«بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٦٩

الحديث رقم ٤٥٦٩ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٦٩ في صحيح البخاري

«بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ، فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ».

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾

إسناد حديث رقم ٤٥٦٩ من صحيح البخاري

٤٥٦٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٦٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ: فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَهَذَا أَوْضَحُ.

قَوْلُهُ: (بِمَا أَتَوْا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْقَصْرِ، بِمَعْنَى جَاءُوا، أَيْ بِالَّذِي فَعَلُوهُ، وَلِلْحَمَوِيِّ: بِمَا أُوتُوا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ، أَيْ: أُعْطُوا، أَيْ: مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي كَتَمُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ التِّلَاوَةَ الْمَشْهُورَةَ، عَلَى أَنَّ الْأُخْرَى قِرَاءَةُ السُّلَمِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُوَافَقَةُ الْمَشْهُورَةِ أَوْلَى مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِتَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْآيَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَأَنَّ اللَّهَ ذَمَّهَمْ بِكِتْمَانِ الْعِلْمِ الَّذِي أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ، وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ عَلَى ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

(تَنْبِيهٌ) الشَّيْءُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيُّ عَنْهُ الْيَهُودَ لَمْ أَرَهُ مُفَسَّرًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ صِفَتِهِ عِنْدَهُمْ بِأَمْرٍ وَاضِحٍ، فَأَخْبَرُوهُ عَنْهُ بِأَمْرٍ مُجْمَلٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ قَالَ: مُحَمَّدٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ قَالَ: بِكِتْمَانِهِمْ مُحَمَّدًا. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قَالَ: قَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.

١٧ - بَاب ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية

٤٥٦٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ، وَاسْتَنَّ، فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ سَاقَ إِلَى ﴿الأَلْبَابِ﴾ وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ. وَوَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَتْ قُرَيْشٌ الْيَهُودَ فَقَالُوا: أَيُّمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى؟ قَالُوا: الْعَصَا وَيَدُهُ، الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ : اجْعَلْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا الْحِمَّانِيَّ؛ فَإِنَّهُ تُكُلِّمَ فِيهِ. وَقَدْ خَالَفَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى فَرَوَاهُ عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلًا وَهُوَ أَشْبَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَحْفُوظًا وَصْلُهُ، فَفِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وَقُرَيْشٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.

قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ.

١٨ - بَاب ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في «المفاتح» (١) ما حاصله: أنَّ السَّالك إلى الله لا بدَّ له في أوَّل الأمر من تكثير الدَّلائل، وبعد كمال العرفان يميل إلى تقليل الدَّلائل؛ لأنَّ اشتغاله بها كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله تعالى، ثمَّ إنَّه سبحانه حذف هنا الدَّلائل الأرضيَّة واستبقى الدَّلائل السَّماويَّة؛ لأنَّها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشدُّ (﴿لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]) لذوي العقول الصَّافية الذين يفتحون بصائرهم للنَّظر والاستدلال والاعتبار، لا ينظرون إليها نظر البهائم؛ غافلين عمَّا (٢) فيها من عجائب مخلوقاته وغرائب مبتدعاته، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ … » إلى آخره، وقالوا: «الآية» بعد قوله: ﴿وَالأَرْضِ﴾.

٤٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٣) كثير (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بتُّ في بيت ميمونة» (فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) رفع صفةً للثُّلث، وفي «كتاب الوتر» من طريق مخرمة بن سليمان عن كُرَيبٍ [خ¦٩٩٢]: «فنام حتَّى انتصف اللَّيل أو قريبًا منه» فلعلَّه قام مرَّتين (قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]) العشر الآيات إلى آخرها (ثُمَّ قَامَ) (فَتَوَضَّأَ) زاد في «الوتر»: فأحسن الوضوء (وَاسْتَنَّ) أي:

استاك (فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) وهي أكثر الوتر عند الشَّافعيَّة، كما مرَّ في موضعه بمباحثه [خ¦٩٩٤] (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ) للصُّبح (فَصَلَّى) النَّبيُّ (رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الصُّبح في بيته (ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) زاد في نسخةٍ: «بالنَّاس».

(١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ﴾) في موضع جرٍّ نعتٌ لـ ﴿أَوْلَى﴾ أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين يذكرون الله حال كونهم (﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾) أي: يداومون على الذِّكر بألسنتهم وقلوبهم؛ لأنَّ الشَّخص لا يخلو عن هذه الأحوال، وقيل: يصلُّون على الهيئات الثَّلاث حسب طاقتهم؛ لحديث عمران بن حُصَينٍ المرويِّ في «البخاريِّ» [خ¦١١١٧] و «التِّرمذيِّ» وغيرهما: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ» قال في «الأنوار»: وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ في أنَّ المريض يصلِّي مضطجعًا على جنبه الأيمن، مستقبلًا بمقاديم بدنه، وقيل: الأوَّلان في الصَّلاة، والثَّالثة عند النَّوم، وقيل: إنَّه القيام بأوامره، والقعود عن زواجره، والاجتناب عن مخالفته (﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]) الفكر: هو إعمال الخاطر في الشَّيء وتردُّد القلب فيه، وهو قوَّةٌ مُطرِقةٌ للعلم إلى المعلوم، والتَّفكُّر: جريان تلك القوَّة بحسب نظر العقل، ولا يمكن التَّفكُّر إلَّا فيما له صورةٌ في القلب؛ ولذا قيل: تفكَّروا في آلاء الله ولا تتفكَّروا (١) في الله؛ إذ كان الله منزهًا عن أن يوصف بصورةٍ؛ ولذا أخبر تعالى عن هؤلاء بأنَّهم تفكَّروا (٢) في خلق السَّموات والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبدعات؛ ليدلَّهم ذلك على كمال قدرته، ودلائل التَّوحيد منحصرةٌ في الآفاق والأنفس، ودلائل الآفاق أعظم؛ قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] فلذا أمر بالفكر في خلق السَّموات والأرض، لأنَّ دلائلهما (٣) أعظم، فإنَّه إذا فكَّر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ: فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَهَذَا أَوْضَحُ.

قَوْلُهُ: (بِمَا أَتَوْا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْقَصْرِ، بِمَعْنَى جَاءُوا، أَيْ بِالَّذِي فَعَلُوهُ، وَلِلْحَمَوِيِّ: بِمَا أُوتُوا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ، أَيْ: أُعْطُوا، أَيْ: مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي كَتَمُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ التِّلَاوَةَ الْمَشْهُورَةَ، عَلَى أَنَّ الْأُخْرَى قِرَاءَةُ السُّلَمِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُوَافَقَةُ الْمَشْهُورَةِ أَوْلَى مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِتَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْآيَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَأَنَّ اللَّهَ ذَمَّهَمْ بِكِتْمَانِ الْعِلْمِ الَّذِي أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ، وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ عَلَى ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

(تَنْبِيهٌ) الشَّيْءُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيُّ عَنْهُ الْيَهُودَ لَمْ أَرَهُ مُفَسَّرًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ صِفَتِهِ عِنْدَهُمْ بِأَمْرٍ وَاضِحٍ، فَأَخْبَرُوهُ عَنْهُ بِأَمْرٍ مُجْمَلٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ قَالَ: مُحَمَّدٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ قَالَ: بِكِتْمَانِهِمْ مُحَمَّدًا. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قَالَ: قَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.

١٧ - بَاب ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية

٤٥٦٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ، وَاسْتَنَّ، فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ سَاقَ إِلَى ﴿الأَلْبَابِ﴾ وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ. وَوَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَتْ قُرَيْشٌ الْيَهُودَ فَقَالُوا: أَيُّمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى؟ قَالُوا: الْعَصَا وَيَدُهُ، الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ : اجْعَلْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا الْحِمَّانِيَّ؛ فَإِنَّهُ تُكُلِّمَ فِيهِ. وَقَدْ خَالَفَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى فَرَوَاهُ عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلًا وَهُوَ أَشْبَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَحْفُوظًا وَصْلُهُ، فَفِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وَقُرَيْشٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.

قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ.

١٨ - بَاب ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في «المفاتح» (١) ما حاصله: أنَّ السَّالك إلى الله لا بدَّ له في أوَّل الأمر من تكثير الدَّلائل، وبعد كمال العرفان يميل إلى تقليل الدَّلائل؛ لأنَّ اشتغاله بها كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله تعالى، ثمَّ إنَّه سبحانه حذف هنا الدَّلائل الأرضيَّة واستبقى الدَّلائل السَّماويَّة؛ لأنَّها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشدُّ (﴿لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]) لذوي العقول الصَّافية الذين يفتحون بصائرهم للنَّظر والاستدلال والاعتبار، لا ينظرون إليها نظر البهائم؛ غافلين عمَّا (٢) فيها من عجائب مخلوقاته وغرائب مبتدعاته، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ … » إلى آخره، وقالوا: «الآية» بعد قوله: ﴿وَالأَرْضِ﴾.

٤٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٣) كثير (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بتُّ في بيت ميمونة» (فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) رفع صفةً للثُّلث، وفي «كتاب الوتر» من طريق مخرمة بن سليمان عن كُرَيبٍ [خ¦٩٩٢]: «فنام حتَّى انتصف اللَّيل أو قريبًا منه» فلعلَّه قام مرَّتين (قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]) العشر الآيات إلى آخرها (ثُمَّ قَامَ) (فَتَوَضَّأَ) زاد في «الوتر»: فأحسن الوضوء (وَاسْتَنَّ) أي:

استاك (فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) وهي أكثر الوتر عند الشَّافعيَّة، كما مرَّ في موضعه بمباحثه [خ¦٩٩٤] (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ) للصُّبح (فَصَلَّى) النَّبيُّ (رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الصُّبح في بيته (ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) زاد في نسخةٍ: «بالنَّاس».

(١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ﴾) في موضع جرٍّ نعتٌ لـ ﴿أَوْلَى﴾ أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين يذكرون الله حال كونهم (﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾) أي: يداومون على الذِّكر بألسنتهم وقلوبهم؛ لأنَّ الشَّخص لا يخلو عن هذه الأحوال، وقيل: يصلُّون على الهيئات الثَّلاث حسب طاقتهم؛ لحديث عمران بن حُصَينٍ المرويِّ في «البخاريِّ» [خ¦١١١٧] و «التِّرمذيِّ» وغيرهما: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ» قال في «الأنوار»: وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ في أنَّ المريض يصلِّي مضطجعًا على جنبه الأيمن، مستقبلًا بمقاديم بدنه، وقيل: الأوَّلان في الصَّلاة، والثَّالثة عند النَّوم، وقيل: إنَّه القيام بأوامره، والقعود عن زواجره، والاجتناب عن مخالفته (﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]) الفكر: هو إعمال الخاطر في الشَّيء وتردُّد القلب فيه، وهو قوَّةٌ مُطرِقةٌ للعلم إلى المعلوم، والتَّفكُّر: جريان تلك القوَّة بحسب نظر العقل، ولا يمكن التَّفكُّر إلَّا فيما له صورةٌ في القلب؛ ولذا قيل: تفكَّروا في آلاء الله ولا تتفكَّروا (١) في الله؛ إذ كان الله منزهًا عن أن يوصف بصورةٍ؛ ولذا أخبر تعالى عن هؤلاء بأنَّهم تفكَّروا (٢) في خلق السَّموات والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبدعات؛ ليدلَّهم ذلك على كمال قدرته، ودلائل التَّوحيد منحصرةٌ في الآفاق والأنفس، ودلائل الآفاق أعظم؛ قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] فلذا أمر بالفكر في خلق السَّموات والأرض، لأنَّ دلائلهما (٣) أعظم، فإنَّه إذا فكَّر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله