«تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٤٧

الحديث رقم ٤٥٤٧ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب: منه آيات محكمات.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هو الذي أنزل…

«تَلَا رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : فَإِذَا رَأَيْتَِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأولَئِكَِ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ».

﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

سند حديث: ٤٥٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ…

٤٥٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي

⦗٣٤⦘

مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هو الذي أنزل…

قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}،
وفيها أخبر الله سبحانه أنه هو الذي أنزل على نبيه القرآن، الذي منه آيات واضحة الدلالة، معلومة الأحكام لا لبس فيها، هي أصل الكتاب ومرجعه، وهي المرجع عند الاختلاف،
ومنه آيات أُخر محتملة لأكثر من معنى، يلتبس معناها على بعض الناس، أو يظن أن بينها وبين الآية الأخرى تعارض،
ثم بين الله تعامل الناس مع هذا الآيات،
فالذين في قلوبهم مَيْلٌ عن الحق فيتركون المُحْكم، ويأخذون بالمتشابه المُحْتمل، يبتغون بذلك إثارة الشبهة وإضلال الناس، ويبتغون بذلك تأويلها على ما يوافق أهواءهم،
وأما الثابتون في العلم فإنهم يعلمون هذا المتشابه، ويردُّونه للمحكم، ويؤمنون به وأنه من عند الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يلتبس أو يتعارض، ولكن ما يتذكر بذلك ولا يتعظ إلا أصحاب العقول السليمة.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها إذا رأت الذين يتبعون المتشابه فإنهم هم الذين سمَّى الله في قوله:
{فأما الذين في قلوبهم زيغ}
فاحذروهم ولا تصغوا إليهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • المحكم من آيات القرآن: ما اتضحت دلالته وظهر معناه، والمتشابه: ما احتمل أكثر من معنى واحتاج إلى نظر وفهم.
  • التحذير مِن مخالطة أهل الزيغ وأصحاب البدع ومَن يطرح المشكلات لإضلال الناس وتشكيكهم.
  • في ختم الآية بقوله تعالى: {وما يذكر إلا أولو الألباب} تعريض بالزائغين، ومدح للراسخين، يعني: مَن لم يتذكَّر ويتَّعظ، واتَّبع هواه ليس مِن أولي الألباب.
  • اتباع المتشابه سبب لزيغ القلب.
  • وجوب رد الآيات المتشابهة التي قد لا يُفهم معناها إلى الآيات المحكمة.
  • جعل الله سبحانه بعضَ القرآن محكمًا وبعضَه متشابهًا؛ ابتلاءً للناس ليتميز أهل الإيمان من أهل الضلال.
  • في وقوع المتشابه في القرآن: إظهار فضل العلماء على غيرهم، وإعلام للعقول بقصورها؛ لتستسلم لبارئها وتعترف بعجزها.
  • فضيلة الرسوخ في العلم وضرورة الثبات فيه.
  • للمفسرين في الوقوف على {الله} من قوله: { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } قولان، فمن وقف على {الله}، فيكون المراد بالتأويل علم حقيقة الشيء وكنهه وما لا سبيل إلى إدراكه كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بعلمه، والراسخون في العلم يؤمنون به ويكلون حقائقه إلى الله فيسلمون ويسلمون، ومن وصل ولم يقف على {الله} ، فيكون المراد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، فيكون الله يعلمه والراسخون في العلم يعلمونه أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هو الذي أنزل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنِ أَبْزَى فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَوْرَدَ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ لِلْعَوْفِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى (مُسَوَّمَةٍ) مُرْعَاةً، مِنْ أَسَمْتُهَا فَصَارَتْ سَائِمَةً.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَحَصُورًا لَا يَأْتِي النِّسَاءَ) وَقَعَ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ الْمُسَوَّمَةِ، وَصَلَهُ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِهِ، وَأَصْلُ الْحَصْرِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ، يُقَالُ لِمَنْ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَبْعِهِ كَالْعِنِّينِ أَوْ بِمُجَاهِدَةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمَمْدُوحُ وَالْمُرَادُ فِي وَصْفِ السَّيِّدِ يَحْيَى .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مِنْ فَوْرِهِمْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ: فَوْرُهُمْ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ غَضِبُوا لِيَوْمِ بَدْرٍ بِمَا لَقُوا، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ مِنْ وُجُوهِهِمْ هَذَا، وَأَصْلُ الْفَوْرِ الْعَجَلَةُ وَالسُّرْعَةُ، وَمِنْهُ فَارَتِ الْقِدْرُ، يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْغَضَبِ لِأَنَّ الْغَضْبَانَ يُسَارِعُ إِلَى الْبَطْشِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيِّتَةً وَيَخْرُجُ مِنْهَا الْحَيُّ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ: النَّاسُ الْأَحْيَاءُ مِنَ النُّطَفِ الْمَيِّتَةِ وَالنُّطَفُ الْمَيِّتَةُ مِنَ النَّاسِ الْأَحْيَاءِ.

قَوْلُهُ: (الْإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ) وَقَعَ هَذَا أَيْضًا عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

[٣ - سورة آل عمران]

١ - بَاب ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يُصَدِّقُ بَعْضُهُا بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، ﴿زَيْغٌ﴾ شَكٌّ، ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الْمُشْتَبِهَاتِ، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يَعْلَمُونَ تأويله، و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾

٤٥٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ - إلى قوله - ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَفِيهِ تَغْيِيرٌ وَبِتَحْرِيرِهِ يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَرِيبًا إِلَى مُجَاهِدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قَالَ: مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْهُ مُتَشَابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (زَيْغٌ: شَكٌّ ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الْمُشْتَبِهَاتُ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَذَلِكَ وَلَفْظُهُ وَأَمَّا

﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قَالَ: شَكٌّ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الْمُشْتَبِهَاتُ، الْبَابُ الَّذِي ضَلُّوا مِنْهُ وَبِهِ هَلَكُوا.

قَوْلُهُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يَعْلَمُونَ وَ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الْآيَةَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ الرَّاسِخُونَ كَمَا يَسْمَعُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا؛ الْمُتَشَابِهُ وَالْمُحْكَمُ، فَآمَنُوا بِمُتَشَابِهِهِ وَعَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ فَأَصَابُوا وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ وَالرَّاسِخُونَ عَاطِفَةً عَلَى مَعْمُولِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلِاسْتِئْنَافِ لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ بِهَا الْقِرَاءَةُ لَكِنْ أَقَلَّ دَرَجَاتِهَا أَنْ تَكُونَ خَبَرًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى تُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ فَيُقَدَّمُ كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُونَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى ذَمِّ مُتَّبِعِي الْمُتَشَابِهِ لِوَصْفِهِمْ بِالزَّيْغِ وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ، وَصَرَّحَ بِوَفْقِ ذَلِكَ حَدِيثُ الْبَابِ، وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى مَدْحِ الَّذِينَ فَوَّضُوا الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، كَمَا مَدَحَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَ ذَلِكَ أَعْنِي: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ جَمِيعُ هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَثَبَتَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شَيْخِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ آثَارٌ أُخْرَى: فَفِي أَوَّلِ السُّورَةِ قَوْلُهُ: تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ وَاحِدٌ هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْ أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَدْ قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِيَّةً).

قَوْلُهُ: (التُّسْتَرِيُّ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ) قَدْ سَمِعَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ عَائِشَةَ كَثِيرًا وَكَثِيرًا أَيْضًا مَا يَدْخُلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا فِي الْبَابِ بِزِيَادَةِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ: رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَاسِمَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، فَلَمْ يَنْفَرِدْ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْقَاسِمِ: وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْقَاسِمِ، أَيُّوبُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ، وَنَافِعُ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمَا.

قَوْلُهُ: (تَلَا رَسُولُ اللَّهِ أَيْ قَرَأَ (هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: أَصْلُ الْمُتَشَابِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَشَابِهَةُ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا مُشَابِهًا لِلْآخَرِ فَصَحَّ وَصْفُهَا بِأَنَّهَا مُتَشَابِهَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْآيَةَ وَحْدَهَا مُتَشَابِهَةٌ فِي نَفْسِهَا. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْوَصْفِ فِي الْجَمْعِ صِحَّةُ انْبِسَاطِ مُفْرَدَاتِ الْأَوْصَافِ عَلَى مُفْرَدَاتِ الْمَوْصُوفَاتِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) قَالَ الطَّبَرِيُّ: قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَمْرِ عِيسَى، وَقِيلَ: فِي أَمْرِ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّ أَمْرَ عِيسَى قَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فَهُوَ مَعْلُومٌ لِأُمَّتِهِ، بِخِلَافِ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ عِلْمَهُ خَفِيٌّ عَنِ الْعِبَادِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُحْكَمُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا وَضَحَ مَعْنَاهُ، وَالْمُتَشَابِهُ نَقِيضُهُ. وَسُمِّيَ الْمُحْكَمُ بِذَلِكَ لِوُضُوحِ مُفْرَدَاتِ كَلَامِهِ وَإِتْقَانِ تَرْكِيبِهِ، بِخِلَافِ الْمُتَشَابِهِ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا عُرِفَ الْمُرَادُ مِنْهُ إِمَّا بِالظُّهُورِ وَإِمَّا بِالتَّأْوِيلِ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ أَقْوَالٌ أُخْرَى غَيْرُ هَذِهِ نَحْوُ الْعَشَرَةِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا، وَمَا ذَكَرْتُهُ أَشْهَرُهَا وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ،

وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ الْأَخِيرَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَابْنُ السَّمْعَانِيّ أَنَّهُ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ وَالْمُخْتَارُ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَرَى الْمُتَأَخِّرُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمُحْكَمِ مَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ، وَالْمُتَشَابِهُ بِخِلَافِهِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي يَقْبَلُ مَعْنًى إِمَّا أَنْ يَقْبَلَ غَيْرَهُ أَوْ لَا، الثَّانِي النَّصُّ، وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ دَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى رَاجِحَةً أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيهِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُجْمَلُ، وَالثَّانِي الْمُؤوَّلُ. فَالْمُشْتَرَكُ هُوَ النَّصُّ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْمُحْكَمُ، وَالْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُؤوَّلِ هُوَ الْمُتَشَابِهُ.

وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّقْسِيمَ أَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُحْكَمَ مُقَابِلًا لِلْمُتَشَابِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُفَسَّرَ الْمُحْكَمُ بِمَا يُقَابِلَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أُسْلُوبُ الْآيَةِ وَهُوَ الْجَمْعُ مَعَ التَّقْسِيمِ لِأَنَّهُ تَعَالَى فَرَّقَ مَا جَمَعَ فِي مَعْنَى الْكِتَابِ بِأَنْ قَالَ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ أَرَادَ أَنْ يُضِيفَ إِلَى كُلِّ مِنْهُمَا مَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنَ الْحُكْمِ فَقَالَ أَوَّلًا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ - إِلَى أَنْ قَالَ - ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمُ اسْتِقَامَةٌ فَيَتَّبِعُونَ الْمُحْكَمَ، لَكِنَّهُ وَضَعَ مَوْضِعَ ذَلِكَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لِإِتْيَانِ لَفْظِ الرُّسُوخِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ التَّتَبُّعِ التَّامِّ وَالِاجْتِهَادِ الْبَلِيغِ، فَإِذَا اسْتَقَامَ الْقَلْبُ عَلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ وَرَسَخَ الْقَدَمُ فِي الْعِلْمِ أَفْصَحَ صَاحِبُهُ النُّطْقَ بِالْقَوْلِ الْحَقِّ، وَكَفَى بِدُعَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إِلَخْ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: (إِلَّا اللَّهُ) تَامٌّ، وَإِلَى أَنَّ عِلْمَ بَعْضِ الْمُتَشَابِهِ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ حَاوَلَ مَعْرِفَتَهُ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: فَاحْذَرُوهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعَقْلُ مُبْتَلًى بِاعْتِقَادِ حَقِيقَةِ الْمُتَشَابِهِ كَابْتِلَاءِ الْبَدَنِ بِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ، كَالْحَكِيمِ إِذَا صَنَّفَ كِتَابًا أَجْمَلَ فِيهِ أَحْيَانَا لِيَكُونَ مَوْضِعَ خُضُوعِ الْمُتَعَلِّمِ لِأُسْتَاذِهِ، وَكَالْمَلِكِ يَتَّخِذُ عَلَامَةً يَمْتَازُ بِهَا مَنْ

يُطْلِعُهُ عَلَى سِرٍّ وَقِيلَ: لَوْ لَمْ يَقْبَلِ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْبَدَنِ لَاسْتَمَرَّ الْعَالِمُ فِي أُبَّهَةِ الْعِلْمِ عَلَى التَّمَرُّدِ، فَبِذَلِكَ يَسْتَأْنِسُ إِلَى التَّذَلُّلِ بِعِزِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ مَوْضِعُ خُضُوعِ الْعُقُولِ لِبَارِيهَا اسْتِسْلَامًا وَاعْتِرَافًا بِقُصُورِهَا، وَفِي خَتْمِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ تَعْرِيضٌ بِالزَّائِغِينَ وَمَدْحٌ لِلرَّاسِخَيْنِ، يَعْنِي مَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَيَتَّعِظْ وَيُخَالِفْ هَوَاهُ فَلَيْسَ مِنْ أُولِي الْعُقُولِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّاسِخُونَ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَخَضَعُوا لِبَارِيهِمْ لِاشْتِرَاكِ الْعِلْمِ اللَّدُنِّي بَعْدَ أَنِ اسْتَعَاذُوا بِهِ مِنَ الزَّيْغِ النَّفْسَانِيِّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ مُحْكَمٌ وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهٌ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، وَلَا قَوْلُهُ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كُلَّهُ مُحْكَمٌ، وَعَكَسَ آخَرُونَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْكَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ الْإِتْقَانُ فِي النَّظْمِ وَأَنَّ كُلَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَشَابِهِ كَوْنُهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي حُسْنِ السِّيَاقِ وَالنَّظْمِ أَيْضًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اشْتِبَاهَ مَعْنَاهُ عَلَى سَامِعِهِ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُحْكَمَ وَرَدَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ، وَالْمُتَشَابِهَ وَرَدَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَهُمُ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَاحْذَرْهُمْ بِالْإِفْرَادِ وَالْأُولَى أَوْلَى، وَالْمُرَادُ التَّحْذِيرُ مِنَ الْإِصْغَارِ إِلَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنَ الْيَهُودِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي تَأْوِيلِهِمُ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ، وَأَنَّ عَدَدَهَا بِالْجُمَّلِ مِقْدَارُ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْخَوَارِجِ حَتَّى جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَ بِهِمُ الْآيَةَ، وَقِصَّةُ عُمَرَ فِي إِنْكَارِهِ عَلَى ضُبَيْعٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ يَتَّبِعُ الْمُتَشَابِهَ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى أَدْمَاهُ، أَخْرَجَهَا الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُتَشَابِهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا إِذَا رُدَّ إِلَى الْمُحْكَمِ وَاعْتُبِرَ بِهِ عُرِفَ مَعْنَاهُ، وَالْآخَرُ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَّبِعُهُ أَهْلُ الزَّيْغِ فَيَطْلُبُونَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أبو سعيدٍ (التُّسْتَرِيُّ) بالسِّين المهملة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبد الرَّحمن (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾) قال الزَّمخشريُّ أي: أصل الكتاب، تُحمَل المشتبهات (١) عليها، قال الطِّيبيُّ: وذلك أنَّ العرب تُسمِّي كلَّ جامعٍ يكون مرجعًا لشيءٍ أُمًّا، قال القاضي البيضاويُّ: والقياس أمَّهات الكتاب، وأُفرِد على أنَّ الكلَّ بمنزلة آيةٍ واحدةٍ، أو على تأويل كلِّ واحدةٍ (﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾) عطف على ﴿آيَاتٌ﴾ و ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: نعتٌ لـ ﴿وَأُخَرُ﴾ وفي الحقيقة: ﴿وَأُخَرُ﴾: نعتٌ لمحذوفٍ؛ تقديره: وآياتٌ أُخَر متشابهاتٌ (﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾) قال الرَّاغب: الزَّيغ: الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، ومنه: زاغت الشَّمس عن كبد السَّماء، وزاغ البصر والقلب (٢)، وقال بعضهم: الزَّيغ: أخصُّ من مطلق الميل؛ فإنَّ الزَّيغ لا يقال إلَّا لِمَا كان من حقٍّ إلى باطلٍ، والمراد: أهل البدع (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾) على ما يشتهونه (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾) قال في «الكشَّاف» أي: لا يهتدي إلى تأويله الحقِّ الذي يجب أن يُحمَل عليه إلَّا الله، وتعقَّبه في «الانتصاف»: بأنَّه لا يجوز إطلاق الاهتداء على الله تعالى؛ لِما فيه من إيهام سبق جهلٍ وضلالٍ، تعالى الله وتقدَّس عن ذلك؛ لأنَّ «اهتدى» مطاوع «هدى»، ويُسمَّى من تجدَّد إسلامه مهتديًا، وانعقد الإجماع على امتناع إطلاق الألفاظ الموهمة عليه تعالى، قال: وأظنُّه سها؛ فنسب الاهتداء إلى الرَّاسخين في العلم، وغفل عن شمول ذلك الحقَّ (﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾) وفي مصحف ابن مسعودٍ: (ويقول الرَّاسخون في العلم آمنَّا به) بواوٍ قبل ﴿يَقُولُ﴾ وثبت ذلك من قراءة ابن عبَّاسٍ كما رواه عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، وهو يدلُّ على أنَّ الواو للاستئناف، قال صاحب «المرشد»: لا إنكار لبقاء معنًى في القرآن استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه، فالوقف على ﴿إِلَّا اللهُ﴾ على هذا تامٌّ (٣)، ولا يكاد يوجد في التَّنزيل «أمَّا» وما بعدها رفعٌ إلا ويثنَّى ويثلَّث؛ كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الإبْكَارُ أوَّلُ الفَجْرِ وَالعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أُرَاهُ إلَى أنْ تَغْرُبَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {وَاذْكُر رَبك كثيرا وَسبح بالْعَشي والأبكار} (آل عمرَان: ٤١) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: العشى من حِين تَزُول الشَّمْس إِلَى أَن تغيب والأبكار من طُلُوع الْفجْر إِلَى وَقت الضُّحَى وقرىء والأبكار بِفَتْح الْهمزَة جمع بكر كشجر وأشجار.

١ - (بابٌ: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} . وَقَالَ مُجَاهِدٌ الحَلالُ وَالحَرَامُ: وَأُخَرُ مُتشابِهاتٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَاّ الفَاسِفِينَ وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَيَجْعل الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلونَ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ

هَذَا الْكَلَام كُله كَلَام مُجَاهِد رَوَاهُ عبد بن حميد عَن روح عَن شبْل عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ: رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن الْمُبَارك عَن زيد بن الْمُبَارك عَن مُحَمَّد بن ثَوْر عَن ابْن جريج عَنهُ قَوْله: (مِنْهُ) . أَي: من الْكتاب، يَعْنِي: الْقُرْآن قَالَ: {هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات} (آل عمرَان: ٧) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: محكمات أحكمت عبارتها بِأَن حفظت من الِاحْتِمَال والاشتباه. هن أم الْكتاب أَي: أصل الْكتاب. متشابهات مُشْتَبهَات محتملات وَقَالَ الْكرْمَانِي: أما اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ فَالْحكم هُوَ الْمُشْتَرك بَين النَّص وَالظَّاهِر الْمُتَشَابه هُوَ الْمُشْتَرك بَين الْمُجْمل والمؤول وَقَالَ الْخطابِيّ الْمُحكم هُوَ الَّذِي يعرف بِظَاهِر بَيَانه تَأْوِيله وبواضح أدلته بَاطِن مَعْنَاهُ، والمتشابه مَا اشْتبهَ مِنْهَا فَلم يتلق مَعْنَاهُ من لَفظه وَلم يدْرك حكمه من تِلَاوَته، وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: مَا إِذا رد إِلَى الْمُحكم وَاعْتبر بِهِ علم مَعْنَاهُ. وَالْآخر: مَا لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف على حَقِيقَته وَهُوَ الَّذِي يتبعهُ أهل الزبغ فيبطلون تَأْوِيله وَلَا يبلغون فيرتابون فِيهِ فيفتنون بِهِ، وَذَلِكَ كالإيمان بِالْقدرِ وَنَحْوه، وَيُقَال: الْمُحكم مَا اتضحت دلَالَته، والمتشابه مَا يحْتَاج إِلَى نظر وَتَخْرِيج، وَقيل: الْمُحكم مَا لم ينْسَخ، والمتشابه مَا نسخ، وَقيل: الْمُحكم آيَات الْحَلَال وَالْحرَام، والمتشابه آيَات الصِّفَات وَالْقدر، وَقيل: الْمُحكم آيَات الْأَحْكَام، والمتشابه الْحُرُوف الْمُقطعَة. قَوْله: (وَأخر) جمع أُخْرَى، وَاخْتلف فِي عدم صرفهَا. فَقيل: لِأَنَّهَا نعت، كَمَا لَا تصرف كتع وَجمع لِأَنَّهُنَّ نعوت، وَقيل: لم تصرف لزِيَادَة الْيَاء فِي واحدتها وَأَن جمعهَا مبْنى على وَاحِدهَا فِي ترك الصّرْف: كحمراء وبيضاء فِي النكرَة والمعرفة لزِيَادَة الْمدَّة والهمزة فيهمَا. قَوْله: (يصدق) تَفْسِير للمتشابه. قَوْله: كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين} (الْبَقَرَة: ٢٦) إِشَارَة إِلَى أَن الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن الْفَاسِقين أَي الضَّالّين إِنَّمَا ضلالتهم من جِهَة اتباعهم الْمُتَشَابه بِمَا لَا يُطَابق الْمُحكم طلب افتتان النَّاس عَن دينهم وَإِرَادَة إضلالهم. قَوْله: وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ} (يُونُس: ١٠٠) إِنَّمَا ذكر هَذَا تَصْدِيقًا لما تتضمنه الْآيَة الَّتِي قبلهَا حَيْثُ يَجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ، وَقيل: الرجس السخط. وَقيل: الْإِثْم، وَقيل: الْعَذَاب. وَقيل: الْفِتَن والنجاسة، أَي: يحكم عَلَيْهِم بِأَنَّهُم أنجاس غير طَاهِرَة، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: الرجز: بالزاي وَبِه فسر الرجس أَيْضا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرجل الخذلان وَهُوَ الْعَذَاب وَهُوَ شَبيه قَوْله: {على الَّذين لَا يعْقلُونَ} أَي أَمر الله وَلَا أَمر رَسُوله لأَنهم مصرون على الْكفْر. وَهَذَا أَيْضا رَاجع إِلَى معنى الَّذين يتبعُون مَا تشابه بِمَا لَا يُطَابق علم الراسخين. قَوْله: وَكَقَوْلِه: {وَالَّذين اهتدوا} (مُحَمَّد: ١٧) إِلَى آخِره، رَاجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى معنى الَّذين صدرهم مُجَاهِد فِي كَلَامه الْمَذْكُور لِأَن مُرَاده من ذَلِك فِي نفسر الْأَمر الراسخون فِي الْعلم الَّذين اهتدوا وَزَادَهُمْ الله هدى، فَافْهَم، فَإِنِّي لم أر أحدا من الشُّرَّاح أُتِي سَاحل هَذَا فضلا أَن يغوص فِيهِ. وَالله أعلم.

زَيْغٌ شَكٌّ. ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ} وَفسّر الزيغ بِالشَّكِّ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هم أهل الْبدع، {فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ} أَي: من الْكتاب الَّذِي هُوَ الْقُرْآن، وَيُقَال: هم أهل الضلال وَالْبَاطِل وَالْخُرُوج عَن الْحق (يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ) الَّذِي يُمكنهُم أَن يحرفوه إِلَى مقاصدهم الْفَاسِدَة وينزلوه عَلَيْهَا. قَوْله: (ابْتِغَاء الْفِتْنَة) ، أَي: طلبا أَن يفتنوا النَّاس عَن دينهم.

والراسِخُونَ يَعْلَمُونَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ

قَالَ ابْن نجيح عَن مُجَاهِد: {الراسخون فِي الْعلم يعلمُونَ تَأْوِيله يَقُولُونَ آمنا بِهِ} (آل عمرَان: ٧) وَكَذَا قَالَ الرّبيع بن أنس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الراسخون فِي الْعلم الَّذين رسخوا أَي: ثبتوا فِيهِ وتمكنوا، وَيَقُولُونَ كَلَام مُسْتَأْنف يُوضح حَال الراسخين، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْعَالمُونَ بالتأويل يَقُولُونَ: آمنا بِهِ أَي: بالتشابه كل من عِنْد رَبنَا أَي كل وَاحِد من الْمُتَشَابه والمحكم من عِنْد الله، وَيجوز أَن يكون: يَقُولُونَ، حَالا من الراسخين. وَقَرَأَ عبد الله أَن تَأْوِيله إلَاّ عِنْد الله، وَقَرَأَ أبي: وَيَقُول الراسخون.

٤٥٤٧ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالَتْ تَلا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذِهِ الآيَةَ: {هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتشابهاتٌ فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} إلَى قَوْلِهِ: {أُولُوا الألْبَابِ} قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَإذَا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولائِكَ الَّذِينَ سَمَّى الله فَاحْذَرُوهُمْ.

عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: ابْن قعنب القعْنبِي شيخ مُسلم أَيْضا وَيزِيد من الزِّيَادَة. ابْن إِبْرَاهِيم أَبُو سعيد التسترِي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْأُخْرَى وبالراء نِسْبَة إِلَى تستر مَدِينَة من كور الأهواز وَبهَا قبر الْبَراء بن مَالك، وتسميها الْعَامَّة ششتر، بشينين معجمتين الأولى مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن القعْنبِي أَيْضا وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن القعْنبِي فِي السّنة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير. وَقَالَ: روى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة. وَلم يذكر وَالقَاسِم، وَإِنَّمَا ذكره يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن الْقَاسِم فِي هَذَا الحَدِيث، وَعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة سمع من عَائِشَة أَيْضا انْتهى. وَفِيه نظر لِأَن غير يزِيد ذكر فِيهِ الْقَاسِم وَهُوَ حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنبأَنَا الْحسن بن عَليّ الشطوي حَدثنَا ابْن الْمَدِينِيّ حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة. قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، فَذكره. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذكر حَمَّاد فِي هَذَا الحَدِيث للاستشهاد على مُوَافَقَته يزِيد بن إِبْرَاهِيم فِي الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة أَيْضا عِنْد الطَّبَرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة.

قَوْله: (تَلا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة: وَهِي قَوْله: (هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب) الْآيَة. قَوْله: (فَإِذا رَأَيْت الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ) ، قَالَ الطَّبَرِيّ: قيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الَّذين جادلوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَمر عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقيل: فِي أَمر هَذِه الْأمة. وَهَذَا أقرب لِأَن أمرى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، أعلمهُ الله نبيه مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمته وَبَينه لَهُم بِخِلَاف أَمر هَذِه الْأمة فَإِن علم أَمرهم خَفِي على الْعباد. قَوْله: (فَأُولَئِك الَّذين سمى الله) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: هم الْخَوَارِج، قيل: أول بِدعَة وَقعت فِي الْإِسْلَام بِدعَة الْخَوَارِج، ثمَّ كَانَ ظُهُورهمْ فِي أَيَّام عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ تشعبت مِنْهُم شعوب وقبائل وآراء وَأَهْوَاء وَنحل كَثِيرَة منتشرة، ثمَّ نبعت الْقَدَرِيَّة ثمَّ الْمُعْتَزلَة ثمَّ الْجَهْمِية وَغَيرهم من أهل الْبدع الَّتِي أخبر عَنْهَا الصَّادِق المصدوق فِي قَوْله: وَسَتَفْتَرِقُ هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إلَاّ وَاحِدَة. قَالُوا: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي: أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . قَوْله: (فاحذروهم) ، بِصِيغَة الْجمع وَالْخطاب للْأمة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فَاحْذَرْهُمْ، بِالْإِفْرَادِ أَي: احذرهم أَيهَا الْمُخَاطب.

٢ - (بابٌ: {وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمرَان: ٣٦)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنِ أَبْزَى فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَوْرَدَ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ لِلْعَوْفِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى (مُسَوَّمَةٍ) مُرْعَاةً، مِنْ أَسَمْتُهَا فَصَارَتْ سَائِمَةً.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَحَصُورًا لَا يَأْتِي النِّسَاءَ) وَقَعَ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ الْمُسَوَّمَةِ، وَصَلَهُ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِهِ، وَأَصْلُ الْحَصْرِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ، يُقَالُ لِمَنْ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَبْعِهِ كَالْعِنِّينِ أَوْ بِمُجَاهِدَةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمَمْدُوحُ وَالْمُرَادُ فِي وَصْفِ السَّيِّدِ يَحْيَى .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مِنْ فَوْرِهِمْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ: فَوْرُهُمْ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ غَضِبُوا لِيَوْمِ بَدْرٍ بِمَا لَقُوا، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قَالَ مِنْ وُجُوهِهِمْ هَذَا، وَأَصْلُ الْفَوْرِ الْعَجَلَةُ وَالسُّرْعَةُ، وَمِنْهُ فَارَتِ الْقِدْرُ، يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْغَضَبِ لِأَنَّ الْغَضْبَانَ يُسَارِعُ إِلَى الْبَطْشِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيِّتَةً وَيَخْرُجُ مِنْهَا الْحَيُّ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قَالَ: النَّاسُ الْأَحْيَاءُ مِنَ النُّطَفِ الْمَيِّتَةِ وَالنُّطَفُ الْمَيِّتَةُ مِنَ النَّاسِ الْأَحْيَاءِ.

قَوْلُهُ: (الْإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ) وَقَعَ هَذَا أَيْضًا عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

[٣ - سورة آل عمران]

١ - بَاب ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يُصَدِّقُ بَعْضُهُا بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، ﴿زَيْغٌ﴾ شَكٌّ، ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الْمُشْتَبِهَاتِ، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يَعْلَمُونَ تأويله، و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾

٤٥٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ - إلى قوله - ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَفِيهِ تَغْيِيرٌ وَبِتَحْرِيرِهِ يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَرِيبًا إِلَى مُجَاهِدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قَالَ: مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْهُ مُتَشَابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (زَيْغٌ: شَكٌّ ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الْمُشْتَبِهَاتُ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَذَلِكَ وَلَفْظُهُ وَأَمَّا

﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قَالَ: شَكٌّ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الْمُشْتَبِهَاتُ، الْبَابُ الَّذِي ضَلُّوا مِنْهُ وَبِهِ هَلَكُوا.

قَوْلُهُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يَعْلَمُونَ وَ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الْآيَةَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ الرَّاسِخُونَ كَمَا يَسْمَعُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا؛ الْمُتَشَابِهُ وَالْمُحْكَمُ، فَآمَنُوا بِمُتَشَابِهِهِ وَعَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ فَأَصَابُوا وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ وَالرَّاسِخُونَ عَاطِفَةً عَلَى مَعْمُولِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلِاسْتِئْنَافِ لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ بِهَا الْقِرَاءَةُ لَكِنْ أَقَلَّ دَرَجَاتِهَا أَنْ تَكُونَ خَبَرًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى تُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ فَيُقَدَّمُ كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُونَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى ذَمِّ مُتَّبِعِي الْمُتَشَابِهِ لِوَصْفِهِمْ بِالزَّيْغِ وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ، وَصَرَّحَ بِوَفْقِ ذَلِكَ حَدِيثُ الْبَابِ، وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى مَدْحِ الَّذِينَ فَوَّضُوا الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، كَمَا مَدَحَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَ ذَلِكَ أَعْنِي: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ جَمِيعُ هَذِهِ الْآثَارِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَثَبَتَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شَيْخِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ آثَارٌ أُخْرَى: فَفِي أَوَّلِ السُّورَةِ قَوْلُهُ: تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ وَاحِدٌ هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْ أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَدْ قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِيَّةً).

قَوْلُهُ: (التُّسْتَرِيُّ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ) قَدْ سَمِعَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ عَائِشَةَ كَثِيرًا وَكَثِيرًا أَيْضًا مَا يَدْخُلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا فِي الْبَابِ بِزِيَادَةِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ: رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَاسِمَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، فَلَمْ يَنْفَرِدْ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْقَاسِمِ: وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْقَاسِمِ، أَيُّوبُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ، وَنَافِعُ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمَا.

قَوْلُهُ: (تَلَا رَسُولُ اللَّهِ أَيْ قَرَأَ (هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: أَصْلُ الْمُتَشَابِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَشَابِهَةُ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا مُشَابِهًا لِلْآخَرِ فَصَحَّ وَصْفُهَا بِأَنَّهَا مُتَشَابِهَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْآيَةَ وَحْدَهَا مُتَشَابِهَةٌ فِي نَفْسِهَا. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْوَصْفِ فِي الْجَمْعِ صِحَّةُ انْبِسَاطِ مُفْرَدَاتِ الْأَوْصَافِ عَلَى مُفْرَدَاتِ الْمَوْصُوفَاتِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) قَالَ الطَّبَرِيُّ: قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَمْرِ عِيسَى، وَقِيلَ: فِي أَمْرِ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّ أَمْرَ عِيسَى قَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فَهُوَ مَعْلُومٌ لِأُمَّتِهِ، بِخِلَافِ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ عِلْمَهُ خَفِيٌّ عَنِ الْعِبَادِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُحْكَمُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا وَضَحَ مَعْنَاهُ، وَالْمُتَشَابِهُ نَقِيضُهُ. وَسُمِّيَ الْمُحْكَمُ بِذَلِكَ لِوُضُوحِ مُفْرَدَاتِ كَلَامِهِ وَإِتْقَانِ تَرْكِيبِهِ، بِخِلَافِ الْمُتَشَابِهِ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا عُرِفَ الْمُرَادُ مِنْهُ إِمَّا بِالظُّهُورِ وَإِمَّا بِالتَّأْوِيلِ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ أَقْوَالٌ أُخْرَى غَيْرُ هَذِهِ نَحْوُ الْعَشَرَةِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا، وَمَا ذَكَرْتُهُ أَشْهَرُهَا وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ،

وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ الْأَخِيرَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَابْنُ السَّمْعَانِيّ أَنَّهُ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ وَالْمُخْتَارُ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَرَى الْمُتَأَخِّرُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمُحْكَمِ مَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ، وَالْمُتَشَابِهُ بِخِلَافِهِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي يَقْبَلُ مَعْنًى إِمَّا أَنْ يَقْبَلَ غَيْرَهُ أَوْ لَا، الثَّانِي النَّصُّ، وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ دَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى رَاجِحَةً أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيهِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُجْمَلُ، وَالثَّانِي الْمُؤوَّلُ. فَالْمُشْتَرَكُ هُوَ النَّصُّ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْمُحْكَمُ، وَالْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُؤوَّلِ هُوَ الْمُتَشَابِهُ.

وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّقْسِيمَ أَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُحْكَمَ مُقَابِلًا لِلْمُتَشَابِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُفَسَّرَ الْمُحْكَمُ بِمَا يُقَابِلَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أُسْلُوبُ الْآيَةِ وَهُوَ الْجَمْعُ مَعَ التَّقْسِيمِ لِأَنَّهُ تَعَالَى فَرَّقَ مَا جَمَعَ فِي مَعْنَى الْكِتَابِ بِأَنْ قَالَ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ أَرَادَ أَنْ يُضِيفَ إِلَى كُلِّ مِنْهُمَا مَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنَ الْحُكْمِ فَقَالَ أَوَّلًا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ - إِلَى أَنْ قَالَ - ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمُ اسْتِقَامَةٌ فَيَتَّبِعُونَ الْمُحْكَمَ، لَكِنَّهُ وَضَعَ مَوْضِعَ ذَلِكَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لِإِتْيَانِ لَفْظِ الرُّسُوخِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ التَّتَبُّعِ التَّامِّ وَالِاجْتِهَادِ الْبَلِيغِ، فَإِذَا اسْتَقَامَ الْقَلْبُ عَلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ وَرَسَخَ الْقَدَمُ فِي الْعِلْمِ أَفْصَحَ صَاحِبُهُ النُّطْقَ بِالْقَوْلِ الْحَقِّ، وَكَفَى بِدُعَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إِلَخْ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: (إِلَّا اللَّهُ) تَامٌّ، وَإِلَى أَنَّ عِلْمَ بَعْضِ الْمُتَشَابِهِ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ حَاوَلَ مَعْرِفَتَهُ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: فَاحْذَرُوهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعَقْلُ مُبْتَلًى بِاعْتِقَادِ حَقِيقَةِ الْمُتَشَابِهِ كَابْتِلَاءِ الْبَدَنِ بِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ، كَالْحَكِيمِ إِذَا صَنَّفَ كِتَابًا أَجْمَلَ فِيهِ أَحْيَانَا لِيَكُونَ مَوْضِعَ خُضُوعِ الْمُتَعَلِّمِ لِأُسْتَاذِهِ، وَكَالْمَلِكِ يَتَّخِذُ عَلَامَةً يَمْتَازُ بِهَا مَنْ

يُطْلِعُهُ عَلَى سِرٍّ وَقِيلَ: لَوْ لَمْ يَقْبَلِ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْبَدَنِ لَاسْتَمَرَّ الْعَالِمُ فِي أُبَّهَةِ الْعِلْمِ عَلَى التَّمَرُّدِ، فَبِذَلِكَ يَسْتَأْنِسُ إِلَى التَّذَلُّلِ بِعِزِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ مَوْضِعُ خُضُوعِ الْعُقُولِ لِبَارِيهَا اسْتِسْلَامًا وَاعْتِرَافًا بِقُصُورِهَا، وَفِي خَتْمِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ تَعْرِيضٌ بِالزَّائِغِينَ وَمَدْحٌ لِلرَّاسِخَيْنِ، يَعْنِي مَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَيَتَّعِظْ وَيُخَالِفْ هَوَاهُ فَلَيْسَ مِنْ أُولِي الْعُقُولِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّاسِخُونَ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَخَضَعُوا لِبَارِيهِمْ لِاشْتِرَاكِ الْعِلْمِ اللَّدُنِّي بَعْدَ أَنِ اسْتَعَاذُوا بِهِ مِنَ الزَّيْغِ النَّفْسَانِيِّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ مُحْكَمٌ وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهٌ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، وَلَا قَوْلُهُ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كُلَّهُ مُحْكَمٌ، وَعَكَسَ آخَرُونَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْكَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ الْإِتْقَانُ فِي النَّظْمِ وَأَنَّ كُلَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَشَابِهِ كَوْنُهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي حُسْنِ السِّيَاقِ وَالنَّظْمِ أَيْضًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اشْتِبَاهَ مَعْنَاهُ عَلَى سَامِعِهِ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُحْكَمَ وَرَدَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ، وَالْمُتَشَابِهَ وَرَدَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَهُمُ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَاحْذَرْهُمْ بِالْإِفْرَادِ وَالْأُولَى أَوْلَى، وَالْمُرَادُ التَّحْذِيرُ مِنَ الْإِصْغَارِ إِلَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنَ الْيَهُودِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي تَأْوِيلِهِمُ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ، وَأَنَّ عَدَدَهَا بِالْجُمَّلِ مِقْدَارُ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْخَوَارِجِ حَتَّى جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَ بِهِمُ الْآيَةَ، وَقِصَّةُ عُمَرَ فِي إِنْكَارِهِ عَلَى ضُبَيْعٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ يَتَّبِعُ الْمُتَشَابِهَ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى أَدْمَاهُ، أَخْرَجَهَا الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُتَشَابِهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا إِذَا رُدَّ إِلَى الْمُحْكَمِ وَاعْتُبِرَ بِهِ عُرِفَ مَعْنَاهُ، وَالْآخَرُ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَّبِعُهُ أَهْلُ الزَّيْغِ فَيَطْلُبُونَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أبو سعيدٍ (التُّسْتَرِيُّ) بالسِّين المهملة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبد الرَّحمن (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾) قال الزَّمخشريُّ أي: أصل الكتاب، تُحمَل المشتبهات (١) عليها، قال الطِّيبيُّ: وذلك أنَّ العرب تُسمِّي كلَّ جامعٍ يكون مرجعًا لشيءٍ أُمًّا، قال القاضي البيضاويُّ: والقياس أمَّهات الكتاب، وأُفرِد على أنَّ الكلَّ بمنزلة آيةٍ واحدةٍ، أو على تأويل كلِّ واحدةٍ (﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾) عطف على ﴿آيَاتٌ﴾ و ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: نعتٌ لـ ﴿وَأُخَرُ﴾ وفي الحقيقة: ﴿وَأُخَرُ﴾: نعتٌ لمحذوفٍ؛ تقديره: وآياتٌ أُخَر متشابهاتٌ (﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾) قال الرَّاغب: الزَّيغ: الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، ومنه: زاغت الشَّمس عن كبد السَّماء، وزاغ البصر والقلب (٢)، وقال بعضهم: الزَّيغ: أخصُّ من مطلق الميل؛ فإنَّ الزَّيغ لا يقال إلَّا لِمَا كان من حقٍّ إلى باطلٍ، والمراد: أهل البدع (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾) على ما يشتهونه (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾) قال في «الكشَّاف» أي: لا يهتدي إلى تأويله الحقِّ الذي يجب أن يُحمَل عليه إلَّا الله، وتعقَّبه في «الانتصاف»: بأنَّه لا يجوز إطلاق الاهتداء على الله تعالى؛ لِما فيه من إيهام سبق جهلٍ وضلالٍ، تعالى الله وتقدَّس عن ذلك؛ لأنَّ «اهتدى» مطاوع «هدى»، ويُسمَّى من تجدَّد إسلامه مهتديًا، وانعقد الإجماع على امتناع إطلاق الألفاظ الموهمة عليه تعالى، قال: وأظنُّه سها؛ فنسب الاهتداء إلى الرَّاسخين في العلم، وغفل عن شمول ذلك الحقَّ (﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾) وفي مصحف ابن مسعودٍ: (ويقول الرَّاسخون في العلم آمنَّا به) بواوٍ قبل ﴿يَقُولُ﴾ وثبت ذلك من قراءة ابن عبَّاسٍ كما رواه عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، وهو يدلُّ على أنَّ الواو للاستئناف، قال صاحب «المرشد»: لا إنكار لبقاء معنًى في القرآن استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه، فالوقف على ﴿إِلَّا اللهُ﴾ على هذا تامٌّ (٣)، ولا يكاد يوجد في التَّنزيل «أمَّا» وما بعدها رفعٌ إلا ويثنَّى ويثلَّث؛ كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الإبْكَارُ أوَّلُ الفَجْرِ وَالعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أُرَاهُ إلَى أنْ تَغْرُبَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {وَاذْكُر رَبك كثيرا وَسبح بالْعَشي والأبكار} (آل عمرَان: ٤١) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: العشى من حِين تَزُول الشَّمْس إِلَى أَن تغيب والأبكار من طُلُوع الْفجْر إِلَى وَقت الضُّحَى وقرىء والأبكار بِفَتْح الْهمزَة جمع بكر كشجر وأشجار.

١ - (بابٌ: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} . وَقَالَ مُجَاهِدٌ الحَلالُ وَالحَرَامُ: وَأُخَرُ مُتشابِهاتٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَاّ الفَاسِفِينَ وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَيَجْعل الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلونَ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ

هَذَا الْكَلَام كُله كَلَام مُجَاهِد رَوَاهُ عبد بن حميد عَن روح عَن شبْل عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ: رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن الْمُبَارك عَن زيد بن الْمُبَارك عَن مُحَمَّد بن ثَوْر عَن ابْن جريج عَنهُ قَوْله: (مِنْهُ) . أَي: من الْكتاب، يَعْنِي: الْقُرْآن قَالَ: {هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات} (آل عمرَان: ٧) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: محكمات أحكمت عبارتها بِأَن حفظت من الِاحْتِمَال والاشتباه. هن أم الْكتاب أَي: أصل الْكتاب. متشابهات مُشْتَبهَات محتملات وَقَالَ الْكرْمَانِي: أما اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ فَالْحكم هُوَ الْمُشْتَرك بَين النَّص وَالظَّاهِر الْمُتَشَابه هُوَ الْمُشْتَرك بَين الْمُجْمل والمؤول وَقَالَ الْخطابِيّ الْمُحكم هُوَ الَّذِي يعرف بِظَاهِر بَيَانه تَأْوِيله وبواضح أدلته بَاطِن مَعْنَاهُ، والمتشابه مَا اشْتبهَ مِنْهَا فَلم يتلق مَعْنَاهُ من لَفظه وَلم يدْرك حكمه من تِلَاوَته، وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: مَا إِذا رد إِلَى الْمُحكم وَاعْتبر بِهِ علم مَعْنَاهُ. وَالْآخر: مَا لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف على حَقِيقَته وَهُوَ الَّذِي يتبعهُ أهل الزبغ فيبطلون تَأْوِيله وَلَا يبلغون فيرتابون فِيهِ فيفتنون بِهِ، وَذَلِكَ كالإيمان بِالْقدرِ وَنَحْوه، وَيُقَال: الْمُحكم مَا اتضحت دلَالَته، والمتشابه مَا يحْتَاج إِلَى نظر وَتَخْرِيج، وَقيل: الْمُحكم مَا لم ينْسَخ، والمتشابه مَا نسخ، وَقيل: الْمُحكم آيَات الْحَلَال وَالْحرَام، والمتشابه آيَات الصِّفَات وَالْقدر، وَقيل: الْمُحكم آيَات الْأَحْكَام، والمتشابه الْحُرُوف الْمُقطعَة. قَوْله: (وَأخر) جمع أُخْرَى، وَاخْتلف فِي عدم صرفهَا. فَقيل: لِأَنَّهَا نعت، كَمَا لَا تصرف كتع وَجمع لِأَنَّهُنَّ نعوت، وَقيل: لم تصرف لزِيَادَة الْيَاء فِي واحدتها وَأَن جمعهَا مبْنى على وَاحِدهَا فِي ترك الصّرْف: كحمراء وبيضاء فِي النكرَة والمعرفة لزِيَادَة الْمدَّة والهمزة فيهمَا. قَوْله: (يصدق) تَفْسِير للمتشابه. قَوْله: كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين} (الْبَقَرَة: ٢٦) إِشَارَة إِلَى أَن الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن الْفَاسِقين أَي الضَّالّين إِنَّمَا ضلالتهم من جِهَة اتباعهم الْمُتَشَابه بِمَا لَا يُطَابق الْمُحكم طلب افتتان النَّاس عَن دينهم وَإِرَادَة إضلالهم. قَوْله: وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ} (يُونُس: ١٠٠) إِنَّمَا ذكر هَذَا تَصْدِيقًا لما تتضمنه الْآيَة الَّتِي قبلهَا حَيْثُ يَجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ، وَقيل: الرجس السخط. وَقيل: الْإِثْم، وَقيل: الْعَذَاب. وَقيل: الْفِتَن والنجاسة، أَي: يحكم عَلَيْهِم بِأَنَّهُم أنجاس غير طَاهِرَة، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: الرجز: بالزاي وَبِه فسر الرجس أَيْضا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرجل الخذلان وَهُوَ الْعَذَاب وَهُوَ شَبيه قَوْله: {على الَّذين لَا يعْقلُونَ} أَي أَمر الله وَلَا أَمر رَسُوله لأَنهم مصرون على الْكفْر. وَهَذَا أَيْضا رَاجع إِلَى معنى الَّذين يتبعُون مَا تشابه بِمَا لَا يُطَابق علم الراسخين. قَوْله: وَكَقَوْلِه: {وَالَّذين اهتدوا} (مُحَمَّد: ١٧) إِلَى آخِره، رَاجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى معنى الَّذين صدرهم مُجَاهِد فِي كَلَامه الْمَذْكُور لِأَن مُرَاده من ذَلِك فِي نفسر الْأَمر الراسخون فِي الْعلم الَّذين اهتدوا وَزَادَهُمْ الله هدى، فَافْهَم، فَإِنِّي لم أر أحدا من الشُّرَّاح أُتِي سَاحل هَذَا فضلا أَن يغوص فِيهِ. وَالله أعلم.

زَيْغٌ شَكٌّ. ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ} وَفسّر الزيغ بِالشَّكِّ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هم أهل الْبدع، {فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ} أَي: من الْكتاب الَّذِي هُوَ الْقُرْآن، وَيُقَال: هم أهل الضلال وَالْبَاطِل وَالْخُرُوج عَن الْحق (يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ) الَّذِي يُمكنهُم أَن يحرفوه إِلَى مقاصدهم الْفَاسِدَة وينزلوه عَلَيْهَا. قَوْله: (ابْتِغَاء الْفِتْنَة) ، أَي: طلبا أَن يفتنوا النَّاس عَن دينهم.

والراسِخُونَ يَعْلَمُونَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ

قَالَ ابْن نجيح عَن مُجَاهِد: {الراسخون فِي الْعلم يعلمُونَ تَأْوِيله يَقُولُونَ آمنا بِهِ} (آل عمرَان: ٧) وَكَذَا قَالَ الرّبيع بن أنس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الراسخون فِي الْعلم الَّذين رسخوا أَي: ثبتوا فِيهِ وتمكنوا، وَيَقُولُونَ كَلَام مُسْتَأْنف يُوضح حَال الراسخين، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْعَالمُونَ بالتأويل يَقُولُونَ: آمنا بِهِ أَي: بالتشابه كل من عِنْد رَبنَا أَي كل وَاحِد من الْمُتَشَابه والمحكم من عِنْد الله، وَيجوز أَن يكون: يَقُولُونَ، حَالا من الراسخين. وَقَرَأَ عبد الله أَن تَأْوِيله إلَاّ عِنْد الله، وَقَرَأَ أبي: وَيَقُول الراسخون.

٤٥٤٧ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالَتْ تَلا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذِهِ الآيَةَ: {هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتشابهاتٌ فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} إلَى قَوْلِهِ: {أُولُوا الألْبَابِ} قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَإذَا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولائِكَ الَّذِينَ سَمَّى الله فَاحْذَرُوهُمْ.

عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: ابْن قعنب القعْنبِي شيخ مُسلم أَيْضا وَيزِيد من الزِّيَادَة. ابْن إِبْرَاهِيم أَبُو سعيد التسترِي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْأُخْرَى وبالراء نِسْبَة إِلَى تستر مَدِينَة من كور الأهواز وَبهَا قبر الْبَراء بن مَالك، وتسميها الْعَامَّة ششتر، بشينين معجمتين الأولى مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن القعْنبِي أَيْضا وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن القعْنبِي فِي السّنة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير. وَقَالَ: روى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة. وَلم يذكر وَالقَاسِم، وَإِنَّمَا ذكره يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن الْقَاسِم فِي هَذَا الحَدِيث، وَعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة سمع من عَائِشَة أَيْضا انْتهى. وَفِيه نظر لِأَن غير يزِيد ذكر فِيهِ الْقَاسِم وَهُوَ حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنبأَنَا الْحسن بن عَليّ الشطوي حَدثنَا ابْن الْمَدِينِيّ حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة. قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، فَذكره. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذكر حَمَّاد فِي هَذَا الحَدِيث للاستشهاد على مُوَافَقَته يزِيد بن إِبْرَاهِيم فِي الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة أَيْضا عِنْد الطَّبَرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة.

قَوْله: (تَلا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة: وَهِي قَوْله: (هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب) الْآيَة. قَوْله: (فَإِذا رَأَيْت الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ) ، قَالَ الطَّبَرِيّ: قيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الَّذين جادلوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَمر عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقيل: فِي أَمر هَذِه الْأمة. وَهَذَا أقرب لِأَن أمرى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، أعلمهُ الله نبيه مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمته وَبَينه لَهُم بِخِلَاف أَمر هَذِه الْأمة فَإِن علم أَمرهم خَفِي على الْعباد. قَوْله: (فَأُولَئِك الَّذين سمى الله) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: هم الْخَوَارِج، قيل: أول بِدعَة وَقعت فِي الْإِسْلَام بِدعَة الْخَوَارِج، ثمَّ كَانَ ظُهُورهمْ فِي أَيَّام عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ تشعبت مِنْهُم شعوب وقبائل وآراء وَأَهْوَاء وَنحل كَثِيرَة منتشرة، ثمَّ نبعت الْقَدَرِيَّة ثمَّ الْمُعْتَزلَة ثمَّ الْجَهْمِية وَغَيرهم من أهل الْبدع الَّتِي أخبر عَنْهَا الصَّادِق المصدوق فِي قَوْله: وَسَتَفْتَرِقُ هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إلَاّ وَاحِدَة. قَالُوا: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي: أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . قَوْله: (فاحذروهم) ، بِصِيغَة الْجمع وَالْخطاب للْأمة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فَاحْذَرْهُمْ، بِالْإِفْرَادِ أَي: احذرهم أَيهَا الْمُخَاطب.

٢ - (بابٌ: {وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمرَان: ٣٦)

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله