«إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَةً…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦١

الحديث رقم ٤٦١ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أو كلمة…

«إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ؛ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا».

سند حديث: ٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ…

٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أو كلمة…

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عفريتًا من الجن، وهو المارد من الجن الشديد، تفلَّت علي أي تعرض لي فلتةً، أي بغتةً، والبارحة هي أقرب ليلة مضت، وقوله: (أو كلمة نحوها) شكٌّ من الراوي، وكان فعله ليقطع عليَّ الصلاة، فأمكنني الله منه أي جعلني متمكنًا وقادرًا على معاقبته، فأردت أن أشُدَّه إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد النبوي حتى تدخلوا في الصباح وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان عليه السلام: رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، والأخوة بين سليمان وبين النبي صلى الله عليهما وسلم بحسب الدين أو بحسب المماثلة في الرسالة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعَلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد"، وهذا يدل على أن مُلْك الجن والتصرف فيهم بالقهر مما خُصَّ به سليمان عليه السلام، وسبب خصوصيته دعوته التي استجيبت له حيث قال: {رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب}، ولما تحقق النبي صلى الله عليه وسلم الخصوصية امتنع من تعاطي ما هَمّ به من أخذ الجني وربطه، وإن كان تسخير الجن لسليمان عام، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عظَّم شان سليمان ولم يرد أن ينخرم ذلك ولو في فرد واحد، ورؤيته صلى الله عليه وسلم للعفريت على صورته مما خُصَّ به كما خُصَّ برؤية الملائكة كذلك، وقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح ورأى النبي الشيطان في هذه الليلة وأقدره الله عليه.
فإن قال قائل: السحرة سُخِّر لهم الجن، فكيف كان خاصًّا بسليمان عليه السلام؟
فالجواب: أن الساحر يخضع للجني أو زعيم قبيلة من الجن أولًا، ويقدم له القرابين والكفر بالله تعالى، ولو رجع عن ذلك لتخلت عنه وربما آذته، أم سليمان فهم مقهورون له بتسخير الله وليس بالعوض وبذل المقابل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان أن العمل القليل في الصلاة للحاجة كدفع الأذى أو لما أذن الشرع فيه كدفع المار بين يديه وإن أدى إلى المضاربة أو المقاتلة لا يبطلها.
  • إمكان رؤية بني آدم الجن، وأما قوله تعالى: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} [الأعراف: 27] فإخبار عن الأصل وغالب أحوال بني آدم معهم، وليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، فلم يقل: (ولكن لن تروهم).
  • الدلالة على أن مُلْك الجن والتصرف فيهم بالقهر مما خُصَّ به سليمان عليه السلام، وسبب خصوصيته دعوته التي استجيبت له حيث قال: {رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} [ص: 35].
  • رؤيته صلى الله عليه وسلم للعفريت هو مما خُصَّ به كما خُصَّ برؤية الملائكة وقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، ورأى النبي الشيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره؛ لقوله تعالى: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} [الأعراف: 72]، لكن يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله.
  • أنه دليل على إباحة ربط الأسير في المسجد.
  • جواز ربط من خشي هروبه بحق عليه أو ديني والتوثق منه في المسجد أو غيره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أو كلمة…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (رَوْحٌ) بفتح الرَّاء، ابن عُبادة بضمِّ العين المُهمَلة وتخفيف المُوحَّدة (وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المشهور بغندر، كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي المُعجَمة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، القرشيِّ الجمحيِّ، مولى آل عثمان بن مظعونٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا) أي: جنيًّا ماردًا (مِنَ الجِنِّ) بيانٌ له (١) (تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ) أي: تعرَّض لي فلتةً، أي: بغتةً في سرعةٍ في أدنى ليلةٍ مضَت، و «تَفَلَّتَ» بفتحاتٍ مع تشديد اللَّام، ونُصِب «البارحة» على الظَّرفيَّة (-أَوْ) قال (كَلِمَةً نَحْوَهَا-) أي: كقوله في الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في أواخر (٢) «الصَّلاة» [خ¦١٢١٠]: «عرض لي فشدَّ عليَّ» فالضَّمير لجملة «تفلَّت عليَّ البارحة» (لِيَقْطَعَ) بفعله (عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «وأردت» (أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر المُوحَّدة (إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) أي: أُسطوانةٍ من أساطينه (حَتَّى تُصْبِحُوا) تدخلوا في الصَّباح (وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ)

بالرَّفع توكيدٌ (١) للضَّمير المرفوع، والفعل تامٌّ لا يحتاج إلى خبرٍ، وهل كانت إرادته لربطه بعد تمام الصَّلاة أو فيها لأنَّه يسير؟ احتمالان ذكرهما ابن الملقِّن فيما نقله عنه في «المصابيح» (فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي) في النُّبوَّة (سُلَيْمَانَ) بن داود : (﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) من البشر مثله، فتركه مع القدرة عليه حرصًا على إجابة الله ﷿ دعوة سليمان (٢)، كذا في رواية أبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾» [ص: ٣٥] ولابن عساكر: «﴿هَبْ لِي﴾» وإسقاط سابقه كما في الفرع وأصله، ولغيرهما: «﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾» وحمله في «الفتح» على التَّغيير من بعض الرُّواة، وقال الكِرمانيُّ: ولعلَّه ذكره على قصد الاقتباس من القرآن لا على قصد أنَّه قرآنٌ، وزاد في حاشية الفرع وأصله بعد قوله: ﴿مِّنْ بَعْدِي﴾ ممَّا ليس به رقم علامة أحدٍ من الرُّواة: «﴿إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾».

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦١٢١٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٨] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٣] و «صفة إبليس اللَّعين» [خ¦٣٢٨٤]، وأخرجه (٣) مسلمٌ في «الصَّلاة»، و النَّسائيُّ في «التَّفسير».

(قَالَ رَوْحٌ) هو (١) ابن عبادة في روايته دون رواية رفيقه محمَّد بن جعفرٍ: (فَرَدَّهُ) ، أي: العفريت حال كونه (خَاسِئًا) أي: مطرودًا. نعم وقع عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٣] عن محمَّد بن بشَّارٍ عن محمَّد بن جعفرٍ وحده بلفظ: «فرددته خاسئًا».

واستُنبِط من الحديث: إباحة ربط الأسير في المسجد، وربط الغريم بالقياس عليه.

والله الموفِّق والمعين على الإتمام، والمتفضِّل بالقبول والإقبال.

(٧٦) (بابُ) بيان (الاِغْتِسَالِ) للكافر (إِذَا أَسْلَمَ، وَ) بيان (رَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي المَسْجِدِ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «ويربط الأسير أيضًا» (وَكَانَ شُرَيْحٌ) بالمُعجَمة أوَّله والمُهمَلة آخره مصغَّرًا، ابن الحارث الكنديُّ النَّخعيُّ، أدرك زمنه لكنَّه لم يلقَه، وكان قاضيًا بالكوفة لعمر ومن بعده ستِّين سنةً، وتُوفِّي قبل الثَّمانين أو بعدها (يَأْمُرُ الغَرِيمَ) أي: بالغريم كما في: أمرتك الخير أن تأتيه (أَنْ يُحْبَسَ) بضمِّ أوَّله وفتح المُوحَّدة، أو (٢) يأمر الغريم (٣)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

َ أنَّ امْرَأَةً أوْ رَجُلاً كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ ولَا أَرَاهُ إِلَاّ امْرَأَةً فَذَكَرَ حَدِيثَ النبيِّ أنَّهُ صلَّى عَلَى قَبْرِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٤ وطرفه) .

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهر، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر مُسْتَوفى عَن قريب، وَأحمد بن وَاقد بِالْقَافِ هُوَ أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد الْحَرَّانِي أَبُو يحيى، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وثابت الْبنانِيّ وَأَبُو رَافع نفيع، وَقد مر ذكرهم. قَوْله: (وَلَا أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: لَا أَظُنهُ، وَهَذَا من كَلَام أبي رَافع، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام أبي هُرَيْرَة، رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (فَذكر) أَي: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، ذكر حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الَّذِي تقدم فِي الْبَاب السَّابِق.

٥٧ - (بابُ الأَسِيرِ أَو الغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة ربط الْأَسير أَو الْغَرِيم فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ القَاضِي شُرَيْح يَأْمر بربط الْغَرِيم فِي سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد. قَوْله: (الْأَسير) ، فعيل بِمَعْنى مفعول، قَالَ الْجَوْهَرِي: أسره أَي: شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، وَمِنْه سمي الْأَسير. وَكَانُوا يشدونه بالقد فَسُمي كل أخيذ أَسِيرًا، وَإِن لم يشد بِهِ، والغريم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدّين، وَقد يكون الْغَرِيم لَهُ الدّين، وَالْمرَاد هُنَا الأول. قَوْله: (يرْبط) ، جملَة وَقعت حَالا من كل وَاحِد من: الْأَسير والغريم، بِتَقْدِير جملَة أُخْرَى نَحْوهَا للمطعوف عَلَيْهِ، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين بِكَلِمَة: أَو الَّتِي للتنويع، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن وَغَيره: والغريم، بواو الْعَطف.

١٦٤١٢١ - ح دّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ محَمَّدٍ بنِ زِيادٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ قَالَ إنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ أوْ كَلِمَةً نحْوَها لِيقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ فَأَرَدْتُ إِنْ أرْبِطَهُ إِلَى سارِية مِنْ سَوَارِي المسْجدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي قَالَ رَوْحٌ فرَدَّهُ خاسِئاً. (الحَدِيث ١٦٤ أَطْرَافه فِي: ٠١٢١، ٤٨٢٣، ٣٢٤٣، ٨٠٨٤) .

١١

- ٥٠ وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْأَسير) ، ظَاهر، وَأما فِي قَوْله: (والغريم) فبالقياس عَلَيْهِ، لِأَن الْغَرِيم مثل الْأَسير فِي يَد صَاحب الدّين.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، تقدم فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وخفة الْبَاء الْمُوَحدَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَشْهُور بغندر. الرَّابِع: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الْخَامِس: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، تقدم ذكره فِي بَاب غسل الأعقاب. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة إِسْحَاق عَن شيخين. وَفِيه: القَوْل بَينه وَبَينهمَا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن مُحَمَّد بن بشار أَيْضا، وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مَحْمُود وَمُحَمّد فرقهما، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن غنْدر عَن بنْدَار.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (إِن عفريتا) قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَزنه: فعليت وَفِي (الْمُحكم) : رجل عفر وعفرية وعفاريت وعفريت، بيّن العفارة: خَبِيث مُنكر. وَقَالَ الزّجاج: العفريت النَّافِذ فِي الْأَمر المبالغ فِيهِ، من: خبث ودهاء، وَقد تعفرت. وَفِي (الْجَامِع) : والشيطان عفريت وعفرية وهم العفاريت والعفارية، وَفِي الْقُرْآن: {قَالَ عفريت من الْجِنّ} (النَّمْل: ٩٣) وَقَرَأَ بعض الْقِرَاءَة: قَالَ عفرية من الْجِنّ، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا سكنت الْبَاء صيرت الْهَاء تَاء، وَإِذا حركتها فالتاء هَاء فِي الْوَقْف. قَوْله: (من الْجِنّ) ، قَالَ ابْن

سَيّده: الْجِنّ نوع من الْعَالم، وَالْجمع: جنان، وهم: الْجنَّة، والجني مَنْسُوب إِلَى الْجِنّ، وَالْجنَّة طائف من الْجِنّ، والمجنة الْجِنّ، وَأَرْض مجنة: كَثِيرَة الْجِنّ، والجان: أَبُو الْجِنّ، والجان: الْجِنّ، وَهُوَ اسْم جمع.

وَاعْلَم أَن الْمَوْجُود الْمُمكن الَّذِي لَيْسَ بمتحيز وَلَا صفة للمتحيز هم الْأَرْوَاح، وَهِي: إِمَّا سفلية وَإِمَّا علوِيَّة. فالسفلية: إِمَّا خيرة وهم: صالحو الْجِنّ، أَو شريرة وهم مَرَدَة الشَّيَاطِين. والعلوية: إِمَّا مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح الفلكية، أَو غير مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح المقدسة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَقَالَ ابْن عقيل: إِنَّمَا سمي الْجِنّ جناً لاستجنانهم واستتارهم عَن الْعُيُون، وَمِنْه سمي الْجَنِين جَنِينا.

قَوْله: (تفلت) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد اللَّام: أَي تعرض لي فلتة أَي بَغْتَة. وَفِي (الْمُحكم) : أفلت الشَّيْء إِذا أَخذه بَغْتَة فِي سرعَة، و: كَانَ ذَلِك فلتة أَي: فَجْأَة، وَالْجمع: فلتات، لَا يُجَاوز بهَا جمع السلامية، والفلتة الْأَمر يَقع من غير إحكام. وَفِي (الْمُنْتَهى) : تفلت علينا وإلينا. وَفِي (الصِّحَاح) : أفلت الشَّيْء يفلت وانفلت بِمَعْنى، وأفلته غَيره. قَوْله: (البارحة) ، هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت. وَفِي (الْمُنْتَهى) : كل زائل بارح، وَمِنْه سميت البارحة أدنى لَيْلَة زَالَت عَنْك، تَقول: لَقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثَلَاث لَيَال. وَفِي (الْمُحكم) : البارحة هِيَ اللَّيْلَة الخالية وَلَا تحقر، وَقَالَ قَاسم فِي (كتاب الدَّلَائِل) : يُقَال: بارحة الأولى يُضَاف الِاسْم إِلَى الصّفة، كَمَا يُقَال: مَسْجِد الْجَامِع، وَمِنْه الحَدِيث: (كَانَت لي شَاة فَعدا عَلَيْهَا الذِّئْب بارحة الأولى) . وانتصابها على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو كلمة نَحْوهَا) أَي: أَو قَالَ كلمة، نَحْو: تفلت عَليّ البارحة، مثل قَوْله فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (عرض لي فَشد عَليّ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (عرض لي فِي صُورَة هر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . قَوْله: (إِلَى سَارِيَة) وَهِي الأسطوانة. قَوْله: (حَتَّى تصبحوا) ، أَي: حَتَّى تدْخلُوا فِي الصَّباح، وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (كلكُمْ) ، بِالرَّفْع تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع. قَوْله: (رب اغْفِر لي وهب لي) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات هُنَا: (رب هَب لي) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّه ذكره على قصد الاقتباس من الْقُرْآن، لَا على قصد أَنه قُرْآن. انْتهى. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم، كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: والأخوة بَين سُلَيْمَان وَبَين سيدنَا مُحَمَّد بِحَسب أصُول الدّين أَو بِحَسب الْمُمَاثلَة فِي الدّين. قَوْله: (قَالَ روح فَرده خاسئاً) أَي: قَالَ روح بن عبَادَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، فَرده النَّبِي، أَي: العفريت، حَال كَونه خاسئاً أَي: مطروداً. وَفِي (الْمُحكم) : الخاسىء من الْكلاب والخنازير وَالشَّيَاطِين: الْبعيد الَّذِي لَا يتْرك أَن يدنو من النَّاس، وخسأ الْكَلْب يخسأ خسأً وخسوءاً فخسأ وانخسأ، وَيُقَال: اخْسَأْ إِلَيْك واخسأ عني. وَفِي (الصِّحَاح) : خسأت الْكَلْب طردته، وخسأ الْكَلْب نَفسه، يتعدي وَلَا يتَعَدَّى، وَيكون الخاسىء بِمَعْنى: الصاغر الذَّلِيل، ثمَّ إِن قَوْله هَذَا بِحَسب الظَّاهِر يدل على أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة روح دون رَفِيقه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَلَكِن البُخَارِيّ روى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَحده، فَزَاد فِي آخِره أَيْضا: (فرددته خاسئاً) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَرده اخاسئاً) ، فعل هَذَا دلّ على أَن قَوْله: قَالَ روح، دَاخل تَحت الْإِسْنَاد، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: هَذَا تَعْلِيق للْبُخَارِيّ مِنْهُ، أَو هُوَ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد السَّابِق.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد الأولى: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الْجِنّ الْبشر غير مستحيلة، وَالْجِنّ أجسام لَطِيفَة والجسم، وَإِن لطف فدركه غير مُمْتَنع أصلا، وَأما قَوْله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) فَإِن ذَلِك حكم الْأَعَمّ الْأَغْلَب من أَحْوَال بني آدم، امتحنهم ابذلك وابتلاهم ليفزعوا إِلَيْهِ ويستعيذوا بِهِ من شرهم، وَيطْلبُونَ الْأمان من غائلتهم، وَلَا يُنكر أَن يكون حكم الْخَاص والنادر من المصطفين من عباده بِخِلَاف ذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل، إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي رؤيتنا إيَّاهُم مُطلقًا، إِذْ الْمُسْتَفَاد مِنْهَا أَن رُؤْيَته إيانا مُقَيّدَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَلَا نراهم فِي زمَان رُؤْيَتهمْ لنا قطّ، وَيجوز رؤيتنا لَهُم فِي غير ذَلِك الْوَقْت.

الثَّانِيَة: فِيهِ دَلِيل على أَن الْجِنّ لَيْسُوا باقين على عنصرهم الناري، وَلِأَنَّهُ، قَالَ: (إِن عَدو اإبليس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . وَقَالَ: (رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي عفريتاً من الْجِنّ يطلبني بشعلة من نَار كلما الْتفت إِلَيْهِ رَأَيْته) . وَلَو كَانُوا باقين على عنصرهم الناري، وَأَنَّهُمْ نَار محرقة، لما احتاجوا إِلَى أَن يَأْتِي الشَّيْطَان أَو العفريت مِنْهُم بشعلة من نَار، ولكانت يَد الشَّيْطَان أَو العفريت أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ إِذا مس ابْن آدم أحرقه، كَمَا تحرق الْآدَمِيّ النارُ الْحَقِيقِيَّة بِمُجَرَّد اللَّمْس، فَدلَّ على أَن تِلْكَ النارية انغمرت فِي سَائِر العناصر

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (رَوْحٌ) بفتح الرَّاء، ابن عُبادة بضمِّ العين المُهمَلة وتخفيف المُوحَّدة (وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المشهور بغندر، كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي المُعجَمة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، القرشيِّ الجمحيِّ، مولى آل عثمان بن مظعونٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا) أي: جنيًّا ماردًا (مِنَ الجِنِّ) بيانٌ له (١) (تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ) أي: تعرَّض لي فلتةً، أي: بغتةً في سرعةٍ في أدنى ليلةٍ مضَت، و «تَفَلَّتَ» بفتحاتٍ مع تشديد اللَّام، ونُصِب «البارحة» على الظَّرفيَّة (-أَوْ) قال (كَلِمَةً نَحْوَهَا-) أي: كقوله في الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في أواخر (٢) «الصَّلاة» [خ¦١٢١٠]: «عرض لي فشدَّ عليَّ» فالضَّمير لجملة «تفلَّت عليَّ البارحة» (لِيَقْطَعَ) بفعله (عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «وأردت» (أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر المُوحَّدة (إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) أي: أُسطوانةٍ من أساطينه (حَتَّى تُصْبِحُوا) تدخلوا في الصَّباح (وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ)

بالرَّفع توكيدٌ (١) للضَّمير المرفوع، والفعل تامٌّ لا يحتاج إلى خبرٍ، وهل كانت إرادته لربطه بعد تمام الصَّلاة أو فيها لأنَّه يسير؟ احتمالان ذكرهما ابن الملقِّن فيما نقله عنه في «المصابيح» (فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي) في النُّبوَّة (سُلَيْمَانَ) بن داود : (﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) من البشر مثله، فتركه مع القدرة عليه حرصًا على إجابة الله ﷿ دعوة سليمان (٢)، كذا في رواية أبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾» [ص: ٣٥] ولابن عساكر: «﴿هَبْ لِي﴾» وإسقاط سابقه كما في الفرع وأصله، ولغيرهما: «﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾» وحمله في «الفتح» على التَّغيير من بعض الرُّواة، وقال الكِرمانيُّ: ولعلَّه ذكره على قصد الاقتباس من القرآن لا على قصد أنَّه قرآنٌ، وزاد في حاشية الفرع وأصله بعد قوله: ﴿مِّنْ بَعْدِي﴾ ممَّا ليس به رقم علامة أحدٍ من الرُّواة: «﴿إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾».

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦١٢١٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٨] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٣] و «صفة إبليس اللَّعين» [خ¦٣٢٨٤]، وأخرجه (٣) مسلمٌ في «الصَّلاة»، و النَّسائيُّ في «التَّفسير».

(قَالَ رَوْحٌ) هو (١) ابن عبادة في روايته دون رواية رفيقه محمَّد بن جعفرٍ: (فَرَدَّهُ) ، أي: العفريت حال كونه (خَاسِئًا) أي: مطرودًا. نعم وقع عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٣] عن محمَّد بن بشَّارٍ عن محمَّد بن جعفرٍ وحده بلفظ: «فرددته خاسئًا».

واستُنبِط من الحديث: إباحة ربط الأسير في المسجد، وربط الغريم بالقياس عليه.

والله الموفِّق والمعين على الإتمام، والمتفضِّل بالقبول والإقبال.

(٧٦) (بابُ) بيان (الاِغْتِسَالِ) للكافر (إِذَا أَسْلَمَ، وَ) بيان (رَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي المَسْجِدِ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «ويربط الأسير أيضًا» (وَكَانَ شُرَيْحٌ) بالمُعجَمة أوَّله والمُهمَلة آخره مصغَّرًا، ابن الحارث الكنديُّ النَّخعيُّ، أدرك زمنه لكنَّه لم يلقَه، وكان قاضيًا بالكوفة لعمر ومن بعده ستِّين سنةً، وتُوفِّي قبل الثَّمانين أو بعدها (يَأْمُرُ الغَرِيمَ) أي: بالغريم كما في: أمرتك الخير أن تأتيه (أَنْ يُحْبَسَ) بضمِّ أوَّله وفتح المُوحَّدة، أو (٢) يأمر الغريم (٣)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

َ أنَّ امْرَأَةً أوْ رَجُلاً كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ ولَا أَرَاهُ إِلَاّ امْرَأَةً فَذَكَرَ حَدِيثَ النبيِّ أنَّهُ صلَّى عَلَى قَبْرِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٤ وطرفه) .

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهر، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر مُسْتَوفى عَن قريب، وَأحمد بن وَاقد بِالْقَافِ هُوَ أَحْمد بن عبد الْملك بن وَاقد الْحَرَّانِي أَبُو يحيى، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وثابت الْبنانِيّ وَأَبُو رَافع نفيع، وَقد مر ذكرهم. قَوْله: (وَلَا أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: لَا أَظُنهُ، وَهَذَا من كَلَام أبي رَافع، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام أبي هُرَيْرَة، رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (فَذكر) أَي: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ، ذكر حَدِيث النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الَّذِي تقدم فِي الْبَاب السَّابِق.

٥٧ - (بابُ الأَسِيرِ أَو الغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة ربط الْأَسير أَو الْغَرِيم فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ القَاضِي شُرَيْح يَأْمر بربط الْغَرِيم فِي سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد. قَوْله: (الْأَسير) ، فعيل بِمَعْنى مفعول، قَالَ الْجَوْهَرِي: أسره أَي: شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، وَمِنْه سمي الْأَسير. وَكَانُوا يشدونه بالقد فَسُمي كل أخيذ أَسِيرًا، وَإِن لم يشد بِهِ، والغريم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدّين، وَقد يكون الْغَرِيم لَهُ الدّين، وَالْمرَاد هُنَا الأول. قَوْله: (يرْبط) ، جملَة وَقعت حَالا من كل وَاحِد من: الْأَسير والغريم، بِتَقْدِير جملَة أُخْرَى نَحْوهَا للمطعوف عَلَيْهِ، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين بِكَلِمَة: أَو الَّتِي للتنويع، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن وَغَيره: والغريم، بواو الْعَطف.

١٦٤١٢١ - ح دّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ محَمَّدٍ بنِ زِيادٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ قَالَ إنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ أوْ كَلِمَةً نحْوَها لِيقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ فَأَرَدْتُ إِنْ أرْبِطَهُ إِلَى سارِية مِنْ سَوَارِي المسْجدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي قَالَ رَوْحٌ فرَدَّهُ خاسِئاً. (الحَدِيث ١٦٤ أَطْرَافه فِي: ٠١٢١، ٤٨٢٣، ٣٢٤٣، ٨٠٨٤) .

١١

- ٥٠ وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْأَسير) ، ظَاهر، وَأما فِي قَوْله: (والغريم) فبالقياس عَلَيْهِ، لِأَن الْغَرِيم مثل الْأَسير فِي يَد صَاحب الدّين.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، تقدم فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وخفة الْبَاء الْمُوَحدَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَشْهُور بغندر. الرَّابِع: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الْخَامِس: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، تقدم ذكره فِي بَاب غسل الأعقاب. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة إِسْحَاق عَن شيخين. وَفِيه: القَوْل بَينه وَبَينهمَا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن مُحَمَّد بن بشار أَيْضا، وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مَحْمُود وَمُحَمّد فرقهما، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن غنْدر عَن بنْدَار.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (إِن عفريتا) قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَزنه: فعليت وَفِي (الْمُحكم) : رجل عفر وعفرية وعفاريت وعفريت، بيّن العفارة: خَبِيث مُنكر. وَقَالَ الزّجاج: العفريت النَّافِذ فِي الْأَمر المبالغ فِيهِ، من: خبث ودهاء، وَقد تعفرت. وَفِي (الْجَامِع) : والشيطان عفريت وعفرية وهم العفاريت والعفارية، وَفِي الْقُرْآن: {قَالَ عفريت من الْجِنّ} (النَّمْل: ٩٣) وَقَرَأَ بعض الْقِرَاءَة: قَالَ عفرية من الْجِنّ، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا سكنت الْبَاء صيرت الْهَاء تَاء، وَإِذا حركتها فالتاء هَاء فِي الْوَقْف. قَوْله: (من الْجِنّ) ، قَالَ ابْن

سَيّده: الْجِنّ نوع من الْعَالم، وَالْجمع: جنان، وهم: الْجنَّة، والجني مَنْسُوب إِلَى الْجِنّ، وَالْجنَّة طائف من الْجِنّ، والمجنة الْجِنّ، وَأَرْض مجنة: كَثِيرَة الْجِنّ، والجان: أَبُو الْجِنّ، والجان: الْجِنّ، وَهُوَ اسْم جمع.

وَاعْلَم أَن الْمَوْجُود الْمُمكن الَّذِي لَيْسَ بمتحيز وَلَا صفة للمتحيز هم الْأَرْوَاح، وَهِي: إِمَّا سفلية وَإِمَّا علوِيَّة. فالسفلية: إِمَّا خيرة وهم: صالحو الْجِنّ، أَو شريرة وهم مَرَدَة الشَّيَاطِين. والعلوية: إِمَّا مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح الفلكية، أَو غير مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح المقدسة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَقَالَ ابْن عقيل: إِنَّمَا سمي الْجِنّ جناً لاستجنانهم واستتارهم عَن الْعُيُون، وَمِنْه سمي الْجَنِين جَنِينا.

قَوْله: (تفلت) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد اللَّام: أَي تعرض لي فلتة أَي بَغْتَة. وَفِي (الْمُحكم) : أفلت الشَّيْء إِذا أَخذه بَغْتَة فِي سرعَة، و: كَانَ ذَلِك فلتة أَي: فَجْأَة، وَالْجمع: فلتات، لَا يُجَاوز بهَا جمع السلامية، والفلتة الْأَمر يَقع من غير إحكام. وَفِي (الْمُنْتَهى) : تفلت علينا وإلينا. وَفِي (الصِّحَاح) : أفلت الشَّيْء يفلت وانفلت بِمَعْنى، وأفلته غَيره. قَوْله: (البارحة) ، هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت. وَفِي (الْمُنْتَهى) : كل زائل بارح، وَمِنْه سميت البارحة أدنى لَيْلَة زَالَت عَنْك، تَقول: لَقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثَلَاث لَيَال. وَفِي (الْمُحكم) : البارحة هِيَ اللَّيْلَة الخالية وَلَا تحقر، وَقَالَ قَاسم فِي (كتاب الدَّلَائِل) : يُقَال: بارحة الأولى يُضَاف الِاسْم إِلَى الصّفة، كَمَا يُقَال: مَسْجِد الْجَامِع، وَمِنْه الحَدِيث: (كَانَت لي شَاة فَعدا عَلَيْهَا الذِّئْب بارحة الأولى) . وانتصابها على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو كلمة نَحْوهَا) أَي: أَو قَالَ كلمة، نَحْو: تفلت عَليّ البارحة، مثل قَوْله فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (عرض لي فَشد عَليّ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (عرض لي فِي صُورَة هر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . قَوْله: (إِلَى سَارِيَة) وَهِي الأسطوانة. قَوْله: (حَتَّى تصبحوا) ، أَي: حَتَّى تدْخلُوا فِي الصَّباح، وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (كلكُمْ) ، بِالرَّفْع تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع. قَوْله: (رب اغْفِر لي وهب لي) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات هُنَا: (رب هَب لي) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّه ذكره على قصد الاقتباس من الْقُرْآن، لَا على قصد أَنه قُرْآن. انْتهى. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم، كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: والأخوة بَين سُلَيْمَان وَبَين سيدنَا مُحَمَّد بِحَسب أصُول الدّين أَو بِحَسب الْمُمَاثلَة فِي الدّين. قَوْله: (قَالَ روح فَرده خاسئاً) أَي: قَالَ روح بن عبَادَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، فَرده النَّبِي، أَي: العفريت، حَال كَونه خاسئاً أَي: مطروداً. وَفِي (الْمُحكم) : الخاسىء من الْكلاب والخنازير وَالشَّيَاطِين: الْبعيد الَّذِي لَا يتْرك أَن يدنو من النَّاس، وخسأ الْكَلْب يخسأ خسأً وخسوءاً فخسأ وانخسأ، وَيُقَال: اخْسَأْ إِلَيْك واخسأ عني. وَفِي (الصِّحَاح) : خسأت الْكَلْب طردته، وخسأ الْكَلْب نَفسه، يتعدي وَلَا يتَعَدَّى، وَيكون الخاسىء بِمَعْنى: الصاغر الذَّلِيل، ثمَّ إِن قَوْله هَذَا بِحَسب الظَّاهِر يدل على أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة روح دون رَفِيقه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَلَكِن البُخَارِيّ روى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَحده، فَزَاد فِي آخِره أَيْضا: (فرددته خاسئاً) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَرده اخاسئاً) ، فعل هَذَا دلّ على أَن قَوْله: قَالَ روح، دَاخل تَحت الْإِسْنَاد، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: هَذَا تَعْلِيق للْبُخَارِيّ مِنْهُ، أَو هُوَ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد السَّابِق.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد الأولى: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الْجِنّ الْبشر غير مستحيلة، وَالْجِنّ أجسام لَطِيفَة والجسم، وَإِن لطف فدركه غير مُمْتَنع أصلا، وَأما قَوْله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) فَإِن ذَلِك حكم الْأَعَمّ الْأَغْلَب من أَحْوَال بني آدم، امتحنهم ابذلك وابتلاهم ليفزعوا إِلَيْهِ ويستعيذوا بِهِ من شرهم، وَيطْلبُونَ الْأمان من غائلتهم، وَلَا يُنكر أَن يكون حكم الْخَاص والنادر من المصطفين من عباده بِخِلَاف ذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل، إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي رؤيتنا إيَّاهُم مُطلقًا، إِذْ الْمُسْتَفَاد مِنْهَا أَن رُؤْيَته إيانا مُقَيّدَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَلَا نراهم فِي زمَان رُؤْيَتهمْ لنا قطّ، وَيجوز رؤيتنا لَهُم فِي غير ذَلِك الْوَقْت.

الثَّانِيَة: فِيهِ دَلِيل على أَن الْجِنّ لَيْسُوا باقين على عنصرهم الناري، وَلِأَنَّهُ، قَالَ: (إِن عَدو اإبليس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . وَقَالَ: (رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي عفريتاً من الْجِنّ يطلبني بشعلة من نَار كلما الْتفت إِلَيْهِ رَأَيْته) . وَلَو كَانُوا باقين على عنصرهم الناري، وَأَنَّهُمْ نَار محرقة، لما احتاجوا إِلَى أَن يَأْتِي الشَّيْطَان أَو العفريت مِنْهُم بشعلة من نَار، ولكانت يَد الشَّيْطَان أَو العفريت أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ إِذا مس ابْن آدم أحرقه، كَمَا تحرق الْآدَمِيّ النارُ الْحَقِيقِيَّة بِمُجَرَّد اللَّمْس، فَدلَّ على أَن تِلْكَ النارية انغمرت فِي سَائِر العناصر

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.5 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله