«فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٥٨

الحديث رقم ٤٥٥٨ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٥٨ في صحيح البخاري

«فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ: بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَةَ، وَمَا نُحِبُّ». وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ، لِقَوْلِ اللهِ: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾

إسناد حديث رقم ٤٥٥٨ من صحيح البخاري

٤٥٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٥٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُسْنَدِ.

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَيْسَرَةَ) هُوَ ابْنُ عَمَّارٍ الْأَشْجَعِيُّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ، وَشَيْخُهُ أَبُو حَازِمٍ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ هُوَ سَلْمَانُ الْأَشْجَعِيُّ. وَقَوْلُهُ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ؛ أَيْ: خَيْرُ بَعْضِ النَّاسِ لِبَعْضِهِمْ، أَيْ: أَنْفَعُهُمْ لَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا سَبَبًا فِي إِسْلَامِهِمْ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَقَالَ أَنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ فَكُنَّا كُلُّنَا، وَلَكِنْ قَالَ: كُنْتُمْ فَهِيَ خَاصَّةٌ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَمَنْ صَنَعَ مِثْلَ صَنِيعِهِمْ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ النَّبِيِّ وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلِهِ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. وَهَذَا مَوْقُوفٌ فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَعْنَاهُ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ إِلَخْ. وَهَذَا أَعَمُّ وَهُوَ نَحْوُ الْأَوَّلِ. وَجَاءَ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَا يَأْمَنُ هَذَا فِي بِلَادِ هَذَا وَلَا هَذَا فِي بِلَادِ هَذَا، فَلَمَّا كُنْتُمْ أَنْتُمْ أَمِنَ مَنْ فِيكُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ.

وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: لَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ دَخَلَ فِيهَا مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ مِثْلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ أَكْثَرَ اسْتِجَابَةٍ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ. وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي حَمْلَهَا عَلَى عُمُومِ الْأُمَّةِ، وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاءُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا﴾ قَالَ: وَحَذْفُ كَانَ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِظْهَارُهَا سَوَاءٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (كُنْتُمْ) فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِ الْأُمَّةِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ أَنْتُمْ مُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةٍ، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ.

٨ - بَاب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾

٤٥٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَةَ، وَمَا نُحِبُّ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي - أَنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمْ قَالَ: وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾

٩ - بَاب لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ

٤٥٥٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ (١) بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: قَالَ عَمْرٌو) وهو ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]) أي: أن (٢) تَجْبُنا وتتخلَّفا عن الرَّسول ، وتذهبا مع عبد الله بن أُبيٍّ، وكان ذلك في غزوة أحُدٍ (﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) أي: عاصِمُهما عن اتِّباع تلك الخَطْرة التي ليست عزيمةً، بل حديث نفسٍ، وكيف تكون عزيمةً والله تعالى يقول: ﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؟ والله تعالى لا يكون وليَّ مَن عزم على خذلان رسوله (٣) ومتابعة عدوِّه عبد الله بن أُبيٍّ، ويجوز أن تكون عزيمةً كما قال ابن عبَّاسٍ، ويكون قوله: ﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ جملةً حاليَّةً مقرِّرةً (٤) للتَّوبيخ والاستبعاد، أي: لمَ وُجِدَ منهما الفشل والجبن وتلك العزيمة والحالُ أنَّ الله بجلاله وعظمته هو النَّاصر لهما، فما لهما يفشلان؟! (قَالَ) أي: جابرٌ: (نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ؛ بَنُو حَارِثَةَ) وهم من الأوس (وَبَنُو سَلِمَةَ) بكسر اللَّام، وهم من الخزرج (وَمَا نُحِبُّ -وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة في روايته (مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي) بدل «وما نحبُّ» - (أَنَّهَا) أي: الآية (لَمْ تُنْزَلْ؛ لِقَوْلِ اللهِ) تعالى: (﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) ومفهومه: أنَّ نزولها سرَّه؛ لِمَا حصل لهم من الشَّرف وتثبيت الولاية، ودلَّ ذلك على أنَّه سرَّتهم تلك الهمَّة (٥) العارية عن العزم، نعم كلامُ ابن عبَّاسٍ السَّابق مبنيٌّ على التَّوبيخ، وينصره قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] فإنَّه يأبى إلَّا أن يكون تعريضًا (٦) وتغليظًا في هذا المقام، وكذا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] مشتملٌ على تشديدٍ عظيمٍ؛ يعني: فاتَّقوا الله في الثَّبات معه ولا تضعفوا، فإنَّ -نعمته وهي نعمة الإسلام- لا يُقابَل شكرُها إلا ببذل المُهَج، وبفداء الأنفس، فاثبتوا معه؛ لعلَّكم تُدرِكون (٧) شكر هذه النِّعمة، وكلُّ هذه التَّشديدات لا تَرِدُ على حديث النَّفس، وأمَّا قول جابرٍ: «نحن بنو سَلِمة وبنو حارثة» وامتيازه إيَّاهما عن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُسْنَدِ.

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَيْسَرَةَ) هُوَ ابْنُ عَمَّارٍ الْأَشْجَعِيُّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ، وَشَيْخُهُ أَبُو حَازِمٍ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ هُوَ سَلْمَانُ الْأَشْجَعِيُّ. وَقَوْلُهُ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ؛ أَيْ: خَيْرُ بَعْضِ النَّاسِ لِبَعْضِهِمْ، أَيْ: أَنْفَعُهُمْ لَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا سَبَبًا فِي إِسْلَامِهِمْ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَقَالَ أَنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ فَكُنَّا كُلُّنَا، وَلَكِنْ قَالَ: كُنْتُمْ فَهِيَ خَاصَّةٌ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَمَنْ صَنَعَ مِثْلَ صَنِيعِهِمْ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ النَّبِيِّ وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلِهِ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. وَهَذَا مَوْقُوفٌ فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَعْنَاهُ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ إِلَخْ. وَهَذَا أَعَمُّ وَهُوَ نَحْوُ الْأَوَّلِ. وَجَاءَ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَا يَأْمَنُ هَذَا فِي بِلَادِ هَذَا وَلَا هَذَا فِي بِلَادِ هَذَا، فَلَمَّا كُنْتُمْ أَنْتُمْ أَمِنَ مَنْ فِيكُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ.

وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: لَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ دَخَلَ فِيهَا مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ مِثْلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ أَكْثَرَ اسْتِجَابَةٍ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ. وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي حَمْلَهَا عَلَى عُمُومِ الْأُمَّةِ، وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاءُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا﴾ قَالَ: وَحَذْفُ كَانَ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِظْهَارُهَا سَوَاءٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (كُنْتُمْ) فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِ الْأُمَّةِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ أَنْتُمْ مُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةٍ، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ.

٨ - بَاب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾

٤٥٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَةَ، وَمَا نُحِبُّ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي - أَنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمْ قَالَ: وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾

٩ - بَاب لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ

٤٥٥٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ (١) بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: قَالَ عَمْرٌو) وهو ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]) أي: أن (٢) تَجْبُنا وتتخلَّفا عن الرَّسول ، وتذهبا مع عبد الله بن أُبيٍّ، وكان ذلك في غزوة أحُدٍ (﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) أي: عاصِمُهما عن اتِّباع تلك الخَطْرة التي ليست عزيمةً، بل حديث نفسٍ، وكيف تكون عزيمةً والله تعالى يقول: ﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؟ والله تعالى لا يكون وليَّ مَن عزم على خذلان رسوله (٣) ومتابعة عدوِّه عبد الله بن أُبيٍّ، ويجوز أن تكون عزيمةً كما قال ابن عبَّاسٍ، ويكون قوله: ﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ جملةً حاليَّةً مقرِّرةً (٤) للتَّوبيخ والاستبعاد، أي: لمَ وُجِدَ منهما الفشل والجبن وتلك العزيمة والحالُ أنَّ الله بجلاله وعظمته هو النَّاصر لهما، فما لهما يفشلان؟! (قَالَ) أي: جابرٌ: (نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ؛ بَنُو حَارِثَةَ) وهم من الأوس (وَبَنُو سَلِمَةَ) بكسر اللَّام، وهم من الخزرج (وَمَا نُحِبُّ -وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة في روايته (مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي) بدل «وما نحبُّ» - (أَنَّهَا) أي: الآية (لَمْ تُنْزَلْ؛ لِقَوْلِ اللهِ) تعالى: (﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾) ومفهومه: أنَّ نزولها سرَّه؛ لِمَا حصل لهم من الشَّرف وتثبيت الولاية، ودلَّ ذلك على أنَّه سرَّتهم تلك الهمَّة (٥) العارية عن العزم، نعم كلامُ ابن عبَّاسٍ السَّابق مبنيٌّ على التَّوبيخ، وينصره قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] فإنَّه يأبى إلَّا أن يكون تعريضًا (٦) وتغليظًا في هذا المقام، وكذا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] مشتملٌ على تشديدٍ عظيمٍ؛ يعني: فاتَّقوا الله في الثَّبات معه ولا تضعفوا، فإنَّ -نعمته وهي نعمة الإسلام- لا يُقابَل شكرُها إلا ببذل المُهَج، وبفداء الأنفس، فاثبتوا معه؛ لعلَّكم تُدرِكون (٧) شكر هذه النِّعمة، وكلُّ هذه التَّشديدات لا تَرِدُ على حديث النَّفس، وأمَّا قول جابرٍ: «نحن بنو سَلِمة وبنو حارثة» وامتيازه إيَّاهما عن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل