«أَنَّهُ تُقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا، كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٧

الحديث رقم ٤٥٧ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التقاضي والملازمة في المسجد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٧ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ تُقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا، كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: يَا كَعْبُ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا. وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيِ الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ».

بَابُ كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ

إسناد حديث رقم ٤٥٧ من صحيح البخاري

٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ عَمْرَةَ فَلَا الْتِفَاتَ.

قَوْلُهُ: (تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا) ضُمِّنَ تَسْأَلُ مَعْنَى تَسْتَعِينُ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهَا أَهْلَكِ مُوَالِيكِ، وَحُذِفَ مَفْعُولُ أَعْطَيْتُ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بَقِيَّةُ مَا عَلَيْهَا، وَسَيَأْتِي تَعْيِينُهُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً) أَيْ أَنَّ سُفْيَانَ حَدَّثَ بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ غَيْرُ مُعَلَّقٍ.

قَوْلُهُ: (ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِتَشْدِيدِ الْكَافِ، فَقِيلَ: الصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: ذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّذْكِيرَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ عِلْمٍ بِذَلِكَ، وَلَا يَتَّجِهُ تَخْطِئَةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِاحْتِمَالِ السَّبْقِ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ.

قَوْلُهُ: (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) كَأَنَّهُ ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الشَّرْطِ وَلَفْظُ مِائَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فِي كِتَابِ اللَّهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ لَفْظَ: الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ مِنْ قَوْلِهِ لَكِنَّ الْأَمْرَ بِطَاعَتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَجَازَ إِضَافَةُ ذَلِكَ إِلَى الْكِتَابِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَجَازَتْ إِضَافَةُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّسُولِ إِلَيْهِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْإِضَافَةَ إِنَّمَا هِيَ بِطْرِيقِ الْعُمُومِ لَا بِخُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْخَطَّابِيِّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكِتَابِ اللَّهِ هُنَا الْقُرْآنُ، وَنَظِيرُ مَا جَنَحَ إِلَيْهِ مَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأُمِّ يَعْقُوبَ فِي قِصَّةِ الْوَاشِمَةِ: مَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هُنَا: فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ، سَوَاءٌ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ أَمْ فِي السُّنَّةِ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْمَكْتُوبُ أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.

وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ الْبُيُوعِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا، وَاعْتَنَى بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَأَفْرَدُوهُ بِالتَّصْنِيفِ. وَسَنَذْكُرُ فَوَائِدَهُ مُلَخَّصَةً مَجْمُوعَةً فِي كِتَابِ الْعِتْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ مَالِكٌ) وَصَلَهُ فِي بَابِ الْمُكَاتَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْهُ، وَصُورَةُ سِيَاقِهِ الْإِرْسَالُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ) يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَ الْبُخَارِيَّ عَنْ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ حَدَّثَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ رِوَايَةَ سُفْيَانَ لِمُطَابَقَتِهَا التَّرْجَمَةَ بِذِكْرِ الْمِنْبَرِ فِيهَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيقَ عَنْ مَالِكٍ مُتَأَخِّرٌ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرَةَ نَحْوَهُ) يَعْنِي نَحْوَ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّ بَرِيرَةَ فَذَكَرَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمِنْبَرِ أَيْضًا، وَصُورَتُهُ أَيْضًا الْإِرْسَالُ، لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَزَعَمَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ اتِّصَالُهُ. وَأَفَادَتْ رِوَايَةُ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ التَّصْرِيحَ بِسَمَاعِ يَحْيَى مِنْ عَمْرَةَ وَبِسَمَاعِ عَمْرَةَ مِنْ عَائِشَةَ فَأُمِنَ بِذَلِكَ مَا يُخْشَى فِيهِ مِنَ الْإِرْسَالِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَتَتْنِي بَرِيرَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمِنْبَرِ أَيْضًا.

٧١ - بَاب التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ

٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٧١) (بابُ) حكم (التَّقَاضِي) أي: مطالبة الغريم بقضاء الدَّين (وَ) حكم (المُلَازَمَةِ) للغريم لأجل طلب الدَّين (فِي المَسْجِدِ).

٤٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (١) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن عبد الله بن جعفرٍ المُسنَديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ العبديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ السَّلميِّ المدنيِّ (عَنْ) أبيه (كَعْبٍ) الشَّاعر، أحد الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا عن غزوة «تبوك» (أَنَّهُ تَقَاضَى) بوزن «تفاعل» أي: أنَّ كعبًا طالب (٢) (ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بمُهمَلاتٍ، مفتوح الأوَّل ساكن الثَّاني، صحابيٌّ على الأصحِّ، واسمه عبد الله بن سلامة، كما ذكره المؤلِّف في إحدى رواياته، قال الجوهريُّ: ولم يأت من الأسماء «فعلعٌ» بتكرير العين غير «حدردٍ» (٣) (دَيْنًا)

نُصِبَ بنزع الخافض، أي: بدينٍ لأنَّ «تقاضى» متعدٍّ لواحدٍ، وهو «ابنٌ» (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) أي: كان لكعبٍ على ابن أبي حدردٍ، و (١) جملة «كان (٢) له» في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «دَيْنًا»، وللطَّبرانيِّ: إنَّ الدَّين كان أُوقيتين (فِي المَسْجِدِ) الشَّريف النَّبويِّ، متعلِّقٌ بـ «تقاضى» (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) من باب: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لعدم اللَّبس، أو الجمع بالنَّظر لتنوُّع الصَّوت (حَتَّى سَمِعَهُمَا) ولغير الأَصيليِّ (٣) وأبي ذَرٍّ: «سمعها» (رَسُولُ اللهِ ) وشرَّف وكرَّم (وَهْوَ فِي بَيْتِهِ) جملةٌ حاليَّةٌ في موضع نصبٍ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) ، وللأعرج: «فمرَّ بهما» أي: أنَّه لمَّا سمع صوتهما خرج لأجلهما ومرَّ بهما، وبهذا التَّوفيق ينتفي التَّعارض (حَتَّى كَشَفَ سَِجْفَ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتحها وإسكان الجيم، أي: ستر (حُجْرَتِهِ) أو «السِّجْف»: الباب، أو أحد طرفي السِّتر المُفرَج (فَنَادَى) : (يَا كَعْبُ، قَالَ) كعبٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) تثنية: اللَّبِّ

وهو الإقامة، أي: لَبًّا بعد لَبٍّ، ومعناه: أنا مقيمٌ على طاعتك إقامةً بعد إقامةٍ (فَقَالَ) له: (ضَعْ) عنه (مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ) بهمزةٍ في أوَّله وفي (١) آخره (إِلَيْهِ، أَي: الشَّطْرَ) أي: ضع عنه النِّصف كما فسَّره به في رواية الأعرج [خ¦٢٧٠٦] عند المؤلِّف، وهو تفسيرٌ بالمقصود الَّذي أومأ إليه ، وفيه جواز الاعتماد على الإشارة، وأنَّها تقوم مقام النُّطق إذا فُهِمت لدلالتها (٢) عليه (قَالَ) كعبٌ: والله (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) ما أمرت به، وخرج ذلك منه مخرج المُبالَغة في امتثال الأمر، ولذا (٣) أكَّد باللَّام مع ما فيه من معنى القسم، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والمُستملي: «قد فعلت». (قَالَ) لابن أبي حَدْرَدٍ: (قُمْ فَاقْضِهِ) حقَّه على الفور، والأمر على جهة الوجوب، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لا تجتمع الوضيعة والتَّأجيل، فإن قلت: ما مُطابقَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ التَّقاضيَ ظاهرٌ، وأمَّا المُلازَمة فمُستنبَطةٌ من مُلازَمة ابن أبي حَدْرَدٍ خصمه في وقت التَّقاضي، أو أنَّ المؤلِّف أشار بالمُلازَمة ههنا إلى ما رواه في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٦] بلفظ: إنَّه كان له على عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ (٤) الأسلميِّ (٥) مالٌ فلزمه. انتهى.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّه، ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصُّلح» [خ¦٢٧١٠] و «المُلازَمة» [خ¦٢٤٢٤]، ومسلمٌ في «البيوع»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ عَمْرَةَ فَلَا الْتِفَاتَ.

قَوْلُهُ: (تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا) ضُمِّنَ تَسْأَلُ مَعْنَى تَسْتَعِينُ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهَا أَهْلَكِ مُوَالِيكِ، وَحُذِفَ مَفْعُولُ أَعْطَيْتُ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بَقِيَّةُ مَا عَلَيْهَا، وَسَيَأْتِي تَعْيِينُهُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً) أَيْ أَنَّ سُفْيَانَ حَدَّثَ بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ غَيْرُ مُعَلَّقٍ.

قَوْلُهُ: (ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِتَشْدِيدِ الْكَافِ، فَقِيلَ: الصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: ذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّذْكِيرَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ عِلْمٍ بِذَلِكَ، وَلَا يَتَّجِهُ تَخْطِئَةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِاحْتِمَالِ السَّبْقِ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ.

قَوْلُهُ: (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) كَأَنَّهُ ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الشَّرْطِ وَلَفْظُ مِائَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فِي كِتَابِ اللَّهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ لَفْظَ: الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ مِنْ قَوْلِهِ لَكِنَّ الْأَمْرَ بِطَاعَتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَجَازَ إِضَافَةُ ذَلِكَ إِلَى الْكِتَابِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَجَازَتْ إِضَافَةُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّسُولِ إِلَيْهِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْإِضَافَةَ إِنَّمَا هِيَ بِطْرِيقِ الْعُمُومِ لَا بِخُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْخَطَّابِيِّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكِتَابِ اللَّهِ هُنَا الْقُرْآنُ، وَنَظِيرُ مَا جَنَحَ إِلَيْهِ مَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأُمِّ يَعْقُوبَ فِي قِصَّةِ الْوَاشِمَةِ: مَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هُنَا: فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ، سَوَاءٌ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ أَمْ فِي السُّنَّةِ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْمَكْتُوبُ أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.

وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ الْبُيُوعِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا، وَاعْتَنَى بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَأَفْرَدُوهُ بِالتَّصْنِيفِ. وَسَنَذْكُرُ فَوَائِدَهُ مُلَخَّصَةً مَجْمُوعَةً فِي كِتَابِ الْعِتْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ مَالِكٌ) وَصَلَهُ فِي بَابِ الْمُكَاتَبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْهُ، وَصُورَةُ سِيَاقِهِ الْإِرْسَالُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ) يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَ الْبُخَارِيَّ عَنْ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ حَدَّثَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ رِوَايَةَ سُفْيَانَ لِمُطَابَقَتِهَا التَّرْجَمَةَ بِذِكْرِ الْمِنْبَرِ فِيهَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيقَ عَنْ مَالِكٍ مُتَأَخِّرٌ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرَةَ نَحْوَهُ) يَعْنِي نَحْوَ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّ بَرِيرَةَ فَذَكَرَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمِنْبَرِ أَيْضًا، وَصُورَتُهُ أَيْضًا الْإِرْسَالُ، لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَزَعَمَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ اتِّصَالُهُ. وَأَفَادَتْ رِوَايَةُ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ التَّصْرِيحَ بِسَمَاعِ يَحْيَى مِنْ عَمْرَةَ وَبِسَمَاعِ عَمْرَةَ مِنْ عَائِشَةَ فَأُمِنَ بِذَلِكَ مَا يُخْشَى فِيهِ مِنَ الْإِرْسَالِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَتَتْنِي بَرِيرَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمِنْبَرِ أَيْضًا.

٧١ - بَاب التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ

٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٧١) (بابُ) حكم (التَّقَاضِي) أي: مطالبة الغريم بقضاء الدَّين (وَ) حكم (المُلَازَمَةِ) للغريم لأجل طلب الدَّين (فِي المَسْجِدِ).

٤٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (١) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن عبد الله بن جعفرٍ المُسنَديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ العبديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ السَّلميِّ المدنيِّ (عَنْ) أبيه (كَعْبٍ) الشَّاعر، أحد الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا عن غزوة «تبوك» (أَنَّهُ تَقَاضَى) بوزن «تفاعل» أي: أنَّ كعبًا طالب (٢) (ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بمُهمَلاتٍ، مفتوح الأوَّل ساكن الثَّاني، صحابيٌّ على الأصحِّ، واسمه عبد الله بن سلامة، كما ذكره المؤلِّف في إحدى رواياته، قال الجوهريُّ: ولم يأت من الأسماء «فعلعٌ» بتكرير العين غير «حدردٍ» (٣) (دَيْنًا)

نُصِبَ بنزع الخافض، أي: بدينٍ لأنَّ «تقاضى» متعدٍّ لواحدٍ، وهو «ابنٌ» (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) أي: كان لكعبٍ على ابن أبي حدردٍ، و (١) جملة «كان (٢) له» في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «دَيْنًا»، وللطَّبرانيِّ: إنَّ الدَّين كان أُوقيتين (فِي المَسْجِدِ) الشَّريف النَّبويِّ، متعلِّقٌ بـ «تقاضى» (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) من باب: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لعدم اللَّبس، أو الجمع بالنَّظر لتنوُّع الصَّوت (حَتَّى سَمِعَهُمَا) ولغير الأَصيليِّ (٣) وأبي ذَرٍّ: «سمعها» (رَسُولُ اللهِ ) وشرَّف وكرَّم (وَهْوَ فِي بَيْتِهِ) جملةٌ حاليَّةٌ في موضع نصبٍ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) ، وللأعرج: «فمرَّ بهما» أي: أنَّه لمَّا سمع صوتهما خرج لأجلهما ومرَّ بهما، وبهذا التَّوفيق ينتفي التَّعارض (حَتَّى كَشَفَ سَِجْفَ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتحها وإسكان الجيم، أي: ستر (حُجْرَتِهِ) أو «السِّجْف»: الباب، أو أحد طرفي السِّتر المُفرَج (فَنَادَى) : (يَا كَعْبُ، قَالَ) كعبٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) تثنية: اللَّبِّ

وهو الإقامة، أي: لَبًّا بعد لَبٍّ، ومعناه: أنا مقيمٌ على طاعتك إقامةً بعد إقامةٍ (فَقَالَ) له: (ضَعْ) عنه (مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ) بهمزةٍ في أوَّله وفي (١) آخره (إِلَيْهِ، أَي: الشَّطْرَ) أي: ضع عنه النِّصف كما فسَّره به في رواية الأعرج [خ¦٢٧٠٦] عند المؤلِّف، وهو تفسيرٌ بالمقصود الَّذي أومأ إليه ، وفيه جواز الاعتماد على الإشارة، وأنَّها تقوم مقام النُّطق إذا فُهِمت لدلالتها (٢) عليه (قَالَ) كعبٌ: والله (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) ما أمرت به، وخرج ذلك منه مخرج المُبالَغة في امتثال الأمر، ولذا (٣) أكَّد باللَّام مع ما فيه من معنى القسم، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والمُستملي: «قد فعلت». (قَالَ) لابن أبي حَدْرَدٍ: (قُمْ فَاقْضِهِ) حقَّه على الفور، والأمر على جهة الوجوب، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لا تجتمع الوضيعة والتَّأجيل، فإن قلت: ما مُطابقَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ التَّقاضيَ ظاهرٌ، وأمَّا المُلازَمة فمُستنبَطةٌ من مُلازَمة ابن أبي حَدْرَدٍ خصمه في وقت التَّقاضي، أو أنَّ المؤلِّف أشار بالمُلازَمة ههنا إلى ما رواه في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٦] بلفظ: إنَّه كان له على عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ (٤) الأسلميِّ (٥) مالٌ فلزمه. انتهى.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّه، ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصُّلح» [خ¦٢٧١٠] و «المُلازَمة» [خ¦٢٤٢٤]، ومسلمٌ في «البيوع»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله