الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4528
الحديث رقم 4528 من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
٤٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ : سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ:
كان اليهود يضيِّقون في هيئة الجماع، من غير استنادٍ إلى علم، وكان الأوس والخزرج يأخذون عنهم أقوالهم وأحوالهم؛ لأنَّهم أهل كتاب، وكان من جملة افتراء اليهود قولهم: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد المقدر من ذلك الجِماع أحول، فأنزل الله تعالى : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم). تكذيباً لهم، وبياناً بأن الله أباح ذلك بشرط أن يكون في القبل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قريشٍ نحني النِّساء، فلمَّا دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار؛ أردنا منهنَّ مثل ما كنَّا نريد، فإذا هنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنَّما يؤتين على جنوبهنَّ، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾» وقد روى أبو جعفر الفريابيُّ عن أبي عبد الرَّحمن الحُبُليِّ (١) عن ابن عمر مرفوعًا: «سبعةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكِّيهم، ويقول: ادخلوا النَّار مع الدَّاخلين؛ الفاعل والمفعول به، وناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها، والزَّاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتَّى يلعنه» وأمَّا ما حكاه الطَّحاوي عن محمَّد ابن عبد الحكم: أنَّه سمع الشَّافعيَّ يقول: ما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيءٌ، والقياس: أنَّه حلالٌ؛ فقال أبو نصر بن الصَّباغ: كان يحلف بالله الذي لا إله إلا هو؛ لقد كذب -يعني: ابن عبد الحكم- على الشَّافعيِّ في ذلك، فإنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على تحريمه في ستَّة كُتُبٍ من كتبه. انتهى. وأمَّا ما ذكره الحاكم في «مناقب الشَّافعيِّ» من طريق ابن عبد الحكم أيضًا: أنَّه حكى عن الشَّافعيِّ مناظرةً جرت بينه وبين محمَّد بن الحسن في ذلك، وأنَّ ابن الحسن احتجَّ عليه بأنَّ الحرث إنَّما يكون في الفرج، فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرَّمًا، فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها؛ أفي ذلك حرثٌ؟ قال: لا، قال: أفيحرم؟ قال: لا، قال: فكيف تحتجُّ بما لا تقول به؟! فيُحتَمل -كما قال الحاكم- أن يكون ألزم محمَّدًا بطريق المناظرة وإن كان لا يقول بذلك، والحجَّة عنده في التَّحريم غير المسلك الذي سلكه محمَّد؛ كما يشير إليه كلامه في «الأمِّ».
٤٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ، كما جزم به في «الفتح»، ونقل في «العمدة» (٢) عن المزِّيِّ: أنَّه ابن عيينة (عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ) محمَّدٍ أنَّه قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا) لفظ رواية الإسماعيليِّ من
طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثَّوريِّ: باركةً مدبرةً في فرجها من ورائها، وعند مسلمٍ من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر: إذا أتى الرَّجل امرأته من دبرها في قُبُلِها، ومن طريق أبي حازم ٍعن ابن المنكدر: فحملت (جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ) تكذيبًا لليهود في زعمهم: (﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]) فأباح للرِّجال أن يتمتَّعوا (١) بنسائهم كيف شاؤوا، أي: فأتوهنَّ كما تأتون أرضكم التي تريدون أن تحرثوها من أيِّ جهةٍ شئتم، لا يُحظَر عليكم جهةٌ دون جهةٍ؛ والمعنى: جامعوهنَّ من أيِّ شقٍّ أردتم بعد أن يكون المأتيُّ واحدًا وهو موضع الحرث، وهذا من الكنايات اللَّطيفة والتَّعريضات المستحسنة، قاله الزَّمخشريُّ، قال الطِّيبيُّ: لأنَّه أُبِيح لهم أن يأتوها من أيِّ جهةٍ شاؤوا كالأراضي (٢) المملوكة، وقيَّد بالحرث ليشير ألَّا يتجاوز ألبتَّة موضع البذر، وأن يتجاوز عن مجرَّد الشَّهوة؛ فالغرض الأصليُّ طلبُ النَّسل لا قضاء الشَّهوة.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «النِّكاح» وغيره، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وابن ماجه في «النِّكاح».
(٤٠) (باب: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) أي: انقضت عِدَّتهنَّ (﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) لا تمنعوهنَّ (﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) والمخاطب بذلك الأولياء؛ لِمَا يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في الباب [خ¦٤٥٢٩].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
من الْمُؤمنِينَ كَانَ مظنونا والمتيقن هُوَ تَكْذِيب الَّذين لم يُؤمنُوا أصلا فَإِن قيل: فَمَا وَجه كَلَام ابْن عَبَّاس؟ قيل: وَجهه مَا ذكره الْخطابِيّ: بِأَن يُقَال لَا شكّ أَن مذْهبه أَنه لم يجز على الرُّسُل أَن يكذبوا بِالْوَحْي الَّذِي يَأْتِيهم من قبل الله لَكِن يحْتَمل أَن يُقَال: إِنَّهُم عِنْد تطاول الْبلَاء وإبطاء نجز الْوَعْد توهموا أَن الَّذِي جَاءَهُم من الْوَحْي كَانَ غَلطا مِنْهُم. فالكذب متأول بالغلط. كَقَوْلِهِم: كذبتك نَفسك. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَعَن ابْن عَبَّاس: وظنوا حِين ضعفوا أَو غلبوا أَنهم قد خلفوا مَا وعدهم الله من النَّصْر، وَقَالَ: وَكَانُوا بشرا وتلا قَوْله: {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: ٢١٤) فَإِن صَحَّ هَذَا فقد أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يهجس فِي الْقلب من شبه الوسوسة. وَحَدِيث النَّفس على مَا عَلَيْهِ البشرية وَأما الظَّن الَّذِي يتَرَجَّح أحد الْجَانِبَيْنِ على الآخر فِيهِ فَغير جَائِز على آحَاد الْأمة فَكيف بالرسل؟ قَوْله: (تقرؤها) أَي: فَكَانَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا. تقْرَأ قَوْله وكذبوا، مثقلة أَي: بِالتَّشْدِيدِ، وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن كثير وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر، وَقِرَاءَة عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِالتَّخْفِيفِ.
٣٩ - (بابٌ: {نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ} الآيَةَ (الْبَقَرَة: ٢٢٣)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} الْآيَة قَوْله: {حرث لكم} أَي: مَوَاضِع حرث لكم، وَهَذَا مجَاز شبههن بالمحارث تَشْبِيها لما يلقى فِي أرحامهن من النطف الَّتِي مِنْهَا النَّسْل بالبذر، وروى الإِمَام أَحْمد بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أنزلت هَذِه الْآيَة {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} فِي أنَاس من الْأَنْصَار أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ائتها على كل حَال إِذا كَانَ فِي الْفرج، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقَالَ: يَا رَسُول الله {هَلَكت} قَالَ: مَا الَّذِي أهْلكك؟ قَالَ: حولت رحلي البارحة فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا. قَالَ: فَأوحى الله إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} أقبل وَأدبر وَاتَّقِ الدبر والحيضة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن غَرِيب. قَوْله: (أنَّى شِئْتُم) ، أَي: كَيفَ شِئْتُم مقبلة أَو مُدبرَة إِذا كَانَ فِي صمام وَاحِد. أَي: فِي مَسْلَك وَاحِد، والصمام مَا يسد بِهِ الفرجة فَسمى بِهِ الْفرج وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع صمام على حذف مُضَاف، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وتحفيف الْمِيم، ويروى بِالسِّين الْمُهْملَة.
٤٥٢٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخبرنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فأخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْما فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهى إلَى مَكَانٍ قَالَ تَدْرِي فَمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فِي كَذَا وَكَذَا) لِأَن المُرَاد بِهِ فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن على مَا نذكرهُ عَن قريب. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه يروي عَن النَّضر، بالضاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، بالشين الْمُعْجَمَة مصغر شَمل يروي عَن عبد الله بن عون بِفَتْح الْعين وبالنون. عَن نَافِع مولى بن عمر عَن عبد الله بن عمر.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِيره، وَقَالَ بدل قَوْله: (حَتَّى انْتهى إى مَكَان قَالَ: تَدْرِي) إِلَى قَوْله: قلت: لَا. قَالَ: (نزلت فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن) وَهَكَذَا أوردهُ ابْن جرير من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن علية عَن ابْن عون مثله، وَهَذَا قد فسر ذَاك الْمُبْهم فِي حَدِيث الْبَاب قَوْله: (ثمَّ مضى أَي: فِي قِرَاءَته) .
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حدَّثني أبي حدَّثني أيُّوبُ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ {فَأتوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ} قَالَ يَأْتِيهَا فِي رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عَن عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ.
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله أخبرنَا بالنضر بن شُمَيْل، يَعْنِي: النَّضر يروي أَيْضا عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا جرير ابْن فِي (التَّفْسِير) عَن أبي قلَابَة الرقاشِي عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث حَدثنِي أبي فَذكره بِلَفْظ: يَأْتِيهَا فِي الدبر، وَوَقع هُنَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ يَأْتِيهَا فِي وَسكت عَن مجرورها، وَلم يذكر فِي أَي شَيْء، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، وَلَكِن الْحميدِي ذكر
فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) يَأْتِيهَا فِي الْفرج، وَبِهَذَا قد تبين أَن مجرور كَمَا نفي هُوَ الْفرج، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عِنْده بِحَسب فهمه وَلَيْسَ مطابقا لما فِي نفس الْأَمر، وأيد كَلَامه بقوله: وَقد قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أورد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي (التَّفْسِير) فَقَالَ: يَأْتِيهَا فِي وَترك بَيَاضًا. انْتهى قلت: لَا نسلم عدم الْمُطَابقَة لما فِي نفس الْأَمر لِأَن مَا فِي نفس الْأَمر عِنْد من لَا يرى إِبَاحَة إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن أَن يقدر بعد كلمة فِي إِمَّا لفظ فِي الْفرج، أَو فِي الْقبل أَو فِي مَوضِع الْحَرْث، وَالظَّاهِر من حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى إِبَاحَة ذَلِك، وَلَكِن لما ورد فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَا يفهم مِنْهُ إِبَاحَة ذَلِك، ووردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي منع ذَلِك تَأمل فِي ذَلِك وَلم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك الْوَقْت أحد الْأَمريْنِ فَترك بَيَاضًا بعد فِي، ليكتب فِيهِ مَا يتَرَجَّح عِنْده من ذَلِك. وَالظَّاهِر أَنه لم يُدْرِكهُ فَبَقيَ الْبيَاض بعده مستمرا فجَاء الْحميدِي وَقدر ذَلِك حَيْثُ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي الْفرج نظرا إِلَى حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى خِلَافه. وَلَو كَانَ الْحميدِي علم من حَال البُخَارِيّ أَنه يُبِيح الْإِتْيَان فِي إدبار النِّسَاء لم يقدر هَذَا بل كَانَ يقدر يَأْتِيهَا فِي أَي مَوضِع شَاءَ، كَمَا صرح فِي رِوَايَة ابْن جرير فِي نفس حَدِيث عبد الصَّمد يَأْتِيهَا فِي دبرهَا ثمَّ قَالَ: هَذَا الْقَائِل: هَذَا الَّذِي اسْتَعْملهُ البُخَارِيّ نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى الِاكْتِفَاء وَلَا بُد لَهُ من نُكْتَة يحسن سَببهَا اسْتِعْمَاله. قلت: لَيْت شعري من قَالَ من أهل صناعَة البديع أَن حذف الْمَجْرُور وَذكر الْجَار وَحده من أَنْوَاع البديع، والاكتفاء إِنَّمَا يكون فِي شَيْئَيْنِ متضادين يذكر أَحدهَا ويكتفي بِهِ عَن الآخر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ٨١) وَالتَّقْدِير: وَالْبرد أَيْضا، وَلم يبين أَيْضا مَا هُوَ المحسن لذَلِك على أَن جُمْهُور النُّحَاة لَا يجوزون حذف الْمَجْرُور إِلَّا أَن بَعضهم قد جوز ذَلِك فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَقد عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيّ على صَنِيع البُخَارِيّ ذَلِك، فَقَالَ: جَمِيع مَا أخرج عَن ابْن عمر مُبْهَم لَا فَائِدَة فِيهِ، وَقد روينَاهُ عَن عبد الْعَزِيز، يَعْنِي: الدَّرَاورْدِي عَن مَالك، وَعبيد الله بن عمر، وَابْن أبي ذِئْب ثَلَاثَتهمْ عَن نَافِع بالتفسير، وَرِوَايَة الدَّرَاورْدِي الْمَذْكُورَة قد أخرجهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من طَرِيقه عَن الثَّلَاثَة عَن نَافِع نَحْو رِوَايَة ابْن عون عَنهُ، وَلَفظ: نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فأعظم النَّاس ذَلِك، قَالَ: فَقلت لَهُ من دبرهَا فِي قبلهَا؟ قَالَ لَا إلاّ فِي دبرهَا.
وَأما اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب فَذهب مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَسَعِيد بن يسَار الْمدنِي وَمَالك إِلَى إِبَاحَة ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، أَن رجلا أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فَأنْكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالُوا: اثغرها؟ فَأنْزل الله عز وَجل {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} (الْبَقَرَة: ٢٢٣) وَقَالُوا: معنى الْآيَة. حَيْثُ شِئْتُم من الْقبل والدبر، وَقَالَ عِيَاض: تعلق من قَالَ: بالتحليل بِظَاهِر الْآيَة وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) جوزته طَائِفَة كَثِيرَة، وَقد جمع ذَلِك ابْن شعْبَان فِي كِتَابه (جماع النسوان) وَأسْندَ جَوَازه إِلَى زمرة كَبِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَإِلَى مَالك من رِوَايَات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) الْمَشْهُور عَن مَالك إِبَاحَة ذَلِك وَأَصْحَابه ينفون عَنهُ هَذِه الْمقَالة لقبحها وشناعتها وَهِي عَنهُ أشهر من أَن تدفع بنفيهم عَنهُ وَقد روى مُحَمَّد بن سعد عَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني، قَالَ: كنت عِنْد مَالك بن أنس، فَسئلَ عَن النِّكَاح فِي الدبر، فَضرب بِيَدِهِ على رَأسه، وَقَالَ: السَّاعَة اغْتَسَلت مِنْهُ وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقَاسِم: مَا أدْركْت أحدا اقْتدى بِهِ فِي ديني يشك فِيهِ أَنه حَلَال، يَعْنِي: وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا، ثمَّ قَرَأَ: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} قَالَ: فَأَي شَيْء أبين من هَذَا، وَمَا أَشك فِيهِ وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي فِيهِ فَمَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: حكى لنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم أَنه سمع الشَّافِعِي يَقُول: مَا صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي تَحْرِيمه وَلَا فِي تَحْلِيله وَالْقِيَاس أَنه حَلَال. وَقَالَ الْحَاكِم: لَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يَقُول ذَلِك فِي الْقَدِيم، وَأما فِي الْجَدِيد فَصرحَ بِالتَّحْرِيمِ.
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى تَحْرِيمه فَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَبُو الدَّرْدَاء وَخُزَيْمَة بن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة وَعلي بن طلق وَأم سَلمَة وَقد اخْتلف عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَالأَصَح عَنهُ الْمَنْع، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَمُجاهد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَمن الْأَئِمَّة سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الصَّحِيح، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا: حَدِيث ابْن خُزَيْمَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق، لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده صَحِيح وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: هِيَ اللوطية
الصُّغْرَى، يَعْنِي وَطْء النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، وَالطَّيَالِسِي وَالْبَيْهَقِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينظر الله عز وَجل إِلَى رجل وطىء امْرَأَة فِي دبرهَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه وَأحمد. وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله نَحْو حَدِيث خُزَيْمَة وَفِي رِوَايَة لَا بِحل مَا تَأتي النِّسَاء فِي حشوشهن وَفِي رِوَايَة فِي محاشهن اخرجه الطَّحَاوِيّ وَمِنْهَا: حَدِيث طلق بن عَليّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة، وَفِي رِوَايَة فِي أعجازهن، أَو قَالَ: فِي أدبارهن، وَأما الْآيَة فتأولوها: بفأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم مُسْتَقْبلين ومستدبرين، وَلَكِن فِي مَوضِع الْحَرْث، وَهُوَ الْفرج. فَإِن قلت: الْقَاعِدَة عنْدكُمْ أَن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب. قلت: نعم لَكِن وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فأخرجت الْآيَة عَن عمومها وأقصرتها على إِبَاحَة الْوَطْء فِي الْفرج، وَلَكِن على أَي وَجه كَانَ.
٤٥٢٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَن ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جابِرَ ارضى الله عَنهُ قَالَ كانَت اليَهُودُ تَقُولُ إذَا جَامَعَها مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ {نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ قَالَه بَعضهم: وَذكر الْحَافِظ الْمزي أَنه سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن الْمُنْكَدر. بالنُّون مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح وَغَيره عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن سهل بن أبي سهل، وَغَيره.
وَظَاهر حَدِيث جَابر هَذَا يُوهم أَنه مُطَابق لحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ روى بِوُجُوه كلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد، فروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن يَهُودِيّا قَالَ: إِذا نكح الرجل امْرَأَته مجبية خرج وَلَده أَحول فَأنْزل الله تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} إِن شِئْتُم مجبية، وَإِن شِئْتُم غير مجببة إِذا كَانَ ذَلِك فِي صمام وَاحِد. وَأخرجه مُسلم أَيْضا نَحوه: وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن الْيَهُود قَالُوا للْمُسلمين: من أَتَى امْرَأَته وَهِي مُدبرَة جَاءَ وَلَده أَحول، فَأنْزل الله عز وَجل: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُدبرَة ومقبلة مَا كَانَ فِي الْفرج، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ: إِذا أَتَى الرجل امْرَأَته من دبرهَا فِي قبلهَا، وَمن طَرِيق أبي حَازِم عَن ابْن الْمُنْكَدر بِلَفْظ: إِذا أتيت الْمَرْأَة من دبرهَا فَحملت. وَقَوله: (فَحملت) يدل على أَن مُرَاده أَن الْإِتْيَان فِي الْفرج لَا فِي الدبر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَفِي تَوْقِيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك على الْفرج إِعْلَام مِنْهُ إيَّاهُم أَن الدبر بِخِلَاف ذَلِك. قلت: لِأَن تنصيصه على الْفرج يُنَافِي دُخُول الدبر قَوْله: (مجبية) من جبى يجبى تجبية، كعلى يعلى تعلية، ومادته جِيم وياء مُوَحدَة وَألف، وَمَعْنَاهُ: مَكِّيَّة على وَجههَا تَشْبِيها بهيئة السُّجُود، وَعَن سعيد بن الْمسيب: أنزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْغَزل، أخرجه الدَّارمِيّ وَلَفظه (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم أَنى شِئْتُم) ، قَالَ: إِن شِئْت فاعزل وَإِن شِئْت فَلَا تعزل، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عَبَّاس نَحوه: وَعند الطَّبَرِيّ: أَن أُنَاسًا من حمير أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ رجل مِنْهُم: يَا رَسُول الله: إِنِّي رجل أحب النِّسَاء، فَكيف ترى فِي ذَلِك؟ فَنزلت: وَعِنْده مقَاتل، قَالَ: حييّ بن أَخطب وَنَفر من الْيَهُود للْمُسلمين إِنَّه لَا يحل لكم جماع النِّسَاء إِلَّا مستلقيات، وَإِنَّا نجد فِي كتاب الله عز وَجل أَن جماع الْمَرْأَة غير مستلقية دنس عِنْد الله تَعَالَى، فَنزلت: وَعَن ابْن عَبَّاس الْحَرْث منبت الْوَلَد، وَقَالَ السّديّ: هِيَ مزرعة يَزع فِيهَا أَو يحرث فِيهَا، وَقَالَ ابْن حزم: مَا رويت إِبَاحَة الْوَطْء فِي دبرهَا إلاّ عَن ابْن عَمْرو وَحده باخْتلَاف عَنهُ، وَعَن مَالك باخْتلَاف عَنهُ فَقَط، وَذكر أَبُو الْحسن المرغيناني، أَن من أَتَى امْرَأَته فِي الْمحل الْمَكْرُوه فَلَا حد عَلَيْهِ عِنْد الإِمَام أبي حنيفَة وَيُعَزر، وَقَالَ هُوَ كَالزِّنَا، وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا اتّفق الْعلمَاء الَّذين يعْتد بهم على تَحْرِيم وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يحل الْوَطْء فِي الدبر فِي شَيْء من الْآدَمِيّين وَلَا غَيرهم من الْحَيَوَان على حَال من الْأَحْوَال.
٤٠ - (بابٌ: {وإذَا طَلَقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنّ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحَنّ أزْوَاجَهُنَّ} (الْبَقَرَة: ٢٣٢)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قريشٍ نحني النِّساء، فلمَّا دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار؛ أردنا منهنَّ مثل ما كنَّا نريد، فإذا هنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنَّما يؤتين على جنوبهنَّ، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾» وقد روى أبو جعفر الفريابيُّ عن أبي عبد الرَّحمن الحُبُليِّ (١) عن ابن عمر مرفوعًا: «سبعةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكِّيهم، ويقول: ادخلوا النَّار مع الدَّاخلين؛ الفاعل والمفعول به، وناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها، والزَّاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتَّى يلعنه» وأمَّا ما حكاه الطَّحاوي عن محمَّد ابن عبد الحكم: أنَّه سمع الشَّافعيَّ يقول: ما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيءٌ، والقياس: أنَّه حلالٌ؛ فقال أبو نصر بن الصَّباغ: كان يحلف بالله الذي لا إله إلا هو؛ لقد كذب -يعني: ابن عبد الحكم- على الشَّافعيِّ في ذلك، فإنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على تحريمه في ستَّة كُتُبٍ من كتبه. انتهى. وأمَّا ما ذكره الحاكم في «مناقب الشَّافعيِّ» من طريق ابن عبد الحكم أيضًا: أنَّه حكى عن الشَّافعيِّ مناظرةً جرت بينه وبين محمَّد بن الحسن في ذلك، وأنَّ ابن الحسن احتجَّ عليه بأنَّ الحرث إنَّما يكون في الفرج، فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرَّمًا، فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها؛ أفي ذلك حرثٌ؟ قال: لا، قال: أفيحرم؟ قال: لا، قال: فكيف تحتجُّ بما لا تقول به؟! فيُحتَمل -كما قال الحاكم- أن يكون ألزم محمَّدًا بطريق المناظرة وإن كان لا يقول بذلك، والحجَّة عنده في التَّحريم غير المسلك الذي سلكه محمَّد؛ كما يشير إليه كلامه في «الأمِّ».
٤٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريُّ، كما جزم به في «الفتح»، ونقل في «العمدة» (٢) عن المزِّيِّ: أنَّه ابن عيينة (عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ) محمَّدٍ أنَّه قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا) لفظ رواية الإسماعيليِّ من
طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثَّوريِّ: باركةً مدبرةً في فرجها من ورائها، وعند مسلمٍ من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر: إذا أتى الرَّجل امرأته من دبرها في قُبُلِها، ومن طريق أبي حازم ٍعن ابن المنكدر: فحملت (جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ) تكذيبًا لليهود في زعمهم: (﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]) فأباح للرِّجال أن يتمتَّعوا (١) بنسائهم كيف شاؤوا، أي: فأتوهنَّ كما تأتون أرضكم التي تريدون أن تحرثوها من أيِّ جهةٍ شئتم، لا يُحظَر عليكم جهةٌ دون جهةٍ؛ والمعنى: جامعوهنَّ من أيِّ شقٍّ أردتم بعد أن يكون المأتيُّ واحدًا وهو موضع الحرث، وهذا من الكنايات اللَّطيفة والتَّعريضات المستحسنة، قاله الزَّمخشريُّ، قال الطِّيبيُّ: لأنَّه أُبِيح لهم أن يأتوها من أيِّ جهةٍ شاؤوا كالأراضي (٢) المملوكة، وقيَّد بالحرث ليشير ألَّا يتجاوز ألبتَّة موضع البذر، وأن يتجاوز عن مجرَّد الشَّهوة؛ فالغرض الأصليُّ طلبُ النَّسل لا قضاء الشَّهوة.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «النِّكاح» وغيره، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وابن ماجه في «النِّكاح».
(٤٠) (باب: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) أي: انقضت عِدَّتهنَّ (﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) لا تمنعوهنَّ (﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) والمخاطب بذلك الأولياء؛ لِمَا يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في الباب [خ¦٤٥٢٩].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
من الْمُؤمنِينَ كَانَ مظنونا والمتيقن هُوَ تَكْذِيب الَّذين لم يُؤمنُوا أصلا فَإِن قيل: فَمَا وَجه كَلَام ابْن عَبَّاس؟ قيل: وَجهه مَا ذكره الْخطابِيّ: بِأَن يُقَال لَا شكّ أَن مذْهبه أَنه لم يجز على الرُّسُل أَن يكذبوا بِالْوَحْي الَّذِي يَأْتِيهم من قبل الله لَكِن يحْتَمل أَن يُقَال: إِنَّهُم عِنْد تطاول الْبلَاء وإبطاء نجز الْوَعْد توهموا أَن الَّذِي جَاءَهُم من الْوَحْي كَانَ غَلطا مِنْهُم. فالكذب متأول بالغلط. كَقَوْلِهِم: كذبتك نَفسك. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَعَن ابْن عَبَّاس: وظنوا حِين ضعفوا أَو غلبوا أَنهم قد خلفوا مَا وعدهم الله من النَّصْر، وَقَالَ: وَكَانُوا بشرا وتلا قَوْله: {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: ٢١٤) فَإِن صَحَّ هَذَا فقد أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يهجس فِي الْقلب من شبه الوسوسة. وَحَدِيث النَّفس على مَا عَلَيْهِ البشرية وَأما الظَّن الَّذِي يتَرَجَّح أحد الْجَانِبَيْنِ على الآخر فِيهِ فَغير جَائِز على آحَاد الْأمة فَكيف بالرسل؟ قَوْله: (تقرؤها) أَي: فَكَانَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا. تقْرَأ قَوْله وكذبوا، مثقلة أَي: بِالتَّشْدِيدِ، وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن كثير وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر، وَقِرَاءَة عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِالتَّخْفِيفِ.
٣٩ - (بابٌ: {نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ} الآيَةَ (الْبَقَرَة: ٢٢٣)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} الْآيَة قَوْله: {حرث لكم} أَي: مَوَاضِع حرث لكم، وَهَذَا مجَاز شبههن بالمحارث تَشْبِيها لما يلقى فِي أرحامهن من النطف الَّتِي مِنْهَا النَّسْل بالبذر، وروى الإِمَام أَحْمد بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أنزلت هَذِه الْآيَة {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} فِي أنَاس من الْأَنْصَار أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ائتها على كل حَال إِذا كَانَ فِي الْفرج، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَقَالَ: يَا رَسُول الله {هَلَكت} قَالَ: مَا الَّذِي أهْلكك؟ قَالَ: حولت رحلي البارحة فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا. قَالَ: فَأوحى الله إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} أقبل وَأدبر وَاتَّقِ الدبر والحيضة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حسن غَرِيب. قَوْله: (أنَّى شِئْتُم) ، أَي: كَيفَ شِئْتُم مقبلة أَو مُدبرَة إِذا كَانَ فِي صمام وَاحِد. أَي: فِي مَسْلَك وَاحِد، والصمام مَا يسد بِهِ الفرجة فَسمى بِهِ الْفرج وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع صمام على حذف مُضَاف، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وتحفيف الْمِيم، ويروى بِالسِّين الْمُهْملَة.
٤٥٢٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخبرنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فأخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْما فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهى إلَى مَكَانٍ قَالَ تَدْرِي فَمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فِي كَذَا وَكَذَا) لِأَن المُرَاد بِهِ فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن على مَا نذكرهُ عَن قريب. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه يروي عَن النَّضر، بالضاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، بالشين الْمُعْجَمَة مصغر شَمل يروي عَن عبد الله بن عون بِفَتْح الْعين وبالنون. عَن نَافِع مولى بن عمر عَن عبد الله بن عمر.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِيره، وَقَالَ بدل قَوْله: (حَتَّى انْتهى إى مَكَان قَالَ: تَدْرِي) إِلَى قَوْله: قلت: لَا. قَالَ: (نزلت فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن) وَهَكَذَا أوردهُ ابْن جرير من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن علية عَن ابْن عون مثله، وَهَذَا قد فسر ذَاك الْمُبْهم فِي حَدِيث الْبَاب قَوْله: (ثمَّ مضى أَي: فِي قِرَاءَته) .
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حدَّثني أبي حدَّثني أيُّوبُ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ {فَأتوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ} قَالَ يَأْتِيهَا فِي رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عَن عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ.
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله أخبرنَا بالنضر بن شُمَيْل، يَعْنِي: النَّضر يروي أَيْضا عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَهُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا جرير ابْن فِي (التَّفْسِير) عَن أبي قلَابَة الرقاشِي عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث حَدثنِي أبي فَذكره بِلَفْظ: يَأْتِيهَا فِي الدبر، وَوَقع هُنَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ يَأْتِيهَا فِي وَسكت عَن مجرورها، وَلم يذكر فِي أَي شَيْء، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، وَلَكِن الْحميدِي ذكر
فِي (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) يَأْتِيهَا فِي الْفرج، وَبِهَذَا قد تبين أَن مجرور كَمَا نفي هُوَ الْفرج، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عِنْده بِحَسب فهمه وَلَيْسَ مطابقا لما فِي نفس الْأَمر، وأيد كَلَامه بقوله: وَقد قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أورد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي (التَّفْسِير) فَقَالَ: يَأْتِيهَا فِي وَترك بَيَاضًا. انْتهى قلت: لَا نسلم عدم الْمُطَابقَة لما فِي نفس الْأَمر لِأَن مَا فِي نفس الْأَمر عِنْد من لَا يرى إِبَاحَة إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن أَن يقدر بعد كلمة فِي إِمَّا لفظ فِي الْفرج، أَو فِي الْقبل أَو فِي مَوضِع الْحَرْث، وَالظَّاهِر من حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى إِبَاحَة ذَلِك، وَلَكِن لما ورد فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَا يفهم مِنْهُ إِبَاحَة ذَلِك، ووردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي منع ذَلِك تَأمل فِي ذَلِك وَلم يتَرَجَّح عِنْده فِي ذَلِك الْوَقْت أحد الْأَمريْنِ فَترك بَيَاضًا بعد فِي، ليكتب فِيهِ مَا يتَرَجَّح عِنْده من ذَلِك. وَالظَّاهِر أَنه لم يُدْرِكهُ فَبَقيَ الْبيَاض بعده مستمرا فجَاء الْحميدِي وَقدر ذَلِك حَيْثُ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي الْفرج نظرا إِلَى حَال البُخَارِيّ أَنه لَا يرى خِلَافه. وَلَو كَانَ الْحميدِي علم من حَال البُخَارِيّ أَنه يُبِيح الْإِتْيَان فِي إدبار النِّسَاء لم يقدر هَذَا بل كَانَ يقدر يَأْتِيهَا فِي أَي مَوضِع شَاءَ، كَمَا صرح فِي رِوَايَة ابْن جرير فِي نفس حَدِيث عبد الصَّمد يَأْتِيهَا فِي دبرهَا ثمَّ قَالَ: هَذَا الْقَائِل: هَذَا الَّذِي اسْتَعْملهُ البُخَارِيّ نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى الِاكْتِفَاء وَلَا بُد لَهُ من نُكْتَة يحسن سَببهَا اسْتِعْمَاله. قلت: لَيْت شعري من قَالَ من أهل صناعَة البديع أَن حذف الْمَجْرُور وَذكر الْجَار وَحده من أَنْوَاع البديع، والاكتفاء إِنَّمَا يكون فِي شَيْئَيْنِ متضادين يذكر أَحدهَا ويكتفي بِهِ عَن الآخر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ٨١) وَالتَّقْدِير: وَالْبرد أَيْضا، وَلم يبين أَيْضا مَا هُوَ المحسن لذَلِك على أَن جُمْهُور النُّحَاة لَا يجوزون حذف الْمَجْرُور إِلَّا أَن بَعضهم قد جوز ذَلِك فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَقد عَابَ الْإِسْمَاعِيلِيّ على صَنِيع البُخَارِيّ ذَلِك، فَقَالَ: جَمِيع مَا أخرج عَن ابْن عمر مُبْهَم لَا فَائِدَة فِيهِ، وَقد روينَاهُ عَن عبد الْعَزِيز، يَعْنِي: الدَّرَاورْدِي عَن مَالك، وَعبيد الله بن عمر، وَابْن أبي ذِئْب ثَلَاثَتهمْ عَن نَافِع بالتفسير، وَرِوَايَة الدَّرَاورْدِي الْمَذْكُورَة قد أخرجهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من طَرِيقه عَن الثَّلَاثَة عَن نَافِع نَحْو رِوَايَة ابْن عون عَنهُ، وَلَفظ: نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فأعظم النَّاس ذَلِك، قَالَ: فَقلت لَهُ من دبرهَا فِي قبلهَا؟ قَالَ لَا إلاّ فِي دبرهَا.
وَأما اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب فَذهب مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَسَعِيد بن يسَار الْمدنِي وَمَالك إِلَى إِبَاحَة ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، أَن رجلا أصَاب امْرَأَته فِي دبرهَا فَأنْكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالُوا: اثغرها؟ فَأنْزل الله عز وَجل {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} (الْبَقَرَة: ٢٢٣) وَقَالُوا: معنى الْآيَة. حَيْثُ شِئْتُم من الْقبل والدبر، وَقَالَ عِيَاض: تعلق من قَالَ: بالتحليل بِظَاهِر الْآيَة وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) جوزته طَائِفَة كَثِيرَة، وَقد جمع ذَلِك ابْن شعْبَان فِي كِتَابه (جماع النسوان) وَأسْندَ جَوَازه إِلَى زمرة كَبِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَإِلَى مَالك من رِوَايَات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي كِتَابه (أَحْكَام الْقُرْآن) الْمَشْهُور عَن مَالك إِبَاحَة ذَلِك وَأَصْحَابه ينفون عَنهُ هَذِه الْمقَالة لقبحها وشناعتها وَهِي عَنهُ أشهر من أَن تدفع بنفيهم عَنهُ وَقد روى مُحَمَّد بن سعد عَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني، قَالَ: كنت عِنْد مَالك بن أنس، فَسئلَ عَن النِّكَاح فِي الدبر، فَضرب بِيَدِهِ على رَأسه، وَقَالَ: السَّاعَة اغْتَسَلت مِنْهُ وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقَاسِم: مَا أدْركْت أحدا اقْتدى بِهِ فِي ديني يشك فِيهِ أَنه حَلَال، يَعْنِي: وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا، ثمَّ قَرَأَ: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} قَالَ: فَأَي شَيْء أبين من هَذَا، وَمَا أَشك فِيهِ وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي فِيهِ فَمَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: حكى لنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم أَنه سمع الشَّافِعِي يَقُول: مَا صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي تَحْرِيمه وَلَا فِي تَحْلِيله وَالْقِيَاس أَنه حَلَال. وَقَالَ الْحَاكِم: لَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يَقُول ذَلِك فِي الْقَدِيم، وَأما فِي الْجَدِيد فَصرحَ بِالتَّحْرِيمِ.
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى تَحْرِيمه فَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَبُو الدَّرْدَاء وَخُزَيْمَة بن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة وَعلي بن طلق وَأم سَلمَة وَقد اخْتلف عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَالأَصَح عَنهُ الْمَنْع، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَمُجاهد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَمن الْأَئِمَّة سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الصَّحِيح، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا: حَدِيث ابْن خُزَيْمَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق، لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده صَحِيح وَمِنْهَا: حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: هِيَ اللوطية
الصُّغْرَى، يَعْنِي وَطْء النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، وَالطَّيَالِسِي وَالْبَيْهَقِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينظر الله عز وَجل إِلَى رجل وطىء امْرَأَة فِي دبرهَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه وَأحمد. وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله نَحْو حَدِيث خُزَيْمَة وَفِي رِوَايَة لَا بِحل مَا تَأتي النِّسَاء فِي حشوشهن وَفِي رِوَايَة فِي محاشهن اخرجه الطَّحَاوِيّ وَمِنْهَا: حَدِيث طلق بن عَليّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة، وَفِي رِوَايَة فِي أعجازهن، أَو قَالَ: فِي أدبارهن، وَأما الْآيَة فتأولوها: بفأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم مُسْتَقْبلين ومستدبرين، وَلَكِن فِي مَوضِع الْحَرْث، وَهُوَ الْفرج. فَإِن قلت: الْقَاعِدَة عنْدكُمْ أَن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب. قلت: نعم لَكِن وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فأخرجت الْآيَة عَن عمومها وأقصرتها على إِبَاحَة الْوَطْء فِي الْفرج، وَلَكِن على أَي وَجه كَانَ.
٤٥٢٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَن ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جابِرَ ارضى الله عَنهُ قَالَ كانَت اليَهُودُ تَقُولُ إذَا جَامَعَها مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ {نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ قَالَه بَعضهم: وَذكر الْحَافِظ الْمزي أَنه سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن الْمُنْكَدر. بالنُّون مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح وَغَيره عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن سهل بن أبي سهل، وَغَيره.
وَظَاهر حَدِيث جَابر هَذَا يُوهم أَنه مُطَابق لحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ روى بِوُجُوه كلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد، فروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن يَهُودِيّا قَالَ: إِذا نكح الرجل امْرَأَته مجبية خرج وَلَده أَحول فَأنْزل الله تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} إِن شِئْتُم مجبية، وَإِن شِئْتُم غير مجببة إِذا كَانَ ذَلِك فِي صمام وَاحِد. وَأخرجه مُسلم أَيْضا نَحوه: وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن الْيَهُود قَالُوا للْمُسلمين: من أَتَى امْرَأَته وَهِي مُدبرَة جَاءَ وَلَده أَحول، فَأنْزل الله عز وَجل: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُدبرَة ومقبلة مَا كَانَ فِي الْفرج، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ: إِذا أَتَى الرجل امْرَأَته من دبرهَا فِي قبلهَا، وَمن طَرِيق أبي حَازِم عَن ابْن الْمُنْكَدر بِلَفْظ: إِذا أتيت الْمَرْأَة من دبرهَا فَحملت. وَقَوله: (فَحملت) يدل على أَن مُرَاده أَن الْإِتْيَان فِي الْفرج لَا فِي الدبر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَفِي تَوْقِيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك على الْفرج إِعْلَام مِنْهُ إيَّاهُم أَن الدبر بِخِلَاف ذَلِك. قلت: لِأَن تنصيصه على الْفرج يُنَافِي دُخُول الدبر قَوْله: (مجبية) من جبى يجبى تجبية، كعلى يعلى تعلية، ومادته جِيم وياء مُوَحدَة وَألف، وَمَعْنَاهُ: مَكِّيَّة على وَجههَا تَشْبِيها بهيئة السُّجُود، وَعَن سعيد بن الْمسيب: أنزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْغَزل، أخرجه الدَّارمِيّ وَلَفظه (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم أَنى شِئْتُم) ، قَالَ: إِن شِئْت فاعزل وَإِن شِئْت فَلَا تعزل، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عَبَّاس نَحوه: وَعند الطَّبَرِيّ: أَن أُنَاسًا من حمير أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ رجل مِنْهُم: يَا رَسُول الله: إِنِّي رجل أحب النِّسَاء، فَكيف ترى فِي ذَلِك؟ فَنزلت: وَعِنْده مقَاتل، قَالَ: حييّ بن أَخطب وَنَفر من الْيَهُود للْمُسلمين إِنَّه لَا يحل لكم جماع النِّسَاء إِلَّا مستلقيات، وَإِنَّا نجد فِي كتاب الله عز وَجل أَن جماع الْمَرْأَة غير مستلقية دنس عِنْد الله تَعَالَى، فَنزلت: وَعَن ابْن عَبَّاس الْحَرْث منبت الْوَلَد، وَقَالَ السّديّ: هِيَ مزرعة يَزع فِيهَا أَو يحرث فِيهَا، وَقَالَ ابْن حزم: مَا رويت إِبَاحَة الْوَطْء فِي دبرهَا إلاّ عَن ابْن عَمْرو وَحده باخْتلَاف عَنهُ، وَعَن مَالك باخْتلَاف عَنهُ فَقَط، وَذكر أَبُو الْحسن المرغيناني، أَن من أَتَى امْرَأَته فِي الْمحل الْمَكْرُوه فَلَا حد عَلَيْهِ عِنْد الإِمَام أبي حنيفَة وَيُعَزر، وَقَالَ هُوَ كَالزِّنَا، وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا اتّفق الْعلمَاء الَّذين يعْتد بهم على تَحْرِيم وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يحل الْوَطْء فِي الدبر فِي شَيْء من الْآدَمِيّين وَلَا غَيرهم من الْحَيَوَان على حَال من الْأَحْوَال.
٤٠ - (بابٌ: {وإذَا طَلَقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنّ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحَنّ أزْوَاجَهُنَّ} (الْبَقَرَة: ٢٣٢)
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56