(١)، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤٧

الحديث رقم ٤٤٧ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التعاون في بناء المسجد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: (١)، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار»…

(١)، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ.

بَابُ الِاسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ

سند حديث: ٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا…

٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ: «انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ، فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا، حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ، فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ، [تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ]

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: (١)، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار»…

حثَّ عبدُ الله بن عباس رضي الله عنهما أحد أبنائه ومولاه عكرمة على أخذ العلم من الصحابي الجليل أبي سعيد سعد بن مالك الخُدري رضي الله عنه، فذهبا إليه؛ امتثالًا لهذا الحث، فوجداه يصلح أشياء في مزرعةٍ له، فلما رآهما جلس لهما محتبيًا، أي ناصبًا ساقيه، لافًّا لهما من وراء ظهره بردائه، فبدأ يُحدثما عن بناء مسجد النبي صل الله عليه وسلم، وأن عمار بن ياسر رضي الله عنهما كان أنشطهم في البناء، حيث كان ينقل لبنتين دفعة واحدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تقتل عمار الفئة المعتدية على إخوانهم المسلمين، وأن عمار يدعوهم للهدى والصواب، وهم يدعون عمار ومن معه لمخالفة ذلك، وفيه تصويب علي رضي الله عنه في اجتهاده وقتاله على أهل الشام.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الأصل إحسان الظن بالصحابة رضي الله عنهم، وترك الخوض فيما شجر بينهم من قتال وخلاف، فهم قد عملوا بما أداه لهم اجتهادهم، وإن كنا نعلم من النصوص أن الصواب كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
  • أهمية تلقي العلم من العلماء الكبار.
  • اهتمام الصحابة بتربية الصغار.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: (١)، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار»…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذَلِكَ بَعْضُهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - إِذَا وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يَقَعِ الصَّرْفُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا شَيَّدَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ وَزَخْرَفُوهَا نَاسَبَ أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ بِالْمَسَاجِدِ صَوْنًا لَهَا عَنِ الِاسْتِهَانَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْعَ إِنْ كَانَ لِلْحَثِّ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ فِي تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ لِخَشْيَةِ شَغْلِ بَالِ الْمُصَلِّي بِالزَّخْرَفَةِ فَلَا لِبَقَاءِ الْعِلَّةِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ بِمَا سَيَقَعُ، فَوَقَعَ كَمَا قَالَ.

٦٣ - بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ

﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة ١٧ - ١٨]

٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى على ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ، فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ.

[الحديث ٤٤٧ - طرفه في: ٢٨١٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ. وَزَادَ غَيْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ﴾ وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ وَفِي آخِرِهِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْمُهْتَدِينَ﴾، وَذِكْرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَوَاضِعُ السُّجُودِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَمَاكِنُ الْمُتَّخَذَةُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِعِمَارَتِهَا بُنْيَانُهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْإِقَامَةُ لِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَقَامَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَمِيرًا مُدَّةً وَمَعَهُ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا هُوَ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ: فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا.

قَوْلُهُ: (يُصْلِحُهُ) قَالَ فِي الْجِهَادِ: يَسْقِيَانِهِ، وَالْحَائِطُ: الْبُسْتَانُ، وَهَذَا الْأَخُ زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ لِأُمِّهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وُلِدَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَمَاتَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ أَخٌ شَقِيقٌ وَلَا أَخٌ مِنْ أَبِيهِ وَلَا مِنْ أُمِّهِ إِلَّا قَتَادَةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى اسْمِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَحْوِي جَمِيعَهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ أَمَرَ ابْنَهُ بِالْأَخْذِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِ لِطَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَكْثَرُ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ مَا كَانَ السَّلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَعَدَمِ التَّكَبُّرِ

وَتَعَاهُدِ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالِاعْتِرَافِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ بِفَضْلِهِمْ وَإِكْرَامِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَتَقْدِيمِ حَوَائِجِهِمْ عَلَى حَوَائِجِ أَنْفُسِهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى) فِيهِ التَّأَهُّبُ لِإِلْقَاءِ الْعِلْمِ وَتَرْكِ التَّحْدِيثِ فِي حَالَةِ الْمِهْنَةِ إِعْظَامًا لِلْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ) أَيِ: النَّبَوِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَتَّى إِذَا أَتَى.

قَوْلُهُ: (وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ) زَادَ مَعْمَرٌ فِي جَامِعِهِ: لَبِنَةً عَنْهُ وَلَبِنَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ الْمَشَقَّةِ فِي عَمَلِ الْبِرِّ، وَتَوْقِيرِ الرَّئِيسِ وَالْقِيَامِ عَنْهُ بِمَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَفَضْلُ بُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ.

قَوْلُهُ: (فَرَآهُ النَّبِيُّ فَيَنْفُضُ) فِيهِ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً لِاسْتِحْضَارِ ذَلِكَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَجَعَلَ يَنْفُضُ.

قَوْلُهُ: (التُّرَابَ عَنْهُ) زَادَ فِي الْجِهَادِ عَنْ رَأْسِهِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَفِيهِ إِكْرَامُ الْعَامِلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالِ، (وَيْحَ عَمَّارٍ) هِيَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ إِذَا أُضِيفَتْ، فَإِنْ لَمْ تُضَفْ جَازَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ مَعَ التَّنْوِينِ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ: (يَدْعُوهُمْ) أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَالْمُرَادُ قَتَلَتُهُ كَمَا ثَبَتَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَخْ، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ:: كَانَ قَتْلُهُ بِصِفِّينَ وَهُوَ مَعَ عَلِيٍّ وَالَّذِينَ قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الدُّعَاءُ إِلَى النَّارِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ كَانُوا ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي اتِّبَاعِ ظُنُونِهِمْ، فَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ الدُّعَاءُ إِلَى سَبَبِهَا وَهُوَ طَاعَةُ الْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْوَاجِبُ الطَّاعَةُ إِذْ ذَاكَ، وَكَانُوا هُمْ يَدْعُونَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ مَعْذُورُونَ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِلْمُهَلَّبِ: إِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَمَّارًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَصِحُّ فِي أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ. وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْخَوَارِجَ إِنَّمَا خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بَعْدَ قَتْلِ عَمَّارٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بذَلِكَ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ أَمْرِ الْخَوَارِجِ كَانَ عَقِبَ التَّحْكِيمِ، وَكَانَ التَّحْكِيمُ عَقِبَ انْتِهَاءِ الْقِتَالِ بِصِفِّينَ، وَكَانَ قَتْلُ عَمَّارٍ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا، فَكَيْفَ يَبْعَثُهُ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ.

ثَانِيهَا: أَنَّ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ، عَمَّارًا إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعَثَهُ يَسْتَنْفِرُهُمْ عَلَى قِتَالِ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ كَمَنْ كَانَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَأَفْضَلُ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، فَمَا فَرَّ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ وَقَعَ فِي مِثْلِهِ مَعَ زِيَادَةِ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَةَ الْخَوَارِجِ وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ.

ثَالِثُهَا: أَنَّهُ شَرَحَ عَلَى ظَاهِرِ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ النَّاقِصَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَكَرِيمَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَا ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَةِ الْفَرَبْرِيِّ الَّتِي بِخَطِّهِ زِيَادَةٌ تُوَضِّحُ الْمُرَادَ وَتُفْصِحُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى قَتَلَتِهِ وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ، وَلَفْظُهُ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ الْحَدِيثَ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ، وَقَالَ: إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا أَصْلًا، وَكَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَلَعَلَّهَا لَمْ تَقَعْ لِلْبُخَارِيِّ، أَوْ وَقَعَتْ فَحَذَفَهَا عَمْدًا. قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَرْقَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهَا عَمْدًا وَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ خَفِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنَ النَّبِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدْرَجَةٌ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي بَيَّنَتْ ذَلِكَ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَحَمْلِهُمْ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَحَدَّثَنِي أَصْحَابِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ اهـ.

وَابْنُ سُمَيَّةَ هُوَ عَمَّارٌ، وَسُمَيَّةُ اسْمُ أُمِّهِ.

وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

رُقِم على قوله: ﴿شَاهِدِينَ﴾ علامة السُّقوط إلى آخرها (١)، ولفظ رواية أبي ذَرٍّ: «﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾» الآيةَ، ولفظ (٢) الأَصيليِّ: «﴿مَسَاجِدَ الله﴾ … إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾».

٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) الدَّبَّاغ الأنصاريُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الذَّال المعجمة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله (٣) (وَلاِبْنِهِ) أي: لابن عبد الله بن عبَّاسٍ (عَلِيٍّ) أبي الحسن العابد الزَّاهد، المُتوفَّى بعد العشرين والمئة، وكان مولده يوم قُتِل عليُّ بن أبي طالبٍ ، فسُمِّي باسمه، وكان -فيما قِيلَ- أجملَ قرشيٍّ (٤) في الدُّنيا: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (فَاسْمَعَا) ولأبي ذَرٍّ: «واسمعا» (مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ) أي: أبو سعيدٍ (فِي حَائِطٍ) أي: بستانٍ (يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى) بالحاء المهملة والمُوحَّدة، أي: جمع ظهره وساقيه بنحو عمامته أو بيديه (ثُمَّ أَنْشَأَ) أي: شَرَعَ (يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ) وللأربعة وكريمة: «حتَّى إذا أتى على ذكر» وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٥) والكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى أتى على ذكر» (بِنَاءِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَقَالَ) أبو سعيدٍ:

(كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة: الطُّوب النِّيء (وَعَمَّارٌ) هو ابن ياسرٍ، وأمُّه سميَّة (١)، يحمل (لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ) ذكرهما مرَّتين كلبنةٍ، وزاد مَعْمَرٌ في روايته (٢) في «جامعه»: لَبِنَةً عنه ولبنةً عن رسول الله (فَرَآهُ النَّبِيُّ ) الضَّمير المنصوب لعمَّارٍ (فَيَنْفُضُ) بصيغة المضارع في موضع الماضي لاستحضار ذلك في نفس السَّامع كأنَّه يشاهده، ولأبي الوقت وابن عساكر: «فنفض» بصيغة الماضي، وللأَصيليِّ وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: «فجعل ينفض» (٣) (التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ) في تلك الحالة: (وَيْحَ عَمَّارٍ) بفتح الحاء والإضافة، كلمةُ رحمةٍ لمن وقع في هَلَكَةٍ لا يستحقُّها، كما أنَّ «ويل» كلمةُ عذابٍ لمن يستحقُّها (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ) أي: يدعو عمَّارٌ الفئةَ الباغية، وهم أصحاب

معاوية الَّذين قتلوه في وقعة صفِّين (إِلَى) سبب (الجَنَّةِ) وهو طاعة عليّ بن أبي طالبٍ (١) ، الإمام الواجب الطَّاعة إذ ذاك (وَيَدْعُونَهُ إِلَى) سبب (النَّارِ) لكنَّهم معذورون للتَّأويل (٢) الَّذي ظهر لهم؛ لأنَّهم كانوا مجتهدين ظانِّين أنَّهم يدعونه إلى الجنَّة، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتِّباع ظنونهم؛ فإنَّ المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجرٌ واحدٌ، وأُعِيد الضَّمير عليهم وهم غير مذكورين صريحًا، لكن وقع في رواية ابن السَّكن وكريمة وغيرهما، وثبت في نسخة الصَّغانيِّ المقابلة على نسخة الفَِرَبْريِّ الَّتي بخطِّه -وهو الَّذي ثبت في أصل «اليونينيَّة» - وسقط عنده لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (٣) «ويح عمَّارٍ تقتله الفئة الباغية يدعوهم» والفئة: هم أهل الشَّام، وهذه الزِّيادة حذفها المؤلِّف لنكتةٍ، وهي أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ لم يسمعها من النَّبيِّ ، كما بيَّن ذلك في رواية البزَّار من طريق داود بن أبي هندٍ عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ ، ولفظه: قال أبو سعيدٌ: فحدَّثني أصحابي ولم أسمعه من النَّبيِّ أنَّه قال: «يا ابن سميَّة، تقتلك الفئة الباغية» وإسناده على شرط مسلمٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من المَال لم يُغير الْمَسْجِد عَن بُنْيَانه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي عهد النَّبِي، ثمَّ جَاءَ الْأَمر إِلَى عُثْمَان وَالْمَال فِي زَمَانه أَكثر وَلم يزدْ على أَن يَجْعَل مَكَان اللَّبن حِجَارَة وقصة وسقفه بالساج مَكَان الجريد، فَلم يقصر هُوَ وَعمر رَضِي اعنهما، عَن الْبلُوغ فِي تشييده إِلَى أبلغ الغايات، إلَاّ عَن علمهما بِكَرَاهَة النَّبِي ذَلِك، وليقتدي بهما فِي الْأَخْذ من الدُّنْيَا بِالْقَصْدِ والزهد والكفاية فِي معالي أمورها وإيثار الْبلْغَة مِنْهَا.

قلت: أول من زخرف الْمَسَاجِد الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر عصر الصَّحَابَة رَضِي اتعالى عَنْهُم، وَسكت كثير من أهل الْعلم عَن إِنْكَار ذَلِك خوفًا من الْفِتْنَة. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: لما شيد النَّاس بُيُوتهم وزخرفوها فَانْتدبَ أَن يصنع ذَلِك بالمساجد صونا لَهَا عَن الاستهانة. وَقَالَ بَعضهم: وَرخّص فِي ذَلِك بَعضهم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة إِذا وَقع ذَلِك على سَبِيل التَّعْظِيم للمساجد، وَلم يَقع الصّرْف على ذَلِك من بَيت المَال. قلت: مَذْهَب أَصْحَابنَا أَن ذَلِك مَكْرُوه، وَقَول بعض أَصْحَابنَا: وَلَا بَأْس بنقش الْمَسْجِد، مَعْنَاهُ: تَركه أولى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٣٦ - (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تعاون النَّاس بَعضهم بَعْضًا فِي بِنَاء الْمَسْجِد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن فِي ذَلِك أجرا، وَمن زَاد فِي عمله فِي ذَلِك زَاد فِي أجره، وَفِي بعض النّسخ: فِي بَاء الْمَسَاجِد، بِلَفْظ الْجمع.

وَقَوْلُ اللَّهِ {مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلَى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ. إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَى إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أولَئِكَ أنْ يَكونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) .

١٣

- ٥٠ كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ( {مَا كَانَ للْمُشْرِكين إِن يعمروا مَسَاجِد ا} ) إِلَى قَوْله: {المهتدين} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) وَلم يَقع فِي رِوَايَته لفظ: وَقَول اعز وَجل.

وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة أَنه لما أسر الْعَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنهُ، يَوْم بدر، أقبل عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ فعيرونه بالْكفْر وَأَغْلظ لَهُ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، فَقَالَ الْعَبَّاس: مَا لكم تذكرُونَ مساوينا دون محاسننا؟ فَقَالَ لَهُ لي ألكم محَاسِن؟ قَالَ؛ نعم إِنَّا لنعمر الْمَسْجِد الْحَرَام ونحجب الْكَعْبَة ونسقي الْحَاج ونفك العاني، فَأنْزل اتعالى هَذِه الْآيَة. وَقَالَ بَعضهم فِي تَوْجِيه ذكر البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة هَهُنَا وَذكره هَذِه الْآيَة مصير مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح أحد الِاحْتِمَالَيْنِ من أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَذَلِكَ أَن قَوْله تَعَالَى: {مَسَاجِد ا} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا مَوَاضِع السُّجُود، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا الْأَمَاكِن المتخذة لإِقَامَة الصَّلَاة، وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يُرَاد بعمارتها بنيانها، وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْإِقَامَة فِيهَا لذكر اتعالى قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل لَا يُنَاسب معنى هَذِه الْآيَة أصلا، وَإِنَّمَا يُنَاسب معنى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با وَالْيَوْم الآخر ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة، على أَن أحدا من الْمُفَسّرين لم يذكر هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا هَذَا تصرف مِنْهُ بِالرَّأْيِ فِي الْقُرْآن فَلَا يجوز ذَلِك، وَيجب الْإِعْرَاض عَن هَذَا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى هَذِه الْآيَة: مَا يَنْبَغِي للْمُشْرِكين با أَن يعمروا مَسَاجِد االتي بنيت على اسْمه وَحده لَا شريك لَهُ، وَمن قَرَأَ مَسْجِد اأراد بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام، أشرف الْمَسَاجِد فِي الأَرْض الَّتِي بنى من أول يَوْم على عبَادَة اتعالى وَحده لَا شريك لَهُ، وأسسه خَلِيل الرَّحْمَن عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذَا وهم شاهدون على أنفسهم بالْكفْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أما الْقِرَاءَة بِالْجمعِ فَفِيهَا وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام؟ وَإِنَّمَا قيل: مَسَاجِد الأنه قبْلَة الْمَسَاجِد كلهَا، وإمامها، فعامره كعامر جَمِيع الْمَسَاجِد، وَلِأَن كل بقْعَة مِنْهُ مَسْجِد.

وَالثَّانِي: أَن يُرَاد بِهِ جنس الْمَسَاجِد، فَإِذا لم يصلحوا أَن يعمروا جِنْسهَا دخل تَحت ذَلِك أَن لَا يعمروا الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي هُوَ صدر الْجِنْس ومقدمته، وَهُوَ آكِد، لِأَن طَرِيقه طَرِيق الْكِنَايَة، كَمَا لَو قلت: فلَان لَا يقْرَأ كتب ا، كنت أنفى لقِرَاءَة الْقُرْآن من تصريحك بذلك، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآيَة من جملَة التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب لَا يطابقها، وَلَو ذكر قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة لَكَانَ أَجْدَر وَأقرب للمطابقة وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه ذَلِك وَإِن كَانَ فِيهِ بعض تعسف، وَهُوَ أَن يُقَال: إِنَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن التعاون فِي بِنَاء الْمَسَاجِد الْمُعْتَبر الَّذِي فِيهِ الْأجر إِنَّمَا كَانَ للْمُؤْمِنين، وَلم يكن ذَلِك للْكَافِرِينَ، وَإِن كَانُوا بنوا

مَسَاجِد ليتعبدوا فِيهَا بعبدتهم الْبَاطِلَة، أَلا ترى أَن الْعَبَّاس رَضِي اتعالى عَنهُ، لما أسر يَوْم بدر وعير بِكُفْرِهِ وَأَغْلظ لَهُ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، ادّعى أَنهم كَانُوا يعمرون الْمَسْجِد الْحَرَام، فَبين الْهم ذَلِك أَنه غير مَقْبُول مِنْهُم لكفرهم حَيْثُ أنزل على نبيه الْكَرِيم: {مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد ا} (التَّوْبَة: ٧١) كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ثمَّ أنزل فِي حق الْمُسلمين الَّذين يتعاونون فِي بِنَاء الْمَسَاجِد قَوْله: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا الْعِمَارَة المعتد بهَا عمَارَة من آمن با، فَجعل عمَارَة غَيرهم كلا عمَارَة حَيْثُ ذكرهَا بِكَلِمَة الْحصْر، وروى عبد بن حميد فِي مُسْنده: حدّثنا يُونُس بن مُحَمَّد حدّثنا صَالح الْمزي عَن ثَابت الْبنانِيّ وَمَيْمُون بن سياه وجعفر بن زيد عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِن عمار الْمَسْجِد هم أهل ا) ، وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار أَيْضا، وَلَا شكّ أَن أهل اهم الْمُؤْمِنُونَ.

٧٤٤٧٠١ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ مُخْتَارٍ قَالَ حدّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِيَ ابنُ عَبَّاس وَلاِبْنِهِ عَلِيّ إنْطَلِقَا إِلى أبي سَعِيدٍ فاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فاحْتَبَي ثُمَّ أنْشَأَ يُحَدِّثُنا حَتَّى أتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المسْجِدِ فَقَالَ كُنَّا نَحْملُ لَبنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتْينِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِي فَنَفَضَ الترَابَ عَنْهُ وقالَ وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. (الحَدِيث ٧٤٤ طرفه فِي: ٢١٨٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة الأولى ظَاهِرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز بن مُخْتَار أَبُو إِسْحَاق الدّباغ الْبَصْرِيّ الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقد تقدم. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب الْقرشِي الْهَاشِمِي أَبُو الْحسن، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، كَانَ مولده لَيْلَة قتل عَليّ بن أبي طَالب فَسمى باسمه وكنى بكنيته، وَكَانَ غَايَة فِي الْعِبَادَة والزهد وَالْعلم وَالْعَمَل وَحسن الشكل والفقهه، وَكَانَ يُصَلِّي كل يَوْم ألف رَكْعَة، هُوَ جد السفاح والمنصور الخليفتين، وَكَانَ يدعى: السَّجَّاد، لذَلِك. وَكَانَ لَهُ خَمْسمِائَة أصل زيتون يُصَلِّي كل يَوْم عِنْد أصل كل شَجَرَة رَكْعَتَيْنِ، مَاتَ بعد الْعشْرين وَمِائَة، إِمَّا سنة أَربع عشرَة أَو سبع عشرَة أَو عشر، عَن ثَمَان أَو تسع وَسبعين سنة. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي اعنه.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن إِسْنَاده كُله بَصرِي لِأَن ابْن عَبَّاس أَقَامَ أَمِيرا على الْبَصْرَة مُدَّة، وَعِكْرِمَة مَوْلَاهُ مَعَه.

ذكر تعدد مَوْضِعه: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (ولابنه) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، هَهُنَا للمفاجأة، أَي: فَإِذا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فِي حَائِط، أَي: بُسْتَان. وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ لَا سقف لَهُ. قَوْله: (يصلحه) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر لقَوْله: هُوَ، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي بَاب الْجِهَاد: (فأتيناه وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِط لَهما يسقيانه) قيل: أَخُوهُ هَذَا لأمه، وَهُوَ قَتَادَة بن النُّعْمَان، ورد بِأَن هَذَا لَا يَصح، لِأَن عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس ولد فِي آخر خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب، وَمَات قَتَادَة بن النُّعْمَان قبل ذَلِك فِي أَوَاخِر خلَافَة عمر بن الْخطاب رَضِي اتعالى عَنهُ، وَلَيْسَ لأبي سعيد أَخ شَقِيق وَلَا أَخ من أَبِيه وَلَا من أمه إلَاّ قَتَادَة، فَيحْتَمل أَن يكون الْمَذْكُور أَخَاهُ من الرضَاعَة، وَا تَعَالَى أعلم. قَوْله: (فاحتبى) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة بعد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، يُقَال؛ احتبى الرجل إِذا جمع ظَهره وساقيه بعمامته، وَقد يحتبي بيدَيْهِ. قَوْله: (أنشأ) بِمَعْنى: طفق، وهما من أَفعَال المقاربة وضعا للدلالة على الشُّرُوع فِي الْخَبَر، ويعملان عمل: كَانَ إلَاّ أَن خبرهما يجب أَن يكون جملَة، ويشاركهما فِي هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ: جعل وعلق وَأخذ.

قَوْله: (يحدّثنا) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر: أنشأ. قَوْله: (حَتَّى أَتَى) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَتَّى إِذا أَتَى) . قَوْله: (بِنَاء الْمَسْجِد) ، أَي: الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، فالألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (قَالَ) : أَي أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. قَوْله: (لبنة) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا النُّون: وَهِي الطوب النيء، وانتصابها على أَنَّهَا مفعول: نحمل، وانتصاب

الثَّانِيَة بِأَنَّهُ تَأْكِيد لَهَا. قَوْله: (وعمار) أَي: يحمل عمار بن يَاسر لبنتين لبنتين. زَاد معمر فِي رِوَايَته: (لبنة عَنهُ ولبنة عَن رَسُول ا) . وَفِيه زِيَادَة أَيْضا لم يذكرهَا البُخَارِيّ، وَوَقعت عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق خَالِد الوَاسِطِيّ: عَن خَالِد الْحذاء، وَهِي: (فَقَالَ النَّبِي: يَا عمار أَلَاّ تحمل كَمَا يحمل أَصْحَابك؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيد من االأجر) .

قَوْله: (فَرَآهُ النَّبِي) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى عمار. قَوْله: (فنفض التُّرَاب عَنهُ) ، ويروى: (فينفض التُّرَاب عَنهُ) ، وَفِيه التَّعْبِير بِصِيغَة الْمُضَارع فِي مَوضِع الْمَاضِي لاستحضار ذَلِك فِي نفس السَّامع كَأَنَّهُ شَاهده، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَجعل ينفض التُّرَاب عَنهُ) . وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي بَاب الْجِهَاد: (عَن رَأسه) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (وَيْح عمار) ، كلمة: وَيْح، كلمة رَحْمَة كَمَا أَن كلمة: ويل، كلمة عَذَاب. تَقول: وَيْح لزيد وويل لَهُ، برفعهما على الِابْتِدَاء، وَلَك أَن تَقول: ويحاً لزيد وويلاً لَهُ، فتنصبهما بإضمار فعل، وَأَن تَقول: وَيحك وويح زيد، وويلك وويل زيد، بِالْإِضَافَة فتنصب أَيْضا بإضمار الْفِعْل، وَهَهُنَا بِنصب الْحَاء لَا غير. قَوْله: (الفئة) هِيَ الْجَمَاعَة: و: (الباغية) هم الَّذين خالفوا الإِمَام وَخَرجُوا عَن طَاعَته بِتَأْوِيل بَاطِل ظنا بمتبوع مُطَاع. قَوْله: (يَدعُوهُم) أَي: يَدْعُو عمار الفئة الباغية وهم الَّذين قَتَلُوهُ فِي وقْعَة صفّين، وأعيد الضَّمِير إِلَيْهِم، وهم غير مذكورين صَرِيحًا. قَوْله: (إِلَى الْجنَّة) أَي: إِلَى سَببهَا، وَهِي الطَّاعَة. كَمَا أَن سَبَب النَّار هُوَ الْمعْصِيَة. قَوْله: (ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَي: يَدْعُو هَؤُلَاءِ الفئة الباغية عمارًا إِلَى النَّار. فَإِن قيل: كَانَ قتل عمار بصفين، وَكَانَ مَعَ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، وَكَانَ الَّذين قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَة، وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من الصَّحَابَة فَكيف يجوز أَن يَدعُوهُ إِلَى النَّار؟ فَأجَاب ابْن بطال عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا يَصح هَذَا فِي الْخَوَارِج الَّذين بعث إِلَيْهِم عَليّ عماراً يَدعُوهُم إِلَى الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ يَصح فِي أحد من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَأَوَّل عَلَيْهِم إلَاّ أفضل التَّأْوِيل. قلت: تبع ابْن بطال فِي ذَلِك الْمُهلب، وَتَابعه على ذَلِك جمَاعَة فِي هَذَا الْجَواب، وَلَكِن لَا يَصح هَذَا، لِأَن الْخَوَارِج إِنَّمَا خَرجُوا على عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، بعد قتل عمار بِلَا خلاف بَين أهل الْعلم بذلك، لِأَن ابْتِدَاء أَمرهم كَانَ عقيب التَّحْكِيم بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة، وَلم يكن التَّحْكِيم إلَاّ بعد انْتِهَاء الْقِتَال بصفين، وَكَانَ قتل عمار قبل ذَلِك قطعا، وَأجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد بالذين يَدعُونَهُ إِلَى النَّار كفار قُرَيْش، وَهَذَا أَيْضا لَا يَصح، لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة وَغَيرهمَا زِيَادَة توضيح بِأَن الضَّمِير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشَّام. وَقَالَ الْحميدِي: لَعَلَّ هَذِه الزِّيَادَة لم تقع للْبُخَارِيّ، أَو وَقعت فحذفها عمدا وَلم يذكرهَا فِي الْجمع. قَالَ: وَقد أخرجهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبرْقَانِي فِي هَذَا الحَدِيث، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِي هَذَا أَنهم كَانُوا مجتهدين ظانين أَنهم يَدعُونَهُ إِلَى الْجنَّة، وَإِن كَانَ فِي نفس الْأَمر خلاف ذَلِك، فَلَا لوم عَلَيْهِم فِي اتِّبَاع ظنونهم، فَإِن قلت: الْمُجْتَهد إِذا أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا أَخطَأ فَلهُ أجر، فَكيف الْأَمر هَهُنَا. قلت: الَّذِي قُلْنَا جَوَاب إقناعي فَلَا يَلِيق أَن يُذكر فِي حق الصَّحَابَة خلاف ذَلِك، لِأَن اتعالى أثنى عَلَيْهِم وَشهد لَهُم بِالْفَضْلِ، بقوله: {كُنْتُم خير أمة أُخرجت للنَّاس} (آل عمرَان: ٠١١) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هم أَصْحَاب مُحَمَّد.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد فِيهِ: أَن التعاون فِي بُنيان الْمَسْجِد من أفضل الْأَعْمَال لِأَنَّهُ مِمَّا يجْرِي للْإنْسَان أجره بعد مَوته، وَمثل ذَلِك حفر الْآبَار وَكري الْأَنْهَار وتحبيس الْأَمْوَال التييعم الْعَامَّة نَفعهَا. وَفِيه: الْحَث على أَخذ الْعلم من كل أحد وَإِن كَانَ الْآخِذ أفضل من الْمَأْخُوذ مِنْهُ، أَلا ترى أَن ابْن عَبَّاس مَعَ سَعَة علمه أَمر ابْنه عليا بِالْأَخْذِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ؟ قيل: يحْتَمل أَن يكون إرْسَال ابْن عَبَّاس إِلَيْهِ لطلب علو الْإِسْنَاد، لِأَن أَبَا سعيد أقدم صُحْبَة وَأكْثر سَمَاعا من النَّبِي. قلت: مَعَ هَذَا لَا يُنَافِي ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: أَن الْعَالم لَهُ أَن يتهيأ للْحَدِيث وَيجْلس لَهُ جلْسَة. وَفِيه: ترك التحديث فِي حَالَة المهنة إعظاماً للْحَدِيث وتوقيراً لصحابه. وَهَكَذَا كَانَ السّلف. وَفِيه: أَن للْإنْسَان أَن يَأْخُذ من أَفعَال الْبر مَا يشق عَلَيْهِ إِن شَاءَ كَمَا أَخذ عمار لبنتين. وَفِيه: إكرام الْعَامِل فِي سَبِيل اوالإحسان إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل. وَفِيه: عَلامَة النُّبُوَّة لِأَنَّهُ أخبر بِمَا يكون فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَفِيه: إصْلَاح الشَّخْص: بِمَا يتَعَلَّق بِأَمْر ديناه كإصلاح بستانه وَكَرمه بِنَفسِهِ وَكَانَ السّلف على ذَلِك لِأَن فِيهِ إِظْهَار التَّوَاضُع وَدفع الْكبر وهما من أفضل الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لعَلي وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أَن عليا لم يكن مصيباً فِي حروبه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الِاسْتِعَاذَة من الْفِتَن لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أحد فِي الْفِتْنَة أمأجور هُوَ أم مأزور؟ إلَاّ بِغَلَبَة الظَّن، وَلَو كَانَ مأّوراً لما استعاذ عمار من الْأجر.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذَلِكَ بَعْضُهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - إِذَا وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يَقَعِ الصَّرْفُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا شَيَّدَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ وَزَخْرَفُوهَا نَاسَبَ أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ بِالْمَسَاجِدِ صَوْنًا لَهَا عَنِ الِاسْتِهَانَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْعَ إِنْ كَانَ لِلْحَثِّ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ فِي تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ لِخَشْيَةِ شَغْلِ بَالِ الْمُصَلِّي بِالزَّخْرَفَةِ فَلَا لِبَقَاءِ الْعِلَّةِ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ بِمَا سَيَقَعُ، فَوَقَعَ كَمَا قَالَ.

٦٣ - بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ

﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة ١٧ - ١٨]

٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى على ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ، فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ.

[الحديث ٤٤٧ - طرفه في: ٢٨١٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ. وَزَادَ غَيْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ﴾ وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ وَفِي آخِرِهِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْمُهْتَدِينَ﴾، وَذِكْرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَوَاضِعُ السُّجُودِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَمَاكِنُ الْمُتَّخَذَةُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِعِمَارَتِهَا بُنْيَانُهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْإِقَامَةُ لِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَقَامَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَمِيرًا مُدَّةً وَمَعَهُ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا هُوَ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ: فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا.

قَوْلُهُ: (يُصْلِحُهُ) قَالَ فِي الْجِهَادِ: يَسْقِيَانِهِ، وَالْحَائِطُ: الْبُسْتَانُ، وَهَذَا الْأَخُ زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ لِأُمِّهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وُلِدَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَمَاتَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ أَخٌ شَقِيقٌ وَلَا أَخٌ مِنْ أَبِيهِ وَلَا مِنْ أُمِّهِ إِلَّا قَتَادَةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى اسْمِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَحْوِي جَمِيعَهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ أَمَرَ ابْنَهُ بِالْأَخْذِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِ لِطَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَكْثَرُ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ مَا كَانَ السَّلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَعَدَمِ التَّكَبُّرِ

وَتَعَاهُدِ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالِاعْتِرَافِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ بِفَضْلِهِمْ وَإِكْرَامِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَتَقْدِيمِ حَوَائِجِهِمْ عَلَى حَوَائِجِ أَنْفُسِهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى) فِيهِ التَّأَهُّبُ لِإِلْقَاءِ الْعِلْمِ وَتَرْكِ التَّحْدِيثِ فِي حَالَةِ الْمِهْنَةِ إِعْظَامًا لِلْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ) أَيِ: النَّبَوِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَتَّى إِذَا أَتَى.

قَوْلُهُ: (وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ) زَادَ مَعْمَرٌ فِي جَامِعِهِ: لَبِنَةً عَنْهُ وَلَبِنَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ الْمَشَقَّةِ فِي عَمَلِ الْبِرِّ، وَتَوْقِيرِ الرَّئِيسِ وَالْقِيَامِ عَنْهُ بِمَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَفَضْلُ بُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ.

قَوْلُهُ: (فَرَآهُ النَّبِيُّ فَيَنْفُضُ) فِيهِ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً لِاسْتِحْضَارِ ذَلِكَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَجَعَلَ يَنْفُضُ.

قَوْلُهُ: (التُّرَابَ عَنْهُ) زَادَ فِي الْجِهَادِ عَنْ رَأْسِهِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَفِيهِ إِكْرَامُ الْعَامِلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالِ، (وَيْحَ عَمَّارٍ) هِيَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ إِذَا أُضِيفَتْ، فَإِنْ لَمْ تُضَفْ جَازَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ مَعَ التَّنْوِينِ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ: (يَدْعُوهُمْ) أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَالْمُرَادُ قَتَلَتُهُ كَمَا ثَبَتَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَخْ، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ:: كَانَ قَتْلُهُ بِصِفِّينَ وَهُوَ مَعَ عَلِيٍّ وَالَّذِينَ قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الدُّعَاءُ إِلَى النَّارِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ كَانُوا ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي اتِّبَاعِ ظُنُونِهِمْ، فَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ الدُّعَاءُ إِلَى سَبَبِهَا وَهُوَ طَاعَةُ الْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْوَاجِبُ الطَّاعَةُ إِذْ ذَاكَ، وَكَانُوا هُمْ يَدْعُونَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ مَعْذُورُونَ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِلْمُهَلَّبِ: إِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا فِي الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَمَّارًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَصِحُّ فِي أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ. وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْخَوَارِجَ إِنَّمَا خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بَعْدَ قَتْلِ عَمَّارٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بذَلِكَ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ أَمْرِ الْخَوَارِجِ كَانَ عَقِبَ التَّحْكِيمِ، وَكَانَ التَّحْكِيمُ عَقِبَ انْتِهَاءِ الْقِتَالِ بِصِفِّينَ، وَكَانَ قَتْلُ عَمَّارٍ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا، فَكَيْفَ يَبْعَثُهُ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ.

ثَانِيهَا: أَنَّ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ، عَمَّارًا إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعَثَهُ يَسْتَنْفِرُهُمْ عَلَى قِتَالِ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ كَمَنْ كَانَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَأَفْضَلُ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، فَمَا فَرَّ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ وَقَعَ فِي مِثْلِهِ مَعَ زِيَادَةِ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَةَ الْخَوَارِجِ وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ.

ثَالِثُهَا: أَنَّهُ شَرَحَ عَلَى ظَاهِرِ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ النَّاقِصَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَكَرِيمَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَا ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَةِ الْفَرَبْرِيِّ الَّتِي بِخَطِّهِ زِيَادَةٌ تُوَضِّحُ الْمُرَادَ وَتُفْصِحُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى قَتَلَتِهِ وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ، وَلَفْظُهُ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ الْحَدِيثَ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ، وَقَالَ: إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا أَصْلًا، وَكَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَلَعَلَّهَا لَمْ تَقَعْ لِلْبُخَارِيِّ، أَوْ وَقَعَتْ فَحَذَفَهَا عَمْدًا. قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَرْقَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهَا عَمْدًا وَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ خَفِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنَ النَّبِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدْرَجَةٌ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي بَيَّنَتْ ذَلِكَ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَحَمْلِهُمْ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَحَدَّثَنِي أَصْحَابِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ اهـ.

وَابْنُ سُمَيَّةَ هُوَ عَمَّارٌ، وَسُمَيَّةُ اسْمُ أُمِّهِ.

وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

رُقِم على قوله: ﴿شَاهِدِينَ﴾ علامة السُّقوط إلى آخرها (١)، ولفظ رواية أبي ذَرٍّ: «﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾» الآيةَ، ولفظ (٢) الأَصيليِّ: «﴿مَسَاجِدَ الله﴾ … إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾».

٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) الدَّبَّاغ الأنصاريُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الذَّال المعجمة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله (٣) (وَلاِبْنِهِ) أي: لابن عبد الله بن عبَّاسٍ (عَلِيٍّ) أبي الحسن العابد الزَّاهد، المُتوفَّى بعد العشرين والمئة، وكان مولده يوم قُتِل عليُّ بن أبي طالبٍ ، فسُمِّي باسمه، وكان -فيما قِيلَ- أجملَ قرشيٍّ (٤) في الدُّنيا: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (فَاسْمَعَا) ولأبي ذَرٍّ: «واسمعا» (مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ) أي: أبو سعيدٍ (فِي حَائِطٍ) أي: بستانٍ (يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى) بالحاء المهملة والمُوحَّدة، أي: جمع ظهره وساقيه بنحو عمامته أو بيديه (ثُمَّ أَنْشَأَ) أي: شَرَعَ (يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ) وللأربعة وكريمة: «حتَّى إذا أتى على ذكر» وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٥) والكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى أتى على ذكر» (بِنَاءِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَقَالَ) أبو سعيدٍ:

(كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة: الطُّوب النِّيء (وَعَمَّارٌ) هو ابن ياسرٍ، وأمُّه سميَّة (١)، يحمل (لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ) ذكرهما مرَّتين كلبنةٍ، وزاد مَعْمَرٌ في روايته (٢) في «جامعه»: لَبِنَةً عنه ولبنةً عن رسول الله (فَرَآهُ النَّبِيُّ ) الضَّمير المنصوب لعمَّارٍ (فَيَنْفُضُ) بصيغة المضارع في موضع الماضي لاستحضار ذلك في نفس السَّامع كأنَّه يشاهده، ولأبي الوقت وابن عساكر: «فنفض» بصيغة الماضي، وللأَصيليِّ وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: «فجعل ينفض» (٣) (التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ) في تلك الحالة: (وَيْحَ عَمَّارٍ) بفتح الحاء والإضافة، كلمةُ رحمةٍ لمن وقع في هَلَكَةٍ لا يستحقُّها، كما أنَّ «ويل» كلمةُ عذابٍ لمن يستحقُّها (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ) أي: يدعو عمَّارٌ الفئةَ الباغية، وهم أصحاب

معاوية الَّذين قتلوه في وقعة صفِّين (إِلَى) سبب (الجَنَّةِ) وهو طاعة عليّ بن أبي طالبٍ (١) ، الإمام الواجب الطَّاعة إذ ذاك (وَيَدْعُونَهُ إِلَى) سبب (النَّارِ) لكنَّهم معذورون للتَّأويل (٢) الَّذي ظهر لهم؛ لأنَّهم كانوا مجتهدين ظانِّين أنَّهم يدعونه إلى الجنَّة، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتِّباع ظنونهم؛ فإنَّ المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجرٌ واحدٌ، وأُعِيد الضَّمير عليهم وهم غير مذكورين صريحًا، لكن وقع في رواية ابن السَّكن وكريمة وغيرهما، وثبت في نسخة الصَّغانيِّ المقابلة على نسخة الفَِرَبْريِّ الَّتي بخطِّه -وهو الَّذي ثبت في أصل «اليونينيَّة» - وسقط عنده لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (٣) «ويح عمَّارٍ تقتله الفئة الباغية يدعوهم» والفئة: هم أهل الشَّام، وهذه الزِّيادة حذفها المؤلِّف لنكتةٍ، وهي أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ لم يسمعها من النَّبيِّ ، كما بيَّن ذلك في رواية البزَّار من طريق داود بن أبي هندٍ عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ ، ولفظه: قال أبو سعيدٌ: فحدَّثني أصحابي ولم أسمعه من النَّبيِّ أنَّه قال: «يا ابن سميَّة، تقتلك الفئة الباغية» وإسناده على شرط مسلمٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من المَال لم يُغير الْمَسْجِد عَن بُنْيَانه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي عهد النَّبِي، ثمَّ جَاءَ الْأَمر إِلَى عُثْمَان وَالْمَال فِي زَمَانه أَكثر وَلم يزدْ على أَن يَجْعَل مَكَان اللَّبن حِجَارَة وقصة وسقفه بالساج مَكَان الجريد، فَلم يقصر هُوَ وَعمر رَضِي اعنهما، عَن الْبلُوغ فِي تشييده إِلَى أبلغ الغايات، إلَاّ عَن علمهما بِكَرَاهَة النَّبِي ذَلِك، وليقتدي بهما فِي الْأَخْذ من الدُّنْيَا بِالْقَصْدِ والزهد والكفاية فِي معالي أمورها وإيثار الْبلْغَة مِنْهَا.

قلت: أول من زخرف الْمَسَاجِد الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان، وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر عصر الصَّحَابَة رَضِي اتعالى عَنْهُم، وَسكت كثير من أهل الْعلم عَن إِنْكَار ذَلِك خوفًا من الْفِتْنَة. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: لما شيد النَّاس بُيُوتهم وزخرفوها فَانْتدبَ أَن يصنع ذَلِك بالمساجد صونا لَهَا عَن الاستهانة. وَقَالَ بَعضهم: وَرخّص فِي ذَلِك بَعضهم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة إِذا وَقع ذَلِك على سَبِيل التَّعْظِيم للمساجد، وَلم يَقع الصّرْف على ذَلِك من بَيت المَال. قلت: مَذْهَب أَصْحَابنَا أَن ذَلِك مَكْرُوه، وَقَول بعض أَصْحَابنَا: وَلَا بَأْس بنقش الْمَسْجِد، مَعْنَاهُ: تَركه أولى، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٣٦ - (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تعاون النَّاس بَعضهم بَعْضًا فِي بِنَاء الْمَسْجِد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن فِي ذَلِك أجرا، وَمن زَاد فِي عمله فِي ذَلِك زَاد فِي أجره، وَفِي بعض النّسخ: فِي بَاء الْمَسَاجِد، بِلَفْظ الْجمع.

وَقَوْلُ اللَّهِ {مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلَى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ. إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَى إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أولَئِكَ أنْ يَكونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) .

١٣

- ٥٠ كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ( {مَا كَانَ للْمُشْرِكين إِن يعمروا مَسَاجِد ا} ) إِلَى قَوْله: {المهتدين} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) وَلم يَقع فِي رِوَايَته لفظ: وَقَول اعز وَجل.

وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة أَنه لما أسر الْعَبَّاس، رَضِي اتعالى عَنهُ، يَوْم بدر، أقبل عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ فعيرونه بالْكفْر وَأَغْلظ لَهُ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، فَقَالَ الْعَبَّاس: مَا لكم تذكرُونَ مساوينا دون محاسننا؟ فَقَالَ لَهُ لي ألكم محَاسِن؟ قَالَ؛ نعم إِنَّا لنعمر الْمَسْجِد الْحَرَام ونحجب الْكَعْبَة ونسقي الْحَاج ونفك العاني، فَأنْزل اتعالى هَذِه الْآيَة. وَقَالَ بَعضهم فِي تَوْجِيه ذكر البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة هَهُنَا وَذكره هَذِه الْآيَة مصير مِنْهُ إِلَى تَرْجِيح أحد الِاحْتِمَالَيْنِ من أحد الِاحْتِمَالَيْنِ، وَذَلِكَ أَن قَوْله تَعَالَى: {مَسَاجِد ا} (التَّوْبَة: ٧١ ٨١) يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا مَوَاضِع السُّجُود، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بهَا الْأَمَاكِن المتخذة لإِقَامَة الصَّلَاة، وعَلى الثَّانِي يحْتَمل أَن يُرَاد بعمارتها بنيانها، وَيحْتَمل أَن يُرَاد الْإِقَامَة فِيهَا لذكر اتعالى قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل لَا يُنَاسب معنى هَذِه الْآيَة أصلا، وَإِنَّمَا يُنَاسب معنى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با وَالْيَوْم الآخر ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة، على أَن أحدا من الْمُفَسّرين لم يذكر هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا هَذَا تصرف مِنْهُ بِالرَّأْيِ فِي الْقُرْآن فَلَا يجوز ذَلِك، وَيجب الْإِعْرَاض عَن هَذَا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى هَذِه الْآيَة: مَا يَنْبَغِي للْمُشْرِكين با أَن يعمروا مَسَاجِد االتي بنيت على اسْمه وَحده لَا شريك لَهُ، وَمن قَرَأَ مَسْجِد اأراد بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام، أشرف الْمَسَاجِد فِي الأَرْض الَّتِي بنى من أول يَوْم على عبَادَة اتعالى وَحده لَا شريك لَهُ، وأسسه خَلِيل الرَّحْمَن عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذَا وهم شاهدون على أنفسهم بالْكفْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أما الْقِرَاءَة بِالْجمعِ فَفِيهَا وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام؟ وَإِنَّمَا قيل: مَسَاجِد الأنه قبْلَة الْمَسَاجِد كلهَا، وإمامها، فعامره كعامر جَمِيع الْمَسَاجِد، وَلِأَن كل بقْعَة مِنْهُ مَسْجِد.

وَالثَّانِي: أَن يُرَاد بِهِ جنس الْمَسَاجِد، فَإِذا لم يصلحوا أَن يعمروا جِنْسهَا دخل تَحت ذَلِك أَن لَا يعمروا الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي هُوَ صدر الْجِنْس ومقدمته، وَهُوَ آكِد، لِأَن طَرِيقه طَرِيق الْكِنَايَة، كَمَا لَو قلت: فلَان لَا يقْرَأ كتب ا، كنت أنفى لقِرَاءَة الْقُرْآن من تصريحك بذلك، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر هَذِه الْآيَة من جملَة التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب لَا يطابقها، وَلَو ذكر قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة لَكَانَ أَجْدَر وَأقرب للمطابقة وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه ذَلِك وَإِن كَانَ فِيهِ بعض تعسف، وَهُوَ أَن يُقَال: إِنَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن التعاون فِي بِنَاء الْمَسَاجِد الْمُعْتَبر الَّذِي فِيهِ الْأجر إِنَّمَا كَانَ للْمُؤْمِنين، وَلم يكن ذَلِك للْكَافِرِينَ، وَإِن كَانُوا بنوا

مَسَاجِد ليتعبدوا فِيهَا بعبدتهم الْبَاطِلَة، أَلا ترى أَن الْعَبَّاس رَضِي اتعالى عَنهُ، لما أسر يَوْم بدر وعير بِكُفْرِهِ وَأَغْلظ لَهُ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، ادّعى أَنهم كَانُوا يعمرون الْمَسْجِد الْحَرَام، فَبين الْهم ذَلِك أَنه غير مَقْبُول مِنْهُم لكفرهم حَيْثُ أنزل على نبيه الْكَرِيم: {مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد ا} (التَّوْبَة: ٧١) كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ثمَّ أنزل فِي حق الْمُسلمين الَّذين يتعاونون فِي بِنَاء الْمَسَاجِد قَوْله: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد امن آمن با ... } (التَّوْبَة: ٨١) الْآيَة، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا الْعِمَارَة المعتد بهَا عمَارَة من آمن با، فَجعل عمَارَة غَيرهم كلا عمَارَة حَيْثُ ذكرهَا بِكَلِمَة الْحصْر، وروى عبد بن حميد فِي مُسْنده: حدّثنا يُونُس بن مُحَمَّد حدّثنا صَالح الْمزي عَن ثَابت الْبنانِيّ وَمَيْمُون بن سياه وجعفر بن زيد عَن أنس بن مَالك، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (إِن عمار الْمَسْجِد هم أهل ا) ، وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار أَيْضا، وَلَا شكّ أَن أهل اهم الْمُؤْمِنُونَ.

٧٤٤٧٠١ - ح دّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ مُخْتَارٍ قَالَ حدّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِيَ ابنُ عَبَّاس وَلاِبْنِهِ عَلِيّ إنْطَلِقَا إِلى أبي سَعِيدٍ فاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فاحْتَبَي ثُمَّ أنْشَأَ يُحَدِّثُنا حَتَّى أتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المسْجِدِ فَقَالَ كُنَّا نَحْملُ لَبنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتْينِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِي فَنَفَضَ الترَابَ عَنْهُ وقالَ وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ باللَّهِ مِنَ الفِتَنِ. (الحَدِيث ٧٤٤ طرفه فِي: ٢١٨٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة الأولى ظَاهِرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز بن مُخْتَار أَبُو إِسْحَاق الدّباغ الْبَصْرِيّ الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقد تقدم. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس بن عبد الْمطلب الْقرشِي الْهَاشِمِي أَبُو الْحسن، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، كَانَ مولده لَيْلَة قتل عَليّ بن أبي طَالب فَسمى باسمه وكنى بكنيته، وَكَانَ غَايَة فِي الْعِبَادَة والزهد وَالْعلم وَالْعَمَل وَحسن الشكل والفقهه، وَكَانَ يُصَلِّي كل يَوْم ألف رَكْعَة، هُوَ جد السفاح والمنصور الخليفتين، وَكَانَ يدعى: السَّجَّاد، لذَلِك. وَكَانَ لَهُ خَمْسمِائَة أصل زيتون يُصَلِّي كل يَوْم عِنْد أصل كل شَجَرَة رَكْعَتَيْنِ، مَاتَ بعد الْعشْرين وَمِائَة، إِمَّا سنة أَربع عشرَة أَو سبع عشرَة أَو عشر، عَن ثَمَان أَو تسع وَسبعين سنة. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي اعنه.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: أَن إِسْنَاده كُله بَصرِي لِأَن ابْن عَبَّاس أَقَامَ أَمِيرا على الْبَصْرَة مُدَّة، وَعِكْرِمَة مَوْلَاهُ مَعَه.

ذكر تعدد مَوْضِعه: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (ولابنه) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، هَهُنَا للمفاجأة، أَي: فَإِذا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فِي حَائِط، أَي: بُسْتَان. وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ لَا سقف لَهُ. قَوْله: (يصلحه) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر لقَوْله: هُوَ، وَلَفظ البُخَارِيّ فِي بَاب الْجِهَاد: (فأتيناه وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِط لَهما يسقيانه) قيل: أَخُوهُ هَذَا لأمه، وَهُوَ قَتَادَة بن النُّعْمَان، ورد بِأَن هَذَا لَا يَصح، لِأَن عَليّ بن عبد ابْن عَبَّاس ولد فِي آخر خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب، وَمَات قَتَادَة بن النُّعْمَان قبل ذَلِك فِي أَوَاخِر خلَافَة عمر بن الْخطاب رَضِي اتعالى عَنهُ، وَلَيْسَ لأبي سعيد أَخ شَقِيق وَلَا أَخ من أَبِيه وَلَا من أمه إلَاّ قَتَادَة، فَيحْتَمل أَن يكون الْمَذْكُور أَخَاهُ من الرضَاعَة، وَا تَعَالَى أعلم. قَوْله: (فاحتبى) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة بعد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، يُقَال؛ احتبى الرجل إِذا جمع ظَهره وساقيه بعمامته، وَقد يحتبي بيدَيْهِ. قَوْله: (أنشأ) بِمَعْنى: طفق، وهما من أَفعَال المقاربة وضعا للدلالة على الشُّرُوع فِي الْخَبَر، ويعملان عمل: كَانَ إلَاّ أَن خبرهما يجب أَن يكون جملَة، ويشاركهما فِي هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ: جعل وعلق وَأخذ.

قَوْله: (يحدّثنا) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر: أنشأ. قَوْله: (حَتَّى أَتَى) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (حَتَّى إِذا أَتَى) . قَوْله: (بِنَاء الْمَسْجِد) ، أَي: الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، فالألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد. قَوْله: (قَالَ) : أَي أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. قَوْله: (لبنة) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا النُّون: وَهِي الطوب النيء، وانتصابها على أَنَّهَا مفعول: نحمل، وانتصاب

الثَّانِيَة بِأَنَّهُ تَأْكِيد لَهَا. قَوْله: (وعمار) أَي: يحمل عمار بن يَاسر لبنتين لبنتين. زَاد معمر فِي رِوَايَته: (لبنة عَنهُ ولبنة عَن رَسُول ا) . وَفِيه زِيَادَة أَيْضا لم يذكرهَا البُخَارِيّ، وَوَقعت عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق خَالِد الوَاسِطِيّ: عَن خَالِد الْحذاء، وَهِي: (فَقَالَ النَّبِي: يَا عمار أَلَاّ تحمل كَمَا يحمل أَصْحَابك؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيد من االأجر) .

قَوْله: (فَرَآهُ النَّبِي) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى عمار. قَوْله: (فنفض التُّرَاب عَنهُ) ، ويروى: (فينفض التُّرَاب عَنهُ) ، وَفِيه التَّعْبِير بِصِيغَة الْمُضَارع فِي مَوضِع الْمَاضِي لاستحضار ذَلِك فِي نفس السَّامع كَأَنَّهُ شَاهده، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَجعل ينفض التُّرَاب عَنهُ) . وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي بَاب الْجِهَاد: (عَن رَأسه) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (وَيْح عمار) ، كلمة: وَيْح، كلمة رَحْمَة كَمَا أَن كلمة: ويل، كلمة عَذَاب. تَقول: وَيْح لزيد وويل لَهُ، برفعهما على الِابْتِدَاء، وَلَك أَن تَقول: ويحاً لزيد وويلاً لَهُ، فتنصبهما بإضمار فعل، وَأَن تَقول: وَيحك وويح زيد، وويلك وويل زيد، بِالْإِضَافَة فتنصب أَيْضا بإضمار الْفِعْل، وَهَهُنَا بِنصب الْحَاء لَا غير. قَوْله: (الفئة) هِيَ الْجَمَاعَة: و: (الباغية) هم الَّذين خالفوا الإِمَام وَخَرجُوا عَن طَاعَته بِتَأْوِيل بَاطِل ظنا بمتبوع مُطَاع. قَوْله: (يَدعُوهُم) أَي: يَدْعُو عمار الفئة الباغية وهم الَّذين قَتَلُوهُ فِي وقْعَة صفّين، وأعيد الضَّمِير إِلَيْهِم، وهم غير مذكورين صَرِيحًا. قَوْله: (إِلَى الْجنَّة) أَي: إِلَى سَببهَا، وَهِي الطَّاعَة. كَمَا أَن سَبَب النَّار هُوَ الْمعْصِيَة. قَوْله: (ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَي: يَدْعُو هَؤُلَاءِ الفئة الباغية عمارًا إِلَى النَّار. فَإِن قيل: كَانَ قتل عمار بصفين، وَكَانَ مَعَ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، وَكَانَ الَّذين قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَة، وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من الصَّحَابَة فَكيف يجوز أَن يَدعُوهُ إِلَى النَّار؟ فَأجَاب ابْن بطال عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا يَصح هَذَا فِي الْخَوَارِج الَّذين بعث إِلَيْهِم عَليّ عماراً يَدعُوهُم إِلَى الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ يَصح فِي أحد من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَأَوَّل عَلَيْهِم إلَاّ أفضل التَّأْوِيل. قلت: تبع ابْن بطال فِي ذَلِك الْمُهلب، وَتَابعه على ذَلِك جمَاعَة فِي هَذَا الْجَواب، وَلَكِن لَا يَصح هَذَا، لِأَن الْخَوَارِج إِنَّمَا خَرجُوا على عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ، بعد قتل عمار بِلَا خلاف بَين أهل الْعلم بذلك، لِأَن ابْتِدَاء أَمرهم كَانَ عقيب التَّحْكِيم بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة، وَلم يكن التَّحْكِيم إلَاّ بعد انْتِهَاء الْقِتَال بصفين، وَكَانَ قتل عمار قبل ذَلِك قطعا، وَأجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد بالذين يَدعُونَهُ إِلَى النَّار كفار قُرَيْش، وَهَذَا أَيْضا لَا يَصح، لِأَنَّهُ وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة وَغَيرهمَا زِيَادَة توضيح بِأَن الضَّمِير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشَّام. وَقَالَ الْحميدِي: لَعَلَّ هَذِه الزِّيَادَة لم تقع للْبُخَارِيّ، أَو وَقعت فحذفها عمدا وَلم يذكرهَا فِي الْجمع. قَالَ: وَقد أخرجهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبرْقَانِي فِي هَذَا الحَدِيث، وَالْجَوَاب الصَّحِيح فِي هَذَا أَنهم كَانُوا مجتهدين ظانين أَنهم يَدعُونَهُ إِلَى الْجنَّة، وَإِن كَانَ فِي نفس الْأَمر خلاف ذَلِك، فَلَا لوم عَلَيْهِم فِي اتِّبَاع ظنونهم، فَإِن قلت: الْمُجْتَهد إِذا أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا أَخطَأ فَلهُ أجر، فَكيف الْأَمر هَهُنَا. قلت: الَّذِي قُلْنَا جَوَاب إقناعي فَلَا يَلِيق أَن يُذكر فِي حق الصَّحَابَة خلاف ذَلِك، لِأَن اتعالى أثنى عَلَيْهِم وَشهد لَهُم بِالْفَضْلِ، بقوله: {كُنْتُم خير أمة أُخرجت للنَّاس} (آل عمرَان: ٠١١) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هم أَصْحَاب مُحَمَّد.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد فِيهِ: أَن التعاون فِي بُنيان الْمَسْجِد من أفضل الْأَعْمَال لِأَنَّهُ مِمَّا يجْرِي للْإنْسَان أجره بعد مَوته، وَمثل ذَلِك حفر الْآبَار وَكري الْأَنْهَار وتحبيس الْأَمْوَال التييعم الْعَامَّة نَفعهَا. وَفِيه: الْحَث على أَخذ الْعلم من كل أحد وَإِن كَانَ الْآخِذ أفضل من الْمَأْخُوذ مِنْهُ، أَلا ترى أَن ابْن عَبَّاس مَعَ سَعَة علمه أَمر ابْنه عليا بِالْأَخْذِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ؟ قيل: يحْتَمل أَن يكون إرْسَال ابْن عَبَّاس إِلَيْهِ لطلب علو الْإِسْنَاد، لِأَن أَبَا سعيد أقدم صُحْبَة وَأكْثر سَمَاعا من النَّبِي. قلت: مَعَ هَذَا لَا يُنَافِي ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: أَن الْعَالم لَهُ أَن يتهيأ للْحَدِيث وَيجْلس لَهُ جلْسَة. وَفِيه: ترك التحديث فِي حَالَة المهنة إعظاماً للْحَدِيث وتوقيراً لصحابه. وَهَكَذَا كَانَ السّلف. وَفِيه: أَن للْإنْسَان أَن يَأْخُذ من أَفعَال الْبر مَا يشق عَلَيْهِ إِن شَاءَ كَمَا أَخذ عمار لبنتين. وَفِيه: إكرام الْعَامِل فِي سَبِيل اوالإحسان إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل. وَفِيه: عَلامَة النُّبُوَّة لِأَنَّهُ أخبر بِمَا يكون فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَفِيه: إصْلَاح الشَّخْص: بِمَا يتَعَلَّق بِأَمْر ديناه كإصلاح بستانه وَكَرمه بِنَفسِهِ وَكَانَ السّلف على ذَلِك لِأَن فِيهِ إِظْهَار التَّوَاضُع وَدفع الْكبر وهما من أفضل الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لعَلي وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أَن عليا لم يكن مصيباً فِي حروبه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الِاسْتِعَاذَة من الْفِتَن لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أحد فِي الْفِتْنَة أمأجور هُوَ أم مأزور؟ إلَاّ بِغَلَبَة الظَّن، وَلَو كَانَ مأّوراً لما استعاذ عمار من الْأجر.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله