لَا تمنع الصَّلَاة، فحينئذٍ صَحَّ فعل الصَّلَاة فِي الْبيعَة من غير كَرَاهَة إِذا لم يكن فِيهَا تماثيل، وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن سهل بن سعد عَن حميد عَن بكر، قَالَ: (كتب إِلَى عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ، من نَجْرَان أَنهم لم يَجدوا مَكَانا أنظف وَلَا أَجود من بيعَة فَكتب انضحوها بِمَاء وَسدر وصلوا فِيهَا) . وَأثر عمر وَصله عبد الرَّزَّاق من طَرِيق أسلم مولى عمر، قَالَ: (لما قدم عمر الشَّام صنع لَهُ رجل من النَّصَارَى طَعَاما، وَكَانَ من عظمائهم، وَقَالَ: أَنا أحب أَن تُجِيبنِي وتكرمني. فَقَالَ لَهُ عمر: إنَّا لَا ندخل كنائسكم من أجل الصُّور الَّتِي فِيهَا) . يَعْنِي التماثيل. قَوْله: (إِنَّا لَا ندخل كنائسكم) بكاف الْخطاب، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (كنائسهم) ، بضمير الْجمع الْغَائِب. قَوْله: (الَّتِي فِيهَا الصُّور) ، جملَة إسمية، لِأَن الصُّور مُبْتَدأ مَرْفُوع، وَقَوله: (فِيهَا) خَبره، أَي: فِي الْكَنَائِس، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول وَقعت صفة للكنائس لَا للتماثيل لفساد الْمَعْنى، لِأَن التماثيل هِيَ الصُّور. ويروى الصُّور، بِالْجَرِّ، فعلى هَذَا يكون الْمَوْصُول مَعَ صلته صفة للتماثيل، وَتَكون الصُّور بِالْجَرِّ بَدَلا من: التماثيل، أَو عطف بَيَان. وَيجوز نصب الصُّور على الِاخْتِصَاص، وَوجه بَعضهم رفع الصُّور، بقوله: إِن التماثيل مصورة، وَهَذَا تَوْجِيه من لَا يعرف من الْعَرَبيَّة شَيْئا. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: والصور، بواو الْعَطف على التماثيل، وَالْمعْنَى: وَلأَجل الصُّورَة الَّتِي فِيهَا، والصور أَعم من التمثال.
وكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي البيعَةِ إِلَاّ بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ.
هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَغَوِيّ فِي الجعديات، وَزَاد فِيهِ: (فَإِن كَانَ فِيهَا تماثيل خرج فصلى فِي الْمَطَر) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِسَنَد فِيهِ خصيف، وَفِيه كَلَام: عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس أَنه كره الصَّلَاة فِي الْكَنِيسَة إِذا كَانَ فِيهَا تصاوير وَمِمَّنْ لم ير بِالصَّلَاةِ فِي الْكَنَائِس وَالْبيع بَأْسا: عَطاء وَالشعْبِيّ وَابْن سِيرِين، وَهُوَ قَول مَالك، وروى عَنهُ أَنه كره الصَّلَاة فِي الْكَنَائِس لما يُصِيب أَهله فِيهَا من الْخَنَازِير وَالْخمر، إِلَّا أَن يضْطَر إِلَى ذَلِك من شدَّة طين أَو مطر.
٤٣٤٥٩ - ح دّثنا مُحَمدٌ قَالَ أخبرنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسولِ اللَّهِ كَنيسَةً رَأَنْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ فَذَكرَتْ لَهُ مَا رَأتْ فِيهَا مِنَ الصُوَرِ فقالَ رَسولُ الله أُولَئِكَ قَوْمٌ إذَا ماتَ فِيهمُ العَبْدُ الصَّالِحُ أَو الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٤ وطرفيه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بنوا على قَبره مَسْجِدا وصوروا فِيهِ تِلْكَ الصُّور) ، لِأَن الْبَاب فِي الصَّلَاة فِي الْبيعَة، وَقد مر أَنَّهَا تكره فِي الْبيعَة إِذا كَانَت فِيهَا صور، وَهَذَا الحَدِيث ذكره فِي بَاب: هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ قبل هَذَا الْبَاب بِخَمْسَة أَبْوَاب، وَذكرنَا مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام البيكندي، كَمَا صرح بِهِ ابْن السكن فِي رِوَايَته، وَعَبدَة،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُيُوتِ رُبَّمَا صَيَّرَهَا مَقَابِرَ فَتَصِيرُ الصَّلَاةُ فِيهَا مَكْرُوهَةً، وَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَصْرَحُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٣ - بَاب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ
٤٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ.
[الحديث ٤٣٣ - أطرافه في: ٤٧٠٢، ٤٤٢٠، ٤٤١٩، ٣٣٨١، ٣٣٨٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ) أَيْ مَا حُكْمُهَا؟ وَذِكْرُ الْعَذَابِ بَعْدَ الْخَسْفِ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْخَسْفَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَذَابِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا) هَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُحِلِّ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فَمَرَرْنَا عَلَى الْخَسْفِ الَّذِي بِبَابِلَ، فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى أَجَازَهُ أَيْ تَعَدَّاهُ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُصَلِّيَ فِي أَرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: ثَلَاثَ مِرَارٍ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْخَسْفِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا خَسْفٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَفْظُهُ نَهَانِي حَبِيبِي ﷺ أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّائِقُ بِتَعْلِيقِ الْمُصَنِّفِ مَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالْخَسْفِ هُنَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الْآيَةَ، ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْأَخْبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ النُّمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ بَنَى بِبَابِلَ بُنْيَانًا عَظِيمًا يُقَالُ: إِنَّ ارْتِفَاعَهُ كَانَ خَمْسَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ حَرَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَرْضِ بَابِلَ، فَإِنْ كَانَ حَدِيثُ عَلِيٍّ ثَابِتًا فَلَعَلَّهُ نَهَاهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا وَطَنًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَقَامَ بِهَا كَانَتْ صَلَاتُهُ فِيهَا، يَعْنِي أَطْلَقَ الْمَلْزُومَ وَأَرَادَ اللَّازِمَ.
قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِعَلِيٍّ إِنْذَارًا لَهُ بِمَا لَقِيَ مِنَ الْفِتْنَةِ بِالْعِرَاقِ. قُلْتُ: وَسِيَاقُ قِصَّةِ عَلِيٍّ الْأُولَى يُبْعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ ابْنِ أُخْتِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (لَا تَدْخُلُوا) كَانَ هَذَا النَّهْيُ لَمَّا مَرُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحِجْرِ دِيَارِ ثَمُودَ فِي حَالِ تَوَجُّهِهِمْ إِلَى تَبُوكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِبَعْضِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَلَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ: لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) لَيْسَ الْمُرَادُ الِاقْتِصَارَ فِي ذَلِكَ عَلَى ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ، بَلْ دَائِمًا عِنْدَ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا الِاسْتِقْرَارُ فَالْكَيْفِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَطْلُوبَةٌ فِيهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْبَتَّةَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَوْضِعُ بُكَاءٍ وَتَضَرُّعٍ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْحَدِيثِ لِأَثَرِ عَلِيٍّ. قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ مُطَابِقٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ تَرْكُ النُّزُولِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَنَّعَ ﷺ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ وَلَمْ يُصَلِّ هُنَاكَ كَمَا صَنَعَ عَلِيٌّ فِي خَسْفِ بَابِلَ.
وَرَوَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى ابن عمر (١) (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) لأصحابه لمَّا مرُّوا معه بالحجر ديار ثمود في حال توجُّههم إلى تبوك: (لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ) بفتح الذَّال المُعجمَة، وهم قوم صالحٍ، أي: لا تدخلوا ديارهم (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) شفقةً وخوفًا من حلول مثل ذلك (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ) وعند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٨١]: «أن يصيبكم» أي: خشية أن يصيبكم (مَا أَصَابَهُمْ) من العذاب، و «يصيبُكم» بالرَّفع على الاستئناف، ولا تَنَافِيَ بين خوف إصابة العذاب وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لأنَّ الآية محمولةٌ على عذاب يوم القيامة، ووجه الخوف هنا: أنَّ البكاء يبعثه على التَّفكُّر والاعتبار، فكأنَّه أمرهم بالتَّفكُّر في أحوالٍ تُوجِب البكاء من تقدير الله على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدَّة طويلةً، ثمَّ إيقاع (٢) نقمه بهم وشدَّة عذابه، فمن مرَّ عليهم ولم يتفكَّر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال (٣)، ودلَّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن مِن أن يجرَّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم، قاله ابن حجرٍ ومن قبله الخطَّابيُّ، وقد تشاءم ﵊ بالبقعة الَّتي نام فيها عن الصَّلاة ورحل عنها ثمَّ صلَّى، فكراهية الصَّلاة في مواضع الخسف أَوْلى لأنَّ إباحة الدُّخول فيها إنَّما هو على وجه
الاعتبار والبكاء، فمن صلَّى هناك لا تفسد صلاته، لأنَّ الصَّلاة موضع البكاء والاعتبار.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤١٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٠٢].
(٥٤) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ) بكسر الباء (١) المُوحَّدة، معبد النَّصارى، كالكنائس والصَّلوات لليهود، والصَّوامع للرُّهبان، والمساجد للمسلمين، و (٢) الكنائس أيضًا للنَّصارى كالبِيعة، كما قاله الجوهريُّ، وبه تحصل المطابقة بين التَّرجمة وذكر الكنائس الآتي -إن شاء الله تعالى- في قوله: (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (﵁) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق من طريق أسلمَ مولى عمر قال: لمَّا قدم عمر الشَّام صنع له رجلٌ من النَّصارى طعامًا، وكان من عظمائهم، وقال: أحبُّ أن تجيبني (٣) وتكرمني، فقال له عمر: (إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ) بكاف الخطاب، وللأَصيليِّ: «كنائسهم» بضمير الجمع الغائب (مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرَ) جملةٌ اسميَّةٌ لأنَّ الصُّور مبتدأٌ مرفوعٌ، خبرُه: «فيها» أي: في الكنائس، والجملة صلة الموصول وقعت صفةً للكنائس، لا للتَّماثيل لفساد المعنى؛ لأنَّ التَّماثيل هي الصُّور، كذا قاله العينيُّ (٤)، وهذه رواية أبي ذَرٍّ كما
في الفرع، ووجَّهه في «المصابيح» بأن يكون خبر مبتدأٍ محذوفٍ، والصِّلة جملةٌ فعليَّةٌ، أي: الَّتي استقرَّت فيها، ووجَّهه الحافظ ابن حجرٍ بقوله: أي أنَّ التَّماثيل مُصوَّرةٌ، قال: والضَّمير على هذا للتَّماثيل، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا توجيه مَن لا (١) يعرف من العربيَّة شيئًا، وفي بعض الأصول: «الصُّور» بالجرِّ على البدل من التَّماثيل، أو عطف بيانٍ، ويكون الموصول مع صلته صفةً للتَّماثيل، وصرَّح ابن مالكٍ بجوازه عطفًا بواوٍ محذوفةٍ، وللأَصيليِّ: «والصُّورَ» بواو العطف على التَّماثيل، والمعنى: ومن أجل (٢) الصُّور الَّتي فيها، وفي روايةٍ صُحِّح عليها في الفرع وأصله (٣): «الصُّورَ» بالنَّصب على إضمار «أعني»، والتَّماثيل: جمع تمثالٍ، بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ فمُثلَّثةٍ، وبينه وبين الصُّورة (٤) عمومٌ وخصوصٌ مُطلَقٌ، فالصُّورة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَلَا يقومُونَ مَعَ النَّاس. وَقَالَ مَالك: وَأَنا أفعل ذَلِك، وَمَا قَامَ رَسُول ا، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، إلَاّ فِي بَيته. وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَسَالم وَالقَاسِم وَإِبْرَاهِيم وَنَافِع أَنهم كَانُوا يَنْصَرِفُونَ وَلَا يقومُونَ مَعَ النَّاس. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَاخْتَارَ الشَّافِعِي أَن يُصَلِّي الرجل وَحده إِذا كَانَ قَارِئًا، ثمَّ احْتج الطَّحَاوِيّ بهؤلاء بِمَا رَوَاهُ زيد بن ثَابت عَن النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (خير صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلَاّ الْمَكْتُوبَة) ، ثمَّ روى عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ لَا يُصَلِّي خلف الإِمَام فِي شهر رَمَضَان، وَرُوِيَ أَيْضا إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَذهب إِلَيْهِ الطَّحَاوِيّ أَيْضا حَتَّى قَالَ فِي آخر الْبَاب: وَذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب.
٣٥ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الخَسْفِ وَالعَذَابِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْأَمْكِنَة الَّتِي خسفت أَو نزل عَلَيْهَا الْعَذَاب، وَأبْهم حكمه حَيْثُ لم يبين: هَل هِيَ مَكْرُوهَة أَو غير جَائِزَة؟ وَلَكِن تَقْدِيره: يكره لدلَالَة أثر عَليّ، على ذَلِك، يُقَال: خسف الْمَكَان يخسف خسوفاً: ذهب فِي الأَرْض، وَخسف ابه الأَرْض خسفاً، أَي: غَابَ بِهِ فِيهَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض} (الْقَصَص: ١٨) وَخسف هُوَ فِي الأَرْض، وَخسف بِهِ، وخسوف الْعين ذهابها فِي الرَّأْس، وخسوف الْقَمَر كسوفه. قَوْله: (وَالْعَذَاب) ، من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص.
ويُذْكَرُ أنَّ عَلِيًّا رَضِي الله عَنهُ كَرِه الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بابِلَ
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ يدل أَيْضا على أَن مُرَاده من عقد هَذَا الْبَاب هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَن الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْخَسْف مَكْرُوهَة وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع، حدّثنا سُفْيَان حدّثنا عبد اللَّه بن شريك عَن عبد اللَّه بن أبي الْمحل العامري، قَالَ: (كُنَّا مَعَ عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، فمررنا على الْخَسْف الَّذِي بِبَابِل، فَلم يصلِّ حَتَّى أجَازه) أَي: تعداه، و: الْمحل، بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : من حَدِيث حجاج بن شَدَّاد عَن أبي صَالح الْغِفَارِيّ (عَن عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، أَنه مر بِبَابِل وَهُوَ يسير، فَجَاءَهُ الْمُؤَذّن يُؤذن بِصَلَاة الْعَصْر، فَلَمَّا بدر مِنْهَا أَمر الْمُؤَذّن، فَأَقَامَ، فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة قَالَ: إِن حَبِيبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، نهاني أَن أُصَلِّي فِي الْمقْبرَة، ونهاني أَن أُصَلِّي فِي أَرض بابل، فَإِنَّهَا ملعونة) .
قَالَ ابْن يُونُس أَبُو صَالح الْغِفَارِيّ: سعيد بن عبد الرَّحْمَن روى عَن عَليّ، وَمَا أَظُنهُ سمع مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: فِي سَنَده رجال لَا يعْرفُونَ. وَقَالَ عبد الْحق: هُوَ حَدِيث واهٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : إِسْنَاده غير قوي. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِي سَنَده مقالٌ وَلَا أعلم أحدا من الْعلمَاء حرم الصَّلَاة فِي أَرض بابل، وَقد عَارضه مَا هُوَ أصح مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: (جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا) وَيُشبه، إِن ثَبت الحَدِيث، أَن يكون نَهَاهُ أَن يتخذها وطناً ومقاماً، فَإِذا أَقَامَ بهَا كَانَت صلَاته بهَا، وَهَذَا من بَاب التَّعْلِيق فِي علم الْبَيَان قلت: أَرَادَ بهَا الْمُلَازمَة الشَّرْعِيَّة، لِأَن من لَازم إِقَامَة شخص بمَكَان أَن تكون صلَاته فِيهِ، فَيكون من بَاب إِطْلَاق الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم، وَإِنَّمَا قيدنَا الْمُلَازمَة بالشرعية لانْتِفَاء الْمُلَازمَة الْعَقْلِيَّة. وَقَالَ الْخطابِيّ أَيْضا: لَعَلَّ النَّهْي لعَلي خَاصَّة، أَلا ترى أَنه قَالَ: نهاني، وَلَعَلَّ ذَلِك إنذار مِنْهُ مَا لَقِي من المحنة بِالْكُوفَةِ، وَهِي من أَرض بابل. قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: بابل بالعراق مَدِينَة السحر مَعْرُوفَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: بابل، اسْم مَوضِع بالعراق ينْسب إِلَيْهِ السحر وَالْخمر، وَقَالَ الْأَخْفَش: لَا ينْصَرف لتأنيثه، وَذَلِكَ أَن اسْم كل شَيْء مؤنث إِذا كَانَ أَكثر من ثَلَاثَة أحرف فَإِنَّهُ لَا ينْصَرف فِي الْمعرفَة، وَقَالَ أَصْحَاب الْأَخْبَار: بنى نمْرُود المجدل، أَي: الْقصر بهَا، وَطوله فِي السَّمَاء خَمْسَة آلَاف ذِرَاع، وَهُوَ الْبُنيان الَّذِي ذكره اتعالى فِي كِتَابه الْعَزِيز، بقوله تَعَالَى: {فَأتى ابنيانهم من الْقَوَاعِد} (النَّحْل: ٦٢) وَبَات النَّاس ولسانهم سرياني فَأَصْبحُوا وَقد تَفَرَّقت لغاتهم على اثْنَيْنِ وَسبعين لِسَانا، كل يتبلبل بِلِسَانِهِ، فَسمى الْموضع بابلاً. وَقَالَ الْهَمدَانِي: وَرُبمَا سموا الْعرَاق بابلاً، قَالَ عمر بن أبي ربيعَة، وأتى الْبَصْرَة فضافه ابْن الْهلَال الْمَعْرُوف بصديق الْجِنّ:
(يَا أهل بابل مَا نفست عَلَيْكُم ... من عيشكم إلَاّ ثَلَاث خلال)
:
(مَاء الْفُرَات، وظل عَيْش بَادر ... وغنى مسمعتين لِابْنِ هِلَال)
وَذكر الطَّبَرَانِيّ فِي تَفْسِيره: بابل، اسْم قَرْيَة أَو مَوضِع من مَوَاضِع الأَرْض، وَقد اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيهَا، فَقَالَ بَعضهم، وَهُوَ السّديّ: هِيَ بابل دنباوند، وَقَالَ بَعضهم: بل ذَلِك بالعراق، ورد ذَلِك فِي حَدِيث مَرْوِيّ عَن عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا
وَاعْلَم أَنه قد وَردت أَحَادِيث فِيهَا النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي مَوَاضِع، مِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا: (أَن رَسُول الله نهى أَن يصلى فِي سَبْعَة مَوَاطِن: فِي المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطَّرِيق وَفِي الْحمام وَفِي معاطن الْإِبِل وَفَوق ظهر بَيت ا) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ: الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يصلى فِيهَا ثَلَاثَة عشر موضعا، فَذكر السَّبْعَة الْمَذْكُورَة وَزَاد: إِلَى الْمقْبرَة. وأمامك جِدَار مرحاض عَلَيْهِ نَجَاسَة والكنيسة والبيعة وَفِي قبلتك تماثيل وَفِي دَار الْعَذَاب. وَذكر غَيره، الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة وَإِلَى النَّائِم والمتحدث، وَالصَّلَاة فِي بطن الْوَادي وَالصَّلَاة فِي مَسْجِد الضرار، فَصَارَت الْجُمْلَة ثَمَانِيَة عشر موضعا.
فَنَقُول: أما المزبلة فَهِيَ الْمَكَان الَّذِي يلقى فِيهِ الزبل، وَهُوَ السرجين، وفيهَا لُغَتَانِ: فتح الْبَاء وَضمّهَا، أما الصَّلَاة فِيهَا فَإِن كَانَت بهَا نَجَاسَة فَتحرم الصَّلَاة فِيهَا من غير حَائِل، وَإِن فرش عَلَيْهَا شَيْء حَائِل بَينه وَبَينهَا انْتَفَى التَّحْرِيم وَبقيت الْكَرَاهَة. وَأما المجرزة: فَهِيَ: بِفَتْح الزَّاي: الْمَكَان الَّذِي ينْحَر فِيهِ الْإِبِل ويذبح فِيهِ الْبَقر وَالْغنم، وَهِي أَيْضا مَحل الدِّمَاء والأرواث، وَالْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي المزبلة. وَأما الْمقْبرَة: فقد مر الْكَلَام فِيهَا. وَأما قَارِعَة الطَّرِيق: فَلَمَّا فِيهَا من شغل الخاطر بمرور النَّاس ولغطهم. وَأما الْحمام: فَقَالَ أَحْمد: لَا تصح الصَّلَاة فِيهَا، وَمن صلى فِيهَا أعَاد أبدا، وَعند الْجُمْهُور يكره وَلَا يبطل، ثمَّ قيل: الْعلَّة الغسالات، وَقيل: لِأَنَّهَا مأوى الشَّيَاطِين، فعلى الأول إِذا صلى فِي مَكَان طَاهِر فِيهَا لَا يكره، وَيلْزم من الثَّانِي أَن تكره الصَّلَاة فِي غير الْحمام أَيْضا لعدم خلو الْأَمْكِنَة من الشَّيَاطِين. وَأما معاطن الْإِبِل: فقد مر الْكَلَام فِيهَا. وَأما الصَّلَاة فَوق ظهر بَيت ا: فَفِيهِ خلاف وتفصيل عرف ذَلِك من الْفُرُوع. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَلم يَصح فِيهِ حَدِيث. وَأما الصَّلَاة إِلَى جِدَار مر حاض: فَلَمَّا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن عبد اللَّه بن عَمْرو، قَالَ: (لَا يصلى إِلَى الحش) ، وَعَن عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ: (لَا تصلي تجاه حش) . وَعَن إِبْرَاهِيم: (كَانُوا يكْرهُونَ ثَلَاثَة أَبْيَات الْقبْلَة وَذكر مِنْهَا الحش) . وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : وَقد نَص الشَّافِعِي على أَنه لَا تكره الصَّلَاة إِذا صلى وَبَين يَدَيْهِ جيفة، وَحكى الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي (شرح التَّنْبِيه) : أَنه يكره اسْتِقْبَال الْجِدَار النَّجس والمتنجس فِي الصَّلَاة، وَقَالَ ابْن حبيب من الْمَالِكِيَّة: من تعمد الصَّلَاة إِلَى نَجَاسَة بطلت صلَاته إلَاّ أَن يكون بَعيدا جدا. وَأما الصَّلَاة فِي الْكَنِيسَة والبيعة: فكرهها الْحسن الْبَصْرِيّ، وَفِي (مُصَنف ابْن أبي شيبَة) : إِن ابْن عَبَّاس كره الصَّلَاة فِي الْكَنِيسَة إِذا كَانَت فِيهَا تصاوير، وَلم ير الشّعبِيّ وَعَطَاء وَابْن أبي رَبَاح بِالصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَة والبيعة بَأْسا وَكَذَلِكَ ابْن سِيرِين، وَصلى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز فِي الْكَنِيسَة.
وَأما الصَّلَاة إِلَى قبْلَة فِيهَا تماثيل:، فقد مر الْكَلَام فِيهَا. وَأما الصَّلَاة فِي دَار الْعَذَاب: فَلَمَّا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، وَقد ذكر عَن قريب. وَأما الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة: فَلَمَّا فِيهِ من اسْتِعْمَال حق الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فَيحرم وَتَصِح وَلَا ثَوَاب فِيهَا. وَأما الصَّلَاة إِلَى النَّائِم والمتحدث: فَلَمَّا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس النَّهْي فِي ذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه. وَأما الصَّلَاة فِي بطن الْوَادي؛ فَهُوَ خوف السَّيْل السالب للخشوع، قَالَه الرَّافِعِيّ، وَإِن لم يتَوَقَّع ذَلِك. فَيجوز أَن يُقَال: لَا كَرَاهَة. وَأما الصَّلَاة فِي مَسْجِد الضرار: فَلقَوْله تَعَالَى: {لَا تقم فِيهِ أبدا} (التَّوْبَة: ٨٠١) وَقَالَ ابْن حزم: لَا تصح الصَّلَاة فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع صَلَاة، وَقَالَ: لَا تجوز الصَّلَاة أَيْضا فِي مَسْجِد يستهزأ فِيهِ با أَو بِرَسُولِهِ، أَو بِشَيْء من الدّين، أَو فِي مَكَان يكفر فِيهِ بِشَيْء، فَإِن لم يُمكنهُ الزَّوَال وَلَا قدرَة صلى، وأجزأته صلَاته.
٣٣٤٤٩ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ دِينَارٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِي اعنهما أنَّ رسولَ قَالَ لَا تَدْخلُوا عَلى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إلَاّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ فإِنْ لَمْ تكُونُوا باكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أصَابَهُمْ. (الحَدِيث ٣٣٤ أَطْرَافه فِي: ٠٨٣٣، ١٨٣٣، ٩١٤٤، ٠٢٤٤، ٢٠٧٤) .
هَذَا الحَدِيث مُطَابق لأثر عَليّ من حَيْثُ عدم النُّزُول من النَّبِي لما مر بِالْحجرِ ديار ثَمُود فِي حَال توجهه إِلَى تَبُوك، وَمن عَليّ كَذَلِك حَيْثُ لم ينزل لما أَتَى خسف بابل، فأثر عَليّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، مُطَابق للتَّرْجَمَة للْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَكَذَلِك حَدِيث ابْن عمر مُطَابق للتَّرْجَمَة، لِأَن المطابق للمطابق للشَّيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء، وَعدم نزولهما فيهمَا مُسْتَلْزم لعدم الصَّلَاة فيهمَا، وَعدم الصَّلَاة لأجل الْكَرَاهَة وَالْبَاب مَعْقُود لبَيَان الْكَرَاهَة، فحصلت الْمُطَابقَة فَافْهَم.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة، ذكرُوا
غير مرّة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ الْمَشْهُور بِابْن أويس.
وَمن لطائف إِسْنَاده: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع، والعنعنة فِي مَوضِع، وَأَن رُوَاته كلهم مدنيون.
وَأخرجه: البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكر، وَفِي التَّفْسِير عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن معن بن عِيسَى عَنهُ بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبين) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة: يَعْنِي ديار هَؤُلَاءِ وهم أَصْحَاب الْحجر قوم ثَمُود وَهَؤُلَاء قوم صَالح، عَلَيْهِ السَّلَام، و: الْحجر، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الْجِيم: بلد بَين الشَّام والحجاز، وَعَن قَتَادَة فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ: الْحجر اسْم الْوَادي الَّذِي كَانُوا بِهِ. وَعَن الزُّهْرِيّ: هُوَ اسْم مدينتهم، وَكَانَ نهي النَّبِي إيَّاهُم بقوله: (لَا تدْخلُوا) حِين مروا مَعَ النَّبِي بِالْحجرِ فِي حَال توجههم إِلَى تَبُوك، وللبخاري فِي (أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء) عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لَا تدْخلُوا مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم) . وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا قَالَ: (لَا تدْخلُوا) من جِهَة التشاؤم بِتِلْكَ الْبقْعَة الَّتِي نزل بهَا السخط، يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وسكنتم فِي مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم} (إِبْرَاهِيم: ٥٤) فِي مقَام التوبيخ على السّكُون فِيهَا، وَقد تشاءم بالبقعة الَّتِي نَام فِيهَا عَن الصَّلَاة، ورحل عَنْهَا ثمَّ صلى، فكراهية الصَّلَاة فِي مَوضِع الْخَسْف، أولى، ثمَّ اسْتثْنى من ذَلِك قَوْله. (إلَاّ أَن تَكُونُوا بَاكِينَ) فأباح الدُّخُول فِيهِ على وَجه الْبكاء وَالِاعْتِبَار، وَهَذَا يدل على أَن من صلى هُنَاكَ لَا تفْسد صلَاته، مَوضِع بكاء وَاعْتِبَار.
وَزَعَمت الظَّاهِرِيَّة: أَن من صلى فِي بِلَاد ثَمُود وَهُوَ غير باك فَعَلَيهِ سُجُود السَّهْو إِن كَانَ سَاهِيا، وَإِن تعمد ذَلِك بطلت صلَاته. قلت: هَذَا خلف من القَوْل إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على فَسَاد صَلَاة من لم يبك، وَإِنَّمَا فِيهِ خوف نزُول الْعَذَاب بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث أَن الدَّاخِل فِي ديار الْقَوْم الَّذين أهلكوا بخسف وَعَذَاب، إِذا دَخلهَا فَلم يجلب عَلَيْهِ مَا يرى من آثَار مَا نزل بهم بكاء، وَلم يبْعَث عَلَيْهِ حزنا إِمَّا شَفَقَة عَلَيْهِم وَإِمَّا خوفًا من حُلُول مثلهَا بِهِ، فَهُوَ قاسي الْقلب قَلِيل الْخُشُوع غير مستشعر للخوف والوجل، فَلَا يَأْمَن إِذا كَانَ حَاله كَذَلِك أَن يُصِيبهُ مَا أَصَابَهُم، وَهُوَ معنى قَوْله: (لَا يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم) . وَهُوَ بِالرَّفْع لِأَنَّهُ اسْتِئْنَاف كَلَام.
وَقَالَ بَعضهم: وَالْمعْنَى فِيهِ: لِئَلَّا يصبيكم. قلت: الْجُمْلَة الاستئنافية لَا تكون تعليلاً. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيجوز الْجَزْم على أَن: لَا ناهية وَهُوَ أوجه. قلت: هَذَا مَبْنِيّ على صِحَة الرِّوَايَة بذلك. وَقَوله: وَهُوَ أوجه، غير موجه، لِأَنَّهُ لم يبين وَجهه، وَفِي لفظ البُخَارِيّ: (أَن يُصِيبكُم) ، بِفَتْح همزَة: أَن، وَفِيه إِضْمَار تَقْدِيره: حذر أَن يُصِيبكُم، أَو خشيَة أَن يُصِيبكُم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يُصِيب عَذَاب الظَّالِمين لغَيرهم، {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} (الْأَنْعَام: ٤٦١، الْإِسْرَاء: ٥١ فاطر: ٨١، الزمر: ٧، النَّجْم: ٨٣) قلت: لَا نسلم الْإِصَابَة إِلَى غير الظَّالِم. قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} (الْأَنْفَال: ٥٢) وَأما الْآيَة الأولى فمحمولة على عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ لَا نسلم أَن الَّذِي يدْخل موضعهم وَلَا يتَضَرَّع لَيْسَ بظالم، لِأَن ترك التضرع فِيمَا يجب فِيهِ التضرع ظلم.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة على أَن ديار هَؤُلَاءِ لَا تسكن بعدهمْ وَلَا تتَّخذ وطناً لِأَن الْمُقِيم المستوطن لَا يُمكنهُ أَن يكون دهره باكياً أبدا، وَقد نهى أَن يدْخل دروهم إلَاّ بِهَذِهِ الصّفة. وَفِيه: الْمَنْع من الْمقَام بهَا والاستيطان. وَفِيه: الْإِسْرَاع عَن الْمُرُور بديار الْمُعَذَّبين، كَمَا فعل رَسُول الله فِي وَادي محسر، لِأَن أَصْحَاب الْفِيل هَلَكُوا هُنَاكَ. وَفِيه: أَمرهم بالبكاء لِأَنَّهُ ينشأ عَن التفكر فِي مثل ذَلِك، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: التفكر الَّذِي ينشأ عَنهُ الْبكاء فِي مثل ذَلِك الْمقَام يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا: تفكر يتَعَلَّق با تَعَالَى إِذْ قضى على أُولَئِكَ بالْكفْر. الثَّانِي: يتَعَلَّق بأولئك الْقَوْم إِذا بارزوا رَبهم الْكفْر وَالْفساد. الثَّالِث: يتَعَلَّق بالمار عَلَيْهِم لِأَنَّهُ وفْق للْإيمَان وَتمكن من الِاسْتِدْرَاك والمسامحة فِي الزلل. وَفِيه: الدّلَالَة على كَرَاهَة الصَّلَاة فِي مَوضِع الْخَسْف وَالْعَذَاب، وَالْبَاب مَعْقُود عَلَيْهِ.
٤٥ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْبيعَة، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة: معبد النَّصَارَى، والكنيسة: معبد الْيَهُود، فَإِن قلت: إِذا كَانَ كَذَلِك فَكيف عقد الْبَاب للصَّلَاة فِي الْبيعَة، وَالْمَذْكُور فِي الحَدِيث هُوَ الْكَنِيسَة؟ قلت: عقد الْبَاب هَكَذَا على قَول من لم يفرق بَينهمَا، فَإِن الْجَوْهَرِي قَالَ: الْكَنِيسَة والبيعة لِلنَّصَارَى، وَيُقَال: الْبيعَة صومعة الراهب، ذكره فِي (الْمُحكم) وَيُقَال: الْبيعَة والكنيسة لِلنَّصَارَى، والصلوات للْيَهُود، والصوامع للرهبان. وَقَالَ الدَّاودِيّ: البيع للْيَهُود، والصلوات للصابئين. وَقيل:
كالمساجد للْمُسلمين. وَقَالَ عِيَاض: وَأنكر بعض أهل اللُّغَة هَذِه الْمقَالة، وَقَالَ الجواليقي: جعل بعض الْعلمَاء الْبيعَة والكنيسة فارسيتين معربتين. وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا الْبَاب لَيْسَ مُعَارضا لباب من صلى وقدامه نَار أَو تنور، وَذَلِكَ أَن الِاخْتِيَار أَن لَا يبتدىء بِالصَّلَاةِ إِلَى شَيْء من معبودات الْكفَّار، إلَاّ أَن يعرض لَهُ، كَمَا فِي حَدِيث صَلَاة الخسوف وَعرض النَّار عَلَيْهِ، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم. قلت: تَقْرِير معنى الْمُعَارضَة بَين الْبَابَيْنِ أَن فِي هَذَا الْبَاب كَرَاهَة الصَّلَاة أَو تَحْرِيمهَا، وَفِي ذَاك الْبَاب جَوَازهَا مَعَ عدم الْكَرَاهَة، وَتَقْرِير الْجَواب أَن مَا كَانَ فِي ذَاك الْبَاب بِغَيْر الِاخْتِيَار، وَمَا فِي هَذَا الْبَاب كَقَوْل عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ: إِنَّا لَا ندخل كنائسكم، يَعْنِي بِالِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْسَان دون ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك.
وَقَالَ عُمَرُ، رَضِي اعنه، إنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ منْ أجْلِ التَّمَائِيلِ الَّتِي فِيها الصُّوَرُ
مُطَابقَة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عدم دُخُوله فِي كنائسهم لأجل الصُّور الَّتِي فِيهَا، وَلَوْلَا الصُّور وَمَا كَانَ يمْتَنع من الدُّخُول، وَعند الدُّخُول لَا تمنع الصَّلَاة، فحينئذٍ صَحَّ فعل الصَّلَاة فِي الْبيعَة من غير كَرَاهَة إِذا لم يكن فِيهَا تماثيل، وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن سهل بن سعد عَن حميد عَن بكر، قَالَ: (كتب إِلَى عمر، رَضِي اتعالى عَنهُ، من نَجْرَان أَنهم لم يَجدوا مَكَانا أنظف وَلَا أَجود من بيعَة فَكتب انضحوها بِمَاء وَسدر وصلوا فِيهَا) . وَأثر عمر وَصله عبد الرَّزَّاق من طَرِيق أسلم مولى عمر، قَالَ: (لما قدم عمر الشَّام صنع لَهُ رجل من النَّصَارَى طَعَاما، وَكَانَ من عظمائهم، وَقَالَ: أَنا أحب أَن تُجِيبنِي وتكرمني. فَقَالَ لَهُ عمر: إنَّا لَا ندخل كنائسكم من أجل الصُّور الَّتِي فِيهَا) . يَعْنِي التماثيل. قَوْله: (إِنَّا لَا ندخل كنائسكم) بكاف الْخطاب، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (كنائسهم) ، بضمير الْجمع الْغَائِب. قَوْله: (الَّتِي فِيهَا الصُّور) ، جملَة إسمية، لِأَن الصُّور مُبْتَدأ مَرْفُوع، وَقَوله: (فِيهَا) خَبره، أَي: فِي الْكَنَائِس، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول وَقعت صفة للكنائس لَا للتماثيل لفساد الْمَعْنى، لِأَن التماثيل هِيَ الصُّور. ويروى الصُّور، بِالْجَرِّ، فعلى هَذَا يكون الْمَوْصُول مَعَ صلته صفة للتماثيل، وَتَكون الصُّور بِالْجَرِّ بَدَلا من: التماثيل، أَو عطف بَيَان. وَيجوز نصب الصُّور على الِاخْتِصَاص، وَوجه بَعضهم رفع الصُّور، بقوله: إِن التماثيل مصورة، وَهَذَا تَوْجِيه من لَا يعرف من الْعَرَبيَّة شَيْئا. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: والصور، بواو الْعَطف على التماثيل، وَالْمعْنَى: وَلأَجل الصُّورَة الَّتِي فِيهَا، والصور أَعم من التمثال.
وكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي البيعَةِ إِلَاّ بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ.
هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَغَوِيّ فِي الجعديات، وَزَاد فِيهِ: (فَإِن كَانَ فِيهَا تماثيل خرج فصلى فِي الْمَطَر) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِسَنَد فِيهِ خصيف، وَفِيه كَلَام: عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس أَنه كره الصَّلَاة فِي الْكَنِيسَة إِذا كَانَ فِيهَا تصاوير وَمِمَّنْ لم ير بِالصَّلَاةِ فِي الْكَنَائِس وَالْبيع بَأْسا: عَطاء وَالشعْبِيّ وَابْن سِيرِين، وَهُوَ قَول مَالك، وروى عَنهُ أَنه كره الصَّلَاة فِي الْكَنَائِس لما يُصِيب أَهله فِيهَا من الْخَنَازِير وَالْخمر، إِلَّا أَن يضْطَر إِلَى ذَلِك من شدَّة طين أَو مطر.
٤٣٤٥٩ - ح دّثنا مُحَمدٌ قَالَ أخبرنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسولِ اللَّهِ كَنيسَةً رَأَنْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ فَذَكرَتْ لَهُ مَا رَأتْ فِيهَا مِنَ الصُوَرِ فقالَ رَسولُ الله أُولَئِكَ قَوْمٌ إذَا ماتَ فِيهمُ العَبْدُ الصَّالِحُ أَو الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٤ وطرفيه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بنوا على قَبره مَسْجِدا وصوروا فِيهِ تِلْكَ الصُّور) ، لِأَن الْبَاب فِي الصَّلَاة فِي الْبيعَة، وَقد مر أَنَّهَا تكره فِي الْبيعَة إِذا كَانَت فِيهَا صور، وَهَذَا الحَدِيث ذكره فِي بَاب: هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ قبل هَذَا الْبَاب بِخَمْسَة أَبْوَاب، وَذكرنَا مَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام البيكندي، كَمَا صرح بِهِ ابْن السكن فِي رِوَايَته، وَعَبدَة،