الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٧٠
الحديث رقم ٤٥٧٠ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
٤٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةٌ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طُولِهَا، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، فثُمَّ قَرَأَ الْآيَاتِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ، ثُمَّ أَتَى سقاء مُعَلَّقًا فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَمَا صَنَعَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْهُ مُطَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُهُ أَيْضًا. وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَرَأَ الْآيَاتِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ فَلِهَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاسْتُفِيدَ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ أَوَّلَ الْمَقْرُوءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
١٩ - بَاب ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
٤٥٧١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عن مَالِك، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ - قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ: قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ: بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَغْيِيرُ شَيْخِ شَيْخِهِ فَقَطْ، وَسِيَاقُ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَتَمُّ مِنْ تِلْكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ هُنَا: وَأَخَذَ بِيَدِي الْيُمْنَى وَهُوَ وَهَمٌ، وَالصَّوَابُ: بِأُذُنِي كَمَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الإنسان في أصغر ورقةٍ من الشَّجر؛ رأى عرقًا واحدًا ممتدًا في (١) وسطها، يتشعَّب منه عروقٌ كثيرةٌ إلى الجانبين، ثمَّ يتشعَّب من كلِّ عرقٍ عروقٌ دقيقةٌ، ولا يزال كذلك حتَّى لا يراه الحسُّ، فيعلم أنَّ الخالق خلق فيها قوًى جاذبةً لغذائها من قعر الأرض، يتوَزَّع في كلِّ جزءٍ من أجزائها بتقدير العزيز العليم، فإذا تأمَّل ذلك؛ عَلِم عجزه عن الوقوف على كيفيَّة خلقها وما فيها من العجائب، فالفكرة (٢) تُذهِب الغفلة وتُحدِث للقلب الخشية؛ كما يُحدِثُ الماءُ للزَّرع النَّماء، وما جُلِيت (٣) القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر، وقال بعضهم: قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هو من جعل الجرم محلًّا لتعلُّق المعنى، جَعَل الأجرام محلًّا لتعلُّق (٤) الفكر لا لنفس الفكر؛ لأنَّ الفكر قائمٌ بالمتفكِّر (٥)، ومنه: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] جعل السَّموات والأرض والمخلوقات كلَّها محلًّا لتعلِّق النَّظر لا لنفس النَّظر، فإنَّ النَّظر قائمٌ بالنَّاظر حالٌّ فيه، ومنه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] أي: في خلق أنفسهم، وهذا كلُّه من مجاز التَّشبيه، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» وقوله: «﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد: ﴿جُنُوبِهِمْ﴾: «الآية».
٤٥٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بفتح
الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال وتشديد التَّحتيَّة، ابن حسَّان العنبريُّ مولاهم، أبو سعيدٍ البصريُّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) الإمام الأعظم (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) الأسديِّ الوالِبِيِّ -بكسر اللَّام والموحَّدة- المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَطُرِحَتْ) بضمِّ الطَّاء وكسر الرَّاء مبنيًّا للمفعول (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وِسَادَةٌ) رفعٌ (١) نائبٌ عن الفاعل (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طُولِهَا) أي: وابن عبَّاسٍ في عرضها، قال ابن عبد البرِّ: فكان ابن عبَّاسٍ مضطجعًا عند رجل رسول الله ﷺ أو عند رأسه (فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ) فيه حذفٌ، ذكره في الرِّواية الأخرى من «الوتر» [خ¦٩٩٢]: «فنام حتَّى انتصف اللَّيل أو قريبًا منه، فاستيقظ يمسح النَّوم» أي: أَثَره (عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ) ولأبي ذرِّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقرأ» (الآيَاتِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ) سورة (آلِ عِمْرَانَ) التي أوَّلها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (حَتَّى خَتَمَ) العشر (ثُمَّ أَتَى شَنًّا) بفتح الشِّين المعجمة وتشديد النُّون: قِرْبةً عتقت من الاستعمال، ولأبي ذرِّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سقاءً» (مُعَلَّقًا، فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ) منه لتجديد الطَّهارة لا للنَّوم (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) قال ابن عبَّاسٍ: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) ﷺ من الوضوء وغيره (ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ
يَدَهُ) زاد في «باب الوتر» كالرِّواية الآتية: «اليمنى» [خ¦٤٥٧١] (عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي، فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، أي: يدلكها لينتبه (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ستَّ مراتٍ باثنتي عشرة ركعةً (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ؛ فهي ثلاث عشرة ركعةً يسلِّم بين كلِّ ركعتين.
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿رَبَّنَا﴾) يعني: يتفكَّرون في خلق السَّموات والأرض حال كونهم قائلين: ﴿رَبَّنَا﴾ (﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾) أي: أهنته وأذللته، أو أهلكته، أو فضحته وأبلغت في إخزائه، والخزي: ضربٌ من الاستخفاف، أو انكسار يلحق الإنسان؛ وهو الحياء المفرط، وقد تمسَّك المعتزلة بهذا على أنَّ صاحب الكبيرة غير مؤمنٍ؛ لأنَّه إذا دخل النَّار؛ فقد أخزاه الله، والمؤمن لا يُخزَى لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] فوجب أنَّ من يدخل النَّار لا يكون مؤمنًا، وأجيب بأنَّ الخزي فُسِّر بوجوهٍ من المعاني، فلِمَ لا يجوز أن يراد في كلِّ صورةٍ معنًى؛ مثلًا: في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: لا يُهلكِهم، وفي الأوَّل يريد: الإهانة، والحاصل: أنَّ لفظ الإخزاء مشتركٌ بين الإهلاك والتَّخجيل، واللَّفظ المشترك لا يمكن حمله في طريق النَّفي والإثبات على معنييه جميعًا، وحينئذٍ يسقط الاستدلال به (١) (﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]) ينصرونهم يوم القيامة، ووُضِع المُظهَرُ موضع المضمَر؛ للدَّلالة على أنَّ ظلمهم سببٌ لإدخالهم النَّار وانقطاع النُّصرة عنهم في الخلاص منها، وقول الزَّمخشريِّ -إنَّه إعلامٌ بأنَّ من يدخل النَّار فلا ناصر له بشفاعةٍ ولا غيرها؛ بناءً على مذهب المعتزلة في نفي الشَّفاعة- أجاب عنه القاضي: بأنَّه لا يلزم من نفي النُّصرة نفي الشَّفاعة؛ لأنَّ النُّصرة دفعٌ بقهرٍ، وسقط لأبي ذرِّ قوله: «﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةٌ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طُولِهَا، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، فثُمَّ قَرَأَ الْآيَاتِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ، ثُمَّ أَتَى سقاء مُعَلَّقًا فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَمَا صَنَعَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْهُ مُطَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُهُ أَيْضًا. وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَرَأَ الْآيَاتِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ فَلِهَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاسْتُفِيدَ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ أَوَّلَ الْمَقْرُوءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
١٩ - بَاب ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
٤٥٧١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عن مَالِك، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ - قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ: قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ: بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَغْيِيرُ شَيْخِ شَيْخِهِ فَقَطْ، وَسِيَاقُ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَتَمُّ مِنْ تِلْكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ هُنَا: وَأَخَذَ بِيَدِي الْيُمْنَى وَهُوَ وَهَمٌ، وَالصَّوَابُ: بِأُذُنِي كَمَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الإنسان في أصغر ورقةٍ من الشَّجر؛ رأى عرقًا واحدًا ممتدًا في (١) وسطها، يتشعَّب منه عروقٌ كثيرةٌ إلى الجانبين، ثمَّ يتشعَّب من كلِّ عرقٍ عروقٌ دقيقةٌ، ولا يزال كذلك حتَّى لا يراه الحسُّ، فيعلم أنَّ الخالق خلق فيها قوًى جاذبةً لغذائها من قعر الأرض، يتوَزَّع في كلِّ جزءٍ من أجزائها بتقدير العزيز العليم، فإذا تأمَّل ذلك؛ عَلِم عجزه عن الوقوف على كيفيَّة خلقها وما فيها من العجائب، فالفكرة (٢) تُذهِب الغفلة وتُحدِث للقلب الخشية؛ كما يُحدِثُ الماءُ للزَّرع النَّماء، وما جُلِيت (٣) القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر، وقال بعضهم: قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هو من جعل الجرم محلًّا لتعلُّق المعنى، جَعَل الأجرام محلًّا لتعلُّق (٤) الفكر لا لنفس الفكر؛ لأنَّ الفكر قائمٌ بالمتفكِّر (٥)، ومنه: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] جعل السَّموات والأرض والمخلوقات كلَّها محلًّا لتعلِّق النَّظر لا لنفس النَّظر، فإنَّ النَّظر قائمٌ بالنَّاظر حالٌّ فيه، ومنه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] أي: في خلق أنفسهم، وهذا كلُّه من مجاز التَّشبيه، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» وقوله: «﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد: ﴿جُنُوبِهِمْ﴾: «الآية».
٤٥٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بفتح
الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال وتشديد التَّحتيَّة، ابن حسَّان العنبريُّ مولاهم، أبو سعيدٍ البصريُّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) الإمام الأعظم (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) الأسديِّ الوالِبِيِّ -بكسر اللَّام والموحَّدة- المدنيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَطُرِحَتْ) بضمِّ الطَّاء وكسر الرَّاء مبنيًّا للمفعول (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وِسَادَةٌ) رفعٌ (١) نائبٌ عن الفاعل (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طُولِهَا) أي: وابن عبَّاسٍ في عرضها، قال ابن عبد البرِّ: فكان ابن عبَّاسٍ مضطجعًا عند رجل رسول الله ﷺ أو عند رأسه (فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ) فيه حذفٌ، ذكره في الرِّواية الأخرى من «الوتر» [خ¦٩٩٢]: «فنام حتَّى انتصف اللَّيل أو قريبًا منه، فاستيقظ يمسح النَّوم» أي: أَثَره (عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ) ولأبي ذرِّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقرأ» (الآيَاتِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ) سورة (آلِ عِمْرَانَ) التي أوَّلها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (حَتَّى خَتَمَ) العشر (ثُمَّ أَتَى شَنًّا) بفتح الشِّين المعجمة وتشديد النُّون: قِرْبةً عتقت من الاستعمال، ولأبي ذرِّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سقاءً» (مُعَلَّقًا، فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ) منه لتجديد الطَّهارة لا للنَّوم (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) قال ابن عبَّاسٍ: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) ﷺ من الوضوء وغيره (ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ
يَدَهُ) زاد في «باب الوتر» كالرِّواية الآتية: «اليمنى» [خ¦٤٥٧١] (عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي، فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، أي: يدلكها لينتبه (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ستَّ مراتٍ باثنتي عشرة ركعةً (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ؛ فهي ثلاث عشرة ركعةً يسلِّم بين كلِّ ركعتين.
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿رَبَّنَا﴾) يعني: يتفكَّرون في خلق السَّموات والأرض حال كونهم قائلين: ﴿رَبَّنَا﴾ (﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾) أي: أهنته وأذللته، أو أهلكته، أو فضحته وأبلغت في إخزائه، والخزي: ضربٌ من الاستخفاف، أو انكسار يلحق الإنسان؛ وهو الحياء المفرط، وقد تمسَّك المعتزلة بهذا على أنَّ صاحب الكبيرة غير مؤمنٍ؛ لأنَّه إذا دخل النَّار؛ فقد أخزاه الله، والمؤمن لا يُخزَى لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] فوجب أنَّ من يدخل النَّار لا يكون مؤمنًا، وأجيب بأنَّ الخزي فُسِّر بوجوهٍ من المعاني، فلِمَ لا يجوز أن يراد في كلِّ صورةٍ معنًى؛ مثلًا: في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: لا يُهلكِهم، وفي الأوَّل يريد: الإهانة، والحاصل: أنَّ لفظ الإخزاء مشتركٌ بين الإهلاك والتَّخجيل، واللَّفظ المشترك لا يمكن حمله في طريق النَّفي والإثبات على معنييه جميعًا، وحينئذٍ يسقط الاستدلال به (١) (﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢]) ينصرونهم يوم القيامة، ووُضِع المُظهَرُ موضع المضمَر؛ للدَّلالة على أنَّ ظلمهم سببٌ لإدخالهم النَّار وانقطاع النُّصرة عنهم في الخلاص منها، وقول الزَّمخشريِّ -إنَّه إعلامٌ بأنَّ من يدخل النَّار فلا ناصر له بشفاعةٍ ولا غيرها؛ بناءً على مذهب المعتزلة في نفي الشَّفاعة- أجاب عنه القاضي: بأنَّه لا يلزم من نفي النُّصرة نفي الشَّفاعة؛ لأنَّ النُّصرة دفعٌ بقهرٍ، وسقط لأبي ذرِّ قوله: «﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾».