الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٠٣
الحديث رقم ٤٦٠٣ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٤٦٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْخُرُوجِ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْخَاتِمَةِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْوُثُوقِ بِإِيمَانِهِمْ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الطَّبَقَةَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَهُمُ الصَّحَابَةُ كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ وُجِدَ بَيْنَهُمْ مَنِ ارْتَدَّ وَنَافَقَ، فَالطَّبَقَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَمْكَنُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ كَأَنَّهُ تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ صِدْقِ مَقَالَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَرَمَانِي) أَيْ: حُذَيْفَةُ رَمَى الْأَسْوَدَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ) أَيْ: مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، أَيْ: فَهِمَ مُرَادِي وَعَرَفَ أَنَّهُ الْحَقُّ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: رَجَعُوا عَنِ النِّفَاقِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ وَالنِّفَاقَ كُلٌّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صِحَّةُ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَقَبُولُهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ فَإِنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٦ - بَاب ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾
٤٦٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
٤٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، لَكِنْ سَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بَابُ.
قَوْلُهُ: (مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ: لِعَبْدٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ) يَحْتَمِلُ أَنَّ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَبْدَ الْقَائِلَ هُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَهُ تَوَاضُعًا، وَدَلَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِيَ حَدِيثَيِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ كَذَبَ) أَيْ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٢٧ - بَاب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ وَالْكَلَالَةُ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ أَوْ ابْنٌ وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ
٤٦٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ سَاقُوا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ وَسَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (يَسْتَفْتُونَكَ) أَيْ: عَنْ مَوَارِيثِ الْكَلَالَةِ، وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلِ
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾
قَوْلُهُ: (وَالْكَلَالَةُ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ وَلَا ابْنٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُمْ إِلَّا تَوَاطَئُوا عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ هُوَ أَبُو مَيْسَرَةَ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ) أَيْ: تَعَطَّفَ النَّسَبُ عَلَيْهِ، وَزَادَ غَيْرُهُ: كَأَنَّهُ أَخَذَ طَرَفَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُمَا أَحَدٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، قَالُوا: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِكْلِيلِ، كَأَنَّ الْوَرَثَةَ أَحَاطُوا بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا ابْنٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ كَلَّ يَكِلُّ، يُقَالُ: كَلَّتِ الرَّحِمُ إِذَا تَبَاعَدَتْ وَطَالَ انْتِسَابُهَا. وَقِيلَ: الْكَلَالَةُ مَنْ سِوَى الْوَلَدِ، وَزَادَ الدَّاوُدِيُّ: وَوَلَدُ الْوَلَدِ، وَقِيلَ: مَنْ سِوَى الْوَالِدِ، وَقِيلَ: هُمُ الْإِخْوَةُ، وَقِيلَ: مِنَ الْأُمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَ الْمَيِّتُ الَّذِي لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ كَلَالَةً، وَسُمِّيَ الْوَارِثُ كَلَالَةً، وَسُمِّيَ الْإِرْثُ كَلَالَةً. وَعَنْ عَطَاءٍ: الْكَلَالَةُ هِيَ الْمَالُ، وَقِيلَ: الْفَرِيضَةُ، وَقِيلَ: الْوَرَثَةُ وَالْمَالُ، وَقِيلَ: بَنُو الْعَمِّ وَنَحْوُهُمْ، وَقِيلَ: الْعَصَبَاتُ وَإِنْ بَعُدُوا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَقُلْ فِي الْكَلَالَةِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَخِيرَةِ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ وَآخِرُ شَيْءٍ نَزَلَ فَذَكَرَهَا. وَفِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اشْتَكَيْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي لِأَخَوَاتِي بِالثُّلُثِ؟ قَالَ: أَحْسِنْ. قُلْتُ: بِالشَّطْرِ. قَالَ: أَحْسِنْ. ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَا أُرَاكَ تَمُوتُ مِنْ وَجَعِكَ هَذَا، إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ وَبَيَّنَ مَا لِأَخَوَاتِكَ وَهُوَ الثُّلُثَانِ، فَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ قُلْتُ: وَهَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى لِجَابِرٍ غَيْرُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْمُسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأُخْتَ تَرِثُ مَعَ الْبِنْتِ، خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ قَالَ: لَا تَرِثُ الْأُخْتُ إِلَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بِنْتٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ قَالَ: وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ، ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [٨/ ١١٨] كَذَا قَالَ، وَسَأَذْكُرُ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي الْفَرَائِضِ.
٥ - الْمَائِدَةِ
١ - بَاب ﴿حُرُمٌ﴾ واحِدُهَا: حَرَامٌ، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ بِنَقْضِهِمْ، ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾ جَعَلَ اللَّهُ، تَبُوءُ: تَحْمِلُ، ﴿دَائِرَةٌ﴾ دَوْلَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْإِغْرَاءُ: التَّسْلِيطُ، ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ، ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الْأَمِينُ، الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الْمَائِدَةِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْمَائِدَةُ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، أَيْ: مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا، وَقِيلَ عَلَى بَابِهَا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ مُبَيَّنًا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وَاحِدُهَا: حَرَامٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَزَادَ: حَرَامٌ بِمَعْنَى مُحْرِمٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابِ بِإِسْكَانِهَا وَهِيَ لُغَةٌ كَرُسُلٍ وَرُسْلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾: بِنَقْضِهِمْ) هُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أَيْ: فَبِنَقْضِهِمْ قَالَ: وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ مَا فِي كَلَامِهِمْ تَوْكِيدًا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَبْلَهَا يُجَرُّ أَوْ يُرْفَعُ أَوْ يُنْصَبُ
عَمِلَ فِيمَا بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾ أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَا قَوْمِ ادْخُلُوا ﴿الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ وَقَضَى، وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: كَتَبَ لَكُمْ، أَيْ: وَهَبَ لَكُمْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَمَرَ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَدَّرَهَا لِسُكْنَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا يَرِدُ كَوْنُ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ لَمْ يَسْكُنُوهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُهُمْ، بَلْ قَدْ سَكَنَهَا بَعْضُ أُولَئِكَ كَيُوشَعَ وَهُوَ مِمَّنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: ﴿تَبُوءَ﴾ تَحْمِلَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: تَحْمِلَ إِثْمِي وَإِثْمَكَ. قَالَ: وَلَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ: تَبُوءَ، أَيْ: تُقِرَّ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ﴾ أَنْ تَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتُكَ وَدَمِي، قَالَ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إِثْمِي، أَيْ: إِثْمُ قَتْلِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَتْلَ يَمْحُوَ خَطَايَا الْمَقْتُولِ، وَتُحْمَلُ عَلَى الْقَاتِلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ يُوَفَّى مِنْهَا الْمَقْتُولُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْإِغْرَاءُ: التَّسْلِيطُ) هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَلَمْ أَعْرِفِ الْغَيْرَ وَلَا مَنْ عَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِنَقْلِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحَدٍ، نَعَمْ سَقَطَ: وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَأَنَّهُ أَصْوَبُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَقَالَ غَيْرُ مَنْ فَسَّرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ بِالْإِجَازَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَخْمَصَةٌ: مَجَاعَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْإِغْرَاءُ: التَّسْلِيطُ. وَهَذَا أَوْجَهُ. وَتَفْسِيرُ الْمَخْمَصَةِ وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْأُخْرَى بَعْدَ هَذَا، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي وَضْعِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ وَقَعَ مِمَّنْ نَسَخَ كِتَابَ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ غَالِبًا. وَتَفْسِيرُ الْإِغْرَاءِ بِالتَّسْلِيطِ يُلَازِمُ مَعْنَى الْإِغْرَاءِ. لأن حَقِيقَةُ الْإِغْرَاءِ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: التَّهْيِيجُ لِلْإِفْسَادِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (وأَغْرَيْنَا) قَالَ: أَلْقَيْنَا، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بِمَا وَقَعَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ: (الْمُهَيْمِنُ الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ) أَوْرَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ كَانَ قَبْلَهُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَرْبَدَةَ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ: مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ مُفَيْعِلٌ مِنْ أَيْمَنَ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ هَاءً، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ فَبَالَغَ حَتَّى نَسَبَ قَائِلَهُ إِلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْمُهَيْمِنَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُصَغَّرُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مُبْدَلًا مِنْ شَيْءٍ، وَأَصْلُ الْهَيْمَنَةِ الْحِفْظُ وَالِارْتِقَابُ تَقُولُ: هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا صَارَ رَقِيبًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَجِئْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ إِلَّا أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: مُبَيْطِرٌ وَمُسَيْطِرٌ وَمُهَيْمِنٌ وَمُبَيْقِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْفَرَائِضِ فَقَدْ أَخَلَّ بِالْجَمِيعِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَطْلَقَ كَوْنَهَا أَشَدَّ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا كَانَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْإِصْرِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ، فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَحْبَارِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَتُؤْمِنُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَتَشْهَدُ أَنَّهَا حَقٌّ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ كَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ بِبَيَانِهِ، فَأَنَا أَبْرَأُ مِمَّا أَحْدَثْتُمُوهُ. قَالُوا: فَإِنَّا نَتَمَسَّكُ بِمَا فِي أَيْدِينَا مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَلَا نُؤْمِنُ بِكَ وَلَا بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٦٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لعبدٍ» بدل قوله: «لأحد (١)» وسقط لأبي ذرٍّ «قال» (أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) بفتح الميم والمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة مقصورًا، اسم أبيه، وقيل: اسم أمِّه، أي: ليس لأحدٍ أن يفضِّل نفسه على يونس، أو ليس لأحدٍ أن يفضِّلني عليه، وهذا منه ﷺ على طريق التَّواضع، فلا يُعارَض بحديث: «أنا سيد ولد آدم» الصَّادر منه ﷺ على طريق التَّحدُّث بالنِّعمة، والإعلام للأمَّة برفيع منزلته ليعتقدوه، أو قال الأوَّل قبل أن يَعْلَم الثَّاني.
٤٦٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين وتخفيف النُّون، العَوَقِيُّ -بفتح العين المهملة (٢) والواو بعدها قافٌ- الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ مصغَّرًا، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ) يعني: نفسه أو النَّبيَّ ﷺ (مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؛ فَقَدْ كَذَبَ) لعلَّه قال ذلك زجرًا عن توهُّم حطِّ مرتبة يونس (٣) لِمَا (٤) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] فقاله سدًّا للذريعة، وهذا هو السَّبب في تخصيص يونس بالذِّكر من بين سائر الأنبياء ﵈.
وهذا الحديث قد ذكره في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤١٥].
(٢٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، وسقط لغير أبي (٢) ذرٍّ لفظ «باب» في قوله تعالى: (﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾) أي: في الكلالة، حُذِف لدلالة الثَّاني عليه في قوله: (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾) أي: مات، وارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بالمضمر المفسَّر بالمذكور (﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾) أي: ابنٌ، صفة لـ ﴿امْرُؤٌ﴾ واستدلَّ به من قال: ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي انتفاء (٣) الولد، وهو روايةٌ عن عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه، رواها ابن جريرٍ عنه بإسنادٍ صحيحٍ إليه، لكنَّ الذي عليه الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين: أنَّه من لا ولد له ولا والد (٤)، وهو قول أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه، أخرجه ابن أبي شيبة، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: (﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾) ولو كان معها أبٌ لم ترث شيئًا؛ لأنَّه يحجبها بالإجماع، فدلَّ على أنَّه من لا ولد له بنصِّ القرآن، ولا والد بالنَّصِّ عند التَّأمل أيضًا؛ لأنَّ الأخت لا يُفرَض لها النِّصف مع الوالد، بل ليس لها ميراثٌ بالكلِّيَّة، والمراد: الأخت من الأبوين أو الأب؛ لأنَّه جعل أخوها عصبةً، وابن الأمِّ لا يكون
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْخُرُوجِ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْخَاتِمَةِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْوُثُوقِ بِإِيمَانِهِمْ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الطَّبَقَةَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَهُمُ الصَّحَابَةُ كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ وُجِدَ بَيْنَهُمْ مَنِ ارْتَدَّ وَنَافَقَ، فَالطَّبَقَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَمْكَنُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ كَأَنَّهُ تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ صِدْقِ مَقَالَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَرَمَانِي) أَيْ: حُذَيْفَةُ رَمَى الْأَسْوَدَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ) أَيْ: مِنِ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ، أَيْ: فَهِمَ مُرَادِي وَعَرَفَ أَنَّهُ الْحَقُّ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: رَجَعُوا عَنِ النِّفَاقِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ وَالنِّفَاقَ كُلٌّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صِحَّةُ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَقَبُولُهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ فَإِنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٦ - بَاب ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾
٤٦٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
٤٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، لَكِنْ سَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بَابُ.
قَوْلُهُ: (مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ: لِعَبْدٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ) يَحْتَمِلُ أَنَّ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَبْدَ الْقَائِلَ هُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَهُ تَوَاضُعًا، وَدَلَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِيَ حَدِيثَيِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ كَذَبَ) أَيْ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٢٧ - بَاب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ وَالْكَلَالَةُ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ أَوْ ابْنٌ وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ
٤٦٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ سَاقُوا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ وَسَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (يَسْتَفْتُونَكَ) أَيْ: عَنْ مَوَارِيثِ الْكَلَالَةِ، وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلِ
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾
قَوْلُهُ: (وَالْكَلَالَةُ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ وَلَا ابْنٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُمْ إِلَّا تَوَاطَئُوا عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ هُوَ أَبُو مَيْسَرَةَ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ) أَيْ: تَعَطَّفَ النَّسَبُ عَلَيْهِ، وَزَادَ غَيْرُهُ: كَأَنَّهُ أَخَذَ طَرَفَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُمَا أَحَدٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، قَالُوا: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِكْلِيلِ، كَأَنَّ الْوَرَثَةَ أَحَاطُوا بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا ابْنٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ كَلَّ يَكِلُّ، يُقَالُ: كَلَّتِ الرَّحِمُ إِذَا تَبَاعَدَتْ وَطَالَ انْتِسَابُهَا. وَقِيلَ: الْكَلَالَةُ مَنْ سِوَى الْوَلَدِ، وَزَادَ الدَّاوُدِيُّ: وَوَلَدُ الْوَلَدِ، وَقِيلَ: مَنْ سِوَى الْوَالِدِ، وَقِيلَ: هُمُ الْإِخْوَةُ، وَقِيلَ: مِنَ الْأُمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَ الْمَيِّتُ الَّذِي لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ كَلَالَةً، وَسُمِّيَ الْوَارِثُ كَلَالَةً، وَسُمِّيَ الْإِرْثُ كَلَالَةً. وَعَنْ عَطَاءٍ: الْكَلَالَةُ هِيَ الْمَالُ، وَقِيلَ: الْفَرِيضَةُ، وَقِيلَ: الْوَرَثَةُ وَالْمَالُ، وَقِيلَ: بَنُو الْعَمِّ وَنَحْوُهُمْ، وَقِيلَ: الْعَصَبَاتُ وَإِنْ بَعُدُوا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَقُلْ فِي الْكَلَالَةِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَخِيرَةِ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ وَآخِرُ شَيْءٍ نَزَلَ فَذَكَرَهَا. وَفِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اشْتَكَيْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي لِأَخَوَاتِي بِالثُّلُثِ؟ قَالَ: أَحْسِنْ. قُلْتُ: بِالشَّطْرِ. قَالَ: أَحْسِنْ. ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَا أُرَاكَ تَمُوتُ مِنْ وَجَعِكَ هَذَا، إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ وَبَيَّنَ مَا لِأَخَوَاتِكَ وَهُوَ الثُّلُثَانِ، فَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ قُلْتُ: وَهَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى لِجَابِرٍ غَيْرُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْمُسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأُخْتَ تَرِثُ مَعَ الْبِنْتِ، خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ قَالَ: لَا تَرِثُ الْأُخْتُ إِلَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بِنْتٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ قَالَ: وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ، ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [٨/ ١١٨] كَذَا قَالَ، وَسَأَذْكُرُ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي الْفَرَائِضِ.
٥ - الْمَائِدَةِ
١ - بَاب ﴿حُرُمٌ﴾ واحِدُهَا: حَرَامٌ، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ بِنَقْضِهِمْ، ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾ جَعَلَ اللَّهُ، تَبُوءُ: تَحْمِلُ، ﴿دَائِرَةٌ﴾ دَوْلَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْإِغْرَاءُ: التَّسْلِيطُ، ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ، ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الْأَمِينُ، الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الْمَائِدَةِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْمَائِدَةُ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، أَيْ: مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا، وَقِيلَ عَلَى بَابِهَا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ مُبَيَّنًا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وَاحِدُهَا: حَرَامٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَزَادَ: حَرَامٌ بِمَعْنَى مُحْرِمٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابِ بِإِسْكَانِهَا وَهِيَ لُغَةٌ كَرُسُلٍ وَرُسْلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾: بِنَقْضِهِمْ) هُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أَيْ: فَبِنَقْضِهِمْ قَالَ: وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ مَا فِي كَلَامِهِمْ تَوْكِيدًا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَبْلَهَا يُجَرُّ أَوْ يُرْفَعُ أَوْ يُنْصَبُ
عَمِلَ فِيمَا بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾ أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَا قَوْمِ ادْخُلُوا ﴿الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ وَقَضَى، وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: كَتَبَ لَكُمْ، أَيْ: وَهَبَ لَكُمْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَمَرَ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَدَّرَهَا لِسُكْنَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا يَرِدُ كَوْنُ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ لَمْ يَسْكُنُوهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُهُمْ، بَلْ قَدْ سَكَنَهَا بَعْضُ أُولَئِكَ كَيُوشَعَ وَهُوَ مِمَّنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: ﴿تَبُوءَ﴾ تَحْمِلَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ: تَحْمِلَ إِثْمِي وَإِثْمَكَ. قَالَ: وَلَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ: تَبُوءَ، أَيْ: تُقِرَّ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ﴾ أَنْ تَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتُكَ وَدَمِي، قَالَ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إِثْمِي، أَيْ: إِثْمُ قَتْلِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَتْلَ يَمْحُوَ خَطَايَا الْمَقْتُولِ، وَتُحْمَلُ عَلَى الْقَاتِلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ يُوَفَّى مِنْهَا الْمَقْتُولُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْإِغْرَاءُ: التَّسْلِيطُ) هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَلَمْ أَعْرِفِ الْغَيْرَ وَلَا مَنْ عَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِنَقْلِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحَدٍ، نَعَمْ سَقَطَ: وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَأَنَّهُ أَصْوَبُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَقَالَ غَيْرُ مَنْ فَسَّرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ بِالْإِجَازَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَخْمَصَةٌ: مَجَاعَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْإِغْرَاءُ: التَّسْلِيطُ. وَهَذَا أَوْجَهُ. وَتَفْسِيرُ الْمَخْمَصَةِ وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْأُخْرَى بَعْدَ هَذَا، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي وَضْعِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ وَقَعَ مِمَّنْ نَسَخَ كِتَابَ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ غَالِبًا. وَتَفْسِيرُ الْإِغْرَاءِ بِالتَّسْلِيطِ يُلَازِمُ مَعْنَى الْإِغْرَاءِ. لأن حَقِيقَةُ الْإِغْرَاءِ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: التَّهْيِيجُ لِلْإِفْسَادِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (وأَغْرَيْنَا) قَالَ: أَلْقَيْنَا، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بِمَا وَقَعَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مُهُورَهُنَّ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ: (الْمُهَيْمِنُ الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ) أَوْرَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ كَانَ قَبْلَهُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَرْبَدَةَ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ: مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ مُفَيْعِلٌ مِنْ أَيْمَنَ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ هَاءً، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ فَبَالَغَ حَتَّى نَسَبَ قَائِلَهُ إِلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْمُهَيْمِنَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُصَغَّرُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مُبْدَلًا مِنْ شَيْءٍ، وَأَصْلُ الْهَيْمَنَةِ الْحِفْظُ وَالِارْتِقَابُ تَقُولُ: هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا صَارَ رَقِيبًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَجِئْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ إِلَّا أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: مُبَيْطِرٌ وَمُسَيْطِرٌ وَمُهَيْمِنٌ وَمُبَيْقِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْفَرَائِضِ فَقَدْ أَخَلَّ بِالْجَمِيعِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَطْلَقَ كَوْنَهَا أَشَدَّ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا كَانَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْإِصْرِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ، فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَحْبَارِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَتُؤْمِنُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَتَشْهَدُ أَنَّهَا حَقٌّ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ كَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ بِبَيَانِهِ، فَأَنَا أَبْرَأُ مِمَّا أَحْدَثْتُمُوهُ. قَالُوا: فَإِنَّا نَتَمَسَّكُ بِمَا فِي أَيْدِينَا مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَلَا نُؤْمِنُ بِكَ وَلَا بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٦٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لعبدٍ» بدل قوله: «لأحد (١)» وسقط لأبي ذرٍّ «قال» (أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) بفتح الميم والمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة مقصورًا، اسم أبيه، وقيل: اسم أمِّه، أي: ليس لأحدٍ أن يفضِّل نفسه على يونس، أو ليس لأحدٍ أن يفضِّلني عليه، وهذا منه ﷺ على طريق التَّواضع، فلا يُعارَض بحديث: «أنا سيد ولد آدم» الصَّادر منه ﷺ على طريق التَّحدُّث بالنِّعمة، والإعلام للأمَّة برفيع منزلته ليعتقدوه، أو قال الأوَّل قبل أن يَعْلَم الثَّاني.
٤٦٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين وتخفيف النُّون، العَوَقِيُّ -بفتح العين المهملة (٢) والواو بعدها قافٌ- الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ مصغَّرًا، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ) يعني: نفسه أو النَّبيَّ ﷺ (مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؛ فَقَدْ كَذَبَ) لعلَّه قال ذلك زجرًا عن توهُّم حطِّ مرتبة يونس (٣) لِمَا (٤) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] فقاله سدًّا للذريعة، وهذا هو السَّبب في تخصيص يونس بالذِّكر من بين سائر الأنبياء ﵈.
وهذا الحديث قد ذكره في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤١٥].
(٢٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، وسقط لغير أبي (٢) ذرٍّ لفظ «باب» في قوله تعالى: (﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾) أي: في الكلالة، حُذِف لدلالة الثَّاني عليه في قوله: (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾) أي: مات، وارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بالمضمر المفسَّر بالمذكور (﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾) أي: ابنٌ، صفة لـ ﴿امْرُؤٌ﴾ واستدلَّ به من قال: ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي انتفاء (٣) الولد، وهو روايةٌ عن عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه، رواها ابن جريرٍ عنه بإسنادٍ صحيحٍ إليه، لكنَّ الذي عليه الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين: أنَّه من لا ولد له ولا والد (٤)، وهو قول أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه، أخرجه ابن أبي شيبة، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: (﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾) ولو كان معها أبٌ لم ترث شيئًا؛ لأنَّه يحجبها بالإجماع، فدلَّ على أنَّه من لا ولد له بنصِّ القرآن، ولا والد بالنَّصِّ عند التَّأمل أيضًا؛ لأنَّ الأخت لا يُفرَض لها النِّصف مع الوالد، بل ليس لها ميراثٌ بالكلِّيَّة، والمراد: الأخت من الأبوين أو الأب؛ لأنَّه جعل أخوها عصبةً، وابن الأمِّ لا يكون