الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٦١
الحديث رقم ٤٥٦١ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله والرسول يدعوكم في أخراكم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٥٦١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ:
قال البراء بن عازب رضي الله عنهما: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الذين لا خيل معهم يوم أحد وكان عددهم خمسين رجلًا عبد الله بن جبير أميرًا، فقال لهم: إن رأيتمونا قد انهزمنا أو إن قُتلنا وأكلت الطير لحومنا فلا تفارقوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا انتصرنا على القوم وغلبناهم وقهرناهم، فلا تفارقوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، فهزم المسلمون الكفار، قال البراء: فأنا والله رأيت النساء المشركات يسرعن في المشي، قد ظهرت خلاخلهن وسيقانهن رافعات ثيابهن وهن يهربن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة يا قوم الغنيمة، غلب أصحابكم المؤمنون الكفارَ، فماذا تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: هل نسيتم ما قال لكم النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: والله لنذهبن إلى الناس ونأخذ من الغنيمة، فلما ذهبوا قلبت وجوههم وحولت إلى الموضع الذي جاؤوا منه، فرجعوا منهزمين عقوبة لعصيانهم قوله عليه الصلاة والسلام، فذاك حين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعتهم المتأخرة: إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يرجع فله الجنة، فلم يبق مع النبي عليه الصلاة والسلام غير اثني عشر رجلًا، فقَتلوا منا سبعين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: هل في القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يردوا عليه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أي أبو بكر الصديق ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلم يمسك عمر نفسه عن الرد فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددتهم كلهم أحياء، وقد تبقى لك ما تكره، قال أبو سفيان: هذا اليوم في مقابلة يوم بدر، والحرب مرة لنا ومرة علينا، إنكم ستجدون في قتلاكم أقطع الأنف أو الأذن أو شيئًا من الأطراف، ولم آمر بهذا التمثيل في القتلى ولم أكرهه، ثم أنشد يقول شعرًا: أعل هبل، أعل هبل، أي علا حزبك يا هبل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا تردوا عليه؟ قالوا: يا رسول الله، ماذا نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألا تردوا عليه؟ قالوا: يا رسول الله، ماذا نقول؟ قال: قولوا الله مولانا، ولا مولى لكم، أي الله ناصرنا.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
صَبِيحَةَ يَوْمِ الْفِطْرِ تَرَكَ الدُّعَاءَ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُمْ قَدِمُوا؟ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَذْكُرُهُمْ انْفَتَحَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقُ يَسُوقُ بِهِمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ نَكَتَ إِصْبَعُهُ بِالْحَرَّةِ، وَسَاقَ بِهِمْ ثَلَاثًا عَلَى قَدَمَيْهِ، فَنَهَجَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا الشَّهِيدُ، أَنَا عَلَى هَذَا شَهِيدٌ وَرَثَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَبْيَاتٍ مَشْهُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ) أَيِ: ابْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ أَخُو أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّامِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَعَيَّاشَ) هُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ، وَأَبُوهُ أَبُو رَبِيعَةَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْمُغِيرَةِ فَهُوَ عَمُّ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْضًا، وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ أَيْضًا وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، ثُمَّ خَدَعَهُ أَبُو جَهْلٍ فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ فَرَّ مَعَ رَفِيقَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ، فَمَاتَ كَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُدَاوِمُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا، لِأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ) وَقَعَ تَسْمِيَتُهُمْ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ تَقَدَّمَ اسْتِشْكَالُهُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَأَنَّ قِصَّةَ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ كَانَتْ عِنْدَ أُحُدٍ، وَنُزُولَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ كَانَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ، فَكَيْفَ يَتَأَخَّرُ السَّبَبُ عَنِ النُّزُولِ؟ ثُمَّ ظَهَرَ لِي عِلَّةُ الْخَبَرِ وَأَنَّ فِيهِ إِدْرَاجًا، وَأَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَمَّنْ بَلَغَهُ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ هُنَا: قَالَ - يَعْنِي الزُّهْرِيَّ -: ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ، وَهَذَا الْبَلَاغُ لَا يَصِحُّ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ شَيْءٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ قِصَّةِ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ وَجْهُهُ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ. وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ دَعَا عَلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا، فِيمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ، وَفِيمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أُحُدٍ، بِخِلَافِ قِصَّةِ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ؛ فَإِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قِصَّتَهُمْ كَانَتْ عَقِبَ ذَلِكَ وَتَأَخَّرَ نُزُولُ الْآيَةِ عَنْ سَبَبِهَا قَلِيلًا، ثُمَّ نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٠ - باب ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً
٤٥٦١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ: إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وَهُوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَهُوَ تَابِعٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: أُخْرَاكُمْ آخِرِكُمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أُخْرَى تَأْنِيثُ آخَرَ بِفَتْحِ الْخَاءِ لَا كَسْرِهَا، وَقَدْ حَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: فِي أُخْرَاتِكُمْ، بِزِيَادَةِ الْمُثَنَّاةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ؛ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً) كَذَا وَقَعَ هَذَا التَّعْلِيقُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَمَحَلُّهُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ، وَلَعَلَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَقَعَتْ فِي أُحُدٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فيه نظرٌ؛ لأنَّ «أُخْرَى» تأنيث «آخَر» بفتح الخاء لا كسرها، وزاد في «التَّنقيح»: «أفعل» تفضيل كـ «فُضْلى وأفضل»، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: نظرُ البخاريِّ أدقُّ من هذا؛ وذلك أنَّه لو جعل «أُخَرى» هنا تأنيثًا لـ «آخَر» بفتح الخاء؛ لم يكن فيه دلالةٌ على التَّأخُّر الوجوديِّ؛ وذلك لأنَّه أُمِيتَت (١) دلالته على هذا المعنى بحسب العرف، وصار إنَّما يدلُّ على الوجهين بالمغايرة فقط؛ تقول: مررت برجلٍ حسنٍ ورجلٍ آخر، أي: مغايرٍ للأوَّل، وليس المراد تأخُّره في الوجود عن السَّابق، وكذا: مررت بامرأةٍ جميلةٍ وامرأةٍ أُخْرى، والمراد في الآية: الدَّلالة على التَّأخُّر؛ فلذلك قال: «تأنيث آخِركم» بكسر الخاء؛ لتصير «أُخْرَى» دالَّةً على التَّأخُّر؛ كما في: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] أي: المتقدِّمة للمتأخِّرة، واستعماله في هذا المعنى موجودٌ في كلامهم، بل هو الأصل. انتهى.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: (﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]) أي: (فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً) ومحلُّ ذكر هذا في سورة براءة على ما لا يخفى، واحتمال وقوع إحدى الحسنَيين (٢) وهي الشَّهادة (٣) في أُحُدٍ؛ استبعده في «العمدة».
٤٥٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين -وجدُّه فرُّوخٌ- الحرَّانيُّ الجزريُّ سكن مصر قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ) أميرًا (عَلَى الرَّجَّالَةِ) بتشديد الجيم، خلاف: الفارس، وكانوا خمسين رجلًا رُمَاةً (يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة، الأنصاريَّ (وَأَقْبَلُوا) بالواو، وفي الفرع (٤): «فأقبلوا» أي: المسلمون حال كونهم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
صَبِيحَةَ يَوْمِ الْفِطْرِ تَرَكَ الدُّعَاءَ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُمْ قَدِمُوا؟ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَذْكُرُهُمْ انْفَتَحَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقُ يَسُوقُ بِهِمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ نَكَتَ إِصْبَعُهُ بِالْحَرَّةِ، وَسَاقَ بِهِمْ ثَلَاثًا عَلَى قَدَمَيْهِ، فَنَهَجَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا الشَّهِيدُ، أَنَا عَلَى هَذَا شَهِيدٌ وَرَثَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَبْيَاتٍ مَشْهُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ) أَيِ: ابْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ أَخُو أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّامِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَعَيَّاشَ) هُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ، وَأَبُوهُ أَبُو رَبِيعَةَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْمُغِيرَةِ فَهُوَ عَمُّ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْضًا، وَكَانَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ أَيْضًا وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، ثُمَّ خَدَعَهُ أَبُو جَهْلٍ فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ فَرَّ مَعَ رَفِيقَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ، فَمَاتَ كَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُدَاوِمُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا، لِأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ) وَقَعَ تَسْمِيَتُهُمْ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ تَقَدَّمَ اسْتِشْكَالُهُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَأَنَّ قِصَّةَ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ كَانَتْ عِنْدَ أُحُدٍ، وَنُزُولَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ كَانَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ، فَكَيْفَ يَتَأَخَّرُ السَّبَبُ عَنِ النُّزُولِ؟ ثُمَّ ظَهَرَ لِي عِلَّةُ الْخَبَرِ وَأَنَّ فِيهِ إِدْرَاجًا، وَأَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَمَّنْ بَلَغَهُ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ هُنَا: قَالَ - يَعْنِي الزُّهْرِيَّ -: ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ، وَهَذَا الْبَلَاغُ لَا يَصِحُّ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ شَيْءٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ قِصَّةِ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ وَجْهُهُ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ. وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ دَعَا عَلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا، فِيمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ، وَفِيمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أُحُدٍ، بِخِلَافِ قِصَّةِ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ؛ فَإِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قِصَّتَهُمْ كَانَتْ عَقِبَ ذَلِكَ وَتَأَخَّرَ نُزُولُ الْآيَةِ عَنْ سَبَبِهَا قَلِيلًا، ثُمَّ نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٠ - باب ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً
٤٥٦١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ: إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وَهُوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَهُوَ تَابِعٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: أُخْرَاكُمْ آخِرِكُمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أُخْرَى تَأْنِيثُ آخَرَ بِفَتْحِ الْخَاءِ لَا كَسْرِهَا، وَقَدْ حَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: فِي أُخْرَاتِكُمْ، بِزِيَادَةِ الْمُثَنَّاةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ؛ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً) كَذَا وَقَعَ هَذَا التَّعْلِيقُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَمَحَلُّهُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ، وَلَعَلَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَقَعَتْ فِي أُحُدٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فيه نظرٌ؛ لأنَّ «أُخْرَى» تأنيث «آخَر» بفتح الخاء لا كسرها، وزاد في «التَّنقيح»: «أفعل» تفضيل كـ «فُضْلى وأفضل»، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: نظرُ البخاريِّ أدقُّ من هذا؛ وذلك أنَّه لو جعل «أُخَرى» هنا تأنيثًا لـ «آخَر» بفتح الخاء؛ لم يكن فيه دلالةٌ على التَّأخُّر الوجوديِّ؛ وذلك لأنَّه أُمِيتَت (١) دلالته على هذا المعنى بحسب العرف، وصار إنَّما يدلُّ على الوجهين بالمغايرة فقط؛ تقول: مررت برجلٍ حسنٍ ورجلٍ آخر، أي: مغايرٍ للأوَّل، وليس المراد تأخُّره في الوجود عن السَّابق، وكذا: مررت بامرأةٍ جميلةٍ وامرأةٍ أُخْرى، والمراد في الآية: الدَّلالة على التَّأخُّر؛ فلذلك قال: «تأنيث آخِركم» بكسر الخاء؛ لتصير «أُخْرَى» دالَّةً على التَّأخُّر؛ كما في: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] أي: المتقدِّمة للمتأخِّرة، واستعماله في هذا المعنى موجودٌ في كلامهم، بل هو الأصل. انتهى.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: (﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]) أي: (فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً) ومحلُّ ذكر هذا في سورة براءة على ما لا يخفى، واحتمال وقوع إحدى الحسنَيين (٢) وهي الشَّهادة (٣) في أُحُدٍ؛ استبعده في «العمدة».
٤٥٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين -وجدُّه فرُّوخٌ- الحرَّانيُّ الجزريُّ سكن مصر قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ) أميرًا (عَلَى الرَّجَّالَةِ) بتشديد الجيم، خلاف: الفارس، وكانوا خمسين رجلًا رُمَاةً (يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة، الأنصاريَّ (وَأَقْبَلُوا) بالواو، وفي الفرع (٤): «فأقبلوا» أي: المسلمون حال كونهم