الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦١٥
الحديث رقم ٤٦١٥ من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَزْلَامُ الْقِدَاحُ، يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُورِ، وَالنُّصُبُ أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الزُّلَمُ الْقِدْحُ لَا رِيشَ لَهُ، وَهُوَ وَاحِدُ الْأَزْلَامِ، وَالِاسْتِقْسَامُ أَنْ يُجِيلَ الْقِدَاحَ، فَإِنْ نَهَتْهُ انْتَهَى، وَإِنْ أَمَرَتْهُ فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ، وَقَدْ أَعْلَمُوا الْقِدَاحَ أَعْلَامًا بِضُرُوبٍ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا، وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ، وَالْقُسُومُ الْمَصْدَرُ.
٤٦١٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: صَدُوقٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَآخَرَ فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُوهُ هُوَ ابْنُ الْخِمْسِ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ) وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لَمْ يَحْنَثْ إِلَخْ، وَالْمَحْفُوظُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ، وَتَعَقَّبَهُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي تَفْسِيرِ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِيَ فِي تَفْسِيرِ عَقْدِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَى يَمِينًا أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ، وَفِي الثَّانِي بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الظَّنِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَوَّلِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (إِلَّا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ) أَيْ: فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
٩ - بَاب لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
٤٦١٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.
[الحديث ٤٦١٥ - طرفه في: ٥٠٧١، ٥٠٧٥]
قوله: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) سَقَطَ: بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مُحَسَّنًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أَكَلْتُ مِنْ هَذَا اللَّحْمِ انْتَشَرْتُ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسٍ قَالُوا: نَتْرُكُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وَنَسِيحُ فِي الْأَرْضِ الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٠ - بَاب ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَزْلَامُ: الْقِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُورِ، وَالنُّصُبُ: أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: الزَّلَمُ: الْقِدْحُ لَا رِيشَ لَهُ، وَهُوَ وَاحِدُ الْأَزْلَامِ، وَالِاسْتِقْسَامُ: أَنْ يُجِيلَ الْقِدَاحَ؛ فَإِنْ نَهَتْهُ انْتَهَى، وَإِنْ أَمَرَتْهُ فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ، وَقَدْ أَعْلَمُوا الْقِدَاحَ أَعْلَامًا بِضُرُوبٍ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا، وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ، وَالْقُسُومُ الْمَصْدَرُ.
٤٦١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَإِنَّ فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، السُّلميُّ الواسطيُّ نزيل البصرة قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي؟) بالخاء المعجمة والصَّاد المهملة، أي: ألا نستدعي من يفعل بنا الخصاء، أو نعالج ذلك بأنفسنا؟ والخصاء: الشَّقُّ على الأنثيين وانتزاعهما (فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) نهي تحريمٍ لِمَا فيه من تغيير خلق الله وقطع النَّسل وكفر النِّعمة؛ لأنَّ خلق الشَّخص رجلًا من النِّعم العظيمة، وقد يُفضِي ذلك بفاعله إلى الهلاك (فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ) أي: إلى أجل، وهو نكاح المتعة، وليس قوله: «بالثوب» قيدًا، فيجوز بغيره ممَّا يتراضيان عليه (ثُمَّ قَرَأَ) ابن مسعودٍ: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]) قال النَّوويُّ: في استشهاد ابن مسعودٍ بالآية أنَّه كان يعتقد إباحة المتعة كابن عبَّاسٍ، ولعلَّه لم يكن حينئذٍ بلغه النَّاسخ، ثمَّ بلغه فرجع بَعْدُ (١).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥٠٧٥]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير».
(١٠) (بابُ قَولِه) جلَّ وعلا: (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾) خبرٌ عن الأشياء المتقدِّمة،
وإنَّما أُخبِر عن جمعٍ بمفردٍ، لأنَّه على حذف مضافٍ، أي: إنَّما تعاطي الخمر … إلى آخره (١) (﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]) لأنَّه مسببٌ من تسويله وتزيينه، والجملة (٢) في موضع رفعٍ صفةٌ لـ ﴿رِجْسٌ﴾.
(وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ممَّا وصله ابن المنذر من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: (﴿وَالأَزْلَامُ﴾): هي (القِدَاحُ) أي: السِّهام التي (يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الأُمُورِ) في الجاهليَّة (٣) (وَالنُّصُبُ) ولأبي ذرٍّ بإسقاط الواو، و «النُّصُب» بضمِّ النُّون والصَّاد، قال ابن عبَّاس ممَّا (٤) وصله ابن أبي حاتمٍ: هي (أَنْصَابٌ) كانوا ينصبونها (يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا) وقال ابن قتيبة: حجارةٌ ينصبونها ويذبحون عندها، فتنصبُّ عليها دماء الذَّبائح.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ: (الزَّلَمُ) بفتحتين هو (القِدْحُ) بكسر القاف وسكون الدَّال؛ وهو السَّهم الذي (لَا رِيشَ لَهُ، وَهُوَ وَاحِدُ الأَزْلَامِ) ويقال للسَّهم أوّل ما يقطع: قِطْعٌ، ثمَّ يُنْحَت ويُبْرَى فيُسَمَّى بَريًا، ثمَّ يُقوَّم فيُسمَّى قِدْحًا، ثمَّ يُراش ويُركَّب نصله فيسمَّى سهمًا (وَالاِسْتِقْسَامُ) هو (أَنْ يُجِيلَ) بالجيم (القِدَاحَ) قيِّمُها (٥) (فَإِنْ نَهَتْهُ) بأن خرج: نهاني ربِّي (انْتَهَى) وترك (وَإِنْ أَمَرَتْهُ) بأن خرج: أمرني ربِّي (فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ) زاد أبو ذرٍّ: «به»، وإنَّ معنى قوله: (يُجِيلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الجيم، أي: (يُدِيرُ) من الإدارة، وكانوا يعطون القيِّم على إجالتها مئة درهمٍ (وَقَدْ أَعْلَمُوا القِدَاحَ) وكانت سبعةً مستويةً موضوعةً في جوف الكعبة عند هُبَل أعظم أصنامهم (أَعْلَامًا) يكتبونها عليها (بِضُرُوبٍ) أي: بأنواعٍ من الأمور، فعلى واحدٍ: أمرني ربِّي، وعلى الآخر: نهاني ربِّي، وعلى آخر: واحدٌ منكم، وعلى آخر: من غيركم، وعلى آخر: ملصقٌ، وعلى آخر: العقل، والسَّابع غفلٌ، أي: ليس عليه شيءٌ وكانوا (يَسْتَقْسِمُونَ) أي:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: صَدُوقٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَآخَرَ فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُوهُ هُوَ ابْنُ الْخِمْسِ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ) وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لَمْ يَحْنَثْ إِلَخْ، وَالْمَحْفُوظُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ، وَتَعَقَّبَهُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي تَفْسِيرِ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِيَ فِي تَفْسِيرِ عَقْدِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَى يَمِينًا أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ، وَفِي الثَّانِي بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الظَّنِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَوَّلِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (إِلَّا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ) أَيْ: فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
٩ - بَاب لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
٤٦١٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.
[الحديث ٤٦١٥ - طرفه في: ٥٠٧١، ٥٠٧٥]
قوله: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) سَقَطَ: بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مُحَسَّنًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أَكَلْتُ مِنْ هَذَا اللَّحْمِ انْتَشَرْتُ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسٍ قَالُوا: نَتْرُكُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وَنَسِيحُ فِي الْأَرْضِ الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٠ - بَاب ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَزْلَامُ: الْقِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُورِ، وَالنُّصُبُ: أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: الزَّلَمُ: الْقِدْحُ لَا رِيشَ لَهُ، وَهُوَ وَاحِدُ الْأَزْلَامِ، وَالِاسْتِقْسَامُ: أَنْ يُجِيلَ الْقِدَاحَ؛ فَإِنْ نَهَتْهُ انْتَهَى، وَإِنْ أَمَرَتْهُ فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ، وَقَدْ أَعْلَمُوا الْقِدَاحَ أَعْلَامًا بِضُرُوبٍ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا، وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ، وَالْقُسُومُ الْمَصْدَرُ.
٤٦١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَإِنَّ فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، السُّلميُّ الواسطيُّ نزيل البصرة قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي؟) بالخاء المعجمة والصَّاد المهملة، أي: ألا نستدعي من يفعل بنا الخصاء، أو نعالج ذلك بأنفسنا؟ والخصاء: الشَّقُّ على الأنثيين وانتزاعهما (فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) نهي تحريمٍ لِمَا فيه من تغيير خلق الله وقطع النَّسل وكفر النِّعمة؛ لأنَّ خلق الشَّخص رجلًا من النِّعم العظيمة، وقد يُفضِي ذلك بفاعله إلى الهلاك (فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ) أي: إلى أجل، وهو نكاح المتعة، وليس قوله: «بالثوب» قيدًا، فيجوز بغيره ممَّا يتراضيان عليه (ثُمَّ قَرَأَ) ابن مسعودٍ: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]) قال النَّوويُّ: في استشهاد ابن مسعودٍ بالآية أنَّه كان يعتقد إباحة المتعة كابن عبَّاسٍ، ولعلَّه لم يكن حينئذٍ بلغه النَّاسخ، ثمَّ بلغه فرجع بَعْدُ (١).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥٠٧٥]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير».
(١٠) (بابُ قَولِه) جلَّ وعلا: (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾) خبرٌ عن الأشياء المتقدِّمة،
وإنَّما أُخبِر عن جمعٍ بمفردٍ، لأنَّه على حذف مضافٍ، أي: إنَّما تعاطي الخمر … إلى آخره (١) (﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]) لأنَّه مسببٌ من تسويله وتزيينه، والجملة (٢) في موضع رفعٍ صفةٌ لـ ﴿رِجْسٌ﴾.
(وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ممَّا وصله ابن المنذر من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه: (﴿وَالأَزْلَامُ﴾): هي (القِدَاحُ) أي: السِّهام التي (يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الأُمُورِ) في الجاهليَّة (٣) (وَالنُّصُبُ) ولأبي ذرٍّ بإسقاط الواو، و «النُّصُب» بضمِّ النُّون والصَّاد، قال ابن عبَّاس ممَّا (٤) وصله ابن أبي حاتمٍ: هي (أَنْصَابٌ) كانوا ينصبونها (يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا) وقال ابن قتيبة: حجارةٌ ينصبونها ويذبحون عندها، فتنصبُّ عليها دماء الذَّبائح.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ: (الزَّلَمُ) بفتحتين هو (القِدْحُ) بكسر القاف وسكون الدَّال؛ وهو السَّهم الذي (لَا رِيشَ لَهُ، وَهُوَ وَاحِدُ الأَزْلَامِ) ويقال للسَّهم أوّل ما يقطع: قِطْعٌ، ثمَّ يُنْحَت ويُبْرَى فيُسَمَّى بَريًا، ثمَّ يُقوَّم فيُسمَّى قِدْحًا، ثمَّ يُراش ويُركَّب نصله فيسمَّى سهمًا (وَالاِسْتِقْسَامُ) هو (أَنْ يُجِيلَ) بالجيم (القِدَاحَ) قيِّمُها (٥) (فَإِنْ نَهَتْهُ) بأن خرج: نهاني ربِّي (انْتَهَى) وترك (وَإِنْ أَمَرَتْهُ) بأن خرج: أمرني ربِّي (فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ) زاد أبو ذرٍّ: «به»، وإنَّ معنى قوله: (يُجِيلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الجيم، أي: (يُدِيرُ) من الإدارة، وكانوا يعطون القيِّم على إجالتها مئة درهمٍ (وَقَدْ أَعْلَمُوا القِدَاحَ) وكانت سبعةً مستويةً موضوعةً في جوف الكعبة عند هُبَل أعظم أصنامهم (أَعْلَامًا) يكتبونها عليها (بِضُرُوبٍ) أي: بأنواعٍ من الأمور، فعلى واحدٍ: أمرني ربِّي، وعلى الآخر: نهاني ربِّي، وعلى آخر: واحدٌ منكم، وعلى آخر: من غيركم، وعلى آخر: ملصقٌ، وعلى آخر: العقل، والسَّابع غفلٌ، أي: ليس عليه شيءٌ وكانوا (يَسْتَقْسِمُونَ) أي: