«مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٤٨

الحديث رقم ٤٥٤٨ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين…

«مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾».

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ لَا خَيْرَ، ﴿أَلِيمٌ﴾: مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ مِنَ الْأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ.

سند حديث: ٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ…

٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين…

كل مولود يولد يطعنه الشيطان في جنبه، فيرفع صوته بالبكاء ويصرخ عقب الولادة مباشرة بسبب ذلك الطعن الذي طعنه الشيطان، إلا مريم وابنها عيسى -عليهما السلام-، فإن الله عصمهما منه عند الولادة، لدعوة أم مريم إذ قالت: {وإنِّي أُعِيذُها بك وذُرِّيَّتَها من الشَّيطان الرَّجِيمِ} فاستجاب الله دعوة أم مريم، فحفظ مريم وابنها عيسى من نخس الشيطان المطرود من رحمة الله تعالى ، ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى -عليه السلام-، وهذا المس أو الطعن من الشيطان على حقيقته، وليس معناه طمع الشيطان في إغواء الإنسان كما قال بعض المعتزلة، بل يجب الإيمان بهذا على حقيقته، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • في هذا الحديث ما يدل على شدة عداوة الشيطان؛ لأنه بلغ من عداوته أنه إذا رأى الطفل حين ولادته على ضعفه ووهنه بادر إلى نخسه حتى يستهل صارخًا.
  • أن الله -تعالى- سلم مريم وابنها من الشيطان باستعاذة أم مريم، فدل هذا على أنه يستحب لكل مؤمن أن يستعيذ بربه لذريته من الشيطان الرجيم.
  • يمس الشيطان المولود عند ولادته ويطعنه على الحقيقة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَأْوِيلَهُ، وَلَا يَبْلُغُونَ كُنْهَهُ، فَيَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُفْتَنُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ - بَاب ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ طَعَنَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَتَوَقَّفَ فِي صِحَّتِهِ فَقَالَ: إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطَانُ فِي إِغْوَائِهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُمَا كَانَا مَعْصُومَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي صِفَتِهِمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قَالَ: وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ تَخْيِيلٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا مِمَّنْ أُغْوِيهِ. وَأَمَّا صِفَةُ النَّخْسِ كَمَا يَتَوَهَّمَهُ أَهْلُ الْحَشْوِ فَلَا، وَلَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ عَلَى النَّاسِ نَخْسَهُمْ لَامْتَلَأَتِ الدُّنْيَا صُرَاخًا انْتَهَى.

وَكَلَامُهُ مُتَعَقَّبٌ مِنْ وُجُوهٍ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ لَا إِشْكَالَ فِي مَعْنَاهُ، وَلَا مُخَالَفَةَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ إِبْلِيسَ مُمَكَّنٌ مِنْ مَسِّ كُلِّ مَوْلُودٍ عِنْدَ وِلَادَتِهِ، لَكِنْ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْمَسُّ أَصْلًا، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْمُخْلَصِينَ مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ يَمَسُّ عَلَى عَادَتِهِ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَجْهُ الِاخْتِصَاصِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَسَلُّطُهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُخْلَصِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ إِلَخْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ أَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ هَذَا الْإِشْكَالَ وَبَالَغَ فِي تَقْرِيرِهِ عَلَى عَادَتِهِ وَأَجْمَلَ الْجَوَابَ فَمَا زَادَ عَلَى تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُغْوِي مَنْ يَعْرِفُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالْمَوْلُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ هَذَا الْقَدرِ لَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ إِهْلَاكٍ وَإِفْسَادٍ، وَأَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِمَرْيَمَ وَعِيسَى بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا، إِلَى آخِرِ كَلَامِ الْكَشَّافِ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْخَبَرِ انْتَهَى، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْجَوَابُ عَنْ إِشْكَالِ الْإِغْوَاءِ يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِغْوَائِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ لَا خَيْرَ، ﴿أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، مِنْ الْأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ.

٤٥٤٩، ٤٥٥٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الآيات [الكهف: ٨٢] فالمعنى: وأمَّا الرَّاسخون، فحُذِف لدلالة الكلام عليه، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يُجَاء في الجواب بالفاء، وليس بعد ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ الفاء؛ فجوابه: أن «أمَّا» لمَّا حُذِفَت؛ ذهب حكمها الذي يختصَّ بها، فجرى مجرى الابتداء والخبر (﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾) وسقط قوله: «﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد قوله: ﴿وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾: «إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» (قَالَتْ) عائشة رضي الله تعالى عنها: (قَالَ رَسُولُ اللهِ : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ) بكسر تاء «رأيتِ» وكاف «أولئكِ» على (١) خطاب عائشة، وفتحهما لأبي ذرٍّ على أنَّه لكلِّ أحدٍ (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاحذرهم»؛ بالإفراد، أي: احذر أيُّها المخاطب الإصغاء إليهم، وأوَّل ما ظهر ذلك من اليهود -كما عند ابن إسحاق- في تأويلهم الحروف المقطَّعة، وأنَّ عددها بالجُمَّل بقدر (٣) مدَّة هذه الأمَّة، ثمَّ أوَّل ما ظهر في الإسلام من الخوارج.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».

(٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾) أي: أُجيرها (﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]).

٤٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمينِ بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ) ابتداءً للتسليط عليه، وفي «صفة إبليس وجنوده» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٦]: «كلُّ بني آدم يَطْعنُ الشَّيطان في جنبيه» (حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ) «صارخًا»: نُصِب على المصدر؛ كقوله (١): قم قائمًا: (إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) عيسى (٢)، فحفظهما الله تعالى ببركة دعوة أمِّها حيث قالت: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ولم يكن لمريم ذرِّيَّةٌ غير عيسى ، وزاد في: «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٨٦]: «ذهب يطعُن فطعن في الحجاب»، والمراد به: الجِلْدة التي يكون فيها الجنين؛ وهي المشيمة، ونقل العينيُّ: أنَّ القاضي عياضًا أشار إلى أنَّ جميع الأنبياء يُشاركون عيسى ، في ذلك، قال القرطبيُّ: وهو قول مجاهدٍ، وقد طعن الزَّمخشريُّ في معنى هذا الحديث، وتوقَّف في صحَّته، فقال: إن صحَّ فمعناه: أنَّ كل مولودٍ يطمع الشَّيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنَّهما معصومان (٣)، وكذلك كلُّ من كان في صفتهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واستهلاله صارخًا من مسِّه تخييلٌ وتصويرٌ لطمعه فيه، كأنَّه يمسُّه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممَّن أُغويه، ونحوه من التخييل قولُ ابن الرُّوميِّ:

لِما تُؤذِنُ الدُّنيا به مِن صُروفها … يكونُ بكاءُ الطِّفل سَاعةَ يُولَدُ

وأمَّا حقيقة المسِّ والنَّخس -كما يتوهَّم أهل الحَشْو- فكلَّا (٤)، ولو سُلِّط إبليس على النَّاس ينخسُهم؛ لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا. انتهى. قال المولى سعد الدِّين: طَعَن أوَّلًا في الحديث بمجرَّد أنَّه لم يوافق هواه، وإلَّا فأيُّ امتناعٍ من أن يمسَّ الشَّيطان المولود حين يولد؛ بحيث يصرخ

كما ترى وتسمع (١)؟ ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدُّنيا بالصُّراخ، ولا تلك المسَّة للإغواء، وكفى بصحَّة هذا الحديث رواية الثِّقات وتصحيح الشَّيخين له من غير قدحٍ من غيرهما، وقال غيره: الحمل على طمع الشَّيطان في الإغواء صرفٌ للكلام عن ظاهره، وتكذيبٌ لظاهر الخبر، مع أنَّه لا مانع في العقل منه، وكيف تكون المحافظة عنده على قول ابن الرُّوميِّ أولى من رعاية ظاهر (٢) كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ؟! وهو هَذَيانٌ ما أنزل الله به من سلطان! وقال في «الانتصاف»: الحديث مدوَّنٌ في الصِّحاح، فلا يعطِّله الميل إلى تُرَّهات (٣) الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرُّوميِّ سوء أدبٍ يجب أن يُجتَنب عنه، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «ما من مولودٍ إلا والشَّيطان يمسُّه» كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] في أنَّ الواو داخلةٌ بين (٤) الصِّفة والموصوف؛ لتأكيد اللُّصوق، فتُفيد الحصر مع التَّأكيد، فإذًا لا معنى لقوله: كلُّ من كان في صفتهما، ولا يبعُد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فجوابه أي: بعد أن يُمكِّنه الله تعالى من المسِّ، مع أنَّ الله تعالى يَعْصِمهم من الإغواء، وأما الشِّعر؛ فهو من (٥) باب حُسن التعليل، فلا يصلح للاستشهاد.

(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوْا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «اقرؤوا» (٦) (إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]) وهذا فيه شيءٌ من حيث إنَّ سياق الآية يدلُّ على أنَّ دعاء حنَّة أمِّ مريم بإعاذتها وذُرِّيَّتها من الشَّيطان المفسَّر في الحديث بأن يُعْصَما (٧) من مسِّ الشَّيطان عند ولادتهما متأخِّرٌ عن وضعها مريم، ولم أرَ من نبَّه (٨) على هذا، والذي يظهر لي أن تكون حنَّة علمت أنوثة مريم قبل تمام وضعها عند بروزها إلى ما يُعلَم منه ذلك، فقالت حينئذٍ: إنِّي

وضعتها أنثى، وإنِّي أعيذها، فاستُجيب لها، ثم تكامل وضعُها، فأراد الشَّيطان التمكَّن من مريم، فمنعه الله تعالى منها ببركة دعاء أمِّها، والتعبير بالبعض عن الكلِّ سائغٌ شائعٌ، وليس في الآية دليلٌ على أنَّه تعالى استجاب دعاءها، بل الضَّمير في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا (١)[آل عمران: ٣٧] لمريم، أي: فرضيَ بها ربُّها في النُّذر مكان الذَّكَر، نعم الحديث يدلُّ على الإجابة، فتأمَّل.

وهذا الحديث قد سبق في «أحاديث الأنبياء» في «باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]»، [خ¦٣٤٣١].

(٣) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا عليه من الإيمان بالرَّسول وذكر صفته للنَّاس وبيان أمره (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) أي: وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمننَّ به (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾) أي: (لا خَيْرَ ﴿لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ … ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) أي: (مُؤْلِمٌ) أي: (مُوجِعٌ) بكسر الجيم (مِنَ الأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ) بضمِّ الميم وكسر العين، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أُوْلَئِكَ﴾» و «﴿لَهُمْ﴾» (٢).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ ابْن نجيح عَن مُجَاهِد: {الراسخون فِي الْعلم يعلمُونَ تَأْوِيله يَقُولُونَ آمنا بِهِ} (آل عمرَان: ٧) وَكَذَا قَالَ الرّبيع بن أنس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الراسخون فِي الْعلم الَّذين رسخوا أَي: ثبتوا فِيهِ وتمكنوا، وَيَقُولُونَ كَلَام مُسْتَأْنف يُوضح حَال الراسخين، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْعَالمُونَ بالتأويل يَقُولُونَ: آمنا بِهِ أَي: بالتشابه كل من عِنْد رَبنَا أَي كل وَاحِد من الْمُتَشَابه والمحكم من عِنْد الله، وَيجوز أَن يكون: يَقُولُونَ، حَالا من الراسخين. وَقَرَأَ عبد الله أَن تَأْوِيله إلَاّ عِنْد الله، وَقَرَأَ أبي: وَيَقُول الراسخون.

٤٥٤٧ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالَتْ تَلا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذِهِ الآيَةَ: {هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتشابهاتٌ فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} إلَى قَوْلِهِ: {أُولُوا الألْبَابِ} قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَإذَا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولائِكَ الَّذِينَ سَمَّى الله فَاحْذَرُوهُمْ.

عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: ابْن قعنب القعْنبِي شيخ مُسلم أَيْضا وَيزِيد من الزِّيَادَة. ابْن إِبْرَاهِيم أَبُو سعيد التسترِي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْأُخْرَى وبالراء نِسْبَة إِلَى تستر مَدِينَة من كور الأهواز وَبهَا قبر الْبَراء بن مَالك، وتسميها الْعَامَّة ششتر، بشينين معجمتين الأولى مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن القعْنبِي أَيْضا وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن القعْنبِي فِي السّنة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير. وَقَالَ: روى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة. وَلم يذكر وَالقَاسِم، وَإِنَّمَا ذكره يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن الْقَاسِم فِي هَذَا الحَدِيث، وَعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة سمع من عَائِشَة أَيْضا انْتهى. وَفِيه نظر لِأَن غير يزِيد ذكر فِيهِ الْقَاسِم وَهُوَ حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنبأَنَا الْحسن بن عَليّ الشطوي حَدثنَا ابْن الْمَدِينِيّ حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة. قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، فَذكره. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذكر حَمَّاد فِي هَذَا الحَدِيث للاستشهاد على مُوَافَقَته يزِيد بن إِبْرَاهِيم فِي الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة أَيْضا عِنْد الطَّبَرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة.

قَوْله: (تَلا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة: وَهِي قَوْله: (هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب) الْآيَة. قَوْله: (فَإِذا رَأَيْت الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ) ، قَالَ الطَّبَرِيّ: قيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الَّذين جادلوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَمر عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقيل: فِي أَمر هَذِه الْأمة. وَهَذَا أقرب لِأَن أمرى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، أعلمهُ الله نبيه مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمته وَبَينه لَهُم بِخِلَاف أَمر هَذِه الْأمة فَإِن علم أَمرهم خَفِي على الْعباد. قَوْله: (فَأُولَئِك الَّذين سمى الله) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: هم الْخَوَارِج، قيل: أول بِدعَة وَقعت فِي الْإِسْلَام بِدعَة الْخَوَارِج، ثمَّ كَانَ ظُهُورهمْ فِي أَيَّام عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ تشعبت مِنْهُم شعوب وقبائل وآراء وَأَهْوَاء وَنحل كَثِيرَة منتشرة، ثمَّ نبعت الْقَدَرِيَّة ثمَّ الْمُعْتَزلَة ثمَّ الْجَهْمِية وَغَيرهم من أهل الْبدع الَّتِي أخبر عَنْهَا الصَّادِق المصدوق فِي قَوْله: وَسَتَفْتَرِقُ هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إلَاّ وَاحِدَة. قَالُوا: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي: أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . قَوْله: (فاحذروهم) ، بِصِيغَة الْجمع وَالْخطاب للْأمة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فَاحْذَرْهُمْ، بِالْإِفْرَادِ أَي: احذرهم أَيهَا الْمُخَاطب.

٢ - (بابٌ: {وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمرَان: ٣٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنِّي أُعِيذهَا} الْآيَة هَذَا إِخْبَار من الله عز وَجل عَن امْرَأَة عمرَان أم مَرْيَم، عَلَيْهَا السَّلَام، وَهِي حنة بنت فاقوذا أَنَّهَا قَالَت: إِنِّي أُعِيذهَا. أَي: عوذتها بِاللَّه عز وَجل وعوذت ذريتها وَهُوَ وَلَدهَا عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فَاسْتَجَاب الله لَهَا ذَلِك، كَمَا يَأْتِي الْآن فِي حَدِيث الْبَاب.

٤٥٤٨ - ح دَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلاّ وَالشَّيْطَانُ يَمّسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إيَّا إلاّ مَرْيَمَ وَابْنَها ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ وافْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ {وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} .

عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي. والْحَدِيث قد مر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٣ - (بابٌ: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ} لَا خَيْرَ (آل عمرَان: ٧٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين يشْتَرونَ} الْآيَة. أَي: يستبدلون (بِعَهْد الله) بِمَا عاهدوه عَلَيْهِ من الْإِيمَان بالرسول الْمُصدق لما مَعَهم. قَوْله: (أَيْمَانهم) أَي: بِمَا حلفوا بِهِ من قَوْلهم، وَالله لنؤمنن بِهِ ولننصرنه. قَوْله: (ثمنا قَلِيلا) هُوَ عرض هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الزائلة الفانية. قَوْله: (لَا خلاق لَهُم) فسره البُخَارِيّ قَوْله: لَا خير لَهُم فِي الْآخِرَة، وَيُقَال: لَا نصيب لَهُم.

ألِيمٌ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ مِنَ الأَلَمِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ

أَشَارَ بِأَن لفظ الْمِيم الَّذِي وَزنه فعيل بِمَعْنى مؤلم على وزن مفعل. وَهُوَ معنى قَوْله: هُوَ فِي مَوضِع مفعل بِكَسْر الْعين، كَقَوْل الشَّاعِر:

أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع

فَإِن السَّمِيع بِمَعْنى المسمع. وَقَوله: موجع، تَفْسِير قَوْله مؤلم.

٤٥٥٠ - ح دَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأَعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنِ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأُنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ} إلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَ فَدَخَلَ الأشْعَثُ ابنُ قَيْسٍ وَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أبُو عَبْدِ الرَّحْمانِ قُلْنا كَذَا وَكَذَا قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أرْض ابنِ عَمٍّ لِي قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيِّنَتُكَ أوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ إِذا يَحْلِفَ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.

والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الشَّهَادَات فِي بَاب مُجَرّد بعد: بَاب الْيَمين على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.

قَوْله: (من حلف يَمِين صَبر) بِإِضَافَة يَمِين إِلَى صَبر، وَفِي آخر الحَدِيث على يَمِين صَبر ويروى، من حلف يَمِينا صبرا، أَي: يَمِينا ألزم بهَا وَحبس عَلَيْهَا، وأصل الصَّبْر الْحَبْس أَو يحبس نَفسه ليحلف. قَوْله: (غَضْبَان) إِطْلَاق الْغَضَب على الله مجَاز، وَالْمرَاد لَازمه وَهُوَ إِيصَال الْعقَاب. قَوْله: (فَدخل الْأَشْعَث) بالشين الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن قيس الْكِنْدِيّ. قَوْله: (مَا يُحَدثكُمْ) أَي: أَي شَيْء يُحَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ كنية عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: فِي (بِكَسْر الْفَاء

وَتَشْديد الْيَاء) قَوْله: (فَاجر) أَي: كَاذِب.

٤٥٥١ - ح دَّثنا عَلِيٌّ هُوَ ابنُ أبِي هَاشِمٍ سَمِعَ هُشَيْما أخْبَرَنَا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ عنْ إبْرَاهِيمَ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أوْفَى رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّ رَجُلاً أقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَحَلَفَ فِيهَا لَقَدْ أعْطِيَ بهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً} (آل عمرَان: ٧٧) إلَى آخِرِ الآيَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي بن أبي هَاشم الْبَغْدَادِيّ من أَفْرَاده: وهشيم: مصغر هشيم بن بشير مصغر بشرّ الوَاسِطِيّ والعوام. بتَشْديد الْوَاو بن حَوْشَب: بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا يكره من الْحلف فِي البيع.

قَوْله: (لقد أعْطى) على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَا قَوْله: (مَا لم يُعْطه) وَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث السَّابِق من حَيْثُ أَن ذَاك فِي الْبِئْر وَهَذَا فِي السّلْعَة لِأَن الْآيَة نزلت بالسببين جَمِيعًا. وَلَفظ الْآيَة عَام يتناولهما وَغَيرهمَا، وَقيل: لَعَلَّ الْآيَة لم تبلغ عبد الله بن أبي أوفى، إِلَّا عِنْد إِقَامَة السّلْعَة. فَظن أَنَّهَا نزلت فِي ذَلِك.

٧٣ - (حَدثنَا نصر بن عَليّ بن نصر حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة أَن امْرَأتَيْنِ كَانَتَا تخرزان فِي بَيت أَو فِي حجرَة فَخرجت إِحْدَاهمَا وَقد أنفذ بإشفى فِي كفها فادعت على الْأُخْرَى فَرفع إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لذهب دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ ذكروها بِاللَّه واقرؤا عَلَيْهَا إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله فذكروها فَاعْترفت فَقَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَنصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي وَعبد الله بن دَاوُد بن عَامر الْمَعْرُوف بالخريبي كُوفِي الأَصْل سكن الخريبة محلّة بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ ثِقَة زاهدا يروي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَهُوَ يروي عَن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة والْحَدِيث مضى مُخْتَصرا فِي الرَّهْن وَالشَّرِكَة عَن أبي نعيم وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة وَقد ذَكرْنَاهُ قَوْله أَن امْرَأتَيْنِ كَانَتَا تخرزان من خرز الْخُف وَنَحْوه يخرز بِضَم الرَّاء وَكسرهَا قَوْله فِي بَيت أَو فِي حجرَة كَذَا بِالشَّكِّ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَحده والحجرة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء قَالَ ابْن الْأَثِير وَهِي الْموضع الْمُنْفَرد وَفِي الْمطَالع وكل مَوضِع حجر عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ فَهُوَ حجرَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْحُجْرَة حَظِيرَة الْإِبِل وَمِنْه حجرَة الدَّار تَقول أحجرت حجرَة أَي اتخذتها وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي بَيت وَفِي حجرَة بِالْوَاو دون أَو الَّتِي للتشكيك قَالَ بَعضهم وَالْأول هُوَ الصَّوَاب يَعْنِي الَّذِي بِالْوَاو وَإِنَّمَا قَالَ الأول لِأَن الَّذِي فِي نسخته ذكر بِالْوَاو أَولا ثمَّ ذكر بِأَو وَنسب رِوَايَة أَو الَّتِي للشَّكّ إِلَى الْخَطَأ ثمَّ قَالَ وَسبب الْخَطَأ أَن فِي السِّيَاق حذفا بَينه ابْن السكن فِي رِوَايَته جَاءَ فِيهَا فِي بَيت وَفِي حجرَة حداث فالواو عاطفة لَكِن الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف وحداث بِضَم الْمُهْملَة وَالتَّشْدِيد وَآخره مُثَلّثَة أَي يتحدثون وَحَاصِله أَن الْمَرْأَتَيْنِ كَانَتَا فِي الْبَيْت وَكَانَ فِي الْحُجْرَة الْمُجَاورَة للبيت نَاس يتحدثون فَسقط الْمُبْتَدَأ من الرِّوَايَة فَصَارَ مُشكلا فَعدل الرَّاوِي عَن الْوَاو إِلَى أَو الَّتِي للشَّكّ فِرَارًا من اسْتِحَالَة كَون الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْبَيْت وَفِي الْحُجْرَة مَعًا انْتهى قلت هَذَا تصرف عَجِيب وَفِيه تعسف من وُجُوه لَا يحْتَاج إِلَى ارتكابها (الأول) أَن نسبته رِوَايَة أَو للشَّكّ إِلَى الْخَطَأ خطأ لِأَن كَون أَو للشَّكّ مَشْهُور فِي كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَ فِيهِ مَانع هُنَا لَا من جِهَة اللَّفْظ وَلَا من جِهَة الْمَعْنى (الثَّانِي) أَن قَوْله فالواو للْعَطْف غير مُسلم هُنَا لفساد الْمَعْنى (الثَّالِث) دَعْوَاهُ أَن الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف لَا دَلِيل عَلَيْهِ لِأَن حذف الْمُبْتَدَأ إِنَّمَا يكون وجوبا أَو جَوَازًا فَلَا مُقْتَضى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَأْوِيلَهُ، وَلَا يَبْلُغُونَ كُنْهَهُ، فَيَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُفْتَنُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ - بَاب ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ طَعَنَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَتَوَقَّفَ فِي صِحَّتِهِ فَقَالَ: إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطَانُ فِي إِغْوَائِهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُمَا كَانَا مَعْصُومَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي صِفَتِهِمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قَالَ: وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ تَخْيِيلٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا مِمَّنْ أُغْوِيهِ. وَأَمَّا صِفَةُ النَّخْسِ كَمَا يَتَوَهَّمَهُ أَهْلُ الْحَشْوِ فَلَا، وَلَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ عَلَى النَّاسِ نَخْسَهُمْ لَامْتَلَأَتِ الدُّنْيَا صُرَاخًا انْتَهَى.

وَكَلَامُهُ مُتَعَقَّبٌ مِنْ وُجُوهٍ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ لَا إِشْكَالَ فِي مَعْنَاهُ، وَلَا مُخَالَفَةَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ إِبْلِيسَ مُمَكَّنٌ مِنْ مَسِّ كُلِّ مَوْلُودٍ عِنْدَ وِلَادَتِهِ، لَكِنْ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْمَسُّ أَصْلًا، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْمُخْلَصِينَ مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ يَمَسُّ عَلَى عَادَتِهِ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَجْهُ الِاخْتِصَاصِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَسَلُّطُهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُخْلَصِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ إِلَخْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ أَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ هَذَا الْإِشْكَالَ وَبَالَغَ فِي تَقْرِيرِهِ عَلَى عَادَتِهِ وَأَجْمَلَ الْجَوَابَ فَمَا زَادَ عَلَى تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُغْوِي مَنْ يَعْرِفُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالْمَوْلُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ هَذَا الْقَدرِ لَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ إِهْلَاكٍ وَإِفْسَادٍ، وَأَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِمَرْيَمَ وَعِيسَى بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا، إِلَى آخِرِ كَلَامِ الْكَشَّافِ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْخَبَرِ انْتَهَى، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْجَوَابُ عَنْ إِشْكَالِ الْإِغْوَاءِ يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِغْوَائِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ لَا خَيْرَ، ﴿أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، مِنْ الْأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ.

٤٥٤٩، ٤٥٥٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الآيات [الكهف: ٨٢] فالمعنى: وأمَّا الرَّاسخون، فحُذِف لدلالة الكلام عليه، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يُجَاء في الجواب بالفاء، وليس بعد ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ الفاء؛ فجوابه: أن «أمَّا» لمَّا حُذِفَت؛ ذهب حكمها الذي يختصَّ بها، فجرى مجرى الابتداء والخبر (﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾) وسقط قوله: «﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد قوله: ﴿وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾: «إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» (قَالَتْ) عائشة رضي الله تعالى عنها: (قَالَ رَسُولُ اللهِ : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ) بكسر تاء «رأيتِ» وكاف «أولئكِ» على (١) خطاب عائشة، وفتحهما لأبي ذرٍّ على أنَّه لكلِّ أحدٍ (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاحذرهم»؛ بالإفراد، أي: احذر أيُّها المخاطب الإصغاء إليهم، وأوَّل ما ظهر ذلك من اليهود -كما عند ابن إسحاق- في تأويلهم الحروف المقطَّعة، وأنَّ عددها بالجُمَّل بقدر (٣) مدَّة هذه الأمَّة، ثمَّ أوَّل ما ظهر في الإسلام من الخوارج.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».

(٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾) أي: أُجيرها (﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]).

٤٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمينِ بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ) ابتداءً للتسليط عليه، وفي «صفة إبليس وجنوده» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٦]: «كلُّ بني آدم يَطْعنُ الشَّيطان في جنبيه» (حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ) «صارخًا»: نُصِب على المصدر؛ كقوله (١): قم قائمًا: (إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) عيسى (٢)، فحفظهما الله تعالى ببركة دعوة أمِّها حيث قالت: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ولم يكن لمريم ذرِّيَّةٌ غير عيسى ، وزاد في: «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٨٦]: «ذهب يطعُن فطعن في الحجاب»، والمراد به: الجِلْدة التي يكون فيها الجنين؛ وهي المشيمة، ونقل العينيُّ: أنَّ القاضي عياضًا أشار إلى أنَّ جميع الأنبياء يُشاركون عيسى ، في ذلك، قال القرطبيُّ: وهو قول مجاهدٍ، وقد طعن الزَّمخشريُّ في معنى هذا الحديث، وتوقَّف في صحَّته، فقال: إن صحَّ فمعناه: أنَّ كل مولودٍ يطمع الشَّيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنَّهما معصومان (٣)، وكذلك كلُّ من كان في صفتهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واستهلاله صارخًا من مسِّه تخييلٌ وتصويرٌ لطمعه فيه، كأنَّه يمسُّه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممَّن أُغويه، ونحوه من التخييل قولُ ابن الرُّوميِّ:

لِما تُؤذِنُ الدُّنيا به مِن صُروفها … يكونُ بكاءُ الطِّفل سَاعةَ يُولَدُ

وأمَّا حقيقة المسِّ والنَّخس -كما يتوهَّم أهل الحَشْو- فكلَّا (٤)، ولو سُلِّط إبليس على النَّاس ينخسُهم؛ لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا. انتهى. قال المولى سعد الدِّين: طَعَن أوَّلًا في الحديث بمجرَّد أنَّه لم يوافق هواه، وإلَّا فأيُّ امتناعٍ من أن يمسَّ الشَّيطان المولود حين يولد؛ بحيث يصرخ

كما ترى وتسمع (١)؟ ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدُّنيا بالصُّراخ، ولا تلك المسَّة للإغواء، وكفى بصحَّة هذا الحديث رواية الثِّقات وتصحيح الشَّيخين له من غير قدحٍ من غيرهما، وقال غيره: الحمل على طمع الشَّيطان في الإغواء صرفٌ للكلام عن ظاهره، وتكذيبٌ لظاهر الخبر، مع أنَّه لا مانع في العقل منه، وكيف تكون المحافظة عنده على قول ابن الرُّوميِّ أولى من رعاية ظاهر (٢) كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ؟! وهو هَذَيانٌ ما أنزل الله به من سلطان! وقال في «الانتصاف»: الحديث مدوَّنٌ في الصِّحاح، فلا يعطِّله الميل إلى تُرَّهات (٣) الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرُّوميِّ سوء أدبٍ يجب أن يُجتَنب عنه، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «ما من مولودٍ إلا والشَّيطان يمسُّه» كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] في أنَّ الواو داخلةٌ بين (٤) الصِّفة والموصوف؛ لتأكيد اللُّصوق، فتُفيد الحصر مع التَّأكيد، فإذًا لا معنى لقوله: كلُّ من كان في صفتهما، ولا يبعُد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فجوابه أي: بعد أن يُمكِّنه الله تعالى من المسِّ، مع أنَّ الله تعالى يَعْصِمهم من الإغواء، وأما الشِّعر؛ فهو من (٥) باب حُسن التعليل، فلا يصلح للاستشهاد.

(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوْا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «اقرؤوا» (٦) (إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]) وهذا فيه شيءٌ من حيث إنَّ سياق الآية يدلُّ على أنَّ دعاء حنَّة أمِّ مريم بإعاذتها وذُرِّيَّتها من الشَّيطان المفسَّر في الحديث بأن يُعْصَما (٧) من مسِّ الشَّيطان عند ولادتهما متأخِّرٌ عن وضعها مريم، ولم أرَ من نبَّه (٨) على هذا، والذي يظهر لي أن تكون حنَّة علمت أنوثة مريم قبل تمام وضعها عند بروزها إلى ما يُعلَم منه ذلك، فقالت حينئذٍ: إنِّي

وضعتها أنثى، وإنِّي أعيذها، فاستُجيب لها، ثم تكامل وضعُها، فأراد الشَّيطان التمكَّن من مريم، فمنعه الله تعالى منها ببركة دعاء أمِّها، والتعبير بالبعض عن الكلِّ سائغٌ شائعٌ، وليس في الآية دليلٌ على أنَّه تعالى استجاب دعاءها، بل الضَّمير في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا (١)[آل عمران: ٣٧] لمريم، أي: فرضيَ بها ربُّها في النُّذر مكان الذَّكَر، نعم الحديث يدلُّ على الإجابة، فتأمَّل.

وهذا الحديث قد سبق في «أحاديث الأنبياء» في «باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]»، [خ¦٣٤٣١].

(٣) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا عليه من الإيمان بالرَّسول وذكر صفته للنَّاس وبيان أمره (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) أي: وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمننَّ به (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾) أي: (لا خَيْرَ ﴿لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ … ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) أي: (مُؤْلِمٌ) أي: (مُوجِعٌ) بكسر الجيم (مِنَ الأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ) بضمِّ الميم وكسر العين، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أُوْلَئِكَ﴾» و «﴿لَهُمْ﴾» (٢).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ ابْن نجيح عَن مُجَاهِد: {الراسخون فِي الْعلم يعلمُونَ تَأْوِيله يَقُولُونَ آمنا بِهِ} (آل عمرَان: ٧) وَكَذَا قَالَ الرّبيع بن أنس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الراسخون فِي الْعلم الَّذين رسخوا أَي: ثبتوا فِيهِ وتمكنوا، وَيَقُولُونَ كَلَام مُسْتَأْنف يُوضح حَال الراسخين، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْعَالمُونَ بالتأويل يَقُولُونَ: آمنا بِهِ أَي: بالتشابه كل من عِنْد رَبنَا أَي كل وَاحِد من الْمُتَشَابه والمحكم من عِنْد الله، وَيجوز أَن يكون: يَقُولُونَ، حَالا من الراسخين. وَقَرَأَ عبد الله أَن تَأْوِيله إلَاّ عِنْد الله، وَقَرَأَ أبي: وَيَقُول الراسخون.

٤٥٤٧ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالَتْ تَلا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذِهِ الآيَةَ: {هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتشابهاتٌ فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} إلَى قَوْلِهِ: {أُولُوا الألْبَابِ} قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَإذَا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولائِكَ الَّذِينَ سَمَّى الله فَاحْذَرُوهُمْ.

عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: ابْن قعنب القعْنبِي شيخ مُسلم أَيْضا وَيزِيد من الزِّيَادَة. ابْن إِبْرَاهِيم أَبُو سعيد التسترِي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْأُخْرَى وبالراء نِسْبَة إِلَى تستر مَدِينَة من كور الأهواز وَبهَا قبر الْبَراء بن مَالك، وتسميها الْعَامَّة ششتر، بشينين معجمتين الأولى مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن القعْنبِي أَيْضا وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن القعْنبِي فِي السّنة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير. وَقَالَ: روى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة. وَلم يذكر وَالقَاسِم، وَإِنَّمَا ذكره يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن الْقَاسِم فِي هَذَا الحَدِيث، وَعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة سمع من عَائِشَة أَيْضا انْتهى. وَفِيه نظر لِأَن غير يزِيد ذكر فِيهِ الْقَاسِم وَهُوَ حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنبأَنَا الْحسن بن عَليّ الشطوي حَدثنَا ابْن الْمَدِينِيّ حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة. قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، فَذكره. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذكر حَمَّاد فِي هَذَا الحَدِيث للاستشهاد على مُوَافَقَته يزِيد بن إِبْرَاهِيم فِي الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة أَيْضا عِنْد الطَّبَرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة.

قَوْله: (تَلا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة: وَهِي قَوْله: (هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب) الْآيَة. قَوْله: (فَإِذا رَأَيْت الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ) ، قَالَ الطَّبَرِيّ: قيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الَّذين جادلوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَمر عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقيل: فِي أَمر هَذِه الْأمة. وَهَذَا أقرب لِأَن أمرى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، أعلمهُ الله نبيه مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمته وَبَينه لَهُم بِخِلَاف أَمر هَذِه الْأمة فَإِن علم أَمرهم خَفِي على الْعباد. قَوْله: (فَأُولَئِك الَّذين سمى الله) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: هم الْخَوَارِج، قيل: أول بِدعَة وَقعت فِي الْإِسْلَام بِدعَة الْخَوَارِج، ثمَّ كَانَ ظُهُورهمْ فِي أَيَّام عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ تشعبت مِنْهُم شعوب وقبائل وآراء وَأَهْوَاء وَنحل كَثِيرَة منتشرة، ثمَّ نبعت الْقَدَرِيَّة ثمَّ الْمُعْتَزلَة ثمَّ الْجَهْمِية وَغَيرهم من أهل الْبدع الَّتِي أخبر عَنْهَا الصَّادِق المصدوق فِي قَوْله: وَسَتَفْتَرِقُ هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إلَاّ وَاحِدَة. قَالُوا: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي: أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . قَوْله: (فاحذروهم) ، بِصِيغَة الْجمع وَالْخطاب للْأمة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فَاحْذَرْهُمْ، بِالْإِفْرَادِ أَي: احذرهم أَيهَا الْمُخَاطب.

٢ - (بابٌ: {وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمرَان: ٣٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنِّي أُعِيذهَا} الْآيَة هَذَا إِخْبَار من الله عز وَجل عَن امْرَأَة عمرَان أم مَرْيَم، عَلَيْهَا السَّلَام، وَهِي حنة بنت فاقوذا أَنَّهَا قَالَت: إِنِّي أُعِيذهَا. أَي: عوذتها بِاللَّه عز وَجل وعوذت ذريتها وَهُوَ وَلَدهَا عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فَاسْتَجَاب الله لَهَا ذَلِك، كَمَا يَأْتِي الْآن فِي حَدِيث الْبَاب.

٤٥٤٨ - ح دَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلاّ وَالشَّيْطَانُ يَمّسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إيَّا إلاّ مَرْيَمَ وَابْنَها ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ وافْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ {وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} .

عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي. والْحَدِيث قد مر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٣ - (بابٌ: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ} لَا خَيْرَ (آل عمرَان: ٧٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين يشْتَرونَ} الْآيَة. أَي: يستبدلون (بِعَهْد الله) بِمَا عاهدوه عَلَيْهِ من الْإِيمَان بالرسول الْمُصدق لما مَعَهم. قَوْله: (أَيْمَانهم) أَي: بِمَا حلفوا بِهِ من قَوْلهم، وَالله لنؤمنن بِهِ ولننصرنه. قَوْله: (ثمنا قَلِيلا) هُوَ عرض هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الزائلة الفانية. قَوْله: (لَا خلاق لَهُم) فسره البُخَارِيّ قَوْله: لَا خير لَهُم فِي الْآخِرَة، وَيُقَال: لَا نصيب لَهُم.

ألِيمٌ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ مِنَ الأَلَمِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ

أَشَارَ بِأَن لفظ الْمِيم الَّذِي وَزنه فعيل بِمَعْنى مؤلم على وزن مفعل. وَهُوَ معنى قَوْله: هُوَ فِي مَوضِع مفعل بِكَسْر الْعين، كَقَوْل الشَّاعِر:

أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع

فَإِن السَّمِيع بِمَعْنى المسمع. وَقَوله: موجع، تَفْسِير قَوْله مؤلم.

٤٥٥٠ - ح دَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأَعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنِ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأُنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ} إلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَ فَدَخَلَ الأشْعَثُ ابنُ قَيْسٍ وَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أبُو عَبْدِ الرَّحْمانِ قُلْنا كَذَا وَكَذَا قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أرْض ابنِ عَمٍّ لِي قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيِّنَتُكَ أوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ إِذا يَحْلِفَ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.

والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الشَّهَادَات فِي بَاب مُجَرّد بعد: بَاب الْيَمين على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.

قَوْله: (من حلف يَمِين صَبر) بِإِضَافَة يَمِين إِلَى صَبر، وَفِي آخر الحَدِيث على يَمِين صَبر ويروى، من حلف يَمِينا صبرا، أَي: يَمِينا ألزم بهَا وَحبس عَلَيْهَا، وأصل الصَّبْر الْحَبْس أَو يحبس نَفسه ليحلف. قَوْله: (غَضْبَان) إِطْلَاق الْغَضَب على الله مجَاز، وَالْمرَاد لَازمه وَهُوَ إِيصَال الْعقَاب. قَوْله: (فَدخل الْأَشْعَث) بالشين الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن قيس الْكِنْدِيّ. قَوْله: (مَا يُحَدثكُمْ) أَي: أَي شَيْء يُحَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ كنية عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: فِي (بِكَسْر الْفَاء

وَتَشْديد الْيَاء) قَوْله: (فَاجر) أَي: كَاذِب.

٤٥٥١ - ح دَّثنا عَلِيٌّ هُوَ ابنُ أبِي هَاشِمٍ سَمِعَ هُشَيْما أخْبَرَنَا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ عنْ إبْرَاهِيمَ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أوْفَى رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّ رَجُلاً أقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَحَلَفَ فِيهَا لَقَدْ أعْطِيَ بهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً} (آل عمرَان: ٧٧) إلَى آخِرِ الآيَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي بن أبي هَاشم الْبَغْدَادِيّ من أَفْرَاده: وهشيم: مصغر هشيم بن بشير مصغر بشرّ الوَاسِطِيّ والعوام. بتَشْديد الْوَاو بن حَوْشَب: بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا يكره من الْحلف فِي البيع.

قَوْله: (لقد أعْطى) على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَا قَوْله: (مَا لم يُعْطه) وَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث السَّابِق من حَيْثُ أَن ذَاك فِي الْبِئْر وَهَذَا فِي السّلْعَة لِأَن الْآيَة نزلت بالسببين جَمِيعًا. وَلَفظ الْآيَة عَام يتناولهما وَغَيرهمَا، وَقيل: لَعَلَّ الْآيَة لم تبلغ عبد الله بن أبي أوفى، إِلَّا عِنْد إِقَامَة السّلْعَة. فَظن أَنَّهَا نزلت فِي ذَلِك.

٧٣ - (حَدثنَا نصر بن عَليّ بن نصر حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة أَن امْرَأتَيْنِ كَانَتَا تخرزان فِي بَيت أَو فِي حجرَة فَخرجت إِحْدَاهمَا وَقد أنفذ بإشفى فِي كفها فادعت على الْأُخْرَى فَرفع إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لذهب دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ ذكروها بِاللَّه واقرؤا عَلَيْهَا إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله فذكروها فَاعْترفت فَقَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَنصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي وَعبد الله بن دَاوُد بن عَامر الْمَعْرُوف بالخريبي كُوفِي الأَصْل سكن الخريبة محلّة بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ ثِقَة زاهدا يروي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَهُوَ يروي عَن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة والْحَدِيث مضى مُخْتَصرا فِي الرَّهْن وَالشَّرِكَة عَن أبي نعيم وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة وَقد ذَكرْنَاهُ قَوْله أَن امْرَأتَيْنِ كَانَتَا تخرزان من خرز الْخُف وَنَحْوه يخرز بِضَم الرَّاء وَكسرهَا قَوْله فِي بَيت أَو فِي حجرَة كَذَا بِالشَّكِّ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَحده والحجرة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء قَالَ ابْن الْأَثِير وَهِي الْموضع الْمُنْفَرد وَفِي الْمطَالع وكل مَوضِع حجر عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ فَهُوَ حجرَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْحُجْرَة حَظِيرَة الْإِبِل وَمِنْه حجرَة الدَّار تَقول أحجرت حجرَة أَي اتخذتها وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي بَيت وَفِي حجرَة بِالْوَاو دون أَو الَّتِي للتشكيك قَالَ بَعضهم وَالْأول هُوَ الصَّوَاب يَعْنِي الَّذِي بِالْوَاو وَإِنَّمَا قَالَ الأول لِأَن الَّذِي فِي نسخته ذكر بِالْوَاو أَولا ثمَّ ذكر بِأَو وَنسب رِوَايَة أَو الَّتِي للشَّكّ إِلَى الْخَطَأ ثمَّ قَالَ وَسبب الْخَطَأ أَن فِي السِّيَاق حذفا بَينه ابْن السكن فِي رِوَايَته جَاءَ فِيهَا فِي بَيت وَفِي حجرَة حداث فالواو عاطفة لَكِن الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف وحداث بِضَم الْمُهْملَة وَالتَّشْدِيد وَآخره مُثَلّثَة أَي يتحدثون وَحَاصِله أَن الْمَرْأَتَيْنِ كَانَتَا فِي الْبَيْت وَكَانَ فِي الْحُجْرَة الْمُجَاورَة للبيت نَاس يتحدثون فَسقط الْمُبْتَدَأ من الرِّوَايَة فَصَارَ مُشكلا فَعدل الرَّاوِي عَن الْوَاو إِلَى أَو الَّتِي للشَّكّ فِرَارًا من اسْتِحَالَة كَون الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْبَيْت وَفِي الْحُجْرَة مَعًا انْتهى قلت هَذَا تصرف عَجِيب وَفِيه تعسف من وُجُوه لَا يحْتَاج إِلَى ارتكابها (الأول) أَن نسبته رِوَايَة أَو للشَّكّ إِلَى الْخَطَأ خطأ لِأَن كَون أَو للشَّكّ مَشْهُور فِي كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَ فِيهِ مَانع هُنَا لَا من جِهَة اللَّفْظ وَلَا من جِهَة الْمَعْنى (الثَّانِي) أَن قَوْله فالواو للْعَطْف غير مُسلم هُنَا لفساد الْمَعْنى (الثَّالِث) دَعْوَاهُ أَن الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف لَا دَلِيل عَلَيْهِ لِأَن حذف الْمُبْتَدَأ إِنَّمَا يكون وجوبا أَو جَوَازًا فَلَا مُقْتَضى

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الحمد لله