الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٧٨
الحديث رقم ٤٥٧٨ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله ولكم نصف ما ترك أزواجكم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الْآيَةَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: لَا تَقْهَرُوهُنَّ، ﴿حُوبًا﴾ إِثْمًا، ﴿تَعُولُوا﴾ تَمِيلُوا، ﴿نِحْلَةً﴾ النِّحْلَةُ الْمَهْرُ.
٤٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْهُ بِلَفْظِ: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وَقَالَ مَرَّةً: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ: حَتَّى نَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ عَنْهُ فَقَالَ فِي آخِرِهِ: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾، فَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مُرَادَ جَابِرٍ مِنْ آيَةِ الْمِيرَاثِ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ فَسَيَأْتِي فِي آخِرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، فَكَأَنَّ الْكَلَالَةَ لَمَّا كَانَتْ مُجْمَلَةً فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ اسْتَفْتَوْا عَنْهَا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ.
وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ جُرَيْجٍ بِتَعْيِينِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَعَنِ الْجُعْفِيِّ مِثْلَ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَالَ: آيَةُ الْمِيرَاثِ أَوْ آيَةُ الْفَرَائِضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَهَا إِنَّهَا ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فَعُمْدَتُهُ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِينَئِذٍ وَلَدٌ، وَإِنَّمَا يُورَثُ كَلَالَةً، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِقِصَّتِهِ نُزُولَ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَالَةَ مُخْتَلَفٌ فِي تَفْسِيرِهَا: فَقِيلَ: هِيَ اسْمُ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ، وَقِيلَ: اسْمُ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: اسْمُ الْإِرْثِ، وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ تَفْسِيرَهَا بِمَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ لِمَا قَدَّمْتُهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَآيَةُ الْمَوَارِيثِ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي أُحُدٍ، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا.
قَالَ: يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: أَعْطِ ابْنَتَا سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ وَأُمَّهُمَا الثُّمُنَ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَقَدُّمِ نُزُولِهَا. نَعَمْ وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ ابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ أَوَّلِهَا فِي قِصَّةِ الْبِنْتَيْنِ، وَآخِرِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ، وَيَكُونَ مُرَادُ جَابِرٍ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أَيْ ذِكْرُ الْكَلَالَةِ الْمُتَّصِلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا تَقَرَّرَ جَمِيعُ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَهِمْ كَمَا جَزَمَ بِهِ الدِّمْيَاطِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَأَنَّ مَنْ وَهَّمَهُ هُوَ الْوَاهِمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْفَرَائِضِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥ - بَاب ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾
٤٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ؛ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وأمَّا من قال إنَّها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعمدته أنَّ جابرًا لم يكن له حينئذٍ ولدٌ، وإنَّما كان يُورَث كلالةً، فكان المناسب لقصَّته نزول: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لكنْ ليس ذلك بلازمٍ؛ لأنَّ الكلالة اختُلِف في تفسيرها، فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميِّت، وقيل: اسم الإرث، فلمَّا لم يتعيَّن تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد؛ لم يصحَّ الاستدلال؛ لأنَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدَّةٍ في ورثة سعد بن الرَّبيع، وكان قُتِل يوم أُحُدٍ وخلَّف ابنتين وأمَّهما وأخاه، فأخذ الأخ المال فنزلت، وبه احتجَّ من قال: إنَّها لم تنزل في قصَّة جابرٍ، وإنَّما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الرَّبيع، وليس ذلك بلازمٍ؛ إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا؛ فقد ظهر أن ابن جريجٍ لم يَهِمْ، والله أعلم.
وهذا الحديث قد سبق في «الطَّهارة» [خ¦١٩٤].
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، كذا لأبي ذرٍّ، وله (١) عن المُستملي: «بابُ قولِه» بالإضافة: (﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾) ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] وارثٌ من بطنها، أو من صلب بنيها، أو بني بنيها وإن سفل، ذكرًا كان أو أنثى، منكم أو من غيركم.
٤٥٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (عَنْ وَرْقَاءَ) ابن عمر اليشكريِّ، وقيل: الشَّيبانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) اسمه: عبد الله، وأبو نَجِيحٍ -بفتح النُّون وكسر الجيم آخره مهملةٌ- اسمه يسارٌ؛ ضدُّ اليمين (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ) أي: مال الشَّخص إذا مات لولده (وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) واجبةً على ما يراه
الموصي من المساواة والتَّفضيل (فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) بآية المواريث (فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ) من الأولاد (مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ) إن كان للميِّت ولدٌ (١) ذكرٌ أو أنثى (وَالثُّلُثَ) إن لم يكن له ولدٌ (وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ) أي: الزَّوجة (الثُّمُنَ) مع الولد (وَالرُّبُعَ) مع عدمه (وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ) مع عدم الولد (وَالرُّبُعَ) عند وجوده.
وهذا الحديث قد مرَّ في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٧].
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا﴾) ﴿أَن تَرِثُواْ﴾: في موضع رفعٍ على الفاعليَّة بـ ﴿يَحِلُّ﴾ أي: لا يحلُّ لكم إرث النِّساء و ﴿النِّسَاء﴾: مفعولٌ به، إمَّا على حذف مضافٍ، أي: أن ترثوا أموال النِّساء، والخطاب للأزواج؛ لأنَّه رُوي: «أنَّ الرَّجل كان إذا لم يكن له في المرأة غرضٌ؛ أمسكها حتَّى تموتَ، فيرثَها، أو تفتدي بمالها إن لم تمت» وإمَّا من غير حذفٍ؛ على معنى: أن يَكُنَّ بمعنى الشَّيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميِّت، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، و ﴿كَرْهًا﴾: في موضع نصبٍ على الحال من ﴿النِّسَاء﴾ أي: ترثوهنَّ كارهاتٍ أو مُكرَهاتٍ (﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) جزمٌ بـ ﴿لَا﴾ النَّاهية، أو نصبٌ عطفٌ على ﴿أَن تَرِثُواْ﴾ و ﴿لَا﴾: لتأكيد النَّفي، وفي الكلام حذفٌ، أي: لا تعضلوهنَّ من النِّكاح؛ إن كان الخطاب للأولياء، أو (٢) لا تعضلوهنَّ من الطَّلاق إن كان الخطاب (٣) للأزواج (﴿لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ﴾) اللَّام متعلِّقة بـ ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والباء للتَّعدية المرادفة لهمزتها أو للمصاحبة، فالجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال ويتعلَّق بمحذوفٍ، أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض (﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] الآيَةَ (٤)) و ﴿مَا﴾: موصولةٌ بمعنى: الذي، أو نكرةٌ موصوفةٌ، وعلى التَّقديرين فالعائد محذوفٌ،
وسقط «﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ … إلى ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾» لغير أبي ذرٍّ، وقالوا: «الآية» (١).
(وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ: (﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) أي: (لَا تَقْهَرُوهُنَّ) بالقاف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لا تنتهروهنَّ» بالنُّون.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ (﴿حُوبًا﴾ [النساء: ٢]) قال ابن (٢) عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ أي: (إثمًا).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ﴾ (﴿تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن المنذر أي: (تَمِيلُوا) من عال يعول؛ إذا مال وجار، وفسَّره الإمام الشَّافعيُّ: بألَّا تكثر عيالكم، وردَّه جماعةٌ كأبي بكر بن داود الرَّازيِّ والزَّجَّاج، فقال الزَّجَّاج: هذا غلطٌ من جهة المعنى واللَّفظ؛ أمَّا الأوَّل؛ فإنَّ (٣) إباحة السَّراري -مع أنَّها مظنَّة كثرة العيال- كالتَّزوج، وأمَّا اللَّفظ فلأنَّ مادة «عال» بمعنى: كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنَّه من العيلة، وأما «عال» بمعنى: جار؛ فمن ذوات الواو، فاختلفت المادَّتان، وقال صاحب «النَّظم»: قال أوَّلًا: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ (٤)، فوجب أن يكون ضدَّه الجور، وأيضًا فقد خالف المفسِّرين، وقد ردَّ النَّاس على هؤلاء؛ فأمَّا قولهم: إنَّ التَّسرِّي أيضًا تكثر معه العيال مع أنَّه مباحٌ؛ فممنوعٌ؛ لأنَّ الأمَةَ ليست كالمنكوحة؛ ولذا يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجِّرها، ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها، ويقال: عال الرَّجل عياله يَعولُهم، أي: مانَهم يمُونهم، أي: أنفق عليهم، ومنه: «ابدأ بنفسك ثمَّ بمن تعول» وحكى ابن الأعرابيِّ: عال الرَّجل يعول: كثر عياله، وعال يعيل: افتقر وصار له عائلةٌ، والحاصل: أنَّ «عال» يكون لازمًا ومتعدِّيًا؛ فاللَّازم: يكون بمعنى: مال وجار، ومنه: عال الميزان، وبمعنى: كثر عياله، وبمعنى: تفاقم الأمر، والمضارع من كلِّه «يَعُول»، وعال الرَّجل: افتقر، وعال في الأرض: ذهب فيها، والمضارع من هذين «يَعيْل»، والمتعدِّي: يكون بمعنى: أثقل، وبمعنى: مان من المؤونة، وبمعنى: غلب، ومنه: عيل صبري، ومضارع هذا كلِّه «يعول»، وبمعنى: أعجز، يقال: عالني الأمر، أي:
أعجزني، ومضارع هذا «يعيل»، والمصدر «عَيْلٌ» و «مَعِيلٌ» (١)، فقد تلَّخص من هذا: أنَّ «عال» اللَّازم يكون تارةً من ذوات الواو، وتارةً من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك «عال» المتعدِّي أيضًا؛ فقد روى الأزهريُّ عن الكسائيِّ قال: عال الرَّجل: إذا افتقر، وأعال: إذا كثر عياله، قال: ومن العرب الفصحاء من يقول: عال يعول إذا كثر عياله، قال الأزهريُّ: وهذا يقوِّي قول الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الكسائيَّ لا يحكي عن العرب إلَّا ما حفظه وضبطه، وقول الشَّافعيِّ نفسه حجَّةٌ، وحكى البغويُّ عن أبي حاتمٍ قال: كان الشَّافعيُّ أعلم بلسان العرب منَّا، ولعلَّه لغةٌ (٢)، وعن أبي عمرٍو الدُّوريِّ القارئ -وكان من أئمَّة اللُّغة- قال: هي لغة حِمْيَر، وأمَّا قولهم: إنَّه خالف المفسِّرين؛ فليس كذلك؛ فقد روي عن زيد بن أسلم نحو قوله، أسنده الدَّارقطنيُّ وذكره الأزهريُّ في كتابه «تهذيب اللُّغة»، وأمَّا قولهم: اختلفت المادَّتان؛ فليس بصحيحٍ؛ فقد تقدَّم حكاية ابن الأعرابيِّ عن العرب: عال الرَّجل يعول كثر عياله، وحكاية الكسائيِّ والدُّوريِّ، وقرأ طلحة بن مصرِّفٍ: (ألَّا تُعيلوا) بضمِّ تاء المضارعة، من أعال: كثر عياله، وهي تعضد تفسير الشَّافعيِّ من حيث المعنى، وقد بسط الإمام فخر الدِّين العبارة في الرَّدِّ على أبي بكر الرَّازيِّ، وقال: الطَّعن لا يصدر إلَّا عن كثرة الغباوة وقلَّة المعرفة، وقال الزَّمخشريُّ بعد أن وجَّه قول الشَّافعيِّ بنحو ما سبق: وكلام مثله من أعلام العلم وأئمَّة الشَّرع ورؤوس المجتهدين حقيقٌ بالحمل على الصِّحَّة والسَّداد، وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيِّ من كلام الشافعيِّ» شاهدًا بأنَّه أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكنَّ للعلماء طرقًا وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات (٣). انتهى. وقوله: «أعلى كعبًا»: مثلٌ لاطِّلاعه على علوم العربية، وكونه ذا حظٍّ وافرٍ فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ﴾ (﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ والطَّبريُّ: (النِّحْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «فالنِّحلة»: (المَهْرُ) وقيل: فريضةٌ مسمَّاةٌ، وقيل: عطيَّةٌ وهبةٌ، وسُمِّي الصَّداق نِحْلةً؛ من حيث إنَّه (٤) لا يجب في مقابلته غير التَّمتُّع دون عوضٍ (٥) ماليٍّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْهُ بِلَفْظِ: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وَقَالَ مَرَّةً: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ: حَتَّى نَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ عَنْهُ فَقَالَ فِي آخِرِهِ: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾، فَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مُرَادَ جَابِرٍ مِنْ آيَةِ الْمِيرَاثِ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ فَسَيَأْتِي فِي آخِرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، فَكَأَنَّ الْكَلَالَةَ لَمَّا كَانَتْ مُجْمَلَةً فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ اسْتَفْتَوْا عَنْهَا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ.
وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ جُرَيْجٍ بِتَعْيِينِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَعَنِ الْجُعْفِيِّ مِثْلَ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَالَ: آيَةُ الْمِيرَاثِ أَوْ آيَةُ الْفَرَائِضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَهَا إِنَّهَا ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فَعُمْدَتُهُ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِينَئِذٍ وَلَدٌ، وَإِنَّمَا يُورَثُ كَلَالَةً، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِقِصَّتِهِ نُزُولَ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَالَةَ مُخْتَلَفٌ فِي تَفْسِيرِهَا: فَقِيلَ: هِيَ اسْمُ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ، وَقِيلَ: اسْمُ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: اسْمُ الْإِرْثِ، وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ تَفْسِيرَهَا بِمَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ لِمَا قَدَّمْتُهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَآيَةُ الْمَوَارِيثِ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي أُحُدٍ، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا.
قَالَ: يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: أَعْطِ ابْنَتَا سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ وَأُمَّهُمَا الثُّمُنَ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَقَدُّمِ نُزُولِهَا. نَعَمْ وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ ابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ أَوَّلِهَا فِي قِصَّةِ الْبِنْتَيْنِ، وَآخِرِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ، وَيَكُونَ مُرَادُ جَابِرٍ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أَيْ ذِكْرُ الْكَلَالَةِ الْمُتَّصِلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا تَقَرَّرَ جَمِيعُ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَهِمْ كَمَا جَزَمَ بِهِ الدِّمْيَاطِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَأَنَّ مَنْ وَهَّمَهُ هُوَ الْوَاهِمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْفَرَائِضِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥ - بَاب ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾
٤٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ؛ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وأمَّا من قال إنَّها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعمدته أنَّ جابرًا لم يكن له حينئذٍ ولدٌ، وإنَّما كان يُورَث كلالةً، فكان المناسب لقصَّته نزول: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لكنْ ليس ذلك بلازمٍ؛ لأنَّ الكلالة اختُلِف في تفسيرها، فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميِّت، وقيل: اسم الإرث، فلمَّا لم يتعيَّن تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد؛ لم يصحَّ الاستدلال؛ لأنَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدَّةٍ في ورثة سعد بن الرَّبيع، وكان قُتِل يوم أُحُدٍ وخلَّف ابنتين وأمَّهما وأخاه، فأخذ الأخ المال فنزلت، وبه احتجَّ من قال: إنَّها لم تنزل في قصَّة جابرٍ، وإنَّما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الرَّبيع، وليس ذلك بلازمٍ؛ إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا؛ فقد ظهر أن ابن جريجٍ لم يَهِمْ، والله أعلم.
وهذا الحديث قد سبق في «الطَّهارة» [خ¦١٩٤].
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، كذا لأبي ذرٍّ، وله (١) عن المُستملي: «بابُ قولِه» بالإضافة: (﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾) ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] وارثٌ من بطنها، أو من صلب بنيها، أو بني بنيها وإن سفل، ذكرًا كان أو أنثى، منكم أو من غيركم.
٤٥٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (عَنْ وَرْقَاءَ) ابن عمر اليشكريِّ، وقيل: الشَّيبانيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) اسمه: عبد الله، وأبو نَجِيحٍ -بفتح النُّون وكسر الجيم آخره مهملةٌ- اسمه يسارٌ؛ ضدُّ اليمين (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ) أي: مال الشَّخص إذا مات لولده (وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) واجبةً على ما يراه
الموصي من المساواة والتَّفضيل (فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) بآية المواريث (فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ) من الأولاد (مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ) إن كان للميِّت ولدٌ (١) ذكرٌ أو أنثى (وَالثُّلُثَ) إن لم يكن له ولدٌ (وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ) أي: الزَّوجة (الثُّمُنَ) مع الولد (وَالرُّبُعَ) مع عدمه (وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ) مع عدم الولد (وَالرُّبُعَ) عند وجوده.
وهذا الحديث قد مرَّ في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٧].
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا﴾) ﴿أَن تَرِثُواْ﴾: في موضع رفعٍ على الفاعليَّة بـ ﴿يَحِلُّ﴾ أي: لا يحلُّ لكم إرث النِّساء و ﴿النِّسَاء﴾: مفعولٌ به، إمَّا على حذف مضافٍ، أي: أن ترثوا أموال النِّساء، والخطاب للأزواج؛ لأنَّه رُوي: «أنَّ الرَّجل كان إذا لم يكن له في المرأة غرضٌ؛ أمسكها حتَّى تموتَ، فيرثَها، أو تفتدي بمالها إن لم تمت» وإمَّا من غير حذفٍ؛ على معنى: أن يَكُنَّ بمعنى الشَّيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميِّت، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، و ﴿كَرْهًا﴾: في موضع نصبٍ على الحال من ﴿النِّسَاء﴾ أي: ترثوهنَّ كارهاتٍ أو مُكرَهاتٍ (﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) جزمٌ بـ ﴿لَا﴾ النَّاهية، أو نصبٌ عطفٌ على ﴿أَن تَرِثُواْ﴾ و ﴿لَا﴾: لتأكيد النَّفي، وفي الكلام حذفٌ، أي: لا تعضلوهنَّ من النِّكاح؛ إن كان الخطاب للأولياء، أو (٢) لا تعضلوهنَّ من الطَّلاق إن كان الخطاب (٣) للأزواج (﴿لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ﴾) اللَّام متعلِّقة بـ ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والباء للتَّعدية المرادفة لهمزتها أو للمصاحبة، فالجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال ويتعلَّق بمحذوفٍ، أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض (﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] الآيَةَ (٤)) و ﴿مَا﴾: موصولةٌ بمعنى: الذي، أو نكرةٌ موصوفةٌ، وعلى التَّقديرين فالعائد محذوفٌ،
وسقط «﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ … إلى ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾» لغير أبي ذرٍّ، وقالوا: «الآية» (١).
(وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ: (﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾) أي: (لَا تَقْهَرُوهُنَّ) بالقاف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لا تنتهروهنَّ» بالنُّون.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ (﴿حُوبًا﴾ [النساء: ٢]) قال ابن (٢) عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ أي: (إثمًا).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ﴾ (﴿تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن المنذر أي: (تَمِيلُوا) من عال يعول؛ إذا مال وجار، وفسَّره الإمام الشَّافعيُّ: بألَّا تكثر عيالكم، وردَّه جماعةٌ كأبي بكر بن داود الرَّازيِّ والزَّجَّاج، فقال الزَّجَّاج: هذا غلطٌ من جهة المعنى واللَّفظ؛ أمَّا الأوَّل؛ فإنَّ (٣) إباحة السَّراري -مع أنَّها مظنَّة كثرة العيال- كالتَّزوج، وأمَّا اللَّفظ فلأنَّ مادة «عال» بمعنى: كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنَّه من العيلة، وأما «عال» بمعنى: جار؛ فمن ذوات الواو، فاختلفت المادَّتان، وقال صاحب «النَّظم»: قال أوَّلًا: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ (٤)، فوجب أن يكون ضدَّه الجور، وأيضًا فقد خالف المفسِّرين، وقد ردَّ النَّاس على هؤلاء؛ فأمَّا قولهم: إنَّ التَّسرِّي أيضًا تكثر معه العيال مع أنَّه مباحٌ؛ فممنوعٌ؛ لأنَّ الأمَةَ ليست كالمنكوحة؛ ولذا يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجِّرها، ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها، ويقال: عال الرَّجل عياله يَعولُهم، أي: مانَهم يمُونهم، أي: أنفق عليهم، ومنه: «ابدأ بنفسك ثمَّ بمن تعول» وحكى ابن الأعرابيِّ: عال الرَّجل يعول: كثر عياله، وعال يعيل: افتقر وصار له عائلةٌ، والحاصل: أنَّ «عال» يكون لازمًا ومتعدِّيًا؛ فاللَّازم: يكون بمعنى: مال وجار، ومنه: عال الميزان، وبمعنى: كثر عياله، وبمعنى: تفاقم الأمر، والمضارع من كلِّه «يَعُول»، وعال الرَّجل: افتقر، وعال في الأرض: ذهب فيها، والمضارع من هذين «يَعيْل»، والمتعدِّي: يكون بمعنى: أثقل، وبمعنى: مان من المؤونة، وبمعنى: غلب، ومنه: عيل صبري، ومضارع هذا كلِّه «يعول»، وبمعنى: أعجز، يقال: عالني الأمر، أي:
أعجزني، ومضارع هذا «يعيل»، والمصدر «عَيْلٌ» و «مَعِيلٌ» (١)، فقد تلَّخص من هذا: أنَّ «عال» اللَّازم يكون تارةً من ذوات الواو، وتارةً من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك «عال» المتعدِّي أيضًا؛ فقد روى الأزهريُّ عن الكسائيِّ قال: عال الرَّجل: إذا افتقر، وأعال: إذا كثر عياله، قال: ومن العرب الفصحاء من يقول: عال يعول إذا كثر عياله، قال الأزهريُّ: وهذا يقوِّي قول الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الكسائيَّ لا يحكي عن العرب إلَّا ما حفظه وضبطه، وقول الشَّافعيِّ نفسه حجَّةٌ، وحكى البغويُّ عن أبي حاتمٍ قال: كان الشَّافعيُّ أعلم بلسان العرب منَّا، ولعلَّه لغةٌ (٢)، وعن أبي عمرٍو الدُّوريِّ القارئ -وكان من أئمَّة اللُّغة- قال: هي لغة حِمْيَر، وأمَّا قولهم: إنَّه خالف المفسِّرين؛ فليس كذلك؛ فقد روي عن زيد بن أسلم نحو قوله، أسنده الدَّارقطنيُّ وذكره الأزهريُّ في كتابه «تهذيب اللُّغة»، وأمَّا قولهم: اختلفت المادَّتان؛ فليس بصحيحٍ؛ فقد تقدَّم حكاية ابن الأعرابيِّ عن العرب: عال الرَّجل يعول كثر عياله، وحكاية الكسائيِّ والدُّوريِّ، وقرأ طلحة بن مصرِّفٍ: (ألَّا تُعيلوا) بضمِّ تاء المضارعة، من أعال: كثر عياله، وهي تعضد تفسير الشَّافعيِّ من حيث المعنى، وقد بسط الإمام فخر الدِّين العبارة في الرَّدِّ على أبي بكر الرَّازيِّ، وقال: الطَّعن لا يصدر إلَّا عن كثرة الغباوة وقلَّة المعرفة، وقال الزَّمخشريُّ بعد أن وجَّه قول الشَّافعيِّ بنحو ما سبق: وكلام مثله من أعلام العلم وأئمَّة الشَّرع ورؤوس المجتهدين حقيقٌ بالحمل على الصِّحَّة والسَّداد، وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيِّ من كلام الشافعيِّ» شاهدًا بأنَّه أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكنَّ للعلماء طرقًا وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات (٣). انتهى. وقوله: «أعلى كعبًا»: مثلٌ لاطِّلاعه على علوم العربية، وكونه ذا حظٍّ وافرٍ فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ﴾ (﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ والطَّبريُّ: (النِّحْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «فالنِّحلة»: (المَهْرُ) وقيل: فريضةٌ مسمَّاةٌ، وقيل: عطيَّةٌ وهبةٌ، وسُمِّي الصَّداق نِحْلةً؛ من حيث إنَّه (٤) لا يجب في مقابلته غير التَّمتُّع دون عوضٍ (٥) ماليٍّ.