«أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤٦

الحديث رقم ٤٤٦ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بنيان المسجد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٤٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعَُمَُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ: وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عَُمَُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عَُمَُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ».

بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾

إسناد حديث رقم ٤٤٦ من صحيح البخاري

٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٤٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِكَثْرَةِ الْمَسَاجِدِ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا الْمُرَادُ بِهِ عِمَارَتُهَا بِالصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بُنْيَانَهَا، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، وَالزَّخْرَفَةُ الزِّينَةُ، وَأَصْلُ الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَقَبْلَهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَفْظُهُ: مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ، وَظَنَّ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي لَتُزَخْرِفُنَّهَا مَكْسُورَةٌ وَهِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ لِلْمَنْفِيِّ قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى: مَا أُمِرْتُ بِالتَّشْيِيدِ لِيُجْعَلَ ذَرِيعَةً إِلَى الزَّخْرَفَةِ، قَالَ: وَالنُّونُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ وَتَأْنِيبٍ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا جَوَابُ الْقَسَمِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ أَصْلًا فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَفْصُولٌ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ لِلِاخْتِلَافِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: التَّشْيِيدُ رَفْعُ الْبِنَاءِ وَتَطْوِيلُهُ، وَإِنَّمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَعَابِدَهَا حِينَ حَرَّفُوا كُتُبَهُمْ وَبَدَّلُوهَا.

٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ، ابْنُ سَعْدٍ. وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مَدَنِيَّانِ ثِقَتَانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (بِاللَّبِنِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ.

قَوْلُهُ: (وَعَمَدَهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَمَا، وَكَذَا قَوْلُهُ خَشَبٌ.

قَوْلُهُ: (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ) أَيْ: بِجِنْسِ الْآلَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ هَيْئَتِهِ إِلَّا تَوْسِيعَهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ)، أَيْ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: التَّوْسِيعُ، وَتَغْيِيرُ الْآلَاتِ.

قَوْلُهُ: (بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ) أَيْ بَدَلَ اللَّبِنِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ.

قَوْلُهُ: (وَالْقَصَّةُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْجَصُّ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: تُشْبِهُ الْجَصَّ وَلَيْسَتْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَسَقَفَهُ) بِلَفْظِ الْمَاضِي عَطْفًا عَلَى جَعَلَ، وَبِإِسْكَانِ الْقَافِ عَلَى عُمُدِهِ، وَالسَّاجُ نَوْعٌ مِنَ الْخَشَبِ مَعْرُوفٌ يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْهِنْدِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ الْقَصْدُ وَتَرْكُ الْغُلُوِّ فِي تَحْسِينِهِ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الْفُتُوحِ فِي أَيَّامِهِ وَسَعَةِ الْمَالِ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَسْجِدَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِهِ؛ لِأَنَّ جَرِيدَ النَّخْلِ كَانَ قَدْ نَخِرَ فِي أَيَّامِهِ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ وَالْمَالُ فِي زَمَانِهِ أَكْثَرَ، فَحَسَّنَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الزَّخْرَفَةَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ.

وَأَوَّلُ مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَسَكَتَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَرَخَّصَ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للنَّاس فتاوى بقدر ما أحدثوا، وقد أحدث النَّاسُ مؤمنُهم وكافرُهم تشييدَ بيوتهم وتزيينها، ولو بنينا مساجدنا باللَّبِن وجعلناها متطامنةً بين (١) الدُّور الشَّاهقة، وربَّما كانت لأهل الذِّمَّة لكانت مستهانةً، قاله ابن المُنَيِّر، وتُعقِّب بأنَّ المنع إن كان للحثِّ على اتِّباع السَّلف في ترك الرَّفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل قلب و (٢) بال المصلِّي بالزَّخرفة فلا لبقاء العلَّة.

٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) (٣) بن جعفر بن نُجَيْحٍ، المشهور بابن المدينيِّ (٤)، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) وللأَصيليِّ: «ابن (٥) إبراهيم بْنِ سَعْدٍ» أي: ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ المدنيُّ الأصل، العراقيُّ الدَّار (قَالَ: حدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعدٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) زاد الأَصيليُّ: «ابن عمر» (أَخْبَرَهُ: أَنَّ المَسْجِدَ) النَّبويَّ (كَانَ عَلَى عَهْدِ) أي: زمان (رَسُولِ اللهِ) وأيَّامه، وللأَصيليِّ: «على عهد النَّبيِّ» ( مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة، وهو الطُّوب النَّيِّء (وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعَُمَُدُهُ) بضمِّ العين والميم، وبفتحهما (خَُشَُبُ النَّخْلِ) بفتح الخاء

والشِّين، وبضمِّهما (فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) ، أي: لم يغيِّر فيه (شَيْئًا) بالزِّيادة والنُّقصان (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ) بن الخطَّاب في الطُّول والعرض (وَ) لم يغيِّر (٢) في بنيانه، بل (بَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ، وَأَعَادَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو (٣) بفتحتين (خَشَبًا) لأنَّها بَلِيَت (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ) بن عفَّان من جهة التَّوسيع (٤) وتغيير الآلات (فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ) بدل اللَّبِن (٥) (وَالقَصَّةِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: الجصُّ بلغة أهل الحجاز. يُقال: قصَّص داره إذا (٦) جصَّصها، وللحَمُّويي والمُستملي في غير «اليونينيَّة» (٧): «بحجارةٍ منقوشةٍ» بالتَّنكير (وَجَعَلَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو بفتحتين (مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ) بفتح القاف والفاء، بلفظ الماضي عطفًا على «جعل»، وفي فرع «اليونينيَّة» (٨): «وسَقْفَه» من الشَّجر، بإسكان القاف وفتح الفاء عطفًا على «عُمُدَه»، وضبطه البرماويُّ: «وسقَّفه» بتشديد القاف، والسَّاج بالجيم، ضربٌ من الشَّجر يُؤتَى به من الهند، الواحدة ساجةٌ.

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (١) ومدنيٍّ، وفيه: رواية الأقران: صالحٍ عن نافعٍ لأنَّهما من طبقةٍ واحدةٍ، وتابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود في «الصَّلاة».

(٦٣) (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «المساجد» بالجمع (﴿مَا كَانَ﴾) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٢): «وقول الله ﷿: ﴿مَا كَانَ﴾» ولابن عساكر: «قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ﴾» (﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾) أي: ما صحَّ لهم (﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾) قال البيضاويُّ: أي: شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام، وقِيلَ: هو المراد، وإنَّما جُمِع لأنَّه قبلة المساجد وأمُّها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدلُّ عليه قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو ويعقوب بالتَّوحيد (٣) (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾) بإظهار الشِّرك وتكذيب الرَّسول ، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةُ بيت الله وعبادةُ غيره، رُوِي: أنَّه لمَّا أُسِر العبَّاس يوم بدرٍ، وعيَّره المسلمون بالشِّرك وقطيعة الرَّحم، وأغلظ له عليٌّ في القول، فقال: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، إنَّا لَنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفكُّ العاني، فنزلت: (﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾) الَّتي (٤) يفتخرون بها لأنَّ الكفر يُذهِب ثوابَها (﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾) لأجله (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ

مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) أي: إنَّما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميَّة والعمليَّة، ومن عمارتها تزيينُها بالفرش وتنويرها بالسُّرج، وإدامة العبادة والذِّكر ودروس العلم فيها، وصيانتها ممَّا لم تُبْنَ (١) له كحديث الدُّنيا، وفي حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه في مُسنَد عبد بن حُمَيْدٍ مرفوعًا: «إنَّ عمَّار المساجد هم أهل الله» ورُوِي أنَّ الله تعالى يقول: «إنَّ بيوتي في الأرض (٢) المساجد، وإنَّ زوَّاري فيها عمُّارُها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثمَّ زارني في بيتي، فحقٌّ على المَزُور أن يكرم زائرَه» (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ﴾) في أبواب الدِّين (﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]) قِيلَ: الإتيانُ بلفظ: «عسى» إشارةٌ إلى ردع الكفَّار وتوبيخهم بالقطع في (٣) زعمهم أنَّهم مهتدون، فإنَّ هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين «عسى» و «لعلَّ»، فما ظنُّك بمَنْ هو أضلُّ من البهائم، وإشارةٌ أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتِّكال على الأعمال. انتهى. وقد ذكر هاتين الآيتين هنا (٤) في الفرع وأصله (٥)، لكنَّه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِكَثْرَةِ الْمَسَاجِدِ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا الْمُرَادُ بِهِ عِمَارَتُهَا بِالصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بُنْيَانَهَا، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، وَالزَّخْرَفَةُ الزِّينَةُ، وَأَصْلُ الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَقَبْلَهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَلَفْظُهُ: مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ، وَظَنَّ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي لَتُزَخْرِفُنَّهَا مَكْسُورَةٌ وَهِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ لِلْمَنْفِيِّ قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى: مَا أُمِرْتُ بِالتَّشْيِيدِ لِيُجْعَلَ ذَرِيعَةً إِلَى الزَّخْرَفَةِ، قَالَ: وَالنُّونُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ وَتَأْنِيبٍ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا جَوَابُ الْقَسَمِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ أَصْلًا فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَفْصُولٌ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ لِلِاخْتِلَافِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: التَّشْيِيدُ رَفْعُ الْبِنَاءِ وَتَطْوِيلُهُ، وَإِنَّمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَعَابِدَهَا حِينَ حَرَّفُوا كُتُبَهُمْ وَبَدَّلُوهَا.

٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ، ابْنُ سَعْدٍ. وَرِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مَدَنِيَّانِ ثِقَتَانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (بِاللَّبِنِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ.

قَوْلُهُ: (وَعَمَدَهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَمَا، وَكَذَا قَوْلُهُ خَشَبٌ.

قَوْلُهُ: (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ) أَيْ: بِجِنْسِ الْآلَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ هَيْئَتِهِ إِلَّا تَوْسِيعَهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ)، أَيْ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: التَّوْسِيعُ، وَتَغْيِيرُ الْآلَاتِ.

قَوْلُهُ: (بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ) أَيْ بَدَلَ اللَّبِنِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ.

قَوْلُهُ: (وَالْقَصَّةُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْجَصُّ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: تُشْبِهُ الْجَصَّ وَلَيْسَتْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَسَقَفَهُ) بِلَفْظِ الْمَاضِي عَطْفًا عَلَى جَعَلَ، وَبِإِسْكَانِ الْقَافِ عَلَى عُمُدِهِ، وَالسَّاجُ نَوْعٌ مِنَ الْخَشَبِ مَعْرُوفٌ يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْهِنْدِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ الْقَصْدُ وَتَرْكُ الْغُلُوِّ فِي تَحْسِينِهِ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الْفُتُوحِ فِي أَيَّامِهِ وَسَعَةِ الْمَالِ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَسْجِدَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِهِ؛ لِأَنَّ جَرِيدَ النَّخْلِ كَانَ قَدْ نَخِرَ فِي أَيَّامِهِ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ وَالْمَالُ فِي زَمَانِهِ أَكْثَرَ، فَحَسَّنَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الزَّخْرَفَةَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ.

وَأَوَّلُ مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَسَكَتَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَرَخَّصَ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للنَّاس فتاوى بقدر ما أحدثوا، وقد أحدث النَّاسُ مؤمنُهم وكافرُهم تشييدَ بيوتهم وتزيينها، ولو بنينا مساجدنا باللَّبِن وجعلناها متطامنةً بين (١) الدُّور الشَّاهقة، وربَّما كانت لأهل الذِّمَّة لكانت مستهانةً، قاله ابن المُنَيِّر، وتُعقِّب بأنَّ المنع إن كان للحثِّ على اتِّباع السَّلف في ترك الرَّفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل قلب و (٢) بال المصلِّي بالزَّخرفة فلا لبقاء العلَّة.

٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) (٣) بن جعفر بن نُجَيْحٍ، المشهور بابن المدينيِّ (٤)، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) وللأَصيليِّ: «ابن (٥) إبراهيم بْنِ سَعْدٍ» أي: ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ المدنيُّ الأصل، العراقيُّ الدَّار (قَالَ: حدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعدٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) زاد الأَصيليُّ: «ابن عمر» (أَخْبَرَهُ: أَنَّ المَسْجِدَ) النَّبويَّ (كَانَ عَلَى عَهْدِ) أي: زمان (رَسُولِ اللهِ) وأيَّامه، وللأَصيليِّ: «على عهد النَّبيِّ» ( مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة، وهو الطُّوب النَّيِّء (وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعَُمَُدُهُ) بضمِّ العين والميم، وبفتحهما (خَُشَُبُ النَّخْلِ) بفتح الخاء

والشِّين، وبضمِّهما (فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) ، أي: لم يغيِّر فيه (شَيْئًا) بالزِّيادة والنُّقصان (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ) بن الخطَّاب في الطُّول والعرض (وَ) لم يغيِّر (٢) في بنيانه، بل (بَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ، وَأَعَادَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو (٣) بفتحتين (خَشَبًا) لأنَّها بَلِيَت (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ) بن عفَّان من جهة التَّوسيع (٤) وتغيير الآلات (فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ) بدل اللَّبِن (٥) (وَالقَصَّةِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: الجصُّ بلغة أهل الحجاز. يُقال: قصَّص داره إذا (٦) جصَّصها، وللحَمُّويي والمُستملي في غير «اليونينيَّة» (٧): «بحجارةٍ منقوشةٍ» بالتَّنكير (وَجَعَلَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو بفتحتين (مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ) بفتح القاف والفاء، بلفظ الماضي عطفًا على «جعل»، وفي فرع «اليونينيَّة» (٨): «وسَقْفَه» من الشَّجر، بإسكان القاف وفتح الفاء عطفًا على «عُمُدَه»، وضبطه البرماويُّ: «وسقَّفه» بتشديد القاف، والسَّاج بالجيم، ضربٌ من الشَّجر يُؤتَى به من الهند، الواحدة ساجةٌ.

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (١) ومدنيٍّ، وفيه: رواية الأقران: صالحٍ عن نافعٍ لأنَّهما من طبقةٍ واحدةٍ، وتابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود في «الصَّلاة».

(٦٣) (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «المساجد» بالجمع (﴿مَا كَانَ﴾) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٢): «وقول الله ﷿: ﴿مَا كَانَ﴾» ولابن عساكر: «قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ﴾» (﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾) أي: ما صحَّ لهم (﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾) قال البيضاويُّ: أي: شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام، وقِيلَ: هو المراد، وإنَّما جُمِع لأنَّه قبلة المساجد وأمُّها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدلُّ عليه قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو ويعقوب بالتَّوحيد (٣) (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾) بإظهار الشِّرك وتكذيب الرَّسول ، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةُ بيت الله وعبادةُ غيره، رُوِي: أنَّه لمَّا أُسِر العبَّاس يوم بدرٍ، وعيَّره المسلمون بالشِّرك وقطيعة الرَّحم، وأغلظ له عليٌّ في القول، فقال: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، إنَّا لَنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفكُّ العاني، فنزلت: (﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾) الَّتي (٤) يفتخرون بها لأنَّ الكفر يُذهِب ثوابَها (﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾) لأجله (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ

مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) أي: إنَّما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميَّة والعمليَّة، ومن عمارتها تزيينُها بالفرش وتنويرها بالسُّرج، وإدامة العبادة والذِّكر ودروس العلم فيها، وصيانتها ممَّا لم تُبْنَ (١) له كحديث الدُّنيا، وفي حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه في مُسنَد عبد بن حُمَيْدٍ مرفوعًا: «إنَّ عمَّار المساجد هم أهل الله» ورُوِي أنَّ الله تعالى يقول: «إنَّ بيوتي في الأرض (٢) المساجد، وإنَّ زوَّاري فيها عمُّارُها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثمَّ زارني في بيتي، فحقٌّ على المَزُور أن يكرم زائرَه» (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ﴾) في أبواب الدِّين (﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]) قِيلَ: الإتيانُ بلفظ: «عسى» إشارةٌ إلى ردع الكفَّار وتوبيخهم بالقطع في (٣) زعمهم أنَّهم مهتدون، فإنَّ هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين «عسى» و «لعلَّ»، فما ظنُّك بمَنْ هو أضلُّ من البهائم، وإشارةٌ أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتِّكال على الأعمال. انتهى. وقد ذكر هاتين الآيتين هنا (٤) في الفرع وأصله (٥)، لكنَّه

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله