«كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٤٧٤

الحديث رقم ٤٤٧٤ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب تفسير القرآن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٤٧٤ في صحيح البخاري

«كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ لِي: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ».

بَابُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾

إسناد حديث رقم ٤٤٧٤ من صحيح البخاري

٤٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٤٧٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالدِّينُ الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِالدِّينِ﴾ بِالْحِسَابِ، ﴿مَدِينِينَ﴾ مُحَاسَبِينَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) أَيْ: مِنَ الْفَضْلِ، أَوْ مِنَ التَّفْسِيرِ، أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ التَّقْيِيدِ بِشَرْطِهِ فِي كُلِّ وَجْهٍ.

قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي أَوَّلِ مَجَازِ الْقُرْآنِ لَكِنَّ لَفْظَهُ: وَلِسُوَرِ الْقُرْآنِ أَسْمَاءٌ: مِنْهَا أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ تُسَمَّى أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِهَا فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ، وَتُعَادُ قِرَاءَتُهَا فَيُقْرَأُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَبْلَ السُّورَةِ، وَيُقَالُ لَهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهَا فِي الْمَصَاحِفِ فَتُكْتَبُ قَبْلَ الْجَمِيعِ انْتَهَى. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِمَّا اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّ أُمَّ الشَّيْءِ ابْتِدَاؤُهُ وَأَصْلُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: التَّعْلِيلُ بِأَنَّهَا يُبْدَأُ بِهَا يُنَاسِبُ تَسْمِيَتَهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لَا أُمَّ الْكِتَابِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُتَّجَهُ مَا قَالَ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ مَبْدَأُ الْوَلَدِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعَبُّدِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَعَلَى مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْفِعْلِ. وَاشْتِمَالِهَا عَلَى ذِكْرِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ. وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ وَوَافَقَهُمَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ كَرَاهِيَةَ تَسْمِيَةِ الْفَاتِحَةِ أُمَّ الْكِتَابِ، وَتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَسْمِيَتِهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأُمِّ الْكِتَابِ. وَلَعَلَّ الَّذِي كَرِهَ ذَلِكَ وَقَفَ عِنْدَ لَفْظِ الْأُمِّ، وَإِذَا ثَبَتَ النَّصُّ طَاحَ مَا دُونَهُ. وَلِلْفَاتِحَةِ أَسْمَاءٌ أُخْرَى جُمِعَتْ مِنْ آثَارٍ أُخْرَى: الْكَنْزُ، وَالْوَافِيَةُ، وَالشَّافِيَةُ، وَالْكَافِيَةُ، وَسُورَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُورَةُ الصَّلَاةِ، وَسُورَةُ الشِّفَاءِ، وَالْأَسَاسُ، وَسُورَةُ الشُّكْرِ، وَسُورَةُ الدُّعَاءِ.

قَوْلُهُ: (الدِّينُ: الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. كَمَا تَدِينُ تُدَانُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ: الدِّينُ: الْحِسَابُ وَالْجَزَاءُ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. انْتَهَى، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ النَّبِيِّ بِهَذَا وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا، وَأَبُو قِلَابَةَ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا الدَّرْدَاءِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيِّ وَضَعَّفَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالدِّينِ بِالْحِسَابِ. مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قَالَ: بِالْحِسَابِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُحَاسَبِينَ. وَالْأَثَرُ الْأَوَّلُ جَاءَ مَوْقُوفًا عَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: هُوَ يَوْمُ الْحِسَابِ وَيَوْمُ الْجَزَاءِ. وَلِلدِّينِ مَعَانٍ أُخْرَى: مِنْهَا الْعَادَةُ، وَالْحُكْمُ، وَالْحَالُ، وَالْخَلْقُ، وَالطَّاعَةُ، وَالْقَهْرُ، وَالْمِلَّةُ، وَالشَّرِيعَةُ، وَالْوَرَعُ، وَالسِّيَاسَةُ، وَشَوَاهِدُ ذَلِكَ يَطُولُ ذِكْرُهَا.

٤٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ ثُمَّ قَالَ لِي: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ:

لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ.

[٤٤٧٤ - أطرافه في: ٤٦٤٧، ٤٧٠٣، ٥٠٠٦]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي خُبَيْبٌ) بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَحَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ أَيِ: ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى) بَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ سَمَاعَ خُبَيْبٍ لَهُ مِنْ حَفْصِ، وَحَفْصٍ لَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: رَافِعٌ، وَقِيلَ: الْحَارِثُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَوَهَّى الَّذِي قَبْلَهُ. وَقِيلَ: أَوْسٌ. وَقِيلَ: بَلْ أَوْسٌ اسْمُ أَبِيهِ وَالْمُعَلَّى جَدُّهُ. وَمَاتَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَرَّخَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفَاتَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ.

(تَنْبِيهَانِ) يَتَعَلَّقَانِ بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ: (أَحَدُهُمَا) نَسَبَ الْغَزَالِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِّيُّ وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى. (ثَانِيهِمَا) رَوَى الْوَاقِدِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ: عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَالْوَاقِدِيُّ شَدِيدُ الضَّعْفِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ. وَشَيْخُهُ مَجْهُولٌ.

وَأَظُنُّ الْوَاقِدِيَّ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ فَإِنَّ مَالِكًا أَخْرَجَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِيهِ ذِكْرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ: عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَمِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ نَادَاهُ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَوَهِمَ ابْنُ الْأَثِيرِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ شَيْخَ الْعَلَاءِ هُوَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى، فَإِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَدَنِيٌّ، وَذَلِكَ تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاءِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَأَحْمَدُ من طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْعَلَاءِ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ كَوْنَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي مَا رَجَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَلِأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ وَاخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ: (كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ أُجِبْهُ) زَادَ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ: فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: أَيْ أُبَيُّ، فَالْتَفَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ صَلَّى فَخَفَّفَ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَيْحَكَ مَا مَنَعَكَ إِذْ دَعَوْتُكَ أَنْ لَا تُجِيبَنِي؟ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَوَلَيْسَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَةَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (تَنْبِيهٌ)

نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ قَبْلَ قَوْلِ أَبِي سَعِيدِ: كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْخِطَابِ قَالَ: وَالَّذِي تَأَوَّلَ الْقَاضِيَانِ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَأَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ إِجَابَةَ النَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ يَعْصِي الْمَرْءُ بِتَرْكِهِ، وَأَنَّهُ

حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ قُلْتُ: وَمَا ادَّعَاهُ الدَّاوُدِيُّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْقَاضِيَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافٍ عِنْدَهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: (لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ) فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا؟ قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَهَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، لِأَنَّ الْمَفْضُولَ نَاقِصٌ عَنْ دَرَجَةِ الْأَفْضَلِ، وَأَسْمَاءَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامَهُ لَا نَقْصَ فِيهَا، وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى التَّفَاضُلِ أَنَّ ثَوَابَ بَعْضِهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ بَعْضٍ، فَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ، وَيُؤَيِّدُ التَّفْضِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أَيْ: فِي الْمَنْفَعَةِ وَالرِّفْقِ وَالرِّفْعَةِ، وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ قَالَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالتَّقْدِيرُ: نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ لَكِنْ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْبَابِ: أَوْ مِثْلِهَا، يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلِ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُحَدِّثُنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأُ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَابَ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّورَةُ الَّتِي قَدْ وَعَدْتَنِي؟ قَالَ: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ: فَقَالَ: هِيَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَالَ: إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ هِيَ الْفَاتِحَةُ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ هِيَ السَّبْعُ الطِّوَالُ، أَيِ: السُّوَرُ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرةِ إِلَى آخِرِ الْأَعْرَافِ ثُمَّ بَرَاءَةٌ، وَقِيلَ: يُونُسُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الْآيُ؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا مَثَانِيَ فَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى في كُلَّ رَكْعَةٍ، أَيْ: تُعَادُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا يُثْنَى بِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَقِيلَ: لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَذَا قَالَ، وعَكْسَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ السُّورَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الْآيَةَ لَمْ يَقُلْ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يُقَالُ لَهَا سَبْعٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا السُّورَةَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَسْمَائِهَا، وَفِيهِ قُوَّةٌ لِتَأْوِيلِ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرَادَ السُّورَةَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمَّى سُورَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا تُسَمَّى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ هَذَا التَّعَقُّبَ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ لِأَنَّهُ عَاتَبَ الصَّحَابِيَّ عَلَى تَأْخِيرِ إِجَابَتِهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ حُكْمَ لَفْظِ الْعُمُومِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَضَاهُ، وَأَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ إِذَا تَقَابَلَا كَانَ الْعَامُّ مُنَزَّلًا عَلَى الْخَاصِّ، لِأَنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعُمُومِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ إِجَابَةَ دُعَاءِ النَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ. وَفِيهِ أَنَّ إِجَابَةَ الْمُصَلِّي دُعَاءَ النَّبِيِّ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَفِيهِ بَحْثٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ إِجَابَتُهُ وَاجِبَةً مُطْلَقًا سَوَاءَ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ، أَمَّا كَوْنُهُ يَخْرُجُ بِالْإِجَابَةِ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَخْرُجُ فَلَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ وَلَوْ خَرَجَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالدِّينُ الْجَزَاءُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِالدِّينِ﴾ بِالْحِسَابِ، ﴿مَدِينِينَ﴾ مُحَاسَبِينَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) أَيْ: مِنَ الْفَضْلِ، أَوْ مِنَ التَّفْسِيرِ، أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ التَّقْيِيدِ بِشَرْطِهِ فِي كُلِّ وَجْهٍ.

قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ أَنَّهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي أَوَّلِ مَجَازِ الْقُرْآنِ لَكِنَّ لَفْظَهُ: وَلِسُوَرِ الْقُرْآنِ أَسْمَاءٌ: مِنْهَا أَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ تُسَمَّى أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِهَا فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ، وَتُعَادُ قِرَاءَتُهَا فَيُقْرَأُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَبْلَ السُّورَةِ، وَيُقَالُ لَهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهَا فِي الْمَصَاحِفِ فَتُكْتَبُ قَبْلَ الْجَمِيعِ انْتَهَى. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِمَّا اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّ أُمَّ الشَّيْءِ ابْتِدَاؤُهُ وَأَصْلُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: التَّعْلِيلُ بِأَنَّهَا يُبْدَأُ بِهَا يُنَاسِبُ تَسْمِيَتَهَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لَا أُمَّ الْكِتَابِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُتَّجَهُ مَا قَالَ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ مَبْدَأُ الْوَلَدِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعَبُّدِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَعَلَى مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْفِعْلِ. وَاشْتِمَالِهَا عَلَى ذِكْرِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ. وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ وَوَافَقَهُمَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ كَرَاهِيَةَ تَسْمِيَةِ الْفَاتِحَةِ أُمَّ الْكِتَابِ، وَتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَسْمِيَتِهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأُمِّ الْكِتَابِ. وَلَعَلَّ الَّذِي كَرِهَ ذَلِكَ وَقَفَ عِنْدَ لَفْظِ الْأُمِّ، وَإِذَا ثَبَتَ النَّصُّ طَاحَ مَا دُونَهُ. وَلِلْفَاتِحَةِ أَسْمَاءٌ أُخْرَى جُمِعَتْ مِنْ آثَارٍ أُخْرَى: الْكَنْزُ، وَالْوَافِيَةُ، وَالشَّافِيَةُ، وَالْكَافِيَةُ، وَسُورَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُورَةُ الصَّلَاةِ، وَسُورَةُ الشِّفَاءِ، وَالْأَسَاسُ، وَسُورَةُ الشُّكْرِ، وَسُورَةُ الدُّعَاءِ.

قَوْلُهُ: (الدِّينُ: الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. كَمَا تَدِينُ تُدَانُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ: الدِّينُ: الْحِسَابُ وَالْجَزَاءُ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. انْتَهَى، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ النَّبِيِّ بِهَذَا وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا، وَأَبُو قِلَابَةَ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا الدَّرْدَاءِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيِّ وَضَعَّفَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالدِّينِ بِالْحِسَابِ. مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قَالَ: بِالْحِسَابِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غَيْرَ مُحَاسَبِينَ. وَالْأَثَرُ الْأَوَّلُ جَاءَ مَوْقُوفًا عَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: هُوَ يَوْمُ الْحِسَابِ وَيَوْمُ الْجَزَاءِ. وَلِلدِّينِ مَعَانٍ أُخْرَى: مِنْهَا الْعَادَةُ، وَالْحُكْمُ، وَالْحَالُ، وَالْخَلْقُ، وَالطَّاعَةُ، وَالْقَهْرُ، وَالْمِلَّةُ، وَالشَّرِيعَةُ، وَالْوَرَعُ، وَالسِّيَاسَةُ، وَشَوَاهِدُ ذَلِكَ يَطُولُ ذِكْرُهَا.

٤٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ ثُمَّ قَالَ لِي: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ:

لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ.

[٤٤٧٤ - أطرافه في: ٤٦٤٧، ٤٧٠٣، ٥٠٠٦]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي خُبَيْبٌ) بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَحَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ أَيِ: ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى) بَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ سَمَاعَ خُبَيْبٍ لَهُ مِنْ حَفْصِ، وَحَفْصٍ لَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: رَافِعٌ، وَقِيلَ: الْحَارِثُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَوَهَّى الَّذِي قَبْلَهُ. وَقِيلَ: أَوْسٌ. وَقِيلَ: بَلْ أَوْسٌ اسْمُ أَبِيهِ وَالْمُعَلَّى جَدُّهُ. وَمَاتَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَرَّخَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفَاتَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ.

(تَنْبِيهَانِ) يَتَعَلَّقَانِ بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ: (أَحَدُهُمَا) نَسَبَ الْغَزَالِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِّيُّ وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى. (ثَانِيهِمَا) رَوَى الْوَاقِدِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ: عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَالْوَاقِدِيُّ شَدِيدُ الضَّعْفِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ. وَشَيْخُهُ مَجْهُولٌ.

وَأَظُنُّ الْوَاقِدِيَّ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ فَإِنَّ مَالِكًا أَخْرَجَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِيهِ ذِكْرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ: عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَمِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ نَادَاهُ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَوَهِمَ ابْنُ الْأَثِيرِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ شَيْخَ الْعَلَاءِ هُوَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى، فَإِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَدَنِيٌّ، وَذَلِكَ تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاءِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَأَحْمَدُ من طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْعَلَاءِ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ كَوْنَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي مَا رَجَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَلِأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ وَاخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ: (كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ أُجِبْهُ) زَادَ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ: فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: أَيْ أُبَيُّ، فَالْتَفَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ صَلَّى فَخَفَّفَ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَيْحَكَ مَا مَنَعَكَ إِذْ دَعَوْتُكَ أَنْ لَا تُجِيبَنِي؟ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَوَلَيْسَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَةَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (تَنْبِيهٌ)

نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ قَبْلَ قَوْلِ أَبِي سَعِيدِ: كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْخِطَابِ قَالَ: وَالَّذِي تَأَوَّلَ الْقَاضِيَانِ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَأَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ إِجَابَةَ النَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ يَعْصِي الْمَرْءُ بِتَرْكِهِ، وَأَنَّهُ

حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ قُلْتُ: وَمَا ادَّعَاهُ الدَّاوُدِيُّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْقَاضِيَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافٍ عِنْدَهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: (لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ) فِي رِوَايَةِ رَوْحٍ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا؟ قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَهَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، لِأَنَّ الْمَفْضُولَ نَاقِصٌ عَنْ دَرَجَةِ الْأَفْضَلِ، وَأَسْمَاءَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامَهُ لَا نَقْصَ فِيهَا، وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى التَّفَاضُلِ أَنَّ ثَوَابَ بَعْضِهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ بَعْضٍ، فَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ، وَيُؤَيِّدُ التَّفْضِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أَيْ: فِي الْمَنْفَعَةِ وَالرِّفْقِ وَالرِّفْعَةِ، وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ قَالَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالتَّقْدِيرُ: نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ لَكِنْ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْبَابِ: أَوْ مِثْلِهَا، يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلِ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُحَدِّثُنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأُ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَابَ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ الْحَدِيثُ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّورَةُ الَّتِي قَدْ وَعَدْتَنِي؟ قَالَ: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ: فَقَالَ: هِيَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَالَ: إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ هِيَ الْفَاتِحَةُ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ هِيَ السَّبْعُ الطِّوَالُ، أَيِ: السُّوَرُ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرةِ إِلَى آخِرِ الْأَعْرَافِ ثُمَّ بَرَاءَةٌ، وَقِيلَ: يُونُسُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الْآيُ؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا مَثَانِيَ فَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى في كُلَّ رَكْعَةٍ، أَيْ: تُعَادُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا يُثْنَى بِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَقِيلَ: لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَذَا قَالَ، وعَكْسَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ السُّورَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الْآيَةَ لَمْ يَقُلْ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يُقَالُ لَهَا سَبْعٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا السُّورَةَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَسْمَائِهَا، وَفِيهِ قُوَّةٌ لِتَأْوِيلِ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرَادَ السُّورَةَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمَّى سُورَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا تُسَمَّى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ هَذَا التَّعَقُّبَ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ لِأَنَّهُ عَاتَبَ الصَّحَابِيَّ عَلَى تَأْخِيرِ إِجَابَتِهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ حُكْمَ لَفْظِ الْعُمُومِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَضَاهُ، وَأَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ إِذَا تَقَابَلَا كَانَ الْعَامُّ مُنَزَّلًا عَلَى الْخَاصِّ، لِأَنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعُمُومِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ إِجَابَةَ دُعَاءِ النَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ. وَفِيهِ أَنَّ إِجَابَةَ الْمُصَلِّي دُعَاءَ النَّبِيِّ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَفِيهِ بَحْثٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ إِجَابَتُهُ وَاجِبَةً مُطْلَقًا سَوَاءَ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ، أَمَّا كَوْنُهُ يَخْرُجُ بِالْإِجَابَةِ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَخْرُجُ فَلَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ وَلَوْ خَرَجَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر