الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٣٣
الحديث رقم ٤٥٣٣ من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ﴾؛ مُطِيعِينَ
٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ هِشَامٌ : حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَطَاءٍ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ، وَقَدْ أَبْدَى الْمُصَنِّفُ مَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ بِرِوَايَةِ وَرْقَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْدَ هَذِهِ، وَقَوْلُهُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْبَأَنَا رَوْحٌ، وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ عَطَاءٍ بِتَمَامِهِ وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ عَلَّقَهُ عَنْ شَيْخِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى
وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَيُّوبُ وَصَلَهُ هُنَاكَ بِتَمَامِهِ.
٤٢ - بَاب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾
٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ح. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ أَجْوَافَهُمْ - نارا، شَكَّ يَحْيَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ هِيَ تَأْنِيثُ الْأَوْسَطِ وَالْأَوْسَطُ الْأَعْدَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّوَسُّطَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِأَنَّ فُعْلَى مَعْنَاهَا التَّفْضِيلُ، وَلَا يَنْبَنِي لِلتَّفْضِيلِ إِلَّا مَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ، وَالْوَسَطُ بِمَعْنَى الْخِيَارِ، وَالْعَدْلُ يَقْبَلُهُمَا، بِخِلَافِ الْمُتَوَسِّطِ فَلَا يَقْبَلُهُمَا فَلَا يُبْنَى مِنْهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ.
قَوْلُهُ: (حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى) أَيْ مَنَعُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى أَيْ عَنْ إِيقَاعِهَا، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ عَلِيٍّ: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: كَمَا حَبَسُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ يَعْنِي الْعَصْرَ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَمِنْ طَرِيقِ كُهَيْلِ بْنِ حَرْمَلَةَ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ: اخْتَلَفْنَا فِيهَا وَنَحْنُ بِفِنَاءِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِينَا أَبُو هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ، فَقَامَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى؟ فَقَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ أَسْأَلُهُ وَأَنَا غُلَامٌ صَغِيرٌ فَقَالَ: هِيَ الْعَصْرُ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَفَعَهُ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَغَلَ الْأَحْزَابُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ
الْوُسْطَى، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَجَمَعَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا مَشْهُورًا سَمَّاهُ كَشْفُ الْغِطَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى.
فَبَلَغَ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا: أَحَدُهَا الصُّبْحُ أَوِ الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ أَوِ الْمَغْرِبُ أَوْ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ، فَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي أُمَامَةَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمْ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَنَقَلَهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا، وَنَقَلَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا عَنْ عَلِيٍّ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصُّبْحَ فَقَنَتَ فِيهَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى الَّتِي أُمِرْنَا أَنْ نَقُومَ فِيهَا قَانِتِينَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى؟ قَالَ: هِيَ هَذِهِ الصَّلَاةُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّ فِيهَا الْقُنُوتَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وَبِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ، وَبِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْ جَهْرٍ وَصَلَاتَيْ سِرٍّ. وَالثَّانِي قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، الْآيَةَ.
وَجَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا الظُّهْرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا الظُّهْرُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ، وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَرْسَلُوا إِلَى أُسَامَةَ فَسَأَلُوهُ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ: هِيَ الظُّهْرُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَجِيرِ فَلَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِلَّا الصَّفُّ أَوِ الصَّفَّانِ، وَالنَّاسُ فِي قَائِلَتِهِمْ، وَفِي تِجَارَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وَالثَّالِثُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْنَا لِعَبِيدَةَ: سَلْ عَلِيًّا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّهَا الصُّبْحُ، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، انْتَهَى. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدْفَعُ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: صَلَاةُ الْعَصْرِ مُدْرَجٌ مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَهِيَ نَصٌّ فِي أَنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ شُبْهَةَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا الصُّبْحُ قَوِيَّةٌ، لَكِنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلِ أَحْمَدَ، وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الشَّافِعِيَّةِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَثَرِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ حَبِيبٍ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: نَزَلَ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُسِخَتْ فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فَقَالَ رَجُلٌ: فَهِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقَالَ: أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ. وَالرَّابِعُ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ الْمَغْرِبُ، وَبِهِ قَالَ قُبَيْصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَخْرَجَهُ أَبُو جَرِيرٍ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهَا مُعْتَدِلَةٌ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي الْأَسْفَارِ وَأَنَّ الْعَمَلَ مَضَى عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، وَالتَّعْجِيلِ لَهَا فِي أَوَّلِ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَأَنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَا سِرٍّ وَبَعْدَهَا صَلَاتَا جَهْرٍ. وَالْخَامِسُ وَهُوَ آخِرُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: هِيَ كُلُّهُنَّ، فَحَافِظُوا عَلَيْهِنَّ وَبِهِ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يَتَنَاوَلُ الْفَرَائِضَ
وَالنَّوَافِلَ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ الْوُسْطَى وَأُرِيدَ بِهَا كُلُّ الْفَرَائِضِ تَأْكِيدًا لَهَا، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَقْوَالِ فَالسَّادِسُ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَاحْتَجَّ بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَالْخُطْبَةِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ تَعْلِيقِهِ، وَرَجَّحَهُ أَبُو شَامَةَ.
السَّابِعُ الظُّهْرُ فِي الْأَيَّامِ وَالْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. الثَّامِنُ الْعِشَاءُ نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَا تُقْصَرَانِ، وَلِأَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَاخْتَارَهُ الْوَاحِدِيُّ. التَّاسِعُ الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي أَنَّهُمَا أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَبِهِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. الْعَاشِرُ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ لِقُوَّةِ الْأَدِلَّةِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قِيلَ إِنَّهُ الْوُسْطَى، فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ الصُّبْحُ وَنَصُّ السُّنَّةِ الْعَصْرُ. الْحَادِيَ عَشَرَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ. الثَّانِيَ عَشَرَ الْوِتْرُ، وَصَنَّفَ فِيهِ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ جُزْءًا، وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ فِي جُزْءِ رَأَيْتِهِ بِخَطِّهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ صَلَاةُ الْخَوْفِ. الرَّابِعَ عَشَرَ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى. الْخَامِسَ عَشَرَ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ. السَّادِسَ عَشَرَ صَلَاةُ الضُّحَى. السَّابِعَ عَشَرَ وَاحِدَةٌ مِنَ الْخَمْسِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ قَالَ كَمَا أُخْفِيَتْ لَيْلَةُ الْقَدرِ. الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّهَا الصُّبْحُ أَوِ الْعَصْرُ عَلَى التَّرْدِيدِ، وَهُوَ غَيْرُ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ الْجَازِمِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى. التَّاسِعَ عَشَرَ التَّوَقُّفُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُخْتَلِفِينَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
الْعِشْرُونَ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَجَدْتُهُ عِنْدِي، وَذَهَلْتُ الْآنَ عَنْ مَعْرِفَةِ قَائِلِهِ، وَأَقْوَى شُبْهَةٍ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ الْعَصْرِ مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا أُبْهِمَتْ بَعْدَمَا عُيِّنَتْ كَذَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ: وَصَارَ إِلَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَعُسْرِ التَّرْجِيحِ.
وَفِي دَعْوَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ ثُمَّ عُيِّنَتْ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ نَظَرٌ، بَلْ فِيهِ أَنَّهَا عُيِّنَتْ ثُمَّ وُصِفَتْ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّجُلُ: فَهِيَ إِذَنِ الْعَصْرُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْبَرَاءُ، نَعَمْ جَوَابُ الْبَرَاءِ يُشْعِرُ بِالتَّوَقُّفِ لِمَا نُظِرَ فِيهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا لَا يَدْفَعُ التَّصْرِيحَ بِهَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَمَرَتْهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، فَلَمَّا بَلَغَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ قَالَ: فَأَمْلَتْ عَلَيَّ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ: أَمَرَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ سَوَاءً، وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ إِنْسَانًا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ: أَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ مَوْلًى لَهَا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهَا قَالَ نَافِعٌ: فَقَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ فَوَجَدْتُ فِيهِ الْوَاوَ فَتَمَسَّكَ قَوْمٌ بِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْعَصْرِ غَيْرَ الْوُسْطَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَصْرَحُ، وَبِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ عُورِضَ بِرِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي مُصْحَفِهَا وَهِيَ الْعَصْرُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ بِغَيْرِ وَاوٍ أَوْ هِيَ عَاطِفَةٌ لَكِنْ عَطْفَ صِفَةٍ لَا عَطْفَ ذَاتٍ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَالْعَصْرِ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ، وَلَعَلَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهَا نَزَلَتْ أَوَّلًا: وَالْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَتْ ثَانِيًا بَدَلَهَا: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَجَمَعَ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا، وَمَعَ وُجُودِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أفضلهم، ومنه يقال: فلانٌ واسطة قومه، أي: أفضلُهم وعينهم، وليست من «الوسط» الذي معناه متوسِّط بين شيئَين؛ لأنَّ «فُعلى» معناها «أفعل» التَّفضيل، ولا يُبنَى للتَّفضيل إلا ما يقبل الزِّيادة والنَّقص، و «الوسط» بمعنى: العدل والخيار يقبلهما، بخلاف المتوسِّط بين الشَّيئين؛ فإنَّه لا يقبلهما، فلا يُبنَى منه «أفعل» التَّفضيل.
٤٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن هارون الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدُوسيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ).
وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني (١)» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن بشر بن (٢) الحكم قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدُوسيُّ (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا هشامٌ» (قَالَ (٣): حَدَّثَنَا (٤) مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلمانيِّ (عَنْ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: حَبَسُونَا) أي: منعونا (عَنْ) إيقاع (صَلَاةِ الوُسْطَى) زاد مسلمٌ: «صلاة العصر» وإضافة «الصَّلاة» إلى «الوسطى» من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، وأجازه الكوفيُّون (حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ) زاد مسلمٌ: «ثمَّ صلَّاها بين المغرب والعشاء» ويُحتَمل
أن يكون أخَّرها نسيانًا؛ لاشتغاله بأمر العدوِّ، وكان هذا قبل نزول صلاة الخوف (مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ) أي: مكان بيوتهم (أَوْ أَجْوَافَهُمْ -شَكَّ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان- (نَارًا).
وقد اختلف السَّلف والخلف في تعيين الصَّلاة الوسطى؛ قال التِّرمذيُّ والبغويُّ: أكثر علماء الصَّحابة وغيرهم أنَّها العصر، وقال الماورديُّ: إنَّه قول جمهور التَّابعين، وحكاه الدِّمياطيُّ عن عمر وعليٍّ وابن مسعودٍ وأبي أيُّوب وابن عمرٍو وسَمُرة بن جُندَُبٍ وأبي هريرة، وأبي سعيدٍ، وحفصة، وأمِّ حبيبة، وأمِّ سلمة، وهو مذهب أحمد، وقال ابن المنذر: إنَّه الصَّحيح عن (١) أبي حنيفة وصاحبيه، واختاره ابن حبيبٍ من المالكيَّة؛ لحديث عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر» وكذا عند مسلمٍ والنَّسائيِّ وأبي داود؛ كلٌّ بلفظ: «صلاة العصر» وكذا هو في حديث ابن مسعودٍ والبراء بن عازبٍ عند مسلمٍ، وسَمُرَة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن جريرٍ، وأبي مالكٍ الأشعريِّ عند ابن جريرٍ أيضًا، وابن مسعودٍ عند ابن أبي حاتمٍ وابن حبَّان في «صحيحه»، ويؤكِّد ذلك الأمرُ بالمحافظة عليها؛ كحديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنَّما (٢) وُتِرَ أهلَُه ومالَُه» واجتماعُ الملائكة في وقتها، وروى ابن جريرٍ من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاة الوسطى وهي (٣) صلاة العصر) وفي مصحف حفصة: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاة الوسطى وصلاة العصر) رواه ابن جريرٍ وغيره، وعُورِض: بأنَّ العطف بالواو في قوله: «وصلاة العصر» يقتضي المغايرة، وأُجيب بأنَّ الواو زائدةٌ، أو هو من عطف الصِّفات لا من عطف الذَّوات، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] لكن هي منسوخة التِّلاوة، كما في حديث البراء بن عازبٍ عند مسلمٍ بلفظ:
نزلت: «(حافظوا على الصَّلوات وصلاة (١) العصر)» فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثمَّ نسخها الله ﷿ وأنزل: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقيل: إنَّها الصُّبح، رواه مالكٌ في «موطَّئه» بلاغًا عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ، وهو مذهب مالكٍ، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والقنوت عنده في صلاة الصُّبح، وقيل: هي الظُّهر لحديث زيد بن ثابتٍ عند أحمد: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الظُّهر بالهاجرة، ولم يكن يصلِّي صلاةً أشدَّ على أصحابه منها، فنزلت: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال: إنَّ قبلها صلاتين وبعدها صلاتين» ورواه أبو داود في «سننه» من حديث شعبة، وقيل: هي المغرب؛ ففي حديث ابن عبَّاسٍ عند ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ حسنٍ قال: ﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ هي (٢) المغرب، واحتُجَّ لذلك بأنَّها معتدلةٌ في عدد الرَّكعات، ولا تُقصَر في السَّفر، وبأنَّ قبلها صلاتي سرٍّ وبعدها صلاتي جهرٍ، وقيل: هي العشاء، واختاره الواحديُّ، ونقله القرطبيُّ والسَّفاقسيُّ، واحتُجَّ له بأنَّها بين صلاتين لا تُقصَران، وقيل: هي واحدةٌ من الخَمْس لا بعينها، وأُبهِمَت فيهنَّ؛ كليلة القدر في الحول أو الشَّهر أو العشر، واختاره إمام الحرمين، وقيل: مجموع الصَّلوات الخَمْس، رواه ابن أبي حاتمٍ عن ابن عمر، قال الحافظ ابن كثيرٍ: وفي صحَّته نظرٌ، والعجب من اختيار ابن عبد البرِّ له مع اطِّلاعه وحفظه، وإنَّها لإحدى الكُبَر إذ اختار مع اطِّلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليلٌ، وقيل: الصُّبح والعشاء لِمَا في «الصَّحيح»: «أنَّهما أثقل الصَّلاة على المنافقين» [خ¦٦٥٧] وقيل: الصُّبح والعصر لقوَّة الأدلَّة في أنَّ كلًّا منهما قيل: إنَّه الوسطى؛ فظاهر القرآن: الصُّبح، ونصُّ الحديث: العصر، وقيل غير ذلك، قال ابن كثيرٍ: والمدار ومعترك النِّزاع في الصُّبح والعصر، وقد بيَّنتِ (٣) السُّنَّة أنَّها العصر، فتعيَّن المصير إليها، وقد جزم الماورديُّ (٤) بأنَّ مذهب الشَّافعيِّ أنَّها العصر (٥)، وإن كان قد (٦) نصَّ في الجديد أنَّها الصُّبح؛ لصحَّة الأحاديث
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَطَاءٍ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ، وَقَدْ أَبْدَى الْمُصَنِّفُ مَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ بِرِوَايَةِ وَرْقَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْدَ هَذِهِ، وَقَوْلُهُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْبَأَنَا رَوْحٌ، وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ عَطَاءٍ بِتَمَامِهِ وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ عَلَّقَهُ عَنْ شَيْخِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى
وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَيُّوبُ وَصَلَهُ هُنَاكَ بِتَمَامِهِ.
٤٢ - بَاب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾
٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ح. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ أَجْوَافَهُمْ - نارا، شَكَّ يَحْيَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ هِيَ تَأْنِيثُ الْأَوْسَطِ وَالْأَوْسَطُ الْأَعْدَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّوَسُّطَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِأَنَّ فُعْلَى مَعْنَاهَا التَّفْضِيلُ، وَلَا يَنْبَنِي لِلتَّفْضِيلِ إِلَّا مَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ، وَالْوَسَطُ بِمَعْنَى الْخِيَارِ، وَالْعَدْلُ يَقْبَلُهُمَا، بِخِلَافِ الْمُتَوَسِّطِ فَلَا يَقْبَلُهُمَا فَلَا يُبْنَى مِنْهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ.
قَوْلُهُ: (حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى) أَيْ مَنَعُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى أَيْ عَنْ إِيقَاعِهَا، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ، عَنْ عَلِيٍّ: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: كَمَا حَبَسُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ يَعْنِي الْعَصْرَ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَمِنْ طَرِيقِ كُهَيْلِ بْنِ حَرْمَلَةَ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ: اخْتَلَفْنَا فِيهَا وَنَحْنُ بِفِنَاءِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِينَا أَبُو هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ، فَقَامَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى؟ فَقَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ أَسْأَلُهُ وَأَنَا غُلَامٌ صَغِيرٌ فَقَالَ: هِيَ الْعَصْرُ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَفَعَهُ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَغَلَ الْأَحْزَابُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ
الْوُسْطَى، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَجَمَعَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا مَشْهُورًا سَمَّاهُ كَشْفُ الْغِطَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى.
فَبَلَغَ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا: أَحَدُهَا الصُّبْحُ أَوِ الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ أَوِ الْمَغْرِبُ أَوْ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ، فَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي أُمَامَةَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمْ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَنَقَلَهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا، وَنَقَلَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا عَنْ عَلِيٍّ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصُّبْحَ فَقَنَتَ فِيهَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى الَّتِي أُمِرْنَا أَنْ نَقُومَ فِيهَا قَانِتِينَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى؟ قَالَ: هِيَ هَذِهِ الصَّلَاةُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّ فِيهَا الْقُنُوتَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وَبِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ، وَبِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْ جَهْرٍ وَصَلَاتَيْ سِرٍّ. وَالثَّانِي قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، الْآيَةَ.
وَجَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا الظُّهْرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا الظُّهْرُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ، وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَرْسَلُوا إِلَى أُسَامَةَ فَسَأَلُوهُ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ: هِيَ الظُّهْرُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَجِيرِ فَلَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِلَّا الصَّفُّ أَوِ الصَّفَّانِ، وَالنَّاسُ فِي قَائِلَتِهِمْ، وَفِي تِجَارَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وَالثَّالِثُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْنَا لِعَبِيدَةَ: سَلْ عَلِيًّا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّهَا الصُّبْحُ، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، انْتَهَى. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدْفَعُ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: صَلَاةُ الْعَصْرِ مُدْرَجٌ مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَهِيَ نَصٌّ فِي أَنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ شُبْهَةَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا الصُّبْحُ قَوِيَّةٌ، لَكِنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلِ أَحْمَدَ، وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الشَّافِعِيَّةِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَثَرِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ حَبِيبٍ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: نَزَلَ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُسِخَتْ فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فَقَالَ رَجُلٌ: فَهِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقَالَ: أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ. وَالرَّابِعُ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ الْمَغْرِبُ، وَبِهِ قَالَ قُبَيْصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَخْرَجَهُ أَبُو جَرِيرٍ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهَا مُعْتَدِلَةٌ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي الْأَسْفَارِ وَأَنَّ الْعَمَلَ مَضَى عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، وَالتَّعْجِيلِ لَهَا فِي أَوَّلِ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَأَنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَا سِرٍّ وَبَعْدَهَا صَلَاتَا جَهْرٍ. وَالْخَامِسُ وَهُوَ آخِرُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: هِيَ كُلُّهُنَّ، فَحَافِظُوا عَلَيْهِنَّ وَبِهِ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يَتَنَاوَلُ الْفَرَائِضَ
وَالنَّوَافِلَ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ الْوُسْطَى وَأُرِيدَ بِهَا كُلُّ الْفَرَائِضِ تَأْكِيدًا لَهَا، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَقْوَالِ فَالسَّادِسُ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَاحْتَجَّ بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَالْخُطْبَةِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ تَعْلِيقِهِ، وَرَجَّحَهُ أَبُو شَامَةَ.
السَّابِعُ الظُّهْرُ فِي الْأَيَّامِ وَالْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. الثَّامِنُ الْعِشَاءُ نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَا تُقْصَرَانِ، وَلِأَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَاخْتَارَهُ الْوَاحِدِيُّ. التَّاسِعُ الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي أَنَّهُمَا أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَبِهِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. الْعَاشِرُ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ لِقُوَّةِ الْأَدِلَّةِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قِيلَ إِنَّهُ الْوُسْطَى، فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ الصُّبْحُ وَنَصُّ السُّنَّةِ الْعَصْرُ. الْحَادِيَ عَشَرَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ. الثَّانِيَ عَشَرَ الْوِتْرُ، وَصَنَّفَ فِيهِ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ جُزْءًا، وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ فِي جُزْءِ رَأَيْتِهِ بِخَطِّهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ صَلَاةُ الْخَوْفِ. الرَّابِعَ عَشَرَ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى. الْخَامِسَ عَشَرَ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ. السَّادِسَ عَشَرَ صَلَاةُ الضُّحَى. السَّابِعَ عَشَرَ وَاحِدَةٌ مِنَ الْخَمْسِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ قَالَ كَمَا أُخْفِيَتْ لَيْلَةُ الْقَدرِ. الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّهَا الصُّبْحُ أَوِ الْعَصْرُ عَلَى التَّرْدِيدِ، وَهُوَ غَيْرُ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ الْجَازِمِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى. التَّاسِعَ عَشَرَ التَّوَقُّفُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُخْتَلِفِينَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
الْعِشْرُونَ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَجَدْتُهُ عِنْدِي، وَذَهَلْتُ الْآنَ عَنْ مَعْرِفَةِ قَائِلِهِ، وَأَقْوَى شُبْهَةٍ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ الْعَصْرِ مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا أُبْهِمَتْ بَعْدَمَا عُيِّنَتْ كَذَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ: وَصَارَ إِلَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَعُسْرِ التَّرْجِيحِ.
وَفِي دَعْوَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ ثُمَّ عُيِّنَتْ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ نَظَرٌ، بَلْ فِيهِ أَنَّهَا عُيِّنَتْ ثُمَّ وُصِفَتْ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّجُلُ: فَهِيَ إِذَنِ الْعَصْرُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْبَرَاءُ، نَعَمْ جَوَابُ الْبَرَاءِ يُشْعِرُ بِالتَّوَقُّفِ لِمَا نُظِرَ فِيهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا لَا يَدْفَعُ التَّصْرِيحَ بِهَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَمَرَتْهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، فَلَمَّا بَلَغَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ قَالَ: فَأَمْلَتْ عَلَيَّ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ: أَمَرَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ سَوَاءً، وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ إِنْسَانًا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ: أَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ مَوْلًى لَهَا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهَا قَالَ نَافِعٌ: فَقَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ فَوَجَدْتُ فِيهِ الْوَاوَ فَتَمَسَّكَ قَوْمٌ بِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْعَصْرِ غَيْرَ الْوُسْطَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَصْرَحُ، وَبِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ عُورِضَ بِرِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي مُصْحَفِهَا وَهِيَ الْعَصْرُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ بِغَيْرِ وَاوٍ أَوْ هِيَ عَاطِفَةٌ لَكِنْ عَطْفَ صِفَةٍ لَا عَطْفَ ذَاتٍ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَالْعَصْرِ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ، وَلَعَلَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهَا نَزَلَتْ أَوَّلًا: وَالْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَتْ ثَانِيًا بَدَلَهَا: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَجَمَعَ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا، وَمَعَ وُجُودِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أفضلهم، ومنه يقال: فلانٌ واسطة قومه، أي: أفضلُهم وعينهم، وليست من «الوسط» الذي معناه متوسِّط بين شيئَين؛ لأنَّ «فُعلى» معناها «أفعل» التَّفضيل، ولا يُبنَى للتَّفضيل إلا ما يقبل الزِّيادة والنَّقص، و «الوسط» بمعنى: العدل والخيار يقبلهما، بخلاف المتوسِّط بين الشَّيئين؛ فإنَّه لا يقبلهما، فلا يُبنَى منه «أفعل» التَّفضيل.
٤٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن هارون الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدُوسيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ).
وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني (١)» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن بشر بن (٢) الحكم قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدُوسيُّ (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا هشامٌ» (قَالَ (٣): حَدَّثَنَا (٤) مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلمانيِّ (عَنْ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: حَبَسُونَا) أي: منعونا (عَنْ) إيقاع (صَلَاةِ الوُسْطَى) زاد مسلمٌ: «صلاة العصر» وإضافة «الصَّلاة» إلى «الوسطى» من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، وأجازه الكوفيُّون (حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ) زاد مسلمٌ: «ثمَّ صلَّاها بين المغرب والعشاء» ويُحتَمل
أن يكون أخَّرها نسيانًا؛ لاشتغاله بأمر العدوِّ، وكان هذا قبل نزول صلاة الخوف (مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ) أي: مكان بيوتهم (أَوْ أَجْوَافَهُمْ -شَكَّ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان- (نَارًا).
وقد اختلف السَّلف والخلف في تعيين الصَّلاة الوسطى؛ قال التِّرمذيُّ والبغويُّ: أكثر علماء الصَّحابة وغيرهم أنَّها العصر، وقال الماورديُّ: إنَّه قول جمهور التَّابعين، وحكاه الدِّمياطيُّ عن عمر وعليٍّ وابن مسعودٍ وأبي أيُّوب وابن عمرٍو وسَمُرة بن جُندَُبٍ وأبي هريرة، وأبي سعيدٍ، وحفصة، وأمِّ حبيبة، وأمِّ سلمة، وهو مذهب أحمد، وقال ابن المنذر: إنَّه الصَّحيح عن (١) أبي حنيفة وصاحبيه، واختاره ابن حبيبٍ من المالكيَّة؛ لحديث عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر» وكذا عند مسلمٍ والنَّسائيِّ وأبي داود؛ كلٌّ بلفظ: «صلاة العصر» وكذا هو في حديث ابن مسعودٍ والبراء بن عازبٍ عند مسلمٍ، وسَمُرَة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن جريرٍ، وأبي مالكٍ الأشعريِّ عند ابن جريرٍ أيضًا، وابن مسعودٍ عند ابن أبي حاتمٍ وابن حبَّان في «صحيحه»، ويؤكِّد ذلك الأمرُ بالمحافظة عليها؛ كحديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنَّما (٢) وُتِرَ أهلَُه ومالَُه» واجتماعُ الملائكة في وقتها، وروى ابن جريرٍ من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاة الوسطى وهي (٣) صلاة العصر) وفي مصحف حفصة: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاة الوسطى وصلاة العصر) رواه ابن جريرٍ وغيره، وعُورِض: بأنَّ العطف بالواو في قوله: «وصلاة العصر» يقتضي المغايرة، وأُجيب بأنَّ الواو زائدةٌ، أو هو من عطف الصِّفات لا من عطف الذَّوات، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] لكن هي منسوخة التِّلاوة، كما في حديث البراء بن عازبٍ عند مسلمٍ بلفظ:
نزلت: «(حافظوا على الصَّلوات وصلاة (١) العصر)» فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثمَّ نسخها الله ﷿ وأنزل: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقيل: إنَّها الصُّبح، رواه مالكٌ في «موطَّئه» بلاغًا عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ، وهو مذهب مالكٍ، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والقنوت عنده في صلاة الصُّبح، وقيل: هي الظُّهر لحديث زيد بن ثابتٍ عند أحمد: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الظُّهر بالهاجرة، ولم يكن يصلِّي صلاةً أشدَّ على أصحابه منها، فنزلت: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقال: إنَّ قبلها صلاتين وبعدها صلاتين» ورواه أبو داود في «سننه» من حديث شعبة، وقيل: هي المغرب؛ ففي حديث ابن عبَّاسٍ عند ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ حسنٍ قال: ﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ هي (٢) المغرب، واحتُجَّ لذلك بأنَّها معتدلةٌ في عدد الرَّكعات، ولا تُقصَر في السَّفر، وبأنَّ قبلها صلاتي سرٍّ وبعدها صلاتي جهرٍ، وقيل: هي العشاء، واختاره الواحديُّ، ونقله القرطبيُّ والسَّفاقسيُّ، واحتُجَّ له بأنَّها بين صلاتين لا تُقصَران، وقيل: هي واحدةٌ من الخَمْس لا بعينها، وأُبهِمَت فيهنَّ؛ كليلة القدر في الحول أو الشَّهر أو العشر، واختاره إمام الحرمين، وقيل: مجموع الصَّلوات الخَمْس، رواه ابن أبي حاتمٍ عن ابن عمر، قال الحافظ ابن كثيرٍ: وفي صحَّته نظرٌ، والعجب من اختيار ابن عبد البرِّ له مع اطِّلاعه وحفظه، وإنَّها لإحدى الكُبَر إذ اختار مع اطِّلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليلٌ، وقيل: الصُّبح والعشاء لِمَا في «الصَّحيح»: «أنَّهما أثقل الصَّلاة على المنافقين» [خ¦٦٥٧] وقيل: الصُّبح والعصر لقوَّة الأدلَّة في أنَّ كلًّا منهما قيل: إنَّه الوسطى؛ فظاهر القرآن: الصُّبح، ونصُّ الحديث: العصر، وقيل غير ذلك، قال ابن كثيرٍ: والمدار ومعترك النِّزاع في الصُّبح والعصر، وقد بيَّنتِ (٣) السُّنَّة أنَّها العصر، فتعيَّن المصير إليها، وقد جزم الماورديُّ (٤) بأنَّ مذهب الشَّافعيِّ أنَّها العصر (٥)، وإن كان قد (٦) نصَّ في الجديد أنَّها الصُّبح؛ لصحَّة الأحاديث