الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٤٨
الحديث رقم ٤٥٤٨ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ لَا خَيْرَ، ﴿أَلِيمٌ﴾: مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ مِنَ الْأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ.
٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَأْوِيلَهُ، وَلَا يَبْلُغُونَ كُنْهَهُ، فَيَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُفْتَنُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ طَعَنَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَتَوَقَّفَ فِي صِحَّتِهِ فَقَالَ: إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطَانُ فِي إِغْوَائِهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُمَا كَانَا مَعْصُومَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي صِفَتِهِمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قَالَ: وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ تَخْيِيلٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا مِمَّنْ أُغْوِيهِ. وَأَمَّا صِفَةُ النَّخْسِ كَمَا يَتَوَهَّمَهُ أَهْلُ الْحَشْوِ فَلَا، وَلَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ عَلَى النَّاسِ نَخْسَهُمْ لَامْتَلَأَتِ الدُّنْيَا صُرَاخًا انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ مُتَعَقَّبٌ مِنْ وُجُوهٍ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ لَا إِشْكَالَ فِي مَعْنَاهُ، وَلَا مُخَالَفَةَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ إِبْلِيسَ مُمَكَّنٌ مِنْ مَسِّ كُلِّ مَوْلُودٍ عِنْدَ وِلَادَتِهِ، لَكِنْ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْمَسُّ أَصْلًا، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْمُخْلَصِينَ مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ يَمَسُّ عَلَى عَادَتِهِ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَجْهُ الِاخْتِصَاصِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَسَلُّطُهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُخْلَصِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ إِلَخْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ أَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ هَذَا الْإِشْكَالَ وَبَالَغَ فِي تَقْرِيرِهِ عَلَى عَادَتِهِ وَأَجْمَلَ الْجَوَابَ فَمَا زَادَ عَلَى تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُغْوِي مَنْ يَعْرِفُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالْمَوْلُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ هَذَا الْقَدرِ لَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ إِهْلَاكٍ وَإِفْسَادٍ، وَأَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِمَرْيَمَ وَعِيسَى بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا، إِلَى آخِرِ كَلَامِ الْكَشَّافِ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْخَبَرِ انْتَهَى، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْجَوَابُ عَنْ إِشْكَالِ الْإِغْوَاءِ يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِغْوَائِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ لَا خَيْرَ، ﴿أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، مِنْ الْأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ.
٤٥٤٩، ٤٥٥٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الآيات [الكهف: ٨٢] فالمعنى: وأمَّا الرَّاسخون، فحُذِف لدلالة الكلام عليه، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يُجَاء في الجواب بالفاء، وليس بعد ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ الفاء؛ فجوابه: أن «أمَّا» لمَّا حُذِفَت؛ ذهب حكمها الذي يختصَّ بها، فجرى مجرى الابتداء والخبر (﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾) وسقط قوله: «﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد قوله: ﴿وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾: «إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» (قَالَتْ) عائشة رضي الله تعالى عنها: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ) بكسر تاء «رأيتِ» وكاف «أولئكِ» على (١) خطاب عائشة، وفتحهما لأبي ذرٍّ على أنَّه لكلِّ أحدٍ (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاحذرهم»؛ بالإفراد، أي: احذر أيُّها المخاطب الإصغاء إليهم، وأوَّل ما ظهر ذلك من اليهود -كما عند ابن إسحاق- في تأويلهم الحروف المقطَّعة، وأنَّ عددها بالجُمَّل بقدر (٣) مدَّة هذه الأمَّة، ثمَّ أوَّل ما ظهر في الإسلام من الخوارج.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».
(٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾) أي: أُجيرها (﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]).
٤٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمينِ بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ) ابتداءً للتسليط عليه، وفي «صفة إبليس وجنوده» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٦]: «كلُّ بني آدم يَطْعنُ الشَّيطان في جنبيه» (حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ) «صارخًا»: نُصِب على المصدر؛ كقوله (١): قم قائمًا: (إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) عيسى (٢)، فحفظهما الله تعالى ببركة دعوة أمِّها حيث قالت: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ولم يكن لمريم ذرِّيَّةٌ غير عيسى ﵊، وزاد في: «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٨٦]: «ذهب يطعُن فطعن في الحجاب»، والمراد به: الجِلْدة التي يكون فيها الجنين؛ وهي المشيمة، ونقل العينيُّ: أنَّ القاضي عياضًا أشار إلى أنَّ جميع الأنبياء يُشاركون عيسى ﵊، في ذلك، قال القرطبيُّ: وهو قول مجاهدٍ، وقد طعن الزَّمخشريُّ في معنى هذا الحديث، وتوقَّف في صحَّته، فقال: إن صحَّ فمعناه: أنَّ كل مولودٍ يطمع الشَّيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنَّهما معصومان (٣)، وكذلك كلُّ من كان في صفتهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واستهلاله صارخًا من مسِّه تخييلٌ وتصويرٌ لطمعه فيه، كأنَّه يمسُّه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممَّن أُغويه، ونحوه من التخييل قولُ ابن الرُّوميِّ:
لِما تُؤذِنُ الدُّنيا به مِن صُروفها … يكونُ بكاءُ الطِّفل سَاعةَ يُولَدُ
وأمَّا حقيقة المسِّ والنَّخس -كما يتوهَّم أهل الحَشْو- فكلَّا (٤)، ولو سُلِّط إبليس على النَّاس ينخسُهم؛ لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا. انتهى. قال المولى سعد الدِّين: طَعَن أوَّلًا في الحديث بمجرَّد أنَّه لم يوافق هواه، وإلَّا فأيُّ امتناعٍ من أن يمسَّ الشَّيطان المولود حين يولد؛ بحيث يصرخ
كما ترى وتسمع (١)؟ ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدُّنيا بالصُّراخ، ولا تلك المسَّة للإغواء، وكفى بصحَّة هذا الحديث رواية الثِّقات وتصحيح الشَّيخين له من غير قدحٍ من غيرهما، وقال غيره: الحمل على طمع الشَّيطان في الإغواء صرفٌ للكلام عن ظاهره، وتكذيبٌ لظاهر الخبر، مع أنَّه لا مانع في العقل منه، وكيف تكون المحافظة عنده على قول ابن الرُّوميِّ أولى من رعاية ظاهر (٢) كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ؟! وهو هَذَيانٌ ما أنزل الله به من سلطان! وقال في «الانتصاف»: الحديث مدوَّنٌ في الصِّحاح، فلا يعطِّله الميل إلى تُرَّهات (٣) الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرُّوميِّ سوء أدبٍ يجب أن يُجتَنب عنه، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «ما من مولودٍ إلا والشَّيطان يمسُّه» كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] في أنَّ الواو داخلةٌ بين (٤) الصِّفة والموصوف؛ لتأكيد اللُّصوق، فتُفيد الحصر مع التَّأكيد، فإذًا لا معنى لقوله: كلُّ من كان في صفتهما، ولا يبعُد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فجوابه أي: بعد أن يُمكِّنه الله تعالى من المسِّ، مع أنَّ الله تعالى يَعْصِمهم من الإغواء، وأما الشِّعر؛ فهو من (٥) باب حُسن التعليل، فلا يصلح للاستشهاد.
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوْا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «اقرؤوا» (٦) (إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]) وهذا فيه شيءٌ من حيث إنَّ سياق الآية يدلُّ على أنَّ دعاء حنَّة أمِّ مريم بإعاذتها وذُرِّيَّتها من الشَّيطان المفسَّر في الحديث بأن يُعْصَما (٧) من مسِّ الشَّيطان عند ولادتهما متأخِّرٌ عن وضعها مريم، ولم أرَ من نبَّه (٨) على هذا، والذي يظهر لي أن تكون حنَّة علمت أنوثة مريم قبل تمام وضعها عند بروزها إلى ما يُعلَم منه ذلك، فقالت حينئذٍ: إنِّي
وضعتها أنثى، وإنِّي أعيذها، فاستُجيب لها، ثم تكامل وضعُها، فأراد الشَّيطان التمكَّن من مريم، فمنعه الله تعالى منها ببركة دعاء أمِّها، والتعبير بالبعض عن الكلِّ سائغٌ شائعٌ، وليس في الآية دليلٌ على أنَّه تعالى استجاب دعاءها، بل الضَّمير في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا (١)﴾ [آل عمران: ٣٧] لمريم، أي: فرضيَ بها ربُّها في النُّذر مكان الذَّكَر، نعم الحديث يدلُّ على الإجابة، فتأمَّل.
وهذا الحديث قد سبق في «أحاديث الأنبياء» في «باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]»، [خ¦٣٤٣١].
(٣) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا عليه من الإيمان بالرَّسول وذكر صفته للنَّاس وبيان أمره (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) أي: وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمننَّ به (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾) أي: (لا خَيْرَ ﴿لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ … ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) أي: (مُؤْلِمٌ) أي: (مُوجِعٌ) بكسر الجيم (مِنَ الأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ) بضمِّ الميم وكسر العين، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أُوْلَئِكَ﴾» و «﴿لَهُمْ﴾» (٢).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَأْوِيلَهُ، وَلَا يَبْلُغُونَ كُنْهَهُ، فَيَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُفْتَنُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ طَعَنَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَتَوَقَّفَ فِي صِحَّتِهِ فَقَالَ: إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطَانُ فِي إِغْوَائِهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُمَا كَانَا مَعْصُومَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي صِفَتِهِمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قَالَ: وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ تَخْيِيلٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا مِمَّنْ أُغْوِيهِ. وَأَمَّا صِفَةُ النَّخْسِ كَمَا يَتَوَهَّمَهُ أَهْلُ الْحَشْوِ فَلَا، وَلَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ عَلَى النَّاسِ نَخْسَهُمْ لَامْتَلَأَتِ الدُّنْيَا صُرَاخًا انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ مُتَعَقَّبٌ مِنْ وُجُوهٍ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ لَا إِشْكَالَ فِي مَعْنَاهُ، وَلَا مُخَالَفَةَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ إِبْلِيسَ مُمَكَّنٌ مِنْ مَسِّ كُلِّ مَوْلُودٍ عِنْدَ وِلَادَتِهِ، لَكِنْ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْمَسُّ أَصْلًا، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْمُخْلَصِينَ مَرْيَمَ وَابْنَهَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ يَمَسُّ عَلَى عَادَتِهِ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَجْهُ الِاخْتِصَاصِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَسَلُّطُهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُخْلَصِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ إِلَخْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ أَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ هَذَا الْإِشْكَالَ وَبَالَغَ فِي تَقْرِيرِهِ عَلَى عَادَتِهِ وَأَجْمَلَ الْجَوَابَ فَمَا زَادَ عَلَى تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُغْوِي مَنْ يَعْرِفُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالْمَوْلُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ هَذَا الْقَدرِ لَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ إِهْلَاكٍ وَإِفْسَادٍ، وَأَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِمَرْيَمَ وَعِيسَى بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا، إِلَى آخِرِ كَلَامِ الْكَشَّافِ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْخَبَرِ انْتَهَى، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَوَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْجَوَابُ عَنْ إِشْكَالِ الْإِغْوَاءِ يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِغْوَائِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ لَا خَيْرَ، ﴿أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، مِنْ الْأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ.
٤٥٤٩، ٤٥٥٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الآيات [الكهف: ٨٢] فالمعنى: وأمَّا الرَّاسخون، فحُذِف لدلالة الكلام عليه، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يُجَاء في الجواب بالفاء، وليس بعد ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ الفاء؛ فجوابه: أن «أمَّا» لمَّا حُذِفَت؛ ذهب حكمها الذي يختصَّ بها، فجرى مجرى الابتداء والخبر (﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾) وسقط قوله: «﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد قوله: ﴿وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾: «إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» (قَالَتْ) عائشة رضي الله تعالى عنها: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ) بكسر تاء «رأيتِ» وكاف «أولئكِ» على (١) خطاب عائشة، وفتحهما لأبي ذرٍّ على أنَّه لكلِّ أحدٍ (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاحذرهم»؛ بالإفراد، أي: احذر أيُّها المخاطب الإصغاء إليهم، وأوَّل ما ظهر ذلك من اليهود -كما عند ابن إسحاق- في تأويلهم الحروف المقطَّعة، وأنَّ عددها بالجُمَّل بقدر (٣) مدَّة هذه الأمَّة، ثمَّ أوَّل ما ظهر في الإسلام من الخوارج.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».
(٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾) أي: أُجيرها (﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]).
٤٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمينِ بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم البصريُّ
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ) ابتداءً للتسليط عليه، وفي «صفة إبليس وجنوده» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٨٦]: «كلُّ بني آدم يَطْعنُ الشَّيطان في جنبيه» (حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ) «صارخًا»: نُصِب على المصدر؛ كقوله (١): قم قائمًا: (إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) عيسى (٢)، فحفظهما الله تعالى ببركة دعوة أمِّها حيث قالت: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ولم يكن لمريم ذرِّيَّةٌ غير عيسى ﵊، وزاد في: «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٨٦]: «ذهب يطعُن فطعن في الحجاب»، والمراد به: الجِلْدة التي يكون فيها الجنين؛ وهي المشيمة، ونقل العينيُّ: أنَّ القاضي عياضًا أشار إلى أنَّ جميع الأنبياء يُشاركون عيسى ﵊، في ذلك، قال القرطبيُّ: وهو قول مجاهدٍ، وقد طعن الزَّمخشريُّ في معنى هذا الحديث، وتوقَّف في صحَّته، فقال: إن صحَّ فمعناه: أنَّ كل مولودٍ يطمع الشَّيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنَّهما معصومان (٣)، وكذلك كلُّ من كان في صفتهما؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واستهلاله صارخًا من مسِّه تخييلٌ وتصويرٌ لطمعه فيه، كأنَّه يمسُّه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممَّن أُغويه، ونحوه من التخييل قولُ ابن الرُّوميِّ:
لِما تُؤذِنُ الدُّنيا به مِن صُروفها … يكونُ بكاءُ الطِّفل سَاعةَ يُولَدُ
وأمَّا حقيقة المسِّ والنَّخس -كما يتوهَّم أهل الحَشْو- فكلَّا (٤)، ولو سُلِّط إبليس على النَّاس ينخسُهم؛ لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا. انتهى. قال المولى سعد الدِّين: طَعَن أوَّلًا في الحديث بمجرَّد أنَّه لم يوافق هواه، وإلَّا فأيُّ امتناعٍ من أن يمسَّ الشَّيطان المولود حين يولد؛ بحيث يصرخ
كما ترى وتسمع (١)؟ ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدُّنيا بالصُّراخ، ولا تلك المسَّة للإغواء، وكفى بصحَّة هذا الحديث رواية الثِّقات وتصحيح الشَّيخين له من غير قدحٍ من غيرهما، وقال غيره: الحمل على طمع الشَّيطان في الإغواء صرفٌ للكلام عن ظاهره، وتكذيبٌ لظاهر الخبر، مع أنَّه لا مانع في العقل منه، وكيف تكون المحافظة عنده على قول ابن الرُّوميِّ أولى من رعاية ظاهر (٢) كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ؟! وهو هَذَيانٌ ما أنزل الله به من سلطان! وقال في «الانتصاف»: الحديث مدوَّنٌ في الصِّحاح، فلا يعطِّله الميل إلى تُرَّهات (٣) الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرُّوميِّ سوء أدبٍ يجب أن يُجتَنب عنه، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «ما من مولودٍ إلا والشَّيطان يمسُّه» كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] في أنَّ الواو داخلةٌ بين (٤) الصِّفة والموصوف؛ لتأكيد اللُّصوق، فتُفيد الحصر مع التَّأكيد، فإذًا لا معنى لقوله: كلُّ من كان في صفتهما، ولا يبعُد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فجوابه أي: بعد أن يُمكِّنه الله تعالى من المسِّ، مع أنَّ الله تعالى يَعْصِمهم من الإغواء، وأما الشِّعر؛ فهو من (٥) باب حُسن التعليل، فلا يصلح للاستشهاد.
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوْا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «اقرؤوا» (٦) (إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]) وهذا فيه شيءٌ من حيث إنَّ سياق الآية يدلُّ على أنَّ دعاء حنَّة أمِّ مريم بإعاذتها وذُرِّيَّتها من الشَّيطان المفسَّر في الحديث بأن يُعْصَما (٧) من مسِّ الشَّيطان عند ولادتهما متأخِّرٌ عن وضعها مريم، ولم أرَ من نبَّه (٨) على هذا، والذي يظهر لي أن تكون حنَّة علمت أنوثة مريم قبل تمام وضعها عند بروزها إلى ما يُعلَم منه ذلك، فقالت حينئذٍ: إنِّي
وضعتها أنثى، وإنِّي أعيذها، فاستُجيب لها، ثم تكامل وضعُها، فأراد الشَّيطان التمكَّن من مريم، فمنعه الله تعالى منها ببركة دعاء أمِّها، والتعبير بالبعض عن الكلِّ سائغٌ شائعٌ، وليس في الآية دليلٌ على أنَّه تعالى استجاب دعاءها، بل الضَّمير في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا (١)﴾ [آل عمران: ٣٧] لمريم، أي: فرضيَ بها ربُّها في النُّذر مكان الذَّكَر، نعم الحديث يدلُّ على الإجابة، فتأمَّل.
وهذا الحديث قد سبق في «أحاديث الأنبياء» في «باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]»، [خ¦٣٤٣١].
(٣) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا عليه من الإيمان بالرَّسول وذكر صفته للنَّاس وبيان أمره (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) أي: وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمننَّ به (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾) أي: (لا خَيْرَ ﴿لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ … ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) أي: (مُؤْلِمٌ) أي: (مُوجِعٌ) بكسر الجيم (مِنَ الأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ) بضمِّ الميم وكسر العين، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أُوْلَئِكَ﴾» و «﴿لَهُمْ﴾» (٢).