الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤٥
الحديث رقم ٤٤٥ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحدث في المسجد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنُ حَزْمٍ عَدَمُهُ، وَمِنْ أَدِلَّةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ ﷺ الَّذِي رَآهُ يَتَخَطَّى: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِصَلَاةٍ، كَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا: الْأَوْقَاتُ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا لَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ بِدَاخِلٍ فِيهَا. قُلْتُ: هُمَا عُمُومَانِ تَعَارَضَا، الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ لِكن دَاخِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِ الْعُمُومَيْنِ، فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى تَخْصِيصِ النَّهْيِ وَتَعْمِيمِ الْأَمْرِ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى عَكْسِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) صَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ إِذَا خَالَفَ وَجَلَسَ لَا يُشْرَعُ لَهُ التَّدَارُكُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُمْ فَارْكَعْهُمَا، تَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قِصَّةُ سُلَيْكٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: وَقْتُهُمَا قَبْلَ الْجُلُوسِ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَبَعْدَهُ وَقْتُ جَوَازٍ، أَوْ يُقَالُ: وَقْتُهُمَا قَبْلَهُ أَدَاءٌ وَبَعْدَهُ قَضَاءٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُحْمَلَ مَشْرُوعِيَّتُهُمَا بَعْدَ الْجُلُوسِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ.
(فَائِدَةٌ): حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ جُلُوسٌ. قَالَ: فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَعْطُوا الْمَسَاجِدَ حَقَّهَا، قِيلَ لَهُ: وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ.
٦١ - بَاب الْحَدَثِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَدَثِ فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْمُحْدِثَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ أَوْ يَجْلِسَ فِيهِ وَجَعَلَهُ كَالْجُنُبِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ هُنَا الرِّيحُ وَنَحْوُهُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ. وَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَدَثِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ مَا لَمْ يُحْدِثْ سُوءًا. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ بِحَدَثٍ فِيهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى.
قَوْلُهُ: (الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي)، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي بِزِيَادَةِ إِنَّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَلَائِكَةِ الْحَفَظَةُ أَوِ السَّيَّارَةُ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَقُولُ إِلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: تُصَلِّي.
قَوْلُهُ: (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُ انْقَضَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ بَيَانُ فَضِيلَةِ مَنِ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ثَبَتَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَمْ تَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَفْظُهُ: وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ، فَأَثْبَتَ لِلْمُنْتَظِرِ حُكْمَ الْمُصَلِّي، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: فِي مُصَلَّاهُ عَلَى الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِلصَّلَاةِ، لَا الْمَوْضِعِ الْخَاصِّ بِالسُّجُودِ، فَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَخَالُفٌ.
وَقَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُحْدِثْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يُبْطِلُ ذَلِكَ وَلَوِ اسْتَمَرَّ جَالِسًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ مِنَ
النُّخَامَةِ (١) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لَهَا كَفَّارَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ لِهَذَا كَفَّارَةً، بَلْ عُومِلَ صَاحِبُهُ بِحِرْمَانِ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ، وَدُعَاءُ الْمَلَائِكَةِ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ يَنْتَظِرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٦٢ - بَاب بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ، وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
قَوْلُهُ: (بَابُ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ) أَيِ النَّبَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) هُوَ الْخُدْرِيُّ، وَالْقَدْرُ الْمَذْكُورُ هُنَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي ذِكْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ عُمَرُ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةٍ فِي ذِكْرِ تَجْدِيدِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أُكِنُّ النَّاسَ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا أُكِنُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَضْمُومَةِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مِنْ أَكَنَّ الرُّبَاعِيِّ، يُقَالُ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ إِكْنَانًا أَيْ صُنْتُهُ وَسَتَرْتُهُ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ كَنَنْتُهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ بِمَعْنَى أَكْنَنْتُهُ، وَفَرَّقَ الْكِسَائِيُّ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: كَنَنْتُهُ أَيْ سَتَرْتُهُ، وَأَكْنَنْتُهُ فِي نَفْسِي أَيْ أَسْرَرْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَكِنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ، فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْإِكْنَانِ أَيْضًا، وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: وَأَمَرَ عُمَرُ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: وَإِيَّاكَ، وَتُوَجَّهُ الْأُولَى بِأَنَّهُ خَاطَبَ الْقَوْمَ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الصَّانِعِ، فَقَالَ لَهُ: وَإِيَّاكَ، أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَإِيَّاكَ عَلَى التَّجْرِيدِ كَأَنَّهُ خَاطَبَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، قَالَ عِيَاضٌ: وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ - أَيْ وَأَبِي ذَرٍّ - كِنَّ النَّاسَ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا. وَجَوَّزَ ابْنُ مَالِكٍ ضَمَّ الْكَافِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كُنَّ فَهُوَ مَكْنُونٌ. انْتَهَى. وَهُوَ مُتَّجَهٌ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُسَاعِدُهُ.
قَوْلُهُ: (فَتَفْتِنَ النَّاسَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَتَنَ، وَضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ بِالضَّمِّ مِنْ أَفْتَنَ، وَذَكَرَ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ أَنْكَرَهُ، وَأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ أَجَازَهُ، فَقَالَ: فَتَنَ وَأَفْتَنَ بِمَعْنًى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ عُمَرُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ رَدِّ الشَّارِعِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ مِنْ أَجْلِ الْأَعْلَامِ الَّتِي فِيهَا، وَقَالَ: إِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا شَيْخَهُ جُبَارَةَ بْنَ الْمُغَلِّسِ فَفِيهِ مَقَالٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا) بِفَتْحِ الْهَاءِ، أَيْ: يَتَفَاخَرُونَ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ أَنَسًا قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَتَبَاهَوْنَ بِالْمَسَاجِدِ، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَالطَّرِيقُ الْأُولَى أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْبُخَارِيِّ. وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الْمَسَاجِدِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: يَتَبَاهَوْنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إقامة الصَّلاة، أو قرب إقامتها، ولا للخطيب يوم الجمعة عند صعوده المنبر على الأصحِّ (١) في «الرَّوضة»، ولو دخل وقت كراهةٍ كُرِه له أن يصلِّيَها في قول أبي حنيفة وأصحابه ومالكٍ، والصَّحيح من مذهب الشَّافعيِّ عدم الكراهة.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا الأوَّل، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٦١) (بابُ) حكم (الحَدَثِ) النَّاقض للوضوء، كالرِّيح ونحوه الحاصل (فِي المَسْجِدِ).
٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (٢) (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) هو (٣) بكسر الزَّاي وبالنُّون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: المَلَائِكَةُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة» (٤):
«إنَّ الملائكة» والجمع المُحلَّى بـ «ال» يفيد الاستغراق (تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) بضمِّ الميم، أي: ما دام في المكان (الَّذِي صَلَّى فِيهِ) يحتمل أنَّه قبل صلاة الفرض أو بعد الفراغ منه، بوَّب عليه البيهقيُّ في التَّرغيب في مكث المصلِّي في مُصلَّاه الَّذي صلَّى فيه لإطالة ذكر الله تعالى، قال في «شرح التَّقريب»: وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ الجلوسُ بعد الفراغ من الفرض، وهو ظاهرُ قوله: «في مصلَّاه الَّذي صلَّى فيه» ويكون المرادُ بجلوسه انتظارَ صلاةٍ أخرى لم تأتِ، وهو مُصرَّحٌ به في بعض طرق أبي هريرة عند الإمام أحمد، ولفظه: «منتظر الصَّلاة بعد الصَّلاة كفارسٍ اشتدَّ به فرسه على كشحه، تصلِّي عليه ملائكة الله ﷿» (١) (مَا لَمْ يُحْدِثْ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه، أي: ما لم يحصل منه ما ينقض الطَّهارة، فإن أحدث حُرِم استغفارهم ولو استمرَّ جالسًا معاقبةً له لإيذائه لهم برائحته الخبيثة، وهو يدلُّ على أنَّه أشدُّ من (٢) النُّخامة لأنَّ لها كفَّارةً وهي الدَّفن بخلافه، وصلاة الملائكة (تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) ذنوبه (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ).
ومباحثه تأتي إن شاء الله تعالى في «باب من جلس ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٥٩] وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٧٧]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
(٦٢) (بابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ.
(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ ممَّا وصله المؤلِّف في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٢٧]: (كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) أي (١): الَّذي يُجرَد عنه الخُوص، فإن لم يُجرَد فَسَعَفٌ.
(وَأَمَرَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَقَالَ) للصَّانع: (أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ) بفتح الهمزة وكسر الكاف وفتح النُّون المُشدَّدة على صيغة (٢) الأمر من الإكنان، أي: اصنع لهم كِنًّا بالكسر، وهو ما يسترهم من (٣) الشَّمس، وهي رواية الأَصيليِّ لكن بزيادة الواو (٤)، وهي الأظهر، وفي روايةٍ: «وأَكِنِّ» كذلك لكن مع كسر النُّون، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أُكِنُّ» بضمِّ الهمزة والنُّون المُشدَّدة بلفظ المتكلِّم من الفعل المضارع المرفوع، وضبطه بعضهم: كِنَّ بحذف الهمزة وكسر الكاف وتشديد النُّون على صيغة الأمر، على أنَّ أصله: «أَكِنَّ» فحُذِفت الهمزة تخفيفًا، قال القاضي: وهو صحيحٌ، وجوَّز ابن مالكٍ: «كُنَّ» بضمِّ الكاف وحذف الهمزة على أنَّه من «كُنَّ» فهو مكنونٌ أي: صانه، قال العينيُّ كغيره: وهذا له وجهٌ، ولكنَّ الرِّواية: كُنَّ، بضمِّ الكاف وحذف الهمزة (٥) لا تساعده (وَإِيَّاكَ) خطابٌ للصَّانع (أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ) أي: إيَّاك وتحمير المسجد وتصفيره (فَتَفْتِنَ النَّاسَ) بفتح
المُثنَّاة الفوقيَّة وتسكين الفاء وفتح النُّون، من: فتن يفتن، كضرب يضرب، وضبطه الزَّركشيُّ بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (١) على أنَّه من «أفتن»، وأنكره الأصمعيُّ.
(وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا وصله أبو يعلى الموصليُّ (٢) في «مسنده» وابن خزيمة في «صحيحه»: (يَتَبَاهَوْنَ) بفتح الهاء من المباهاة، أي: يتفاخرون (بِهَا) أي: بالمساجد (ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا) بالصَّلاة والذِّكر (إِلَّا قَلِيلًا) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع على البدل من ضمير الفاعل.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله أبو داود (٣) وابن حبَّان: (لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بفتح «لام القسم» وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح الزَّاي وسكون الخاء المُعجَمة وكسر الرَّاء وضمِّ الفاء دلالةً على واو الضَّمير المحذوفة عند اتِّصال نون التَّوكيد، من الزَّخرفة، وهي الزِّينة بالذَّهب ونحوه (كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى) كنائسهم وبِيَعَهم لمَّا حرَّفوا الكتب وبدَّلوها، وضيَّعوا الدِّين وعرَّجوا على الزَّخارف والتَّزيين (٤).
واستُنبِط منه: كراهية زخرفة المساجد لاشتغال قلب المصلِّي بذلك، أو (٥) لصرف المال في غير وجهه، نعم إذا وقع ذلك على سبيل التَّعظيم للمساجد، ولم يقع الصَّرف عليه من بيت المال فلا بأس به، ولو أوصى بتشييد مسجدٍ وتحميره وتصفيره نُفِذت وصيِّته لأنَّه قد حدث
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمَسْجِد لَا تفوت بِالْجُلُوسِ. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: يحْتَمل أَن يُقَال: وقتهما قبل الْجُلُوس وَقت فَضِيلَة وَبعده وَقت جَوَاز، أَو يُقَال: وقتهما قبله أَدَاء وَبعده قَضَاء، وَيحْتَمل أَن يحمل مشروعيتهما بعد الْجُلُوس على مَا إِذا لم يطلّ الْفَصْل.
١٦ - (بابُ الحَدَثِ فِي المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَدث الْحَاصِل فِي الْمَسْجِد، وَالْمرَاد مِنْهُ الْحَدث الناقض للْوُضُوء: كَالرِّيحِ وَنَحْوه، وَقد قيل: المُرَاد مِنْهُ فِي الْحَدث أَعم من ذَلِك، وَحكى بَعضهم هَذَا ثمَّ فسره بقوله: أَي مَا لم يحدث سوءا، ثمَّ قَالَ: وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسلم: (مَا لم يحدث فِيهِ، مَا لم يؤذ فِيهِ) ، على أَن الثَّانِيَة تَفْسِير للأولى. قلت: لَا نسلم أَن الثَّانِيَة تَفْسِير للأولى لعدم الْإِبْهَام. غَايَة مَا فِي الْبَاب ذكر فِيهِ شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: حدث الْوضُوء، وَالْآخر: حدث الْإِثْم، على أَن مَالِكًا وَغَيره قد فسروا الْحَدث بِنَقْض الْوضُوء، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: قد ذكر ابْن حبيب عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه سمع عبد ابْن أبي أوفى يَقُول: هُوَ حدث الْإِثْم. قلت: لَا مُنَافَاة بَين التفسيرين لِكَوْنِهِمَا مصرحين فِي يرواية مُسلم، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ مقتصرة على تَفْسِير مَالك وَغَيره، وَلِهَذَا فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) ، فَهَذِهِ تصرح أَن المُرَاد من الْأَذَى هُوَ الْحَدث الناقض للْوُضُوء وَعَن هَذَا قَالُوا: إِن رِوَايَة الْجُمْهُور: مَا لم يحدث، فِي الحَدِيث بِالتَّخْفِيفِ، من: الإحداث، لَا بِالتَّشْدِيدِ من: التحديث، كَمَا رَوَاهُ بَعضهم، وَلَيْسَت بصحيحة، وَلِهَذَا قَالَ السفاقسي: لم يذكر التَّشْدِيد أحد. [/ بلشر
٥٤٤٤٠١ - حدّثنا عَبْدُ ابنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رسولَ الله قَالَ إِنَّ المَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أحدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَاّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن المُرَاد من قَوْله: (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صلى فِيهِ) هُوَ الْمَسْجِد، يدل على ذَلِك رِوَايَة البُخَارِيّ فِيمَا يتَعَلَّق بالمساجد على مَا يَأْتِي، وَهِي: (فَإِن أحدكُم إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء وأتى الْمَسْجِد لَا يُرِيد إلَاّ الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إِلَّا رَفعه ابها دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة حَتَّى يدْخل الْمَسْجِد، فَإِذا دخل الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة مَا كَانَت تحبسه، وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) . وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَعلم أَن المُرَاد بقوله: (فِي مُصَلَّاهُ) هُوَ الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ فِي الْمَسْجِد، وَإِن كَانَ بِحَسب اللُّغَة يُطلق على الْمُصَلِّي الَّذِي فِي غير الْمَسْجِد.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة قذ ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة بعْدهَا النُّون: عبد ابْن ذكْوَان، والأعرج هُوَ: عبد ابْن هُرْمُز.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْمَلَائِكَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي رَافع الصَّائِغ وَمُحَمّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة، وَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة عَن أبي هُرَيْرَة.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (إِن الْمَلَائِكَة تصلي) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني بِزِيَادَة: إِن، وَفِي رِوَايَة غَيره: الْمَلَائِكَة، بِدُونِ: أَن قَالَ بَعضهم: المُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ أَو السيارة أَو أَعم من ذَلِك. قلت: الْمَلَائِكَة جمع محلى بِاللَّامِ فَيُفِيد الإستغراق. قَوْله: (فِي مُصَلَّاهُ) ، بِضَم الْمِيم: وَهُوَ اسْم الْمَكَان. قَوْله: (تَقول) بَيَان لقَوْله: (تصلي) وَتَفْسِير لَهُ. قَوْله: (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ) يَعْنِي: يَا ااغفر لَهُ وارحمه، وَالْفرق بَين الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة أَن الْمَغْفِرَة ستر الذُّنُوب، وَالرَّحْمَة إفَاضَة الْإِحْسَان إِلَيْهِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: قَالَ السفاقسي: الْحَدث فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة يحرم بِهِ الْمُحدث اسْتِغْفَار الْمَلَائِكَة، وَلما لم يكن للْحَدَث فِيهِ كَفَّارَة ترفع
أَذَاهُ كَمَا يرفع الدّفن أَذَى النخامة فِيهِ عُوقِبَ بحرمان الاسْتِغْفَار من الْمَلَائِكَة لما آذاهم بِهِ من الرَّائِحَة الخبيثة. وَقَالَ ابْن بطال: من أَرَادَ أَن تحط عَنهُ ذنُوبه من غير تَعب فليغتنم مُلَازمَة مُصَلَّاهُ بعد الصَّلَاة ليستكثر من دُعَاء الْمَلَائِكَة واستغفارهم لَهُ، فَهُوَ مرجو إجَابَته لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى} (الْأَنْبِيَاء: ٨٢) . وَفِيه: بَيَان فَضِيلَة من انْتظر الصَّلَاة مُطلقًا سَوَاء ثَبت فِي مَجْلِسه ذَلِك من الْمَسْجِد أَو تحول إِلَى غَيره. وَفِيه: أَن الْحَدث فِي الْمَسْجِد يبطل ذَلِك، وَلَو اسْتمرّ جَالِسا. وَفِيه: أَن الْحَدث فِي الْمَسْجِد أَشد من النخامة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى الرَّد على من منع الْمُحدث أَن يدْخل الْمَسْجِد أَو يجلس فِيهِ. قلت: قد اخْتلف السّلف فِي جُلُوس الْمُحدث فِي الْمَسْجِد، فَروِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه خرج من الْمَسْجِد فَبَال ثمَّ دخل، فَتحدث مَعَ أَصْحَابه وَلم يمس مَاء. وَعَن عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، مثله، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير، وَكره ابْن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَن يتَعَمَّد الْجُلُوس فِي الْمجْلس على غير وضوء.
٢٦ - (بابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة بُنيان الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، والبنيان: الْبناء، يُقَال: بنى يَبْنِي بنياً وبنية وَبِنَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْبُنيان الْحَائِط، يُقَال: بنى فلَان بَيْتا من الْبُنيان، وَبنى على أَهله بِنَاء أَي: زفها، والعامة تَقول: بنى بأَهْله وَهُوَ خطأ.
وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ كانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.
١٣
- ٥٠ مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد رَوَاهُ مُسْندًا فِي بَاب هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر: حدّثنا مُسلم، قَالَ: حدّثنا هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة، قَالَ: (سَأَلت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ فَقَالَ: جَاءَت سَحَابَة فمطرت حَتَّى سَالَ السّقف وَكَانَ من جريد النّخل، فأقيمت الصَّلَاة فَرَأَيْت رَسُول الله يسْجد فِي المَاء والطين حَتَّى رَأَيْت أثر الطين فِي جَبهته) . قَوْله: (كَانَ سقف الْمَسْجِد) أَي: سقف مَسْجِد رَسُول ا، فالألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد. وَقَول الْكرْمَانِي: وَأما لجنس الْمَسَاجِد فبعيد. قَوْله: (من جريد النّخل) الجريد: هُوَ الَّذِي يجرد عَنهُ الخوص وَإِن لم يجرد يُسمى سَعَفًا.
وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِناءِ المَسْجِدِ وقالَ أكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ وَإِيَّاكَ أنْ تُحَمِّرَ أوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ.
٥٠
- مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد: مَسْجِد رَسُول ا، وَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب أَنه رُوِيَ من حَدِيث نَافِع أَن عبد اأخبره أَن الْمَسْجِد كَانَ على عهد رَسُول الله مُبينًا بِاللَّبنِ وسقفه الجريد وعمده خشب النّخل، فَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر شَيْئا، وَزَاد فِيهِ عمر وبناه على بُنْيَانه فِي عهد رَسُول الله بِاللَّبنِ والجريد، وَأعَاد عمده خشباً. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا. قَوْله: (بِاللَّبنِ) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيُقَال: اللبنة، بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي الطوب النيء. قَوْله: (وعمده) ، بِضَم الْعين وَالْمِيم وبفتحهما، جمع الْكَثْرَة لعمود الْبَيْت، وَجمع الْقلَّة: أعمدة. قَوْله: (أكن) فِيهِ أوجه. الأول: أكن، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَفتح النُّون، على صُورَة الْأَمر من الإكنان، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَهِي الْأَظْهر، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله قبله: (أَمر عمر) وَقَوله بعده: (وَإِيَّاك) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَولا أَمر بِالْبِنَاءِ وخاطب أحدا بذلك ثمَّ حذره من التحمير والتصفير بقوله: (وَإِيَّاك أَن تحمر أَو تصفر) ، والإكنان من أكننت الشَّيْء أَي: صنته وسترته. وَحكى أَبُو زيد وَالْكسَائِيّ: كننته، من الثلاثي بِمَعْنى: أكننته. وَقَالَ ثَعْلَب فِي (الفصيح) : أكننت الشَّيْء أَي: أخفيته، وكننته إِذا سترته بِشَيْء. وَيُقَال: أكننت الشَّيْء سترته وصنته من الشَّمْس، وأكننته فِي نَفسِي أسررته. وَفِي (كتاب فعل وَافْعل) لأبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: قَالَت تَمِيم: كننت الْجَارِيَة أكنها كُنَّا، بكسرا لكاف، وأكننت الْعلم والسر. وَقَالَت قيس: كننت الْعلم والسر بِغَيْر ألف، وأكننت الْجَارِيَة بِالْألف. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي، فِي (نوادره) : أكنننت السِّرّ، وكننت وَجْهي من الْحر، وكننت سَيفي، قَالَ: وَقد يكون هَذَا بِالْألف أَيْضا. الْوَجْه الثَّانِي: أكن النَّاس، بِضَم الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَتَشْديد النُّون المضمومة: بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْفِعْل الْمُضَارع، وَقَالَ ابْن التِّين: هَكَذَا روينَاهُ، وَفِي هَذَا الْوَجْه الْتِفَات وَهُوَ أَن عمر أخبر عَن نَفسه ثمَّ الْتفت إِلَى الصَّانِع فَقَالَ: وَإِيَّاك، وَيجوز أَن يكون تجريداً، فَكَأَن عمر بعد أَن أخبر عَن نَفسه جرد عَنْهَا شخصا ثمَّ خاطبه بذلك. الْوَجْه
الثَّالِث: قَالَ عِيَاض: كن النَّاس، بِحَذْف الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَتَشْديد النُّون: من كن يكن، وَهُوَ صِيغَة أَمر، وَأَصله أكن بِالْهَمْزَةِ حذفت تَخْفِيفًا على غير قِيَاس. الْوَجْه الرَّابِع: كن، بِضَم الْكَاف، من: كن فَهُوَ مَكْنُون، وَهَذَا لَهُ وَجه، وَلَكِن الرِّوَايَة لَا تساعده. قَوْله: (وَإِيَّاك) ، كلمة تحذير أَي: احذر من أَن تحمر. وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، ومفعول: تحمر، مَحْذُوف تَقْدِيره: إياك تحمير الْمَسْجِد أَو تصفيره، وَمرَاده الزخرفة. وَقد روى ابْن مَاجَه من طَرِيق عَمْرو بن مَيْمُون عَن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، مَرْفُوعا: (مَا سَاءَ عمل قوم قطّ إلَاّ زخرفوا مَسَاجِدهمْ) . قَوْله: (فتفتن النَّاس) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْفَاء: من فتن يفتن، من بَاب ضرب يضْرب، فتنا وفتوناً إِذا امتحنته، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم تَاء الْخطاب من أفتن، والأصمعي أنكر هَذَا، وَأَبُو عبيد أجَازه، وَقَالَ: فتن وافتن بِمَعْنى، وَهُوَ قَلِيل، والفتنة اسْم وَهُوَ فِي الأَصْل الامتحان والاختبار، ثمَّ كثر اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى الْإِثْم وَالْكفْر والقتال والإحراق والإزالة وَالصرْف عَن الشَّيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويفتن من الْفِتْنَة، وَفِي بَعْضهَا من التفتين. قلت: إِذا كَانَ من التفتين يكون من بَاب التفعيل، وماضيه: فتن، بتَشْديد التَّاء، وعَلى ضبط ابْن التِّين يكون من بَاب الإفعال وَهُوَ الإفتان بِكَسْر الْهمزَة، وعَلى كل حَال هُوَ بِفَتْح النُّون لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الْمَنْصُوب بِكَلِمَة. أَن.
وَقَالَ أنَسٌ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَها إِلَاّ قَلِيلاً.
هَذَا التَّعْلِيق مَرْفُوع فِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) : عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْعَبَّاس حدّثنا سعيد بن عَامر عَن أبي عَامر الخراز قَالَ: قَالَ أَبُو قلَابَة: انطلقنا مَعَ أنس نُرِيد الزاوية، نعني قصر أنس، فمررنا بِمَسْجِد فَحَضَرت صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ أنس: لَو صلينَا فِي هَذَا الْمَسْجِد، فَقَالَ بعض الْقَوْم: نأتي الْمَسْجِد الآخر، فَقَالَ أنس: إِن رَسُول الله قَالَ: (يَأْتِي على النَّاس زمَان يتباهون بالمساجد ثمَّ لَا يعمرونها إلَاّ قَلِيلا، أَو قَالَ: يعمرونها قَلِيلا) . وَرَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي أَيْضا فِي (مُسْنده) ، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : حدّثنا مُحَمَّد بن عبد االخزاعي حدّثنا حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة وَقَتَادَة عَن أنس: (إِن النَّبِي قَالَ: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يتباهي النَّاس فِي الْمَسَاجِد) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن ماجة أَيْضا، وروى أَبُو نعيم فِي (كتاب الْمَسَاجِد) من حَدِيث مُحَمَّد بن مُصعب القرقساني: عَن حَمَّاد (يتباهى النَّاس بِبِنَاء الْمَسَاجِد) ، وَمن حَدِيث عَليّ بن حَرْب: عَن سعيد بن عَامر عَن الخراز: (يتباهون بِكَثْرَة الْمَسَاجِد) . قَوْله: (يتباهون) ، بِفَتْح الْهَاء من المباهاة وَهِي الْمُفَاخَرَة، وَالْمعْنَى أَنهم يزخرفون الْمَسَاجِد ويزينونها ثمَّ يقعودن فِيهَا ويتمارون ويتباهون وَلَا يشتغلون بِالذكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصَّلَاة. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالمساجد، والسياق يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (إلَاّ قَلِيلا) ، بِالنّصب، وَيجوز الرّفْع من جِهَة النَّحْو، فَإِنَّهُ بدل من ضمير الْفَاعِل.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى.
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَوْصُولا عَن ابْن عَبَّاس هَكَذَا مَوْقُوفا، وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا، قَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي فَزَارَة عَن يزِيد بن الْأَصَم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد) . قَالَ ابْن عَبَّاس: لتزخرفنها كَمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَأَبُو فَزَارَة اسْمه رَاشد ابْن كيسَان، وَإِنَّمَا اقْتصر البُخَارِيّ على الْمَوْقُوف مِنْهُ وَلم يذكر الْمَرْفُوع مِنْهُ للِاخْتِلَاف على يزِيد بن الْأَصَم فِي وَصله وإرساله، وَيزِيد هَذَا روى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. قَوْله: (لتزخرفنها) أَي: لتزخرفن الْمَسَاجِد، بِضَم الْفَاء وَنون التَّأْكِيد، والضيمر فِيهِ للمذكرين. وَأما اللَّام فِيهِ فقد ذكر الطَّيِّبِيّ فِيهِ وَجْهَيْن. الأول: أَن تكون مَكْسُورَة، وَهِي لَام التَّعْلِيل للنَّفْي قبله، وَالْمعْنَى: مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد لأجل زخرفتها، والتشييد من شيد يشيد: رفع الْبناء والإحكام، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة} (النِّسَاء: ٨٧) . الْوَجْه الثَّانِي: فتح اللَّام على أَنَّهَا جَوَاب الْقسم، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمد، وَالْأول لم تثبت بِهِ الرِّوَايَة أصلا. قلت: الَّذِي قَالَه الطَّيِّبِيّ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْكَلَام، وَلَا وَجه لمَنعه، وَدَعوى عدم ثُبُوت الرِّوَايَة يحْتَاج إِلَى برهَان. وَمعنى الزخرفة: التزيين، يُقَال: زخرف الرجل كَلَامه إِذا موهه وزينه بِالْبَاطِلِ، والزخرف: الذَّهَب، وَالْمعْنَى هَهُنَا: تمويه الْمَسَاجِد بِالذَّهَب وَنَحْوه كَمَا زخرفت الْيَهُود كنائسهم وَالنَّصَارَى بيعهم. قَالَ الْخطابِيّ: وَإِنَّمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى كنائسها وَبَيْعهَا حِين حرفت الْكتب وبدلتها فضيعوا الدّين وعرجوا على الزخاريف والتزيين. وَقَالَ محيي السّنة: إِنَّهُم زخرفوا الْمَسَاجِد عِنْد مَا بدلُوا
دينهم وَأَنْتُم تصيرون إِلَى مثل حَالهم وسيصير أَمركُم إِلَى المراآة بالمساجد والمباهة بتزيينها، وَبِهَذَا اسْتدلَّ أَصْحَابنَا على أَن نقش الْمَسْجِد وتزيينه مَكْرُوه، وَقَول بعض صحابنا: وَلَا بَأْس بنقش الْمَسْجِد، مَعْنَاهُ تَركه أولى وَلَا يجوز من مَال الْوَقْف، وَيغرم الَّذِي يُخرجهُ سَوَاء كَانَ نَاظرا أَو غَيره.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْكَرَاهَة إِذا كَانَ من مَاله دون مَال الْوَقْف؟ قلت: مَا اشْتِغَال الْمُصَلِّي بِهِ، وَإِمَّا إِخْرَاج المَال فِي غير وَجهه.
٦٤٤ - ح دّثنا عَلَيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ قَالَ حدّثني أبي عنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ قَالَ حدّثنا نافِعٌ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أخْبَرَهُ أنَّ المَسْجِدَ كانَ عَلى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ مبْنِيًّا باللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ وَعَمَدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبُو بَكْرٍ شَيْئاً وَزَادَ فِيهِ عُمَرُوَ بَناهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ بِاللَّبِنِ والجَرِيدِ وَأَعادَ عُمُدَهُ خَشَباً ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادَةً كَثِيرَةً وَبَنْىَ جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ والقَصَةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسقَّفَهُ بالسَّاجِ.
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد ابْن جَعْفَر بن نجيح أَبُو الْحسن، يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ، أَصله مدنِي كَانَ بالعراق. الثَّالِث: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة الأقران وَهِي رِوَايَة صَالح عَن نَافِع لِأَنَّهُمَا من طبقَة وَاحِدَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن صَالحا ونافعاً كِلَاهُمَا تابعيان. وَفِيه: زَاد الْأصيلِيّ لَفْظَة: ابْن سعد، بعد قَوْله: حدّثنا يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس وَمُجاهد بن مُوسَى وَهُوَ اتم، قَالَا: حدّثنا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (كَانَ على عهد رَسُول ا) أَي: فِي زَمَانه وأيامه. قَوْله: (بِاللَّبنِ) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَكَذَلِكَ معنى الجريد مر عَن قريب. و: (الْعمد) ، بِضَمَّتَيْنِ وفتحتين أَيْضا، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر رَضِي اتعالى عَنهُ) ، يَعْنِي: لم يُغير فِيهِ شَيْئا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان. قَوْله: (وَزَاد فِيهِ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ) ، يَعْنِي: فِي الطول وَالْعرض وَلم يُغير فِي بنائِهِ بل بناه على بينان النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (فِي عهد رَسُول ا) ، إِمَّا صفة للبنيان أَو حَال، وَإِنَّمَا غير عمده لِأَنَّهَا تلفت. قَالَ السُّهيْلي: نخرت عمده فِي خلَافَة عمر فجددها، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَأعَاد عمده خشباً) . قَوْله: (ثمَّ غير عُثْمَان) ، يَعْنِي من جِهَة التوسيع وتغيير الْآلَات. قَوْله: (بحجارة منقوشة) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا (بِالْحِجَارَةِ المنقوشة) ، يَعْنِي: بدل اللَّبن. قَوْله: (والقصة) أَي: وبالقصة، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، وَهِي الجص بلغَة أهل الْحجاز. قلت: الجص: لُغَة فارسية معربة وَأَصلهَا: كج، وَفِيه لُغَتَانِ: فتح الْجِيم وَكسرهَا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أهل مصر جيراً، وَأهل الْبِلَاد الشامية يسمونه: كلساً. قَوْله: (وَجعل عمده) عطف على قَوْله: (وَبنى جِدَاره) . قَوْله: (وسقفه) بِلَفْظ الْمَاضِي من التسقيف من بَاب التفعيل عطفا على جعل، ويروى بِلَفْظ الِاسْم عطفا على عمده. قَوْله: (بالساج) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وبالجيم: وَهُوَ ضرب من الْخشب مَعْرُوف يُؤْتى بِهِ من الْهِنْد وَله قيمَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: مَا ذكره البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَن السّنة فِي بينيان الْمَسَاجِد الْقَصْد وَترك الغلو فِي تشييدها خشيَة الْفِتْنَة والمباهاة ببنيانها، وَكَانَ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، مَعَ الْفتُوح الَّتِي كَانَت فِي أَيَّامه وتمكنه
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنُ حَزْمٍ عَدَمُهُ، وَمِنْ أَدِلَّةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ ﷺ الَّذِي رَآهُ يَتَخَطَّى: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِصَلَاةٍ، كَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا: الْأَوْقَاتُ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا لَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ بِدَاخِلٍ فِيهَا. قُلْتُ: هُمَا عُمُومَانِ تَعَارَضَا، الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ لِكن دَاخِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِ الْعُمُومَيْنِ، فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى تَخْصِيصِ النَّهْيِ وَتَعْمِيمِ الْأَمْرِ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى عَكْسِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) صَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ إِذَا خَالَفَ وَجَلَسَ لَا يُشْرَعُ لَهُ التَّدَارُكُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُمْ فَارْكَعْهُمَا، تَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قِصَّةُ سُلَيْكٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: وَقْتُهُمَا قَبْلَ الْجُلُوسِ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَبَعْدَهُ وَقْتُ جَوَازٍ، أَوْ يُقَالُ: وَقْتُهُمَا قَبْلَهُ أَدَاءٌ وَبَعْدَهُ قَضَاءٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُحْمَلَ مَشْرُوعِيَّتُهُمَا بَعْدَ الْجُلُوسِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ.
(فَائِدَةٌ): حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ جُلُوسٌ. قَالَ: فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَعْطُوا الْمَسَاجِدَ حَقَّهَا، قِيلَ لَهُ: وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ.
٦١ - بَاب الْحَدَثِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَدَثِ فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْمُحْدِثَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ أَوْ يَجْلِسَ فِيهِ وَجَعَلَهُ كَالْجُنُبِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ هُنَا الرِّيحُ وَنَحْوُهُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ. وَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَدَثِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ مَا لَمْ يُحْدِثْ سُوءًا. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ بِحَدَثٍ فِيهِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى.
قَوْلُهُ: (الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي)، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي بِزِيَادَةِ إِنَّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَلَائِكَةِ الْحَفَظَةُ أَوِ السَّيَّارَةُ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَقُولُ إِلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: تُصَلِّي.
قَوْلُهُ: (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُ انْقَضَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ بَيَانُ فَضِيلَةِ مَنِ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ثَبَتَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَمْ تَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَفْظُهُ: وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ، فَأَثْبَتَ لِلْمُنْتَظِرِ حُكْمَ الْمُصَلِّي، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: فِي مُصَلَّاهُ عَلَى الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِلصَّلَاةِ، لَا الْمَوْضِعِ الْخَاصِّ بِالسُّجُودِ، فَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَخَالُفٌ.
وَقَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُحْدِثْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يُبْطِلُ ذَلِكَ وَلَوِ اسْتَمَرَّ جَالِسًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ مِنَ
النُّخَامَةِ (١) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لَهَا كَفَّارَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ لِهَذَا كَفَّارَةً، بَلْ عُومِلَ صَاحِبُهُ بِحِرْمَانِ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ، وَدُعَاءُ الْمَلَائِكَةِ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ يَنْتَظِرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٦٢ - بَاب بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ، وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
قَوْلُهُ: (بَابُ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ) أَيِ النَّبَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) هُوَ الْخُدْرِيُّ، وَالْقَدْرُ الْمَذْكُورُ هُنَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي ذِكْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ عُمَرُ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةٍ فِي ذِكْرِ تَجْدِيدِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أُكِنُّ النَّاسَ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا أُكِنُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَضْمُومَةِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مِنْ أَكَنَّ الرُّبَاعِيِّ، يُقَالُ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ إِكْنَانًا أَيْ صُنْتُهُ وَسَتَرْتُهُ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ كَنَنْتُهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ بِمَعْنَى أَكْنَنْتُهُ، وَفَرَّقَ الْكِسَائِيُّ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: كَنَنْتُهُ أَيْ سَتَرْتُهُ، وَأَكْنَنْتُهُ فِي نَفْسِي أَيْ أَسْرَرْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَكِنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ، فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْإِكْنَانِ أَيْضًا، وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: وَأَمَرَ عُمَرُ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: وَإِيَّاكَ، وَتُوَجَّهُ الْأُولَى بِأَنَّهُ خَاطَبَ الْقَوْمَ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الصَّانِعِ، فَقَالَ لَهُ: وَإِيَّاكَ، أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَإِيَّاكَ عَلَى التَّجْرِيدِ كَأَنَّهُ خَاطَبَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، قَالَ عِيَاضٌ: وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ - أَيْ وَأَبِي ذَرٍّ - كِنَّ النَّاسَ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا. وَجَوَّزَ ابْنُ مَالِكٍ ضَمَّ الْكَافِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كُنَّ فَهُوَ مَكْنُونٌ. انْتَهَى. وَهُوَ مُتَّجَهٌ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُسَاعِدُهُ.
قَوْلُهُ: (فَتَفْتِنَ النَّاسَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَتَنَ، وَضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ بِالضَّمِّ مِنْ أَفْتَنَ، وَذَكَرَ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ أَنْكَرَهُ، وَأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ أَجَازَهُ، فَقَالَ: فَتَنَ وَأَفْتَنَ بِمَعْنًى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ عُمَرُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ رَدِّ الشَّارِعِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ مِنْ أَجْلِ الْأَعْلَامِ الَّتِي فِيهَا، وَقَالَ: إِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا شَيْخَهُ جُبَارَةَ بْنَ الْمُغَلِّسِ فَفِيهِ مَقَالٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا) بِفَتْحِ الْهَاءِ، أَيْ: يَتَفَاخَرُونَ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ أَنَسًا قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَتَبَاهَوْنَ بِالْمَسَاجِدِ، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَالطَّرِيقُ الْأُولَى أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْبُخَارِيِّ. وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الْمَسَاجِدِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: يَتَبَاهَوْنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إقامة الصَّلاة، أو قرب إقامتها، ولا للخطيب يوم الجمعة عند صعوده المنبر على الأصحِّ (١) في «الرَّوضة»، ولو دخل وقت كراهةٍ كُرِه له أن يصلِّيَها في قول أبي حنيفة وأصحابه ومالكٍ، والصَّحيح من مذهب الشَّافعيِّ عدم الكراهة.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا الأوَّل، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٦١) (بابُ) حكم (الحَدَثِ) النَّاقض للوضوء، كالرِّيح ونحوه الحاصل (فِي المَسْجِدِ).
٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (٢) (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) هو (٣) بكسر الزَّاي وبالنُّون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: المَلَائِكَةُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة» (٤):
«إنَّ الملائكة» والجمع المُحلَّى بـ «ال» يفيد الاستغراق (تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) بضمِّ الميم، أي: ما دام في المكان (الَّذِي صَلَّى فِيهِ) يحتمل أنَّه قبل صلاة الفرض أو بعد الفراغ منه، بوَّب عليه البيهقيُّ في التَّرغيب في مكث المصلِّي في مُصلَّاه الَّذي صلَّى فيه لإطالة ذكر الله تعالى، قال في «شرح التَّقريب»: وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ الجلوسُ بعد الفراغ من الفرض، وهو ظاهرُ قوله: «في مصلَّاه الَّذي صلَّى فيه» ويكون المرادُ بجلوسه انتظارَ صلاةٍ أخرى لم تأتِ، وهو مُصرَّحٌ به في بعض طرق أبي هريرة عند الإمام أحمد، ولفظه: «منتظر الصَّلاة بعد الصَّلاة كفارسٍ اشتدَّ به فرسه على كشحه، تصلِّي عليه ملائكة الله ﷿» (١) (مَا لَمْ يُحْدِثْ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه، أي: ما لم يحصل منه ما ينقض الطَّهارة، فإن أحدث حُرِم استغفارهم ولو استمرَّ جالسًا معاقبةً له لإيذائه لهم برائحته الخبيثة، وهو يدلُّ على أنَّه أشدُّ من (٢) النُّخامة لأنَّ لها كفَّارةً وهي الدَّفن بخلافه، وصلاة الملائكة (تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) ذنوبه (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ).
ومباحثه تأتي إن شاء الله تعالى في «باب من جلس ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٥٩] وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٧٧]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
(٦٢) (بابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ.
(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ ممَّا وصله المؤلِّف في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٢٧]: (كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) أي (١): الَّذي يُجرَد عنه الخُوص، فإن لم يُجرَد فَسَعَفٌ.
(وَأَمَرَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَقَالَ) للصَّانع: (أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ) بفتح الهمزة وكسر الكاف وفتح النُّون المُشدَّدة على صيغة (٢) الأمر من الإكنان، أي: اصنع لهم كِنًّا بالكسر، وهو ما يسترهم من (٣) الشَّمس، وهي رواية الأَصيليِّ لكن بزيادة الواو (٤)، وهي الأظهر، وفي روايةٍ: «وأَكِنِّ» كذلك لكن مع كسر النُّون، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أُكِنُّ» بضمِّ الهمزة والنُّون المُشدَّدة بلفظ المتكلِّم من الفعل المضارع المرفوع، وضبطه بعضهم: كِنَّ بحذف الهمزة وكسر الكاف وتشديد النُّون على صيغة الأمر، على أنَّ أصله: «أَكِنَّ» فحُذِفت الهمزة تخفيفًا، قال القاضي: وهو صحيحٌ، وجوَّز ابن مالكٍ: «كُنَّ» بضمِّ الكاف وحذف الهمزة على أنَّه من «كُنَّ» فهو مكنونٌ أي: صانه، قال العينيُّ كغيره: وهذا له وجهٌ، ولكنَّ الرِّواية: كُنَّ، بضمِّ الكاف وحذف الهمزة (٥) لا تساعده (وَإِيَّاكَ) خطابٌ للصَّانع (أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ) أي: إيَّاك وتحمير المسجد وتصفيره (فَتَفْتِنَ النَّاسَ) بفتح
المُثنَّاة الفوقيَّة وتسكين الفاء وفتح النُّون، من: فتن يفتن، كضرب يضرب، وضبطه الزَّركشيُّ بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (١) على أنَّه من «أفتن»، وأنكره الأصمعيُّ.
(وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا وصله أبو يعلى الموصليُّ (٢) في «مسنده» وابن خزيمة في «صحيحه»: (يَتَبَاهَوْنَ) بفتح الهاء من المباهاة، أي: يتفاخرون (بِهَا) أي: بالمساجد (ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا) بالصَّلاة والذِّكر (إِلَّا قَلِيلًا) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع على البدل من ضمير الفاعل.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله أبو داود (٣) وابن حبَّان: (لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بفتح «لام القسم» وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح الزَّاي وسكون الخاء المُعجَمة وكسر الرَّاء وضمِّ الفاء دلالةً على واو الضَّمير المحذوفة عند اتِّصال نون التَّوكيد، من الزَّخرفة، وهي الزِّينة بالذَّهب ونحوه (كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى) كنائسهم وبِيَعَهم لمَّا حرَّفوا الكتب وبدَّلوها، وضيَّعوا الدِّين وعرَّجوا على الزَّخارف والتَّزيين (٤).
واستُنبِط منه: كراهية زخرفة المساجد لاشتغال قلب المصلِّي بذلك، أو (٥) لصرف المال في غير وجهه، نعم إذا وقع ذلك على سبيل التَّعظيم للمساجد، ولم يقع الصَّرف عليه من بيت المال فلا بأس به، ولو أوصى بتشييد مسجدٍ وتحميره وتصفيره نُفِذت وصيِّته لأنَّه قد حدث
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمَسْجِد لَا تفوت بِالْجُلُوسِ. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: يحْتَمل أَن يُقَال: وقتهما قبل الْجُلُوس وَقت فَضِيلَة وَبعده وَقت جَوَاز، أَو يُقَال: وقتهما قبله أَدَاء وَبعده قَضَاء، وَيحْتَمل أَن يحمل مشروعيتهما بعد الْجُلُوس على مَا إِذا لم يطلّ الْفَصْل.
١٦ - (بابُ الحَدَثِ فِي المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَدث الْحَاصِل فِي الْمَسْجِد، وَالْمرَاد مِنْهُ الْحَدث الناقض للْوُضُوء: كَالرِّيحِ وَنَحْوه، وَقد قيل: المُرَاد مِنْهُ فِي الْحَدث أَعم من ذَلِك، وَحكى بَعضهم هَذَا ثمَّ فسره بقوله: أَي مَا لم يحدث سوءا، ثمَّ قَالَ: وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسلم: (مَا لم يحدث فِيهِ، مَا لم يؤذ فِيهِ) ، على أَن الثَّانِيَة تَفْسِير للأولى. قلت: لَا نسلم أَن الثَّانِيَة تَفْسِير للأولى لعدم الْإِبْهَام. غَايَة مَا فِي الْبَاب ذكر فِيهِ شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: حدث الْوضُوء، وَالْآخر: حدث الْإِثْم، على أَن مَالِكًا وَغَيره قد فسروا الْحَدث بِنَقْض الْوضُوء، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: قد ذكر ابْن حبيب عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه سمع عبد ابْن أبي أوفى يَقُول: هُوَ حدث الْإِثْم. قلت: لَا مُنَافَاة بَين التفسيرين لِكَوْنِهِمَا مصرحين فِي يرواية مُسلم، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ مقتصرة على تَفْسِير مَالك وَغَيره، وَلِهَذَا فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) ، فَهَذِهِ تصرح أَن المُرَاد من الْأَذَى هُوَ الْحَدث الناقض للْوُضُوء وَعَن هَذَا قَالُوا: إِن رِوَايَة الْجُمْهُور: مَا لم يحدث، فِي الحَدِيث بِالتَّخْفِيفِ، من: الإحداث، لَا بِالتَّشْدِيدِ من: التحديث، كَمَا رَوَاهُ بَعضهم، وَلَيْسَت بصحيحة، وَلِهَذَا قَالَ السفاقسي: لم يذكر التَّشْدِيد أحد. [/ بلشر
٥٤٤٤٠١ - حدّثنا عَبْدُ ابنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رسولَ الله قَالَ إِنَّ المَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أحدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَاّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن المُرَاد من قَوْله: (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صلى فِيهِ) هُوَ الْمَسْجِد، يدل على ذَلِك رِوَايَة البُخَارِيّ فِيمَا يتَعَلَّق بالمساجد على مَا يَأْتِي، وَهِي: (فَإِن أحدكُم إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء وأتى الْمَسْجِد لَا يُرِيد إلَاّ الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إِلَّا رَفعه ابها دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة حَتَّى يدْخل الْمَسْجِد، فَإِذا دخل الْمَسْجِد كَانَ فِي صَلَاة مَا كَانَت تحبسه، وَتصلي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يؤذ بِحَدَث فِيهِ) . وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَعلم أَن المُرَاد بقوله: (فِي مُصَلَّاهُ) هُوَ الْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ فِي الْمَسْجِد، وَإِن كَانَ بِحَسب اللُّغَة يُطلق على الْمُصَلِّي الَّذِي فِي غير الْمَسْجِد.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة قذ ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة بعْدهَا النُّون: عبد ابْن ذكْوَان، والأعرج هُوَ: عبد ابْن هُرْمُز.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْمَلَائِكَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي رَافع الصَّائِغ وَمُحَمّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة، وَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة عَن أبي هُرَيْرَة.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (إِن الْمَلَائِكَة تصلي) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني بِزِيَادَة: إِن، وَفِي رِوَايَة غَيره: الْمَلَائِكَة، بِدُونِ: أَن قَالَ بَعضهم: المُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ أَو السيارة أَو أَعم من ذَلِك. قلت: الْمَلَائِكَة جمع محلى بِاللَّامِ فَيُفِيد الإستغراق. قَوْله: (فِي مُصَلَّاهُ) ، بِضَم الْمِيم: وَهُوَ اسْم الْمَكَان. قَوْله: (تَقول) بَيَان لقَوْله: (تصلي) وَتَفْسِير لَهُ. قَوْله: (اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ) يَعْنِي: يَا ااغفر لَهُ وارحمه، وَالْفرق بَين الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة أَن الْمَغْفِرَة ستر الذُّنُوب، وَالرَّحْمَة إفَاضَة الْإِحْسَان إِلَيْهِ.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: قَالَ السفاقسي: الْحَدث فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة يحرم بِهِ الْمُحدث اسْتِغْفَار الْمَلَائِكَة، وَلما لم يكن للْحَدَث فِيهِ كَفَّارَة ترفع
أَذَاهُ كَمَا يرفع الدّفن أَذَى النخامة فِيهِ عُوقِبَ بحرمان الاسْتِغْفَار من الْمَلَائِكَة لما آذاهم بِهِ من الرَّائِحَة الخبيثة. وَقَالَ ابْن بطال: من أَرَادَ أَن تحط عَنهُ ذنُوبه من غير تَعب فليغتنم مُلَازمَة مُصَلَّاهُ بعد الصَّلَاة ليستكثر من دُعَاء الْمَلَائِكَة واستغفارهم لَهُ، فَهُوَ مرجو إجَابَته لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى} (الْأَنْبِيَاء: ٨٢) . وَفِيه: بَيَان فَضِيلَة من انْتظر الصَّلَاة مُطلقًا سَوَاء ثَبت فِي مَجْلِسه ذَلِك من الْمَسْجِد أَو تحول إِلَى غَيره. وَفِيه: أَن الْحَدث فِي الْمَسْجِد يبطل ذَلِك، وَلَو اسْتمرّ جَالِسا. وَفِيه: أَن الْحَدث فِي الْمَسْجِد أَشد من النخامة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى الرَّد على من منع الْمُحدث أَن يدْخل الْمَسْجِد أَو يجلس فِيهِ. قلت: قد اخْتلف السّلف فِي جُلُوس الْمُحدث فِي الْمَسْجِد، فَروِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء أَنه خرج من الْمَسْجِد فَبَال ثمَّ دخل، فَتحدث مَعَ أَصْحَابه وَلم يمس مَاء. وَعَن عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، مثله، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير، وَكره ابْن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَن يتَعَمَّد الْجُلُوس فِي الْمجْلس على غير وضوء.
٢٦ - (بابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة بُنيان الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، والبنيان: الْبناء، يُقَال: بنى يَبْنِي بنياً وبنية وَبِنَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْبُنيان الْحَائِط، يُقَال: بنى فلَان بَيْتا من الْبُنيان، وَبنى على أَهله بِنَاء أَي: زفها، والعامة تَقول: بنى بأَهْله وَهُوَ خطأ.
وَقَالَ أبُو سَعِيدٍ كانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ.
١٣
- ٥٠ مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد رَوَاهُ مُسْندًا فِي بَاب هَل يُصَلِّي الإِمَام بِمن حضر: حدّثنا مُسلم، قَالَ: حدّثنا هِشَام عَن يحيى عَن أبي سَلمَة، قَالَ: (سَأَلت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ فَقَالَ: جَاءَت سَحَابَة فمطرت حَتَّى سَالَ السّقف وَكَانَ من جريد النّخل، فأقيمت الصَّلَاة فَرَأَيْت رَسُول الله يسْجد فِي المَاء والطين حَتَّى رَأَيْت أثر الطين فِي جَبهته) . قَوْله: (كَانَ سقف الْمَسْجِد) أَي: سقف مَسْجِد رَسُول ا، فالألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد. وَقَول الْكرْمَانِي: وَأما لجنس الْمَسَاجِد فبعيد. قَوْله: (من جريد النّخل) الجريد: هُوَ الَّذِي يجرد عَنهُ الخوص وَإِن لم يجرد يُسمى سَعَفًا.
وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِناءِ المَسْجِدِ وقالَ أكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ وَإِيَّاكَ أنْ تُحَمِّرَ أوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ.
٥٠
- مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا، وَالْمرَاد من الْمَسْجِد: مَسْجِد رَسُول ا، وَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب أَنه رُوِيَ من حَدِيث نَافِع أَن عبد اأخبره أَن الْمَسْجِد كَانَ على عهد رَسُول الله مُبينًا بِاللَّبنِ وسقفه الجريد وعمده خشب النّخل، فَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر شَيْئا، وَزَاد فِيهِ عمر وبناه على بُنْيَانه فِي عهد رَسُول الله بِاللَّبنِ والجريد، وَأعَاد عمده خشباً. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا. قَوْله: (بِاللَّبنِ) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيُقَال: اللبنة، بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهِي الطوب النيء. قَوْله: (وعمده) ، بِضَم الْعين وَالْمِيم وبفتحهما، جمع الْكَثْرَة لعمود الْبَيْت، وَجمع الْقلَّة: أعمدة. قَوْله: (أكن) فِيهِ أوجه. الأول: أكن، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَفتح النُّون، على صُورَة الْأَمر من الإكنان، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَهِي الْأَظْهر، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله قبله: (أَمر عمر) وَقَوله بعده: (وَإِيَّاك) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَولا أَمر بِالْبِنَاءِ وخاطب أحدا بذلك ثمَّ حذره من التحمير والتصفير بقوله: (وَإِيَّاك أَن تحمر أَو تصفر) ، والإكنان من أكننت الشَّيْء أَي: صنته وسترته. وَحكى أَبُو زيد وَالْكسَائِيّ: كننته، من الثلاثي بِمَعْنى: أكننته. وَقَالَ ثَعْلَب فِي (الفصيح) : أكننت الشَّيْء أَي: أخفيته، وكننته إِذا سترته بِشَيْء. وَيُقَال: أكننت الشَّيْء سترته وصنته من الشَّمْس، وأكننته فِي نَفسِي أسررته. وَفِي (كتاب فعل وَافْعل) لأبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى: قَالَت تَمِيم: كننت الْجَارِيَة أكنها كُنَّا، بكسرا لكاف، وأكننت الْعلم والسر. وَقَالَت قيس: كننت الْعلم والسر بِغَيْر ألف، وأكننت الْجَارِيَة بِالْألف. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي، فِي (نوادره) : أكنننت السِّرّ، وكننت وَجْهي من الْحر، وكننت سَيفي، قَالَ: وَقد يكون هَذَا بِالْألف أَيْضا. الْوَجْه الثَّانِي: أكن النَّاس، بِضَم الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَتَشْديد النُّون المضمومة: بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْفِعْل الْمُضَارع، وَقَالَ ابْن التِّين: هَكَذَا روينَاهُ، وَفِي هَذَا الْوَجْه الْتِفَات وَهُوَ أَن عمر أخبر عَن نَفسه ثمَّ الْتفت إِلَى الصَّانِع فَقَالَ: وَإِيَّاك، وَيجوز أَن يكون تجريداً، فَكَأَن عمر بعد أَن أخبر عَن نَفسه جرد عَنْهَا شخصا ثمَّ خاطبه بذلك. الْوَجْه
الثَّالِث: قَالَ عِيَاض: كن النَّاس، بِحَذْف الْهمزَة وَكسر الْكَاف وَتَشْديد النُّون: من كن يكن، وَهُوَ صِيغَة أَمر، وَأَصله أكن بِالْهَمْزَةِ حذفت تَخْفِيفًا على غير قِيَاس. الْوَجْه الرَّابِع: كن، بِضَم الْكَاف، من: كن فَهُوَ مَكْنُون، وَهَذَا لَهُ وَجه، وَلَكِن الرِّوَايَة لَا تساعده. قَوْله: (وَإِيَّاك) ، كلمة تحذير أَي: احذر من أَن تحمر. وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، ومفعول: تحمر، مَحْذُوف تَقْدِيره: إياك تحمير الْمَسْجِد أَو تصفيره، وَمرَاده الزخرفة. وَقد روى ابْن مَاجَه من طَرِيق عَمْرو بن مَيْمُون عَن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، مَرْفُوعا: (مَا سَاءَ عمل قوم قطّ إلَاّ زخرفوا مَسَاجِدهمْ) . قَوْله: (فتفتن النَّاس) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْفَاء: من فتن يفتن، من بَاب ضرب يضْرب، فتنا وفتوناً إِذا امتحنته، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم تَاء الْخطاب من أفتن، والأصمعي أنكر هَذَا، وَأَبُو عبيد أجَازه، وَقَالَ: فتن وافتن بِمَعْنى، وَهُوَ قَلِيل، والفتنة اسْم وَهُوَ فِي الأَصْل الامتحان والاختبار، ثمَّ كثر اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى الْإِثْم وَالْكفْر والقتال والإحراق والإزالة وَالصرْف عَن الشَّيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويفتن من الْفِتْنَة، وَفِي بَعْضهَا من التفتين. قلت: إِذا كَانَ من التفتين يكون من بَاب التفعيل، وماضيه: فتن، بتَشْديد التَّاء، وعَلى ضبط ابْن التِّين يكون من بَاب الإفعال وَهُوَ الإفتان بِكَسْر الْهمزَة، وعَلى كل حَال هُوَ بِفَتْح النُّون لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الْمَنْصُوب بِكَلِمَة. أَن.
وَقَالَ أنَسٌ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَها إِلَاّ قَلِيلاً.
هَذَا التَّعْلِيق مَرْفُوع فِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) : عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْعَبَّاس حدّثنا سعيد بن عَامر عَن أبي عَامر الخراز قَالَ: قَالَ أَبُو قلَابَة: انطلقنا مَعَ أنس نُرِيد الزاوية، نعني قصر أنس، فمررنا بِمَسْجِد فَحَضَرت صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ أنس: لَو صلينَا فِي هَذَا الْمَسْجِد، فَقَالَ بعض الْقَوْم: نأتي الْمَسْجِد الآخر، فَقَالَ أنس: إِن رَسُول الله قَالَ: (يَأْتِي على النَّاس زمَان يتباهون بالمساجد ثمَّ لَا يعمرونها إلَاّ قَلِيلا، أَو قَالَ: يعمرونها قَلِيلا) . وَرَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي أَيْضا فِي (مُسْنده) ، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : حدّثنا مُحَمَّد بن عبد االخزاعي حدّثنا حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة وَقَتَادَة عَن أنس: (إِن النَّبِي قَالَ: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يتباهي النَّاس فِي الْمَسَاجِد) . وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن ماجة أَيْضا، وروى أَبُو نعيم فِي (كتاب الْمَسَاجِد) من حَدِيث مُحَمَّد بن مُصعب القرقساني: عَن حَمَّاد (يتباهى النَّاس بِبِنَاء الْمَسَاجِد) ، وَمن حَدِيث عَليّ بن حَرْب: عَن سعيد بن عَامر عَن الخراز: (يتباهون بِكَثْرَة الْمَسَاجِد) . قَوْله: (يتباهون) ، بِفَتْح الْهَاء من المباهاة وَهِي الْمُفَاخَرَة، وَالْمعْنَى أَنهم يزخرفون الْمَسَاجِد ويزينونها ثمَّ يقعودن فِيهَا ويتمارون ويتباهون وَلَا يشتغلون بِالذكر وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالصَّلَاة. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالمساجد، والسياق يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (إلَاّ قَلِيلا) ، بِالنّصب، وَيجوز الرّفْع من جِهَة النَّحْو، فَإِنَّهُ بدل من ضمير الْفَاعِل.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى.
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَوْصُولا عَن ابْن عَبَّاس هَكَذَا مَوْقُوفا، وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا، قَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي فَزَارَة عَن يزِيد بن الْأَصَم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد) . قَالَ ابْن عَبَّاس: لتزخرفنها كَمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَأَبُو فَزَارَة اسْمه رَاشد ابْن كيسَان، وَإِنَّمَا اقْتصر البُخَارِيّ على الْمَوْقُوف مِنْهُ وَلم يذكر الْمَرْفُوع مِنْهُ للِاخْتِلَاف على يزِيد بن الْأَصَم فِي وَصله وإرساله، وَيزِيد هَذَا روى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة. قَوْله: (لتزخرفنها) أَي: لتزخرفن الْمَسَاجِد، بِضَم الْفَاء وَنون التَّأْكِيد، والضيمر فِيهِ للمذكرين. وَأما اللَّام فِيهِ فقد ذكر الطَّيِّبِيّ فِيهِ وَجْهَيْن. الأول: أَن تكون مَكْسُورَة، وَهِي لَام التَّعْلِيل للنَّفْي قبله، وَالْمعْنَى: مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد لأجل زخرفتها، والتشييد من شيد يشيد: رفع الْبناء والإحكام، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة} (النِّسَاء: ٨٧) . الْوَجْه الثَّانِي: فتح اللَّام على أَنَّهَا جَوَاب الْقسم، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمد، وَالْأول لم تثبت بِهِ الرِّوَايَة أصلا. قلت: الَّذِي قَالَه الطَّيِّبِيّ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْكَلَام، وَلَا وَجه لمَنعه، وَدَعوى عدم ثُبُوت الرِّوَايَة يحْتَاج إِلَى برهَان. وَمعنى الزخرفة: التزيين، يُقَال: زخرف الرجل كَلَامه إِذا موهه وزينه بِالْبَاطِلِ، والزخرف: الذَّهَب، وَالْمعْنَى هَهُنَا: تمويه الْمَسَاجِد بِالذَّهَب وَنَحْوه كَمَا زخرفت الْيَهُود كنائسهم وَالنَّصَارَى بيعهم. قَالَ الْخطابِيّ: وَإِنَّمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى كنائسها وَبَيْعهَا حِين حرفت الْكتب وبدلتها فضيعوا الدّين وعرجوا على الزخاريف والتزيين. وَقَالَ محيي السّنة: إِنَّهُم زخرفوا الْمَسَاجِد عِنْد مَا بدلُوا
دينهم وَأَنْتُم تصيرون إِلَى مثل حَالهم وسيصير أَمركُم إِلَى المراآة بالمساجد والمباهة بتزيينها، وَبِهَذَا اسْتدلَّ أَصْحَابنَا على أَن نقش الْمَسْجِد وتزيينه مَكْرُوه، وَقَول بعض صحابنا: وَلَا بَأْس بنقش الْمَسْجِد، مَعْنَاهُ تَركه أولى وَلَا يجوز من مَال الْوَقْف، وَيغرم الَّذِي يُخرجهُ سَوَاء كَانَ نَاظرا أَو غَيره.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْكَرَاهَة إِذا كَانَ من مَاله دون مَال الْوَقْف؟ قلت: مَا اشْتِغَال الْمُصَلِّي بِهِ، وَإِمَّا إِخْرَاج المَال فِي غير وَجهه.
٦٤٤ - ح دّثنا عَلَيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ قَالَ حدّثني أبي عنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ قَالَ حدّثنا نافِعٌ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أخْبَرَهُ أنَّ المَسْجِدَ كانَ عَلى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ مبْنِيًّا باللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ وَعَمَدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبُو بَكْرٍ شَيْئاً وَزَادَ فِيهِ عُمَرُوَ بَناهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ بِاللَّبِنِ والجَرِيدِ وَأَعادَ عُمُدَهُ خَشَباً ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادَةً كَثِيرَةً وَبَنْىَ جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ والقَصَةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسقَّفَهُ بالسَّاجِ.
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَليّ بن عبد ابْن جَعْفَر بن نجيح أَبُو الْحسن، يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ، أَصله مدنِي كَانَ بالعراق. الثَّالِث: أَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سعد. الرَّابِع: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد ابْن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدني. وَفِيه: رِوَايَة الأقران وَهِي رِوَايَة صَالح عَن نَافِع لِأَنَّهُمَا من طبقَة وَاحِدَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن صَالحا ونافعاً كِلَاهُمَا تابعيان. وَفِيه: زَاد الْأصيلِيّ لَفْظَة: ابْن سعد، بعد قَوْله: حدّثنا يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس وَمُجاهد بن مُوسَى وَهُوَ اتم، قَالَا: حدّثنا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (كَانَ على عهد رَسُول ا) أَي: فِي زَمَانه وأيامه. قَوْله: (بِاللَّبنِ) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَكَذَلِكَ معنى الجريد مر عَن قريب. و: (الْعمد) ، بِضَمَّتَيْنِ وفتحتين أَيْضا، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَلم يزدْ فِيهِ أَبُو بكر رَضِي اتعالى عَنهُ) ، يَعْنِي: لم يُغير فِيهِ شَيْئا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان. قَوْله: (وَزَاد فِيهِ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ) ، يَعْنِي: فِي الطول وَالْعرض وَلم يُغير فِي بنائِهِ بل بناه على بينان النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (فِي عهد رَسُول ا) ، إِمَّا صفة للبنيان أَو حَال، وَإِنَّمَا غير عمده لِأَنَّهَا تلفت. قَالَ السُّهيْلي: نخرت عمده فِي خلَافَة عمر فجددها، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَأعَاد عمده خشباً) . قَوْله: (ثمَّ غير عُثْمَان) ، يَعْنِي من جِهَة التوسيع وتغيير الْآلَات. قَوْله: (بحجارة منقوشة) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا (بِالْحِجَارَةِ المنقوشة) ، يَعْنِي: بدل اللَّبن. قَوْله: (والقصة) أَي: وبالقصة، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، وَهِي الجص بلغَة أهل الْحجاز. قلت: الجص: لُغَة فارسية معربة وَأَصلهَا: كج، وَفِيه لُغَتَانِ: فتح الْجِيم وَكسرهَا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أهل مصر جيراً، وَأهل الْبِلَاد الشامية يسمونه: كلساً. قَوْله: (وَجعل عمده) عطف على قَوْله: (وَبنى جِدَاره) . قَوْله: (وسقفه) بِلَفْظ الْمَاضِي من التسقيف من بَاب التفعيل عطفا على جعل، ويروى بِلَفْظ الِاسْم عطفا على عمده. قَوْله: (بالساج) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وبالجيم: وَهُوَ ضرب من الْخشب مَعْرُوف يُؤْتى بِهِ من الْهِنْد وَله قيمَة.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ قَالَ ابْن بطال: مَا ذكره البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَن السّنة فِي بينيان الْمَسَاجِد الْقَصْد وَترك الغلو فِي تشييدها خشيَة الْفِتْنَة والمباهاة ببنيانها، وَكَانَ عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، مَعَ الْفتُوح الَّتِي كَانَت فِي أَيَّامه وتمكنه