«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤٢٣

الحديث رقم ٤٤٢٣ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٤٢٣ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».

بَابُ كِتَابُِ النَّبِيِّ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ

إسناد حديث رقم ٤٤٢٣ من صحيح البخاري

٤٤٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٤٢٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ هلَالٍ، (وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى) هُوَ الْمَازِنِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الزَّكَاةِ وَفِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ.

٤٤٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِيهِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُ تَتَعَلَّقُ بِبَقِيَّةِ قِصَّةِ تَبُوكَ.

قَوْلُهُ: (عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ.

قَوْلُهُ: (ذَهَبَ النَّبِيُّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقُمْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) كَذَا فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَيَانَ مَنْ رَوَاهُ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ بَقِيَّةَ شَرْحِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ تَبُوكَ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَسْحِ كَمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يُصَلِّي بِهِمْ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ يُتِمُّ صَلَاتَهُ. فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاسَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : دَعْهُ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْغَزْوِ.

٨٢ - بَاب كِتَابِ النَّبِيِّ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ

٤٤٢٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.

٤٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: "لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَة".

[الحديث ٤٤٢٥ - طرفه في: ٧٠٩٩]

٤٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ يَقُولُ "أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الْغِلْمَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ نَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّهِ " وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ"

٤٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ السَّائِبِ، أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ

الصِّبْيَانِ نَتَلَقَّى النَّبِيَّ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ مَقْدَمَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ) أَمَّا كِسْرَى فَهُوَ ابْنُ بَرْوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشَرْوَانَ. وَهُوَ كِسْرَى الْكَبِيرُ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ هُوَ أَنُوشَرْوَانُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ النَّبِيَّ أَخْبَرَ أَنَّ زُرْبَانَ ابْنَهُ يَقْتُلُهُ، وَالَّذِي قَتَلَهُ ابْنُهُ هُوَ كِسْرَى بْنُ بَرْوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ. وَكِسْرَى بِفَتْح الْكَافِ وَبِكَسْرِهَا لَقَبُ كُلِّ مَنْ تَمَلَّكَ الْفُرْسَ، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُظَفَّرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ضَبْطِ كَافِهِ فِي: عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا قَيْصَرُ فَهُوَ هِرَقْلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَأْنُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقَ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنِ سَعْدٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِلْمِ عَالِيًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.

قَوْلُهُ: (مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ أَنَّهُ خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ مَاتَ بِأُحُدٍ فَتَأَيَّمَتْ مِنْهُ حَفْصَةُ وَبَعْثُ الرُّسُلِ كَانَ بَعْدَ الْهُدْنَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى أَخِي كَامِلِ بْنِ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ وَفِيهِ: وَبَعَثَ كِتَابًا إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ بَعَثَ بِهِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَذَا قَالَ، وَعَبْدُ اللَّهِ ضَعِيفٌ فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ كَتَبَ إِلَى مَلِكِ فَارِسَ مَرَّتَيْنِ وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ.

قَوْلُهُ: (إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ) هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى الْعَبْدِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَدَفَعَهُ) الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُ الْكِتَابَ فَأَعْطَاهُ لِقَاصِدِهِ عِنْدَهُ فَتَوَجَّهَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى كِسْرَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْذِرُ تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَاصِدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَاصِدُ لَمْ يُبَاشِرْ إِعْطَاءَ كِسْرَى بِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِ الْمُلُوكِ فَيَزْدَادُ التَّقْدِيرُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَرَأَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وللْكُشْمِيهَنِيِّ: فَلَمَّا قَرَأَهُ وَفِيهِ مَجَازٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (مَزَّقَهُ) أَيْ قَطَّعَهُ.

قَوْلُهُ: (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ) الْقَائِلُ هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ مُرْسَلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ صَاحِبِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ أَيْ عَلَى كِسْرَى وَجُنُودِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ يَتَفَرَّقُوا وَيَتَقَطَّعُوا وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُ وَكَتَبَ إِلَى بَاذَانَ عَامِلِهِ عَلَى الْيَمَنِ: ابْعَثْ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ، فَكَتَبَ بَاذَانُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: أَبْلِغَا صَاحِبَكُمَا أَنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ، وَإِنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَسِرْ إِلَيْهِ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ابْعَثْ بِرَأْسِهِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ بَاذَانَ أَسْلَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفُرْسِ.

(تَنْبِيهٌ) جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّ بَعْثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ مِنْ حَدِيثِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: مُنْصَرَفِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَصَنِيعُ الْبُخَارِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَكَرَ فِي آخَرِ الْبَابِ حَدِيثَ السَّائِبِ أَنَّهُ تَلَقَّى النَّبِيَّ لَمَّا رَجَعَ مِنَ تَبُوكَ إِشَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْتُ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِتَبُوكَ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ غَيْرُ الْمَرَّةِ الَّتِي كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ.

وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَرَجَ

رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِلنَّاسِ كَافَّةً، فَأَدُّوا عَنِّي وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى، وَسَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ بِالْيَمَامَةِ، وَالْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى بِهَجَرَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ، وَعَبَّادٍ ابْنَيِ الْجُلَنْدِيِّ بِعُمَانَ، وَدِحْيَةَ إِلَى قَيْصَرَ، وَشُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى ابْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَرَجَعُوا جَمِيعًا قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ، غَيْرَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: وَزَادَ أَصْحَابُ السِّيَرِ أَنَّهُ بَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كَلَالٍ، وَجرِيرًا إِلَى ذِي الْكَلَاعِ، وَالسَّائِبِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَحَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّجَاشِيَّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ مَعَ هَؤُلَاءِ غَيْرُ النَّجَاشِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) هُوَ الْأَعْرَابِيُّ (وَالْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَسَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الصُّلْحِ.

قَوْلُهُ: (نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَيَّامَ الْجَمَلِ) فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: نَفَعَنِي اللَّهُ أَيَّامَ الْجَمَلِ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَـ أَيَّامَ يَتَعَلَّقُ بِـ نَفَعَنِي لَا بِـ سَمِعْتُهَا فَإِنَّهُ سَمِعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا، وَالْمُرَادُ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ الْعَسْكَرُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (بَعْدَمَا كِدْتُ أَلْحَقُ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ) يَعْنِي عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمُحَصَّلُهَا أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا قُتِلَ وَبُويِعَ عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ خَرَجَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدَا عَائِشَةَ وَكَانَتْ قَدْ حَجَّتْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ يَسْتَنْفِرُونَ النَّاسَ لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلَ، وَنُسِبَتْ إِلَى الْجَمَلِ الَّذِي كَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ رَكِبَتْهُ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِصْلَاحِ، وَالْقَائِلُ: لَمَّا بَلَغَ هُوَ أَبُو بَكْرَةَ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكَلِمَةِ عَلَى الْكَلَامِ الْكَثِيرِ.

قَوْلُهُ: (مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى) هِيَ بُورَانُ بِنْتُ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى بْنِ بَرْوِيزَ، وَذَلِكَ أَنَّ شِيرَوَيْهِ لَمَّا قَتَلَ أَبَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ أَبُوهُ لَمَّا عَرَفَ أَنَّ ابْنَهُ قَدْ عَمِلَ عَلَى قَتْلِهِ احْتَالَ عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَمِلَ فِي بَعْضِ خَزَائِنِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ حُقًّا مَسْمُومًا وَكَتَبَ عَلَيْهِ: حُقُّ الْجِمَاعِ، مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُ كَذَا جَامَعَ كَذَا. فَقَرَأَهُ شِيرَوَيْهِ، فَتَنَاوَلَ مِنْهُ فَكَانَ فِيهِ هَلَاكُهُ، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ أَبِيهِ سِوَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يُخَلِّفْ أَخًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَتَلَ إِخْوَتَهُ حِرْصًا عَلَى الْمُلْكِ وَلَمْ يُخَلِّفْ ذَكَرًا، وَكَرِهُوا خُرُوجَ الْمُلْكِ عَنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ فَمَلَّكُوا الْمَرْأَةَ وَاسْمُهَا بُورَانُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَغَازِي. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا أَنَّ أُخْتَهَا أَرْزَمِيدَخْتَ مَلَكَتْ أَيْضًا.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَلِي الْإِمَارَةَ وَلَا الْقَضَاءَ، وَفِيهِ: أَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَلَا تَلِي الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِهَا، كَذَا قَالَ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَنْ تَلِيَ الْإِمَارَةَ وَالْقَضَاءَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَجَازَهُ الطَّبَرِيُّ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَلِي الْحُكْمَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَتِمَّةُ قِصَّةِ كِسْرَى الَّذِي مَزَّقَ كِتَابَ النَّبِيِّ ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ابْنَهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ قَتَلَ إِخْوَتَهُ حَتَّى أَفْضَى الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى تَأْمِيرِ الْمَرْأَةِ، فَجَرَّ ذَلِكَ إِلَى ذَهَابِ مُلْكِهِمْ وَمُزِّقُوا كَمَا دَعَا بِهِ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ) هُوَ مَوْصُولٌ، وَلَكِنْ بَيَّنَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّةً الْغِلْمَانَ وَمَرَّةً الصِّبْيَانَ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى. ثُمَّ سَاقَهُ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مَقْدَمَهُ مِنْ تَبُوكَ فَأَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ لَا مِنْ جِهَةِ تَبُوكَ، بَلْ هِيَ مُقَابِلُهَا كَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَنِيَّةٌ أُخْرَى فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَالثَّنِيَّةُ مَا ارْتَفَعَ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ. قُلْتُ: لَا يَمْنَعُ كَوْنُهَا مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ الْمُسَافِرِ إِلَى الشَّامِ مِنْ جِهَتِهَا، وَهَذَا وَاضِحٌ كَمَا فِي دُخُولِ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةٍ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا مِنْ أُخْرَى، وَيَنْتَهِي

كِلَاهُمَا إِلَى طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ رُوِّينَا بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ فِي الْحَلَبِيَّاتِ قَوْلَ النِّسْوَةِ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ:

طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ

فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِهِ فِي الْهِجْرَةِ وَقِيلَ: عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

(تَنْبِيهٌ): فِي إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ آخِرَ هَذَا الْبَابِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِرْسَالَ الْكُتُبِ إِلَى الْمُلُوكِ كَانَ فِي سَنَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَاتَبَ الْمُلُوكَ فِي سَنَةِ الْهُدْنَةِ كَقَيْصَرَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ كَاتَبَ قَيْصَرَ مَرَّتَيْنِ، وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهَا فِي: مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَكَاتَبَ النَّجَاشِيَّ الَّذِي أَسْلَمَ وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ، ثُمَّ كَاتَبَ النَّجَاشِيَّ الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ وَكَانَ كَافِرًا، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ إِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَسَمَّى مِنْهُمْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيَّ، قَالَ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ.

٨٣ - بَاب مَرَضِ النَّبِيِّ وَوَفَاتِهِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذِهِ الْآيَةِ لِهَذَا الْبَابِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَابِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ مَرَضِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ فَكَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ كَمَا سَيَأْتِي. وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ لِأَبِي مَعْشَرٍ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَفِي السِّيرَةِ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَيْتِ رَيْحَانَةَ ; وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَقِيلَ: يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ مَرَضِهِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: بِزِيَادَةِ يَوْمٍ، وَقِيلَ: بِنَقْصِهِ. وَالْقَوْلَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَصَدَرَ بِالثَّانِي، وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَكَادَ يَكُونُ إِجْمَاعًا، لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ فِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْهُ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّيْثِ، وَالْخَوَارِزْمِيِّ، وَابْنِ زَبْرٍ: مَاتَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ أَبِي مِخْنَفٍ، وَالْكَلْبِيِّ: فِي ثَانِيهِ وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَتَنَزَّلُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّتِهِ ثَمَانِينَ يَوْمًا.

وَقِيلَ: أَحَدًا وَثَمَانِينَ، وَأَمَّا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّتِهِ تِسْعِينَ يَوْمًا أَوْ أَحَدًا وَتِسْعِينَ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَعْنِي كَوْنَهُ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَا الْحَجَّةِ كَانَ أَوَّلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَمَهْمَا فُرِضَتِ الشُّهُورُ الثَّلَاثَةُ تَوْامٌ أَوْ نَوَاقِصُ أَوْ بَعْضُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.

وَأَجَابَ الْبَارِزِيُّ ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ بِاحْتِمَالِ وُقُوعِ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ كَوَامِلَ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ فَرَآهُ أَهْلُ مَكَّةَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَلَمْ يَرَهُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَحَصَلَتِ الْوَقْفَةُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرَّخُوا بِرُؤْيَةِ أَهْلِهَا فَكَانَ أَوَّلُ ذِي الْحَجَّةِ الْجُمُعَةَ وَآخِرُهُ السَّبْتَ، وَأَوَّلُ الْمُحَرَّمِ الْأَحَدَ وَآخِرُهُ الِاثْنَيْنِ، وَأَوَّلُ صَفَرٍ الثُّلَاثَاءَ وَآخِرُهُ الْأَرْبِعَاءَ، وَأَوَّلُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الْخَمِيسَ فَيَكُونُ ثَانِي عَشَرَهُ الِاثْنَيْنِ، وَهَذَا الْجَوَابُ بَعِيدٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ تَوَالِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَوَامِلَ، وَقَدْ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ صَفَرٌ نَاقِصًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرٍ السَّبْتَ إِلَّا إِنْ كَانَ ذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ نَاقِصَيْنِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ نَقْصُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ

مُتَوَالِيَةٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَاتَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ اثْنَانِ نَاقِصَيْنِ وَوَاحِدٌ كَامِلًا، وَلِهَذَا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ.

وَفِي الْمَغَازِي لِأَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ صَفَرٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ الْمُقْتَضِي لِأَنَّ أَوَّلَ صَفَرٍ كَانَ السَّبْتَ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ فَاشْتَكَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَيَرِدُ عَلَى هَذَا الْإِشْكَالِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرٍ الْأَحَدَ فيَكُونَ تَاسِعُ عِشْرِينِهِ الْأَرْبِعَاءَ؟ وَالْغَرَضُ أَنَّ ذَو الْحَجَّةِ أَوَّلُهُ الْخَمِيسُ، فَلَوْ فُرِضَ هُوَ وَالْمُحَرَّمُ كَامِلَيْنِ لَكَانَ أَوَّلُ صَفَرٍ الِاثْنَيْنِ، فَكَيْفَ يَتَأَخَّرُ إِلَى الْأَرْبِعَاءِ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، وَكَأَنَّ سَبَبَ غَلَطِ غَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَاتَ فِي ثَانِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَتَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ ثَانِي عَشَرَ، وَاسْتَمَرَّ الْوَهْمُ بِذَلِكَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ بِجَوَابٍ آخَرَ فَقَالَ. يُحْمَلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ أَيْ بِأَيَّامِهَا فَيَكُونُ مَوْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَيُفْرَضُ الشُّهُورُ كَوَامِلَ فَيَصِحُّ قَوْلُ الْجُمْهُورُ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا يُعَكِّرُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ زِيَادَةِ مُخَالَفَةِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي قَوْلِهِمْ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ فَإِنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهَا إِلَّا مُضِيَّ اللَّيَالِي، وَيَكُونُ مَا أُرِّخَ بِذَلِكَ وَاقِعًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.

٤٤٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) هِيَ وَالِدَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.

٤٤٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ فَسَأَلَ عُمَرُ، ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ) هُوَ مِنْ إِقَامَةِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: كَانَ عُمَرُ يَسْأَلُنِي مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ أَتَمَّ سِيَاقًا وَأَكْثَرَ فَوَائِدَ، وَأَطَلْنَا بِشَرْحِهِ عَلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ، وَتَقَدَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ أَشَدَّ مَا كَانَ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَالَ النَّبِيُّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ هلَالٍ، (وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى) هُوَ الْمَازِنِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الزَّكَاةِ وَفِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ لِلْخِدْمَةِ.

٤٤٢٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِيهِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُ تَتَعَلَّقُ بِبَقِيَّةِ قِصَّةِ تَبُوكَ.

قَوْلُهُ: (عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ.

قَوْلُهُ: (ذَهَبَ النَّبِيُّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقُمْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) كَذَا فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَيَانَ مَنْ رَوَاهُ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ بَقِيَّةَ شَرْحِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ تَبُوكَ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمَسْحِ كَمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يُصَلِّي بِهِمْ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ يُتِمُّ صَلَاتَهُ. فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاسَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : دَعْهُ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْغَزْوِ.

٨٢ - بَاب كِتَابِ النَّبِيِّ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ

٤٤٢٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.

٤٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: "لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَة".

[الحديث ٤٤٢٥ - طرفه في: ٧٠٩٩]

٤٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ يَقُولُ "أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الْغِلْمَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ نَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّهِ " وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ"

٤٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ السَّائِبِ، أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ

الصِّبْيَانِ نَتَلَقَّى النَّبِيَّ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ مَقْدَمَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ) أَمَّا كِسْرَى فَهُوَ ابْنُ بَرْوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشَرْوَانَ. وَهُوَ كِسْرَى الْكَبِيرُ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ هُوَ أَنُوشَرْوَانُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ النَّبِيَّ أَخْبَرَ أَنَّ زُرْبَانَ ابْنَهُ يَقْتُلُهُ، وَالَّذِي قَتَلَهُ ابْنُهُ هُوَ كِسْرَى بْنُ بَرْوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ. وَكِسْرَى بِفَتْح الْكَافِ وَبِكَسْرِهَا لَقَبُ كُلِّ مَنْ تَمَلَّكَ الْفُرْسَ، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُظَفَّرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ضَبْطِ كَافِهِ فِي: عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا قَيْصَرُ فَهُوَ هِرَقْلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَأْنُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقَ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنِ سَعْدٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِلْمِ عَالِيًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.

قَوْلُهُ: (مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ أَنَّهُ خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ مَاتَ بِأُحُدٍ فَتَأَيَّمَتْ مِنْهُ حَفْصَةُ وَبَعْثُ الرُّسُلِ كَانَ بَعْدَ الْهُدْنَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى أَخِي كَامِلِ بْنِ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ وَفِيهِ: وَبَعَثَ كِتَابًا إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ بَعَثَ بِهِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَذَا قَالَ، وَعَبْدُ اللَّهِ ضَعِيفٌ فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ كَتَبَ إِلَى مَلِكِ فَارِسَ مَرَّتَيْنِ وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ.

قَوْلُهُ: (إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ) هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى الْعَبْدِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَدَفَعَهُ) الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُ الْكِتَابَ فَأَعْطَاهُ لِقَاصِدِهِ عِنْدَهُ فَتَوَجَّهَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى كِسْرَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْذِرُ تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَاصِدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَاصِدُ لَمْ يُبَاشِرْ إِعْطَاءَ كِسْرَى بِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِ الْمُلُوكِ فَيَزْدَادُ التَّقْدِيرُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَرَأَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وللْكُشْمِيهَنِيِّ: فَلَمَّا قَرَأَهُ وَفِيهِ مَجَازٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (مَزَّقَهُ) أَيْ قَطَّعَهُ.

قَوْلُهُ: (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ) الْقَائِلُ هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ مُرْسَلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ صَاحِبِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ أَيْ عَلَى كِسْرَى وَجُنُودِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ يَتَفَرَّقُوا وَيَتَقَطَّعُوا وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُ وَكَتَبَ إِلَى بَاذَانَ عَامِلِهِ عَلَى الْيَمَنِ: ابْعَثْ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ، فَكَتَبَ بَاذَانُ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: أَبْلِغَا صَاحِبَكُمَا أَنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ، وَإِنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَسِرْ إِلَيْهِ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ابْعَثْ بِرَأْسِهِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ بَاذَانَ أَسْلَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفُرْسِ.

(تَنْبِيهٌ) جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّ بَعْثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ مِنْ حَدِيثِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: مُنْصَرَفِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَصَنِيعُ الْبُخَارِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَكَرَ فِي آخَرِ الْبَابِ حَدِيثَ السَّائِبِ أَنَّهُ تَلَقَّى النَّبِيَّ لَمَّا رَجَعَ مِنَ تَبُوكَ إِشَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْتُ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِتَبُوكَ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ غَيْرُ الْمَرَّةِ الَّتِي كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ.

وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَرَجَ

رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِلنَّاسِ كَافَّةً، فَأَدُّوا عَنِّي وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى، وَسَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ بِالْيَمَامَةِ، وَالْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى بِهَجَرَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ، وَعَبَّادٍ ابْنَيِ الْجُلَنْدِيِّ بِعُمَانَ، وَدِحْيَةَ إِلَى قَيْصَرَ، وَشُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى ابْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَرَجَعُوا جَمِيعًا قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ، غَيْرَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: وَزَادَ أَصْحَابُ السِّيَرِ أَنَّهُ بَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كَلَالٍ، وَجرِيرًا إِلَى ذِي الْكَلَاعِ، وَالسَّائِبِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَحَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّجَاشِيَّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ مَعَ هَؤُلَاءِ غَيْرُ النَّجَاشِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) هُوَ الْأَعْرَابِيُّ (وَالْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَسَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الصُّلْحِ.

قَوْلُهُ: (نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَيَّامَ الْجَمَلِ) فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: نَفَعَنِي اللَّهُ أَيَّامَ الْجَمَلِ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَـ أَيَّامَ يَتَعَلَّقُ بِـ نَفَعَنِي لَا بِـ سَمِعْتُهَا فَإِنَّهُ سَمِعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا، وَالْمُرَادُ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ الْعَسْكَرُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (بَعْدَمَا كِدْتُ أَلْحَقُ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ) يَعْنِي عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمُحَصَّلُهَا أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا قُتِلَ وَبُويِعَ عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ خَرَجَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدَا عَائِشَةَ وَكَانَتْ قَدْ حَجَّتْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ يَسْتَنْفِرُونَ النَّاسَ لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلَ، وَنُسِبَتْ إِلَى الْجَمَلِ الَّذِي كَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ رَكِبَتْهُ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِصْلَاحِ، وَالْقَائِلُ: لَمَّا بَلَغَ هُوَ أَبُو بَكْرَةَ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكَلِمَةِ عَلَى الْكَلَامِ الْكَثِيرِ.

قَوْلُهُ: (مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى) هِيَ بُورَانُ بِنْتُ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى بْنِ بَرْوِيزَ، وَذَلِكَ أَنَّ شِيرَوَيْهِ لَمَّا قَتَلَ أَبَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ أَبُوهُ لَمَّا عَرَفَ أَنَّ ابْنَهُ قَدْ عَمِلَ عَلَى قَتْلِهِ احْتَالَ عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَمِلَ فِي بَعْضِ خَزَائِنِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ حُقًّا مَسْمُومًا وَكَتَبَ عَلَيْهِ: حُقُّ الْجِمَاعِ، مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُ كَذَا جَامَعَ كَذَا. فَقَرَأَهُ شِيرَوَيْهِ، فَتَنَاوَلَ مِنْهُ فَكَانَ فِيهِ هَلَاكُهُ، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ أَبِيهِ سِوَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يُخَلِّفْ أَخًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَتَلَ إِخْوَتَهُ حِرْصًا عَلَى الْمُلْكِ وَلَمْ يُخَلِّفْ ذَكَرًا، وَكَرِهُوا خُرُوجَ الْمُلْكِ عَنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ فَمَلَّكُوا الْمَرْأَةَ وَاسْمُهَا بُورَانُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَغَازِي. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا أَنَّ أُخْتَهَا أَرْزَمِيدَخْتَ مَلَكَتْ أَيْضًا.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَلِي الْإِمَارَةَ وَلَا الْقَضَاءَ، وَفِيهِ: أَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَلَا تَلِي الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِهَا، كَذَا قَالَ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَنْ تَلِيَ الْإِمَارَةَ وَالْقَضَاءَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَجَازَهُ الطَّبَرِيُّ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَلِي الْحُكْمَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَتِمَّةُ قِصَّةِ كِسْرَى الَّذِي مَزَّقَ كِتَابَ النَّبِيِّ ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ابْنَهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ قَتَلَ إِخْوَتَهُ حَتَّى أَفْضَى الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى تَأْمِيرِ الْمَرْأَةِ، فَجَرَّ ذَلِكَ إِلَى ذَهَابِ مُلْكِهِمْ وَمُزِّقُوا كَمَا دَعَا بِهِ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَعَ الصِّبْيَانِ) هُوَ مَوْصُولٌ، وَلَكِنْ بَيَّنَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّةً الْغِلْمَانَ وَمَرَّةً الصِّبْيَانَ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى. ثُمَّ سَاقَهُ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مَقْدَمَهُ مِنْ تَبُوكَ فَأَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ لَا مِنْ جِهَةِ تَبُوكَ، بَلْ هِيَ مُقَابِلُهَا كَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَنِيَّةٌ أُخْرَى فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَالثَّنِيَّةُ مَا ارْتَفَعَ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ. قُلْتُ: لَا يَمْنَعُ كَوْنُهَا مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ الْمُسَافِرِ إِلَى الشَّامِ مِنْ جِهَتِهَا، وَهَذَا وَاضِحٌ كَمَا فِي دُخُولِ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةٍ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا مِنْ أُخْرَى، وَيَنْتَهِي

كِلَاهُمَا إِلَى طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ رُوِّينَا بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ فِي الْحَلَبِيَّاتِ قَوْلَ النِّسْوَةِ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ:

طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ

فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِهِ فِي الْهِجْرَةِ وَقِيلَ: عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

(تَنْبِيهٌ): فِي إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ آخِرَ هَذَا الْبَابِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِرْسَالَ الْكُتُبِ إِلَى الْمُلُوكِ كَانَ فِي سَنَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَاتَبَ الْمُلُوكَ فِي سَنَةِ الْهُدْنَةِ كَقَيْصَرَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ كَاتَبَ قَيْصَرَ مَرَّتَيْنِ، وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهَا فِي: مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَكَاتَبَ النَّجَاشِيَّ الَّذِي أَسْلَمَ وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ، ثُمَّ كَاتَبَ النَّجَاشِيَّ الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ وَكَانَ كَافِرًا، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ إِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَسَمَّى مِنْهُمْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيَّ، قَالَ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ.

٨٣ - بَاب مَرَضِ النَّبِيِّ وَوَفَاتِهِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ مَرَضِ النَّبِيِّ وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذِهِ الْآيَةِ لِهَذَا الْبَابِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَابِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى جِنْسِ مَرَضِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ فَكَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ كَمَا سَيَأْتِي. وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ لِأَبِي مَعْشَرٍ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَفِي السِّيرَةِ لِسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي بَيْتِ رَيْحَانَةَ ; وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَقِيلَ: يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ مَرَضِهِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: بِزِيَادَةِ يَوْمٍ، وَقِيلَ: بِنَقْصِهِ. وَالْقَوْلَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَصَدَرَ بِالثَّانِي، وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَكَادَ يَكُونُ إِجْمَاعًا، لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ فِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْهُ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّيْثِ، وَالْخَوَارِزْمِيِّ، وَابْنِ زَبْرٍ: مَاتَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ أَبِي مِخْنَفٍ، وَالْكَلْبِيِّ: فِي ثَانِيهِ وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَتَنَزَّلُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّتِهِ ثَمَانِينَ يَوْمًا.

وَقِيلَ: أَحَدًا وَثَمَانِينَ، وَأَمَّا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّتِهِ تِسْعِينَ يَوْمًا أَوْ أَحَدًا وَتِسْعِينَ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَعْنِي كَوْنَهُ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَا الْحَجَّةِ كَانَ أَوَّلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَمَهْمَا فُرِضَتِ الشُّهُورُ الثَّلَاثَةُ تَوْامٌ أَوْ نَوَاقِصُ أَوْ بَعْضُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.

وَأَجَابَ الْبَارِزِيُّ ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ بِاحْتِمَالِ وُقُوعِ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ كَوَامِلَ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ فَرَآهُ أَهْلُ مَكَّةَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَلَمْ يَرَهُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَحَصَلَتِ الْوَقْفَةُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرَّخُوا بِرُؤْيَةِ أَهْلِهَا فَكَانَ أَوَّلُ ذِي الْحَجَّةِ الْجُمُعَةَ وَآخِرُهُ السَّبْتَ، وَأَوَّلُ الْمُحَرَّمِ الْأَحَدَ وَآخِرُهُ الِاثْنَيْنِ، وَأَوَّلُ صَفَرٍ الثُّلَاثَاءَ وَآخِرُهُ الْأَرْبِعَاءَ، وَأَوَّلُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الْخَمِيسَ فَيَكُونُ ثَانِي عَشَرَهُ الِاثْنَيْنِ، وَهَذَا الْجَوَابُ بَعِيدٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ تَوَالِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَوَامِلَ، وَقَدْ جَزَمَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ صَفَرٌ نَاقِصًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرٍ السَّبْتَ إِلَّا إِنْ كَانَ ذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ نَاقِصَيْنِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ نَقْصُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ

مُتَوَالِيَةٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَاتَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ اثْنَانِ نَاقِصَيْنِ وَوَاحِدٌ كَامِلًا، وَلِهَذَا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ.

وَفِي الْمَغَازِي لِأَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ صَفَرٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ الْمُقْتَضِي لِأَنَّ أَوَّلَ صَفَرٍ كَانَ السَّبْتَ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ فَاشْتَكَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَيَرِدُ عَلَى هَذَا الْإِشْكَالِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرٍ الْأَحَدَ فيَكُونَ تَاسِعُ عِشْرِينِهِ الْأَرْبِعَاءَ؟ وَالْغَرَضُ أَنَّ ذَو الْحَجَّةِ أَوَّلُهُ الْخَمِيسُ، فَلَوْ فُرِضَ هُوَ وَالْمُحَرَّمُ كَامِلَيْنِ لَكَانَ أَوَّلُ صَفَرٍ الِاثْنَيْنِ، فَكَيْفَ يَتَأَخَّرُ إِلَى الْأَرْبِعَاءِ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، وَكَأَنَّ سَبَبَ غَلَطِ غَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَاتَ فِي ثَانِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَتَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ ثَانِي عَشَرَ، وَاسْتَمَرَّ الْوَهْمُ بِذَلِكَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ بِجَوَابٍ آخَرَ فَقَالَ. يُحْمَلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ أَيْ بِأَيَّامِهَا فَيَكُونُ مَوْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَيُفْرَضُ الشُّهُورُ كَوَامِلَ فَيَصِحُّ قَوْلُ الْجُمْهُورُ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا يُعَكِّرُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ زِيَادَةِ مُخَالَفَةِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي قَوْلِهِمْ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ فَإِنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهَا إِلَّا مُضِيَّ اللَّيَالِي، وَيَكُونُ مَا أُرِّخَ بِذَلِكَ وَاقِعًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.

٤٤٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) هِيَ وَالِدَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.

٤٤٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ فَسَأَلَ عُمَرُ، ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ) هُوَ مِنْ إِقَامَةِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: كَانَ عُمَرُ يَسْأَلُنِي مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ أَتَمَّ سِيَاقًا وَأَكْثَرَ فَوَائِدَ، وَأَطَلْنَا بِشَرْحِهِ عَلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ، وَتَقَدَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَتْ سُورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ أَشَدَّ مَا كَانَ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَالَ النَّبِيُّ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
أستغفر الله