«﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٢٤

الحديث رقم ٤٥٢٤ من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أم حسبتم أن تدخلوا الجنة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٢٤ في صحيح البخاري

«﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةً، ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ، وَتَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، ٤٥٢٥ - فَقَالَ:

⦗٢٩⦘

قَالَتْ عَائِشَةُ: مَعَاذَ اللهِ، وَاللهِ مَا وَعَدَ اللهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ، حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مُثَقَّلَةً.»

﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ الْآيَةَ.

إسناد حديث رقم ٤٥٢٤ من صحيح البخاري

٤٥٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٢٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة قبل أن تُبتَلوا وتُختَبروا وتُمتَحنوا؛ كما فُعِل بالذين (١) من قبلكم من الأمم؛ ولذا قال: (﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء﴾) وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنَّوائب، وقال ابن عبَّاسٍ وابن مسعودٍ وغيرهما: ﴿الْبَأْسَاء﴾: الفقر، وقال ابن عبَّاسٍ: ﴿وَالضَّرَّاء﴾: السَّقَم، والواو في ﴿وَلَمَّا﴾ للحال، والجملة بعدها نصبٌ عليها، و «لمَّا»: حرف جزمٍ معناها النَّفي؛ كـ «لم»، وفيها توقُّعٌّ؛ ولذا جُعِل مقابل «قد» (إِلَى: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]) وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿مِن قَبْلِكُم﴾: «الآية» وحذف ما عدا ذلك، وعند ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: أنَّها نزلت يوم الأحزاب حين أصاب النَّبيَّ بلاءٌ وحصرٌ، وقيل: في يوم أحدٍ، وقيل: نزلت تسليةً للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين.

٤٥٢٤ - ٤٥٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد (٢) الرَّازيُّ الفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن حسَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) في قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾) ليس في الكلام شيءٌ حتَّى يكون غايةً له، فقدَّروه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ [يوسف: ١٠٩] فتراخى نصرهم حتَّى … ، وقيل غير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف [خ¦٤٦٩٥] (﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفَةً) ذالها المعجمة، وهي قراءة الكوفيِّين على معنى (٣) أنَّه أعاد الضَّمير من ﴿ظَنُّواْ﴾ و ﴿كُذِبُواْ﴾ على الرُّسل، أي: هم ظَنُّوا أنَّ أنفسهم

كذَبَتْهم ما حدَّثَتْهم به من النُّصرة؛ كما يقال: صدق رجاؤه وكذب رجاؤه، أو أعاد الضَّميرين (١) على الكفَّار، أي: وظنَّ الكفَّار أنَّ الرُّسل قد كَذَبوا فيما وَعَدوا به من النَّصر، أو غير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف [خ¦٤٦٩٥] قال ابن أبي مليكة (٢): (ذَهَبَ بِهَا) أي: بهذه الآية ابن عبَّاسٍ (هُنَاكَ) أي: فَهِم منها ما (٣) فهمه من آية البقرة من الاستبعاد والاستبطاء (وَتَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾) لتناهي الشِّدة واستطالة المدَّة؛ بحيث تقطَّعت حبال الصَّبر: (﴿مَتَى نَصْرُ اللّهِ﴾): استبطاءً لتأخُّره، فقيل لهم: (﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]) إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النَّصر، وهذه الآية كآية سورة يوسف في مجيء النَّصر بعد اليأس والاستبعاد، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض اللَّذَّات ومكابدة الشَّدائد والرِّياضات. قال ابن أبي مليكة: (فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ) المذكور من تخفيف ذال ﴿كُذِبُواْ﴾. (فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) منكرةً على ابن عبَّاسٍ: (مَعَاذَ اللهِ! وَاللهِ مَا وَعَدَ اللهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ) (٤) ظرفٌ للعِلْم لا للكون (وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ البَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ) من المؤمنين (يُكَذِّبُونَهُمْ) وإنكار عائشة على ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم إنَّما هو من جهة أنَّ مراده أنَّ الرسل ظنُّوا (٥) أنَّهم مُكذَّبون من عند الله لا من عند أنفسهم؛ بقرينة الاستشهاد بآية البقرة، ولا يقال: لو كان كما قالت عائشة؛ لقيل: وتيقَّنوا أنَّهم قد كُذِبوا؛ لأنَّ تكذيب القوم لهم كان متحقِّقًا؛ لأنَّ تكذيب أتباعهم من المؤمنين كان مظنونًا، والمتيقَّن هو تكذيب من لم يؤمن أصلًا، قاله الكِرمانيُّ، ويأتي زيادةٌ لذلك في آخر سورة يوسف إن شاء الله تعالى [خ¦٤٦٩٥] (فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ مُثَقَّلَةً) وهي قراءة الباقين غير الكوفيِّين؛ على معنى: وظنَّ الرُّسل أنَّ قومهم قد كذَّبوهم فيما وعدوهم (٦) به من العذاب والنُّصرة عليهم، فأعاد الضَّميرين على الرسل.

(٣٩) (بَابُ) قوله تعالى: (﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾) مبتدأٌ وخبرٌ، وجاز الإخبار عن الجُثَّةِ بالمصدر؛ إمَّا للمبالغة أو على حذف مضافٍ من الأوَّل، أي: وطءُ نسائكم حرثٌ، أي: كحرثٍ، أو الثَّاني، أي: نساؤكم ذوات حرثٍ، و ﴿لَّكُمْ﴾ في موضع رفعٍ صفةً لـ ﴿حَرْثٌ﴾ متعلِّقٍ (١) بمحذوفٍ، وأفرد الخبرَ والمبتدأُ جمعٌ؛ لأنَّه مصدرٌ، والأفصح فيه الإفراد والتَّذكير حينئذٍ وقال في «الكشَّاف»: ﴿حَرْثٌ لَّكُمْ﴾: مواضع حرثٍ لكم، وهذا مجازٌ، شُبِّهنَ (٢) بالمحارث تشبيهًا لِمَا يُلقَى في أرحامهنَّ من النُّطف التي منها النَّسل بالبذور، قال في «المصابيح»: قوله: وهذا مجاز؛ قيل: باعتبار إطلاق الحرث على مواضع الحرث، وقيل: باعتبار تغيُّر حكم الكلمة في الإعراب من جهة حذف المضاف؛ كما في: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وقيل: باعتبار حمل المشبَّه به على المشبَّه بعد حذف الأداة؛ كما في: زيدٌ أسدٌ، فكثيرًا ما يقال له: المجاز وإن لم يكن له استعارةٌ، وكأنَّ التَّجوُّز في ظاهر الحكم بأنَّه هو، ثمَّ أشار إلى أنَّ هذا التَّشبيه متفرِّعٌ على تشبيه النُّطف الملقاة في أرحامهنَّ بالبذور؛ إذ لولا اعتبار ذلك؛ لم يكن بهذا الحُسْنِ، وقيل: المراد بالمجاز: الاستعارة بالكناية؛ لأنَّ في جعل النِّساء محارث دلالةً على أنَّ النُّطف بذورٌ، على ما أشار إليه بقوله: «تشبيهًا لِمَا يُلقى … » إلى آخره، كما تقول: إنَّ هذا الموضع لمفتَرَسُ الشُّجعان، قال المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: ولا أرى ذلك جاريًا على القانون إلَّا أن يُقال: التَّقدير: نساؤكم حرثٌ لنطفكم؛ ليكون المشبَّه مصرَّحًا والمشبَّه به مكنيًّا. انتهى. وقد رُوِيَ عن مقاتلٍ: فروج نسائكم مزرعةٌ للولد (٣) (﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ﴾) أي: فأتوهنَّ كما تأتون المحارث (﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾) أي: كيف شئتم؛ مستقبلين ومستدبرين إذا كان في صِمَامٍ واحدٍ، وقيل: ﴿أَنَّى﴾ بمعنى: حيث،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة قبل أن تُبتَلوا وتُختَبروا وتُمتَحنوا؛ كما فُعِل بالذين (١) من قبلكم من الأمم؛ ولذا قال: (﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء﴾) وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنَّوائب، وقال ابن عبَّاسٍ وابن مسعودٍ وغيرهما: ﴿الْبَأْسَاء﴾: الفقر، وقال ابن عبَّاسٍ: ﴿وَالضَّرَّاء﴾: السَّقَم، والواو في ﴿وَلَمَّا﴾ للحال، والجملة بعدها نصبٌ عليها، و «لمَّا»: حرف جزمٍ معناها النَّفي؛ كـ «لم»، وفيها توقُّعٌّ؛ ولذا جُعِل مقابل «قد» (إِلَى: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]) وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: ﴿مِن قَبْلِكُم﴾: «الآية» وحذف ما عدا ذلك، وعند ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: أنَّها نزلت يوم الأحزاب حين أصاب النَّبيَّ بلاءٌ وحصرٌ، وقيل: في يوم أحدٍ، وقيل: نزلت تسليةً للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين.

٤٥٢٤ - ٤٥٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد (٢) الرَّازيُّ الفرَّاء الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن حسَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) في قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾) ليس في الكلام شيءٌ حتَّى يكون غايةً له، فقدَّروه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ [يوسف: ١٠٩] فتراخى نصرهم حتَّى … ، وقيل غير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف [خ¦٤٦٩٥] (﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفَةً) ذالها المعجمة، وهي قراءة الكوفيِّين على معنى (٣) أنَّه أعاد الضَّمير من ﴿ظَنُّواْ﴾ و ﴿كُذِبُواْ﴾ على الرُّسل، أي: هم ظَنُّوا أنَّ أنفسهم

كذَبَتْهم ما حدَّثَتْهم به من النُّصرة؛ كما يقال: صدق رجاؤه وكذب رجاؤه، أو أعاد الضَّميرين (١) على الكفَّار، أي: وظنَّ الكفَّار أنَّ الرُّسل قد كَذَبوا فيما وَعَدوا به من النَّصر، أو غير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف [خ¦٤٦٩٥] قال ابن أبي مليكة (٢): (ذَهَبَ بِهَا) أي: بهذه الآية ابن عبَّاسٍ (هُنَاكَ) أي: فَهِم منها ما (٣) فهمه من آية البقرة من الاستبعاد والاستبطاء (وَتَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾) لتناهي الشِّدة واستطالة المدَّة؛ بحيث تقطَّعت حبال الصَّبر: (﴿مَتَى نَصْرُ اللّهِ﴾): استبطاءً لتأخُّره، فقيل لهم: (﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]) إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النَّصر، وهذه الآية كآية سورة يوسف في مجيء النَّصر بعد اليأس والاستبعاد، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض اللَّذَّات ومكابدة الشَّدائد والرِّياضات. قال ابن أبي مليكة: (فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ) المذكور من تخفيف ذال ﴿كُذِبُواْ﴾. (فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) منكرةً على ابن عبَّاسٍ: (مَعَاذَ اللهِ! وَاللهِ مَا وَعَدَ اللهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ) (٤) ظرفٌ للعِلْم لا للكون (وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ البَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ) من المؤمنين (يُكَذِّبُونَهُمْ) وإنكار عائشة على ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم إنَّما هو من جهة أنَّ مراده أنَّ الرسل ظنُّوا (٥) أنَّهم مُكذَّبون من عند الله لا من عند أنفسهم؛ بقرينة الاستشهاد بآية البقرة، ولا يقال: لو كان كما قالت عائشة؛ لقيل: وتيقَّنوا أنَّهم قد كُذِبوا؛ لأنَّ تكذيب القوم لهم كان متحقِّقًا؛ لأنَّ تكذيب أتباعهم من المؤمنين كان مظنونًا، والمتيقَّن هو تكذيب من لم يؤمن أصلًا، قاله الكِرمانيُّ، ويأتي زيادةٌ لذلك في آخر سورة يوسف إن شاء الله تعالى [خ¦٤٦٩٥] (فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ مُثَقَّلَةً) وهي قراءة الباقين غير الكوفيِّين؛ على معنى: وظنَّ الرُّسل أنَّ قومهم قد كذَّبوهم فيما وعدوهم (٦) به من العذاب والنُّصرة عليهم، فأعاد الضَّميرين على الرسل.

(٣٩) (بَابُ) قوله تعالى: (﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾) مبتدأٌ وخبرٌ، وجاز الإخبار عن الجُثَّةِ بالمصدر؛ إمَّا للمبالغة أو على حذف مضافٍ من الأوَّل، أي: وطءُ نسائكم حرثٌ، أي: كحرثٍ، أو الثَّاني، أي: نساؤكم ذوات حرثٍ، و ﴿لَّكُمْ﴾ في موضع رفعٍ صفةً لـ ﴿حَرْثٌ﴾ متعلِّقٍ (١) بمحذوفٍ، وأفرد الخبرَ والمبتدأُ جمعٌ؛ لأنَّه مصدرٌ، والأفصح فيه الإفراد والتَّذكير حينئذٍ وقال في «الكشَّاف»: ﴿حَرْثٌ لَّكُمْ﴾: مواضع حرثٍ لكم، وهذا مجازٌ، شُبِّهنَ (٢) بالمحارث تشبيهًا لِمَا يُلقَى في أرحامهنَّ من النُّطف التي منها النَّسل بالبذور، قال في «المصابيح»: قوله: وهذا مجاز؛ قيل: باعتبار إطلاق الحرث على مواضع الحرث، وقيل: باعتبار تغيُّر حكم الكلمة في الإعراب من جهة حذف المضاف؛ كما في: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وقيل: باعتبار حمل المشبَّه به على المشبَّه بعد حذف الأداة؛ كما في: زيدٌ أسدٌ، فكثيرًا ما يقال له: المجاز وإن لم يكن له استعارةٌ، وكأنَّ التَّجوُّز في ظاهر الحكم بأنَّه هو، ثمَّ أشار إلى أنَّ هذا التَّشبيه متفرِّعٌ على تشبيه النُّطف الملقاة في أرحامهنَّ بالبذور؛ إذ لولا اعتبار ذلك؛ لم يكن بهذا الحُسْنِ، وقيل: المراد بالمجاز: الاستعارة بالكناية؛ لأنَّ في جعل النِّساء محارث دلالةً على أنَّ النُّطف بذورٌ، على ما أشار إليه بقوله: «تشبيهًا لِمَا يُلقى … » إلى آخره، كما تقول: إنَّ هذا الموضع لمفتَرَسُ الشُّجعان، قال المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: ولا أرى ذلك جاريًا على القانون إلَّا أن يُقال: التَّقدير: نساؤكم حرثٌ لنطفكم؛ ليكون المشبَّه مصرَّحًا والمشبَّه به مكنيًّا. انتهى. وقد رُوِيَ عن مقاتلٍ: فروج نسائكم مزرعةٌ للولد (٣) (﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ﴾) أي: فأتوهنَّ كما تأتون المحارث (﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾) أي: كيف شئتم؛ مستقبلين ومستدبرين إذا كان في صِمَامٍ واحدٍ، وقيل: ﴿أَنَّى﴾ بمعنى: حيث،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله