الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨
الحديث رقم ٤٥٨ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الْخَمْرِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: يَا كَعْبُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، أَيْ: الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ.
[الحديث ٤٥٧ - أطرافه في: ٢٧١٠، ٢٧٠٦، ٢٤٢٤، ٢٤١٨، ٤٧١]
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّقَاضِي) أَيْ مُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ قَضَاءَ الدَّيْنِ.
(وَالْمُلَازَمَةُ) أَيْ مُلَازَمَةُ الْغَرِيمِ، وَ (فِي الْمَسْجِدِ) يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّقَاضِي ظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ دُونَ الْمُلَازَمَةِ، أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَالَ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ لَزِمَهُ خَصْمُهُ فِي وَقْتِ التَّقَاضِي، وَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَنْتَظِرَانِ النَّبِيَّ ﷺ لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَإِذَا جَازَتِ الْمُلَازَمَةُ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ فَجَوَازُهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْلَى. انْتَهَى.
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ عَادَةِ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْمُلَازَمَةِ إِلَى مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ فِي بَابِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا تَسْمِيَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ وَذِكْرُ نِسْبَتِهِ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يَأْتِ مِنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى فَعْلَعٍ بِتَكْرِيرِ الْعَيْنِ غَيْرَ حَدْرَدٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ كَعْبٍ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، أَبُوهُ.
قَوْلُهُ: (دَيْنًا) وَقْعَ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ أُوقِيَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَقَاضِي.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ، فَظَاهِرُ الرِّوَايَتَيْنِ التَّخَالُفُ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِهِمَا أَوَّلًا ثُمَّ إِنَّ كَعْبًا أَشْخَصَ خَصْمَهُ لِلْمُحَاكَمَةِ، فَسَمِعَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَيْضًا وَهُوَ فِي بَيْتِهِ.
قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهُ ﷺ أَشَارَ إِلَى كَعْبٍ بِالْوَضِيعَةِ وَأَمَرَ غَرِيمَهُ بِالْقَضَاءِ، فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ ﷺ بِذَلِكَ تَقَدَّمَ لَهُمَا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْإِعَادَةِ. وَالْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنْ يُحْمَلَ الْمُرُورُ عَلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ لَا حِسِّيٍّ.
قَوْلُهُ: (سِجْفٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمِلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَحَكَى فَتْحَ أَوَّلِهِ وَهُوَ السِّتْرُ، وَقِيلَ أَحَدُ طَرَفَيِ السِّتْرِ الْمُفَرَّجِ.
قَوْلُهُ: (أَيِ الشَّطْرَ) بِالنَّصْبِ أَيْ: ضَعِ الشَّطْرَ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: هَذَا، وَالْمُرَادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ فَعَلْتُ) مُبَالَغَةٌ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ.
وَقَوْلُهُ: (قُمْ) خِطَابٌ لِابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْوَضِيعَةُ وَالتَّأْجِيلُ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ، وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَابًا يَأْتِي قَرِيبًا، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ رَفْعِهِ بِاللَّغَطِ وَنَحْوِهِ فَلَا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَوْ كَانَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لَمَا تَرَكَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَبَيَّنَ لَهُمَا ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَلِمَنْ مَنَعَ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ بِالطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى تَرْكِ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ الْمُقْتَضِي لِتَرْكِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ الصَّوْتِ. وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِذَا فُهِمَتْ وَالشَّفَاعَةُ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ، وَإِشَارَةُ الْحَاكِمِ بِالصُّلْحِ وَقَبُولُ الشَّفَاعَةِ، وَجَوَازُ إِرْخَاءِ السِّتْرِ عَلَى الْبَابِ.
٧٢ - بَاب كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ
٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ - أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٧٢) (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ، وَالتِقَاطِ الخِرَقِ) بكسر المُعجَمة وفتح الرَّاء، جمع خِرْقةٍ (وَ) التقاط (العِيدَانِ) بكسر العين، جمع عودٍ (وَالقَذَى) بفتح القاف والمُعجَمة: ما يسقط في العين والشَّراب، ثمَّ استُعمِل في كلِّ ما يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا كالقشِّ ونحوه، وفي رواية الأربعة: «القذى والعيدان» (١)، وللأَصيليِّ: «والقذى منه» أي: من المسجد، والجارُّ والمجرور مُضمَرٌ في رواية غيره، ومتعلِّقٌ بـ «الالتقاط».
٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بتصغير الأوَّل، وبالمُوحَّدة آخر الثَّاني، الأزديُّ الواشحيُّ، بشينٍ مُعجَمةٍ ثمَّ حاءٍ مُهمَلةٍ، البصريُّ قاضي مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو: ابن درهمٍ الأزديُّ الحمصيُّ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- الصَّائغ، التَّابعيِّ لا الصَّحابيِّ لأنَّ ثابتًا لم يدركه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) وعند ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: «امرأةً سوداء» من غير شكٍّ، وبه جزم أبو الشَّيخ في «كتاب الصَّلاة» له بسندٍ مُرسَلٍ، فالشَّكُّ هنا من ثابتٍ على الرَّاجح، وسمَّاها في رواية البيهقيِّ: أمَّ
محجنٍ (كَانَ يَقُمُّ) أو كانت تقمُّ (المَسْجِدَ) بضمِّ القاف، أي: تكنسه (١)، وفي بعض طرقه: «كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد» وبذلك تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث (فَمَاتَ) أو ماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ) أو عنها النَّاس (فَقَالُوا: مَاتَ) أو ماتت، وأفاد البيهقيُّ في روايته: أنَّ الَّذي أجاب النَّبيَّ ﷺ هو أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ (قَالَ) ﵊، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (أَفَلَا) إذا دفنتم فلا (٢) (كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) بالمدِّ، أي: أعلمتموني (بِهِ) أو بها حتَّى أصلِّي عليه أو عليها، وعند المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٣٧]: «فحقَّروا شأنه»، ولابن خزيمة: قالوا: «مات من اللَّيل فكرهنا أن نوقظك»، وحذف «كانت» بعد قوله: «كان يقمُّ (٣)» كحذف مؤنث باقيها الَّذي قدّرته للدَّلالة عليه، ثمَّ قال ﵊: (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ:) عَلَى (قَبْرِهَا) على الشَّكِّ (فَأَتَى) رسول الله ﷺ (قَبْرَهُ) ولابن عساكر: «قبرها»
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: يَا كَعْبُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، أَيْ: الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ.
[الحديث ٤٥٧ - أطرافه في: ٢٧١٠، ٢٧٠٦، ٢٤٢٤، ٢٤١٨، ٤٧١]
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّقَاضِي) أَيْ مُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ قَضَاءَ الدَّيْنِ.
(وَالْمُلَازَمَةُ) أَيْ مُلَازَمَةُ الْغَرِيمِ، وَ (فِي الْمَسْجِدِ) يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّقَاضِي ظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ دُونَ الْمُلَازَمَةِ، أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَالَ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ لَزِمَهُ خَصْمُهُ فِي وَقْتِ التَّقَاضِي، وَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَنْتَظِرَانِ النَّبِيَّ ﷺ لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَإِذَا جَازَتِ الْمُلَازَمَةُ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ فَجَوَازُهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْلَى. انْتَهَى.
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ عَادَةِ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْمُلَازَمَةِ إِلَى مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ فِي بَابِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا تَسْمِيَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ وَذِكْرُ نِسْبَتِهِ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يَأْتِ مِنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى فَعْلَعٍ بِتَكْرِيرِ الْعَيْنِ غَيْرَ حَدْرَدٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ كَعْبٍ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، أَبُوهُ.
قَوْلُهُ: (دَيْنًا) وَقْعَ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ أُوقِيَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَقَاضِي.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ، فَظَاهِرُ الرِّوَايَتَيْنِ التَّخَالُفُ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِهِمَا أَوَّلًا ثُمَّ إِنَّ كَعْبًا أَشْخَصَ خَصْمَهُ لِلْمُحَاكَمَةِ، فَسَمِعَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَيْضًا وَهُوَ فِي بَيْتِهِ.
قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهُ ﷺ أَشَارَ إِلَى كَعْبٍ بِالْوَضِيعَةِ وَأَمَرَ غَرِيمَهُ بِالْقَضَاءِ، فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ ﷺ بِذَلِكَ تَقَدَّمَ لَهُمَا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْإِعَادَةِ. وَالْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنْ يُحْمَلَ الْمُرُورُ عَلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ لَا حِسِّيٍّ.
قَوْلُهُ: (سِجْفٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمِلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَحَكَى فَتْحَ أَوَّلِهِ وَهُوَ السِّتْرُ، وَقِيلَ أَحَدُ طَرَفَيِ السِّتْرِ الْمُفَرَّجِ.
قَوْلُهُ: (أَيِ الشَّطْرَ) بِالنَّصْبِ أَيْ: ضَعِ الشَّطْرَ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: هَذَا، وَالْمُرَادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ فَعَلْتُ) مُبَالَغَةٌ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ.
وَقَوْلُهُ: (قُمْ) خِطَابٌ لِابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْوَضِيعَةُ وَالتَّأْجِيلُ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ، وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَابًا يَأْتِي قَرِيبًا، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ رَفْعِهِ بِاللَّغَطِ وَنَحْوِهِ فَلَا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَوْ كَانَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لَمَا تَرَكَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَبَيَّنَ لَهُمَا ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَلِمَنْ مَنَعَ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ بِالطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى تَرْكِ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ الْمُقْتَضِي لِتَرْكِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ الصَّوْتِ. وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِذَا فُهِمَتْ وَالشَّفَاعَةُ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ، وَإِشَارَةُ الْحَاكِمِ بِالصُّلْحِ وَقَبُولُ الشَّفَاعَةِ، وَجَوَازُ إِرْخَاءِ السِّتْرِ عَلَى الْبَابِ.
٧٢ - بَاب كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ
٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ - أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٧٢) (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ، وَالتِقَاطِ الخِرَقِ) بكسر المُعجَمة وفتح الرَّاء، جمع خِرْقةٍ (وَ) التقاط (العِيدَانِ) بكسر العين، جمع عودٍ (وَالقَذَى) بفتح القاف والمُعجَمة: ما يسقط في العين والشَّراب، ثمَّ استُعمِل في كلِّ ما يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا كالقشِّ ونحوه، وفي رواية الأربعة: «القذى والعيدان» (١)، وللأَصيليِّ: «والقذى منه» أي: من المسجد، والجارُّ والمجرور مُضمَرٌ في رواية غيره، ومتعلِّقٌ بـ «الالتقاط».
٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بتصغير الأوَّل، وبالمُوحَّدة آخر الثَّاني، الأزديُّ الواشحيُّ، بشينٍ مُعجَمةٍ ثمَّ حاءٍ مُهمَلةٍ، البصريُّ قاضي مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو: ابن درهمٍ الأزديُّ الحمصيُّ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- الصَّائغ، التَّابعيِّ لا الصَّحابيِّ لأنَّ ثابتًا لم يدركه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) وعند ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: «امرأةً سوداء» من غير شكٍّ، وبه جزم أبو الشَّيخ في «كتاب الصَّلاة» له بسندٍ مُرسَلٍ، فالشَّكُّ هنا من ثابتٍ على الرَّاجح، وسمَّاها في رواية البيهقيِّ: أمَّ
محجنٍ (كَانَ يَقُمُّ) أو كانت تقمُّ (المَسْجِدَ) بضمِّ القاف، أي: تكنسه (١)، وفي بعض طرقه: «كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد» وبذلك تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث (فَمَاتَ) أو ماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ) أو عنها النَّاس (فَقَالُوا: مَاتَ) أو ماتت، وأفاد البيهقيُّ في روايته: أنَّ الَّذي أجاب النَّبيَّ ﷺ هو أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ (قَالَ) ﵊، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (أَفَلَا) إذا دفنتم فلا (٢) (كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) بالمدِّ، أي: أعلمتموني (بِهِ) أو بها حتَّى أصلِّي عليه أو عليها، وعند المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٣٧]: «فحقَّروا شأنه»، ولابن خزيمة: قالوا: «مات من اللَّيل فكرهنا أن نوقظك»، وحذف «كانت» بعد قوله: «كان يقمُّ (٣)» كحذف مؤنث باقيها الَّذي قدّرته للدَّلالة عليه، ثمَّ قال ﵊: (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ:) عَلَى (قَبْرِهَا) على الشَّكِّ (فَأَتَى) رسول الله ﷺ (قَبْرَهُ) ولابن عساكر: «قبرها»