الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٠٧
الحديث رقم ٤٦٠٧ من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٥١⦘
النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ، أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ.»
٤٦٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
جَعَلْنَاهُ عِيدًا بَعْدَ إِدْرَاكِنَا اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ يَوْمَ النُّزُولِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النُّزُولَ كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْعِيدُ إِلَّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ نَهَارًا تَكُونُ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، انْتَهَى. وَالتَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّكَلُّفِ؛ فَإِنَّ الْعِيدَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي كُلِّ عَامٍ. وَقَدْ نَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ، عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الْعِيدَ هُوَ السُّرُورُ الْعَائِدُ وَأَقَرَّ ذَلِكَ، فَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ شُرِعَ تَعْظِيمُهُ يُسَمَّى عِيدًا انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ عِيدٌ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، وَهُوَ لِلْحُجَّاجِ خَاصَّةً، وَلِهَذَا يُكْرَهُ لَهُمْ صَوْمُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَيُسْتَحَبُّ، وَيَوْمُ الْعِيدِ لَا يُصَامُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ مَنْ رَوَى فِي حَدِيثِ الْبَابِ، أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ عِيدٍ، وَأَنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا تَعْلِيلُهُ لِتَرْكِ جَعْلِهِ عِيدًا بِأَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُتَّخَذَ عِيدًا، وَيُعَظَّمُ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ أَوَّلِهِ لِوُقُوعِ مُوجَبِ التَّعْظِيمِ فِي أَثْنَائِهِ، وَالتَّنْظِيرُ الَّذِي نَظَّرَ بِهِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ سَيْرِ الْهِلَالِ، وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِنْ خَفَاءِ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَضَعَّفَ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، وَعَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرُوحُوا إِلَى مِنًى وَصَلَّى الظُّهْرَ بِهَا، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَدِيثُ عُمَرَ أَوْلَى، هُوَ كَمَا قَالَ.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَزِيَّةِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْتَارُ لِرَسُولِهِ الْأَفْضَلَ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ تَشْرُفُ بِشَرَفِ الْأَزْمِنَةِ كَالْأَمْكِنَةِ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّاعَةَ الْمُسْتَجَابَ فِيهَا الدُّعَاءُ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ رَزِينٌ فِي جَامِعِهِ مَرْفُوعًا: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةٍ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ حَدِيثٌ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ صَحَابِيَّهُ وَلَا مَنْ أَخْرَجَهُ، بَلْ أَدْرَجَهُ فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُرْسَلًا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَلَيْسَتِ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُوَطَّآتِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِالسَّبْعِينَ التَّحْدِيدُ أَوِ الْمُبَالَغَةُ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَثَبَتَتِ الْمَزِيَّةُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، ﴿آمِّينَ﴾ عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَ ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَالْإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ
٤٦٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ؟ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، لَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ [المائدة: ٦] وَ ﴿تَمَسُّوهُنُّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) وفي الفرع: «ولمستموهنَّ» والأوَّل هو الذي في «أصله» (و ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] والإِفْضَاءُ) الأربعة معناها: (النِّكَاحُ) فالأوَّل: وصله إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» من طريق مجاهدٍ عنه، والثَّاني: وصله ابن المنذر، والثَّالث: ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة (١) عنه، والرَّابع: ابن أبي حاتمٍ من طريق بكر بن عبد الله المزنيِّ (٢) عن ابن عبَّاسٍ.
٤٦٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّها (قالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «مع النَّبيِّ» (ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) هو غزوة بني المُصْطَلِق، وكانت سنة ستٍّ أو خمسٍ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح الموحَّدة والمدٍّ (أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ) بفتح الجيم وبعد الياء السَّاكنة شينٌ معجمةٌ، موضعين بين مكَّة والمدينة، والشَّكُّ من عائشة (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي) بكسر العين وسكون القاف، أي: قلادةٌ، وإضافته لها باعتبار استيلائها لمنفعته، وإلَّا فهو لأسماء استعارته منها (فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِه، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ
الصِّدِّيقِ) ﵁، وسقط لفظ «الصِّدِّيق» لأبي ذرٍّ (فَقَالُوا) له: (أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟! أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ) بحرف الجرٍّ (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذَّال المعجمة (قَدْ نَامَ، فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَ) حبست (النَّاسَ، ولَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقالت» (عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) قال: حبستِ النَّاس في قلادةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تكونين عَناءً (وَجَعَلَ يَطْعَُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) بضمِّ عين «يطعَُنُني»، وقد تُفتَح (وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيْنَ أَصْبَحَ) ولغير أبوي ذر والوقت: «حتَّى أصبح (١)» (عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) التي بالمائدة، زاد أبو ذرٍّ: «فتيمَّموا» بلفظ الماضي، أي: تيمَّم النَّاس لأجل الآية، أو هو أمرٌ على ما هو لفظ القرآن، ذكره بيانًا أو بدلًا عن (٢) «آية التَّيمُّم» أي: أنزل الله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ وفي نسخةٍ: «فتيمَّمنا» (فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بضمِّ الحاء وفتح الضَّاد المعجمة مصغَّرًا كسابقه، الأنصاريُّ الأشهليُّ: (مَا هِيَ) أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التَّيمُّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ (٣) أَبِي بَكْرٍ) بل هي مسبوقة بغيرها (قَالَتْ) عائشة: (فَبَعَثْنَا) أي: أثرنا (البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ) راكبةً (عَلَيْهِ) حالة السَّير (فَإِذَا العِقْدُ تَحْتَهُ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
جَعَلْنَاهُ عِيدًا بَعْدَ إِدْرَاكِنَا اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ يَوْمَ النُّزُولِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النُّزُولَ كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْعِيدُ إِلَّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ نَهَارًا تَكُونُ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، انْتَهَى. وَالتَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّكَلُّفِ؛ فَإِنَّ الْعِيدَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي كُلِّ عَامٍ. وَقَدْ نَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ، عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الْعِيدَ هُوَ السُّرُورُ الْعَائِدُ وَأَقَرَّ ذَلِكَ، فَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ شُرِعَ تَعْظِيمُهُ يُسَمَّى عِيدًا انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ عِيدٌ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، وَهُوَ لِلْحُجَّاجِ خَاصَّةً، وَلِهَذَا يُكْرَهُ لَهُمْ صَوْمُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَيُسْتَحَبُّ، وَيَوْمُ الْعِيدِ لَا يُصَامُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ مَنْ رَوَى فِي حَدِيثِ الْبَابِ، أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ عِيدٍ، وَأَنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا تَعْلِيلُهُ لِتَرْكِ جَعْلِهِ عِيدًا بِأَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُتَّخَذَ عِيدًا، وَيُعَظَّمُ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ أَوَّلِهِ لِوُقُوعِ مُوجَبِ التَّعْظِيمِ فِي أَثْنَائِهِ، وَالتَّنْظِيرُ الَّذِي نَظَّرَ بِهِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ سَيْرِ الْهِلَالِ، وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِنْ خَفَاءِ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَضَعَّفَ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، وَعَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرُوحُوا إِلَى مِنًى وَصَلَّى الظُّهْرَ بِهَا، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَدِيثُ عُمَرَ أَوْلَى، هُوَ كَمَا قَالَ.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَزِيَّةِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْتَارُ لِرَسُولِهِ الْأَفْضَلَ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ تَشْرُفُ بِشَرَفِ الْأَزْمِنَةِ كَالْأَمْكِنَةِ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّاعَةَ الْمُسْتَجَابَ فِيهَا الدُّعَاءُ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ رَزِينٌ فِي جَامِعِهِ مَرْفُوعًا: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةٍ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ حَدِيثٌ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ صَحَابِيَّهُ وَلَا مَنْ أَخْرَجَهُ، بَلْ أَدْرَجَهُ فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُرْسَلًا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَلَيْسَتِ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُوَطَّآتِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِالسَّبْعِينَ التَّحْدِيدُ أَوِ الْمُبَالَغَةُ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَثَبَتَتِ الْمَزِيَّةُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، ﴿آمِّينَ﴾ عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَ ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَالْإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ
٤٦٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ؟ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، لَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ [المائدة: ٦] وَ ﴿تَمَسُّوهُنُّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]) وفي الفرع: «ولمستموهنَّ» والأوَّل هو الذي في «أصله» (و ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] والإِفْضَاءُ) الأربعة معناها: (النِّكَاحُ) فالأوَّل: وصله إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» من طريق مجاهدٍ عنه، والثَّاني: وصله ابن المنذر، والثَّالث: ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة (١) عنه، والرَّابع: ابن أبي حاتمٍ من طريق بكر بن عبد الله المزنيِّ (٢) عن ابن عبَّاسٍ.
٤٦٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّها (قالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «مع النَّبيِّ» (ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) هو غزوة بني المُصْطَلِق، وكانت سنة ستٍّ أو خمسٍ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح الموحَّدة والمدٍّ (أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ) بفتح الجيم وبعد الياء السَّاكنة شينٌ معجمةٌ، موضعين بين مكَّة والمدينة، والشَّكُّ من عائشة (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي) بكسر العين وسكون القاف، أي: قلادةٌ، وإضافته لها باعتبار استيلائها لمنفعته، وإلَّا فهو لأسماء استعارته منها (فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِه، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ
الصِّدِّيقِ) ﵁، وسقط لفظ «الصِّدِّيق» لأبي ذرٍّ (فَقَالُوا) له: (أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟! أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ) بحرف الجرٍّ (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذَّال المعجمة (قَدْ نَامَ، فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَ) حبست (النَّاسَ، ولَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقالت» (عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) قال: حبستِ النَّاس في قلادةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تكونين عَناءً (وَجَعَلَ يَطْعَُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) بضمِّ عين «يطعَُنُني»، وقد تُفتَح (وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيْنَ أَصْبَحَ) ولغير أبوي ذر والوقت: «حتَّى أصبح (١)» (عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) التي بالمائدة، زاد أبو ذرٍّ: «فتيمَّموا» بلفظ الماضي، أي: تيمَّم النَّاس لأجل الآية، أو هو أمرٌ على ما هو لفظ القرآن، ذكره بيانًا أو بدلًا عن (٢) «آية التَّيمُّم» أي: أنزل الله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ وفي نسخةٍ: «فتيمَّمنا» (فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بضمِّ الحاء وفتح الضَّاد المعجمة مصغَّرًا كسابقه، الأنصاريُّ الأشهليُّ: (مَا هِيَ) أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التَّيمُّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ (٣) أَبِي بَكْرٍ) بل هي مسبوقة بغيرها (قَالَتْ) عائشة: (فَبَعَثْنَا) أي: أثرنا (البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ) راكبةً (عَلَيْهِ) حالة السَّير (فَإِذَا العِقْدُ تَحْتَهُ).