الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٢٧
الحديث رقم ٤٦٢٧ من كتاب «سورة الأنعام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ.
﴿يَلْبِسَكُمْ﴾: يَخْلِطَكُمْ مِنَ الِالْتِبَاسِ، ﴿يَلْبِسُوا﴾ يَخْلِطُوا، ﴿شِيَعًا﴾: فِرَقًا.
٤٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
الغيب عند الله لا يعلمه إلا هو، وأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن مفاتح الغيب وخزائنه خمسة:
الأول: لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، إشارة إلى علوم الآخرة، فإن يوم القيامة أولها، وإذا نفى علم الأقرب انتفى علم ما بعده.
الثاني: لا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، إشارة إلى أمور العالم العلوي، وخص المطر مع أن له أسبابًا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق ويقين.
الثالث: ما يكون في الأرحام؛ من ذكر أو أنثى، أسود أو أبيض، كامل أو ناقص، شقي أو سعيد ونحوها، وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك فنفى أن يَعرف أحدٌ حقيقتها فغيرها بطريق الأولى.
الرابع: لا يعلم ما في غد إلا الله، إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث، وعبر بلفظ "غد" لتكون حقيقته أقرب الأزمنة، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه، مع إمكان الأمارة والعلامة فما بعد عنه أولى.
الخامس: لا تدري نفس بأي أرض تموت، إشارة إلى أمور العالم السفلي، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة، بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن منها، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} محيط بالظواهر والبواطن، والخفايا والخبايا، والسرائر، فجمعت الآية أنواع الغيوب، وأزالت جميع الدعاوي الفاسدة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ) أَيْ حِسَابُهُ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، أَعَادَهُ هُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ.
١ - بَاب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾
٤٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ خَمْسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ الْمَفَاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا، مِثْلُ مِنْجَلٍ وَمَنَاجِلٍ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ فِي الْآلَةِ، وَالْمَشْهُورُ مِفْتَاحٌ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَجَمْعُهُ مَفَاتِيحُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ، قَرَأَ ابْنُ السَّمَيْفَعِ (وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ) وَقِيلَ: بَلْ هُوَ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمَكَانُ. وَيُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ قَالَ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَزَائِنُ الْغَيْبِ، وَجَوَّزَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّهُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَتْحِ، أَيْ وَعِنْدَهُ فُتُوحُ الْغَيْبِ أَيْ يَفْتَحُ الْغَيْبَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَ هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَأَنَّ مَفَاتِحَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ ﷾. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ ﷺ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مَفَاتِحَ الْغَيْبِ، وَيُطْلَقُ الْمِفْتَاحُ عَلَى مَا كَانَ مَحْسُوسًا مِمَّا يَحِلُّ غَلْقًا كَالْقُفْلِ، وَعَلَى مَا كَانَ مَعْنَوِيًّا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، الْحَدِيثَ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَاقَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ مُطَوَّلًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢ - بَاب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ يَخْلِطَكُمْ مِنْ الِالْتِبَاسِ، ﴿يَلْبِسُوا﴾ يَخْلِطُوا، ﴿شِيَعًا﴾ فِرَقًا
٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا أَهْوَنُ، أَوْ هَذَا أَيْسَرُ.
[الحديث ٤٦٢٨ - طرفاه في: ٧٣١٣، ٧٤٠٦]
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، يَلْبِسَكُمْ: يَخْلِطَكُمْ مِنَ الِالْتِبَاسِ، يَلْبِسُوا: يَخْلِطُوا، هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (شِيَعًا فِرَقًا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَزَادَ: وَاحِدَتُهَا شِيعَةٌ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿شِيَعًا﴾ قَالَ: الْأَهْوَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ) وَقَعَ فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ جَابِرًا، وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو الْكَرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَخِيرِ. وَوَقَعَ فِي الِاعْتِصَامِ هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ أَيْ خَصْلَةُ الِالْتِبَاسِ وَخَصْلَةُ إِذَاقَةِ بَعْضِهِمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُفَسِّرُ بِهِ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعًا، فَرَفَعَ عَنْهُمْ ثِنْتَيْنِ وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْخَسْفَ مِنَ الْأَرْضِ وَأَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيقُ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْخَسْفَ وَالرَّجْمَ، وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْأُخْرَيَيْنِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وَوَقَعَ أَصَرْحُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: الرَّجْمُ، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: الْخَسْفُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ شُيُوخِهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقُ: الرَّجْمُ، وَمِنْ تَحْتُ: الْخَسْفُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوْقِ: أَئِمَّةُ السُّوءِ، وَبِالتَّحْتِ: خَدَمُ السُّوءِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْفَوْقِ: حَبْسُ الْمَطَرِ، وَبِالتَّحْتِ: مَنْعُ الثَّمَرَاتِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَسْفَ وَالرَّجْمَ لَا يَقَعَانِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، رَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُنَّ أَرْبَعٌ، وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَمَضَتِ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّهِمْ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً أُلْبِسُوا شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَبَقِيَتِ اثْنَتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَةَ الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ وَقَدْ أُعِلَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لَمْ يُدْرِكْ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ فَكَأَنَّ حَدِيثَهُ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ لَا مَحَالَةَ وَالْبَاقِي مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأُعِلَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَنَّ الْإِعَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مُقَيَّدَةٌ بِزَمَانِ مَخْصُوصٍ وَهُوَ وُجُودِ الصَّحَابَةِ وَالْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ وُقُوعِ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ: أَمَا إِنَّهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُخَالِفَ حَدِيثَ جَابِرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَأْوِيلِهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِتَنِ وَنَحْوَهَا.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ من حَدِيثُ صُحَارٍ - بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَوَّلُهُ مَضْمُومٌ مَعَ التَّخْفِيفِ - الْعَبْدِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةَ حَتَّى يُخْسَفَ بِقَبَائِلِ، الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ذِكْرُ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ أَيْضًا، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: يَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِي بْنِ رَبِيعَةَ الْجَرْشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي الْخَسْفُ وَالْمَسْخُ وَالْقَذْفُ، الْحَدِيثَ. وَوَرَدَ فِيهِ أَيْضًا عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ (١) وَعَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ (١).
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ عُبَادَةَ عِنْدَ وَلَدَهُ، وَعَنْ
أَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ فِي الصَّغِيرِ، وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ غَالِبًا لَكِنْ يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا، وَيَحْتَمِلُ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ لِجَمِيعِهِمْ وَإِنْ وَقَعَ لِأَفْرَادٍ مِنْهُمْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمَانٍ كَمَا فِي خَصْلَةِ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ وَالسَّنَةِ الْعَامَّةِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانِ رَفَعَهُ فِي حَدِيثِ بِأَوَّلِهِ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكِ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكَ بَعْضًا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
فَلَمَّا كَانَ تَسْلِيطُ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ قَدْ يَقَعُ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ عُمُومًا فَكَذَلِكَ الْخَسْفُ وَالْقَذْفُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعُ مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ الْآيَةَ، سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَ رَبَّكَ أَرْبَعًا فَأَعْطَاكَ اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَكَ اثْنَتَيْنِ: أَنْ يَأْتِيهِمْ عَذَابٌ مِنْ فَوْقِهِمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فَيَسْتَأْصِلُهُمْ كَمَا اسْتَأْصَلَ الْأُمَمَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يَلْبِسُهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَهَذَانِ عَذَابَانِ لِأَهْلِ الْإِقْرَارِ بِالْكِتَابِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى. وَكَأَنَّ مِنْ قَوْلِهِ وَهَذَانِ إِلَخْ مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ خِصَالٍ أُخْرَى: مِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا: سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي اثْنَتَيْنِ: سَأَلْتُهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْغَرَقَ مِنَ الْأَرْضِ فَرَفَعَهُمَا، الْحَدِيثَ، وَمِنْهَا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوَهُ لَكِنْ بِلَفْظِ أَنْ لَا يَهْلِكُوا جُوعًا وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَيْضًا الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ، فَإِنَّ الْغَرَقَ وَالْجُوعَ قَدْ يَقَعُ لِبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ، لَكِنِ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ الْأَمَانُ أَنْ يَقَعَ عَامَّا، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ نَحْوَهُ وَفِيهِ: وَأَنْ لَا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ خَالِدٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ بِالْبَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ بَدَلَ خَصْلَةِ الْإِهْلَاكِ: أَنْ لَا يَجْمَعَهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَكَذَا لِلطَّبَرِيِّ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُكَفِّرَ أُمَّتِي جُمْلَةً فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ بِمَا عُذِّبَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ
فَمَنَعَنِيهَا، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُرْسَلًا نَحْوَهُ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ بِمَا عَذَّبَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ الْغَرَقُ كَقَوْمِ نُوحٍ وَفِرْعَوْنَ، وَالْهَلَاكُ بِالرِّيحِ كَعَادٍ، وَالْخَسْفُ كَقَوْمِ لُوطٍ وَقَارُونَ، وَالصَّيْحَةُ كَثَمُودَ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ، وَالرَّجْمُ كَأَصْحَابِ الْفِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عُذِّبَتْ بِهِ الْأُمَمُ عُمُومًا. وَإِذَا جَمَعْتَ الْخِصَالَ الْمُسْتَعَاذُ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سُقْتُهَا بَلَغَتْ نَحْو الْعَشَرَةِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ سَأَلَ رَفْعَ الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَأُخْبِرَ بِأَنْ ذَلِكَ قَدْ قُدِّرَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَأَمَّا مَا زَادَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ لَيْسَ هَذَا قَالَ وَلَوِ اسْتَعَاذَهُ لَأَعَاذَهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَسْمَعْ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ وَحَفِظَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ وَلَوِ اسْتَعَاذَهُ إِلَخْ بَعْضَ رُوَاتِهِ دُونَ جَابِرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الفتح، أي: وعنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ويُطلَق المفتاح على المحسوس والمعنوي (١)، وفي حديث أنسٍ ممَّا صحَّحه ابن حبَّان: «إنَّ من النَّاس مفاتيح للخير».
٤٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مفَاتِحُ الغَيْبِ) بوزن مساجد، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ) لا يعلمها إلَّا الله، فمن ادَّعى علم شيءٍ منها (٢)؛ فقد كفر بالقرآن العظيم، وذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي زائدًا عليه، أو لأنَّ هذه الخمس هي التي كانوا يدَّعون علمها: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) أي: علم قيامها، فلا يعلم ذلك نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرَّبٌ ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ومن ثمَّ أنكر الدَّاوديُّ على الطبريِّ دعواه أنَّه بقي من الدُّنيا من هجرة المصطفى نصف يومٍ؛ وهو خمس مئةِ عامٍ، قال: وتقوم السَّاعة؛ لأنَّ دعواه مخالفةٌ لصريحٍ القرآن والسُّنَّة، ويكفي في الردِّ عليه أنَّ الأمر وقع بخلاف ما قال، فقد مضت خمس مئةِ سنةٍ ثمَّ ثلاث مئةٍ وزيادةٌ، لكنَّ الطَّبريَّ تمسَّك بحديث (٣) أبي ثعلبة رفعه: «لن تعجز هذه الأمَّة أن يؤخِّرها الله نصف يومٍ … » الحديث، أخرجه أبو داود وغيره، لكنَّه ليس صريحًا في أنَّها لا تؤخَّر (٤) أكثر من ذلك (﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾) فلا يعلم وقت إنزاله من غير تقديمٍ ولا تأخيرٍ وفي (٥)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي التَّفْسِير: سُبْحَانَ الله. أَي: تقدس وتنزه وتعاظم عَمَّا يصفه الجهلة الضالون من الأنداد والنظراء والشركاء.
وَإنْ تَعْدِلْ تُقْسِطْ: لَا يُقْبَلْ مِنْها فِي ذَلِكَ اليَوْمِ
هَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِن تعدل كل عدل لَا يُؤْخَذ مِنْهَا} (الْأَنْعَام: ٧٠) وَفسّر تعدل بقوله: تقسط، بِضَم التَّاء من الإقساط، وَهُوَ الْعدْل وَالضَّمِير فِي: وَإِن تعدل. يرجع إِلَى النَّفس الْكَافِرَة الْمَذْكُورَة فِيمَا قبله، وَفسّر أَبُو عُبَيْدَة الْعدْل بِالتَّوْبَةِ. قَوْله: {لَا يقبل مِنْهَا فِي ذَلِك الْيَوْم} يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة لِأَن التَّوْبَة إِنَّمَا كَانَت تَنْفَع فِي حَال الْحَيَاة قبل الْمَوْت كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار فَلَنْ يقبل من أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا وَلَو اقْتدى بِهِ} (آل عمرَان: ٩١) الْآيَة.
يُقَالُ عَلَى الله حُسْبَانُهُ أَي حِسابُهُ وَيُقالُ حُسْبانا مَرَامِيَ. وَرُجُوما لِلشَّياطِينِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا} (الْأَنْعَام: ٩٦) وَقَالَ: هُوَ جمع حِسَاب، وَفِي التَّفْسِير: {وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا} أَي: يجريان بِحِسَاب مقنن مُقَدّر لَا يتَغَيَّر وَلَا يضطرب. قَوْله: (على الله حسبانه) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حسبانا كَمَا يَجِيء جمع حِسَاب يَجِيء أَيْضا، بِمَعْنى حِسَاب مثل شهبان وشهاب، وَكَذَا فسره بقوله: أَي حسابه. قَوْله: (وَيُقَال: حسبانا مرامي ورجوما للشياطين) ، مضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي: بَاب صفة الشَّمْس وَالْقَمَر.
مُسْتَقِرٌ فِي الصُّلْبِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الرَّحِمِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة فمستقر ومستودع} (الْأَنْعَام: ٩٨) وَقد فسر قَوْله مُسْتَقر. بقوله مُسْتَقر فِي الصلب، وَقَوله: مستودع، بقوله مستودع فِي الرَّحِم، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَطَائِفَة، وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَقيس بن أبي حَازِم وَمُجاهد وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي، مُسْتَقر فِي الْأَرْحَام مستودع فِي الأصلاب، وَعَن ابْن مَسْعُود أَيْضا فمستقر فِي الدُّنْيَا ومستودع حَيْثُ يَمُوت، وَعَن الْحسن، والمستقر الَّذِي قد مَاتَ فاستقر بِهِ عمله، وَعَن ابْن مَسْعُود أَيْضا مستودع فِي الدَّار الْآخِرَة، وَعَن الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيثه المستقر الرَّحِم والمستودع الأَرْض، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كثير، فمستقر، بِكَسْر الْقَاف وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَقَرَأَ الْجَمِيع مستودع، بِفَتْح الدَّال إلَاّ رِوَايَة عَن أبي عَمْرو فبكسرها.
الْقِنُوا العِذْقُ وَالإثْنانِ قِنْوَانِ وَالجَماعَةُ أَيْضا قِنْوانٌ مِثْلُ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمن النّخل من طلعها قنوان دانية} (الْأَنْعَام: ٩٩) قَوْله الغدق بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره قَاف، وَهُوَ العرجون، بِمَا فِيهِ من الشماريخ، وَيجمع على عذاق، والعذق بِالْفَتْح النَّخْلَة. قَوْله: {والاثنان قنوان} يَعْنِي: تَثْنِيَة القنو قنوان، وَكَذَلِكَ جمع القنو قنوان فيستوي فِيهِ التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي اللَّفْظ وَيَقَع الْفرق بَينهمَا بِأَن نون التَّثْنِيَة مَكْسُورَة وَنون الْجمع تجْرِي عَلَيْهِ أَنْوَاع الْإِعْرَاب، تَقول فِي التَّثْنِيَة، هَذَانِ قنوان بِالْكَسْرِ، وَأخذت قنوين فِي النصب وَضربت بقنوين فِي الْجَرّ، فألف التَّثْنِيَة تنْقَلب يَاء فيهمَا، وَتقول فِي الْجمع: هَذِه قنوان بِالرَّفْع لِأَنَّهُ لَا يتَغَيَّر فِي حَالَة الرّفْع، وَأخذت قنوانا بِالنّصب وَضربت بقنوان بِالْجَرِّ، وَلَا يتَغَيَّر فِيهِ الْألف أصلا وَالْإِعْرَاب يجْرِي على النُّون، وَكَذَا يَقع الْفرق فِي حَالَة الْإِضَافَة فَإِن نون التَّثْنِيَة تحذف فِي الْإِضَافَة دون نون الْجمع قَوْله: {مثل صنْوَان} يَعْنِي: أَن تَثْنِيَة صنو وَجمعه كَذَلِك على لفظ وَاحِد، وَالْفرق بِمَا ذكرنَا وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون، وَهُوَ الْمثل وَأَصله أَن تطلع نخلتان من عرق وَاحِد. وَقَرَأَ الْجُمْهُور: قنوان بِكَسْر أَوله وَقَرَأَ الْأَعْمَش والأعرج بضَمهَا، وَهِي رِوَايَة عَن أبي عَمْرو، وَهِي لُغَة قيس.
١ - (بابٌ: {وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إلاّ هُوَ} (الْأَنْعَام: ٥٩)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إلاّ هُوَ} أَي: وَفِي علم الله مفاتح مَا لَا يعلم من الْأُمُور، والمفاتح جمع
مفتح، بِكَسْر الْمِيم لِأَن اسْم للآلة الَّتِي يفتح بهَا، وَاسم الْآلَة مفعل ومفعال ومفعلة كلهَا بِكَسْر الْمِيم، وقرىء (مَفَاتِيح الْغَيْب) جمع مِفْتَاح، وَقيل: المفاتح هُنَا جمع مفتح بِفَتْح الْمِيم أَي: مَكَان الْفَتْح، وَقيل: هُوَ مصدر ميمي على معنى: وَعِنْده فتح الْغَيْب وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: جعل للغيب مفاتح على طَرِيق الِاسْتِعَارَة لِأَن المفاتح يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَا فِي المخازن المتوثق مِنْهَا بالإغلاق والأقفال وَمن علم مفاتحها وَكَيف تفتح توصل إِلَيْهَا فَأَرَادَ أَنه هُوَ المتوصل إِلَى علم المغيبات وَحده لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا غَيره، كمن عِنْده مفاتح أقفال المخازن يعلم فتحهَا فَهُوَ المتوصل إِلَى مَا فِي المخازن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ (وَعِنْده مفاتح الْغَيْب) قَالَ: خَزَائِن الْغَيْب. وَقَالَ مقَاتل: عِنْده خَزَائِن غيب الْعَذَاب مَتى ينزله بكم، وَقَالَ الْجَوْزِيّ: مفاتح الْغَيْب هُوَ مَا غَابَ عَن بني آدم من الرزق والمطر وَالثَّوَاب، وَقيل: مفاتح الْغَيْب السَّعَادَة والشقاوة، وَقيل: الْغَيْب عواقب الْأَعْمَار وخواتيم الْأَعْمَال. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مفاتح الْغَيْب خَزَائِن الأَرْض، وَقيل: هُوَ مَا لم يكن بعد أَنه يكون لم لَا يكون وَمَا يكون وَكَيف يكون.
٤٦٢٧ - ح دَّثنا عَبْدِ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَالِم بنِ عَبْد الله عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ: إنَّ الله عَنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ أيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأوسي والمديني من أَفْرَاد البُخَارِيّ يروي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عبيد الله بن فضَالة وَمر فِي الاسْتِسْقَاء من حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢ - (بابُ قَوْلِهِ: {قلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ} (الْأَنْعَام: ٦٥) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل هُوَ الْقَادِر} الْآيَة. أَي: قل يَا مُحَمَّد الله الْقَادِر على بعث الْعَذَاب عَلَيْكُم من فَوْقكُم كالحجارة الَّتِي أرْسلت على قوم لوط وكالماء المنهمر الَّذِي نزل لإغراق قوم نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وكالحجارة الَّتِي أرْسلت على أَصْحَاب الْفِيل، وَمن تَحت أَرْجُلكُم كالخسف بقارون وإغراق آل فِرْعَوْن. وَقيل: من فَوْقكُم من أكابركم وسلاطينكم وَمن تَحت أَرْجُلكُم من سفلتكم وعبيدكم، وَقيل: من فَوْقكُم حبس الْمَطَر وَمن تَحت أَرْجُلكُم منع النَّبَات.
يَلْبِسَكُمْ يَخْلِطَكُمْ مِنَ الالْتِبَاسِ يَلْبِسُوا يَخْلِطُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض} وَفسّر يلْبِسكُمْ بقوله يخلطكم، وَنبهَ على أَن مادته من مَادَّة الالتباس، لِأَن ثلاثيه من لبس يلبس من بَاب علم يعلم.
شِيعا فِرَقا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا} وَفسّر الشيع بِالْفرقِ جمع فرقة، وَفِي التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا} أَي ليجعلكم ملتبسين شيعًا فرقا متخالفين. وَقَالَ الْوَالِي عَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الْأَهْوَاء وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغير وَاحِد، وَقد ورد فِي الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طرق عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (سَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة) .
٤٦٢٨ - ح دَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرو بنِ دِينارٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ قُلْ هُوَ القادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابا مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ رسولُ الله
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ) أَيْ حِسَابُهُ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، أَعَادَهُ هُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ.
١ - بَاب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾
٤٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ خَمْسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ الْمَفَاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا، مِثْلُ مِنْجَلٍ وَمَنَاجِلٍ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ فِي الْآلَةِ، وَالْمَشْهُورُ مِفْتَاحٌ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَجَمْعُهُ مَفَاتِيحُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ، قَرَأَ ابْنُ السَّمَيْفَعِ (وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ) وَقِيلَ: بَلْ هُوَ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمَكَانُ. وَيُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ قَالَ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَزَائِنُ الْغَيْبِ، وَجَوَّزَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّهُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَتْحِ، أَيْ وَعِنْدَهُ فُتُوحُ الْغَيْبِ أَيْ يَفْتَحُ الْغَيْبَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَ هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَأَنَّ مَفَاتِحَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ ﷾. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ ﷺ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مَفَاتِحَ الْغَيْبِ، وَيُطْلَقُ الْمِفْتَاحُ عَلَى مَا كَانَ مَحْسُوسًا مِمَّا يَحِلُّ غَلْقًا كَالْقُفْلِ، وَعَلَى مَا كَانَ مَعْنَوِيًّا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، الْحَدِيثَ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَاقَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ مُطَوَّلًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢ - بَاب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ يَخْلِطَكُمْ مِنْ الِالْتِبَاسِ، ﴿يَلْبِسُوا﴾ يَخْلِطُوا، ﴿شِيَعًا﴾ فِرَقًا
٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا أَهْوَنُ، أَوْ هَذَا أَيْسَرُ.
[الحديث ٤٦٢٨ - طرفاه في: ٧٣١٣، ٧٤٠٦]
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، يَلْبِسَكُمْ: يَخْلِطَكُمْ مِنَ الِالْتِبَاسِ، يَلْبِسُوا: يَخْلِطُوا، هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (شِيَعًا فِرَقًا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَزَادَ: وَاحِدَتُهَا شِيعَةٌ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿شِيَعًا﴾ قَالَ: الْأَهْوَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ) وَقَعَ فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ جَابِرًا، وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو الْكَرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَخِيرِ. وَوَقَعَ فِي الِاعْتِصَامِ هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ أَيْ خَصْلَةُ الِالْتِبَاسِ وَخَصْلَةُ إِذَاقَةِ بَعْضِهِمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُفَسِّرُ بِهِ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعًا، فَرَفَعَ عَنْهُمْ ثِنْتَيْنِ وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْخَسْفَ مِنَ الْأَرْضِ وَأَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيقُ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْخَسْفَ وَالرَّجْمَ، وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْأُخْرَيَيْنِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وَوَقَعَ أَصَرْحُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: الرَّجْمُ، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: الْخَسْفُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ شُيُوخِهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقُ: الرَّجْمُ، وَمِنْ تَحْتُ: الْخَسْفُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوْقِ: أَئِمَّةُ السُّوءِ، وَبِالتَّحْتِ: خَدَمُ السُّوءِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْفَوْقِ: حَبْسُ الْمَطَرِ، وَبِالتَّحْتِ: مَنْعُ الثَّمَرَاتِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَسْفَ وَالرَّجْمَ لَا يَقَعَانِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، رَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُنَّ أَرْبَعٌ، وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَمَضَتِ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّهِمْ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً أُلْبِسُوا شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَبَقِيَتِ اثْنَتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَةَ الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ وَقَدْ أُعِلَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لَمْ يُدْرِكْ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ فَكَأَنَّ حَدِيثَهُ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ لَا مَحَالَةَ وَالْبَاقِي مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأُعِلَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَنَّ الْإِعَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مُقَيَّدَةٌ بِزَمَانِ مَخْصُوصٍ وَهُوَ وُجُودِ الصَّحَابَةِ وَالْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ وُقُوعِ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ: أَمَا إِنَّهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُخَالِفَ حَدِيثَ جَابِرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَأْوِيلِهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِتَنِ وَنَحْوَهَا.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ من حَدِيثُ صُحَارٍ - بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَوَّلُهُ مَضْمُومٌ مَعَ التَّخْفِيفِ - الْعَبْدِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةَ حَتَّى يُخْسَفَ بِقَبَائِلِ، الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ذِكْرُ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ أَيْضًا، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: يَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِي بْنِ رَبِيعَةَ الْجَرْشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي الْخَسْفُ وَالْمَسْخُ وَالْقَذْفُ، الْحَدِيثَ. وَوَرَدَ فِيهِ أَيْضًا عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ (١) وَعَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ (١).
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ عُبَادَةَ عِنْدَ وَلَدَهُ، وَعَنْ
أَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ فِي الصَّغِيرِ، وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ غَالِبًا لَكِنْ يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا، وَيَحْتَمِلُ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ لِجَمِيعِهِمْ وَإِنْ وَقَعَ لِأَفْرَادٍ مِنْهُمْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمَانٍ كَمَا فِي خَصْلَةِ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ وَالسَّنَةِ الْعَامَّةِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانِ رَفَعَهُ فِي حَدِيثِ بِأَوَّلِهِ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكِ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكَ بَعْضًا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
فَلَمَّا كَانَ تَسْلِيطُ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ قَدْ يَقَعُ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ عُمُومًا فَكَذَلِكَ الْخَسْفُ وَالْقَذْفُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعُ مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ الْآيَةَ، سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَ رَبَّكَ أَرْبَعًا فَأَعْطَاكَ اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَكَ اثْنَتَيْنِ: أَنْ يَأْتِيهِمْ عَذَابٌ مِنْ فَوْقِهِمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فَيَسْتَأْصِلُهُمْ كَمَا اسْتَأْصَلَ الْأُمَمَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يَلْبِسُهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَهَذَانِ عَذَابَانِ لِأَهْلِ الْإِقْرَارِ بِالْكِتَابِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى. وَكَأَنَّ مِنْ قَوْلِهِ وَهَذَانِ إِلَخْ مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ خِصَالٍ أُخْرَى: مِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا: سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي اثْنَتَيْنِ: سَأَلْتُهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْغَرَقَ مِنَ الْأَرْضِ فَرَفَعَهُمَا، الْحَدِيثَ، وَمِنْهَا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوَهُ لَكِنْ بِلَفْظِ أَنْ لَا يَهْلِكُوا جُوعًا وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَيْضًا الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ، فَإِنَّ الْغَرَقَ وَالْجُوعَ قَدْ يَقَعُ لِبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ، لَكِنِ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ الْأَمَانُ أَنْ يَقَعَ عَامَّا، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ نَحْوَهُ وَفِيهِ: وَأَنْ لَا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ خَالِدٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ بِالْبَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ بَدَلَ خَصْلَةِ الْإِهْلَاكِ: أَنْ لَا يَجْمَعَهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَكَذَا لِلطَّبَرِيِّ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُكَفِّرَ أُمَّتِي جُمْلَةً فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ بِمَا عُذِّبَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ
فَمَنَعَنِيهَا، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُرْسَلًا نَحْوَهُ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ بِمَا عَذَّبَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ الْغَرَقُ كَقَوْمِ نُوحٍ وَفِرْعَوْنَ، وَالْهَلَاكُ بِالرِّيحِ كَعَادٍ، وَالْخَسْفُ كَقَوْمِ لُوطٍ وَقَارُونَ، وَالصَّيْحَةُ كَثَمُودَ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ، وَالرَّجْمُ كَأَصْحَابِ الْفِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عُذِّبَتْ بِهِ الْأُمَمُ عُمُومًا. وَإِذَا جَمَعْتَ الْخِصَالَ الْمُسْتَعَاذُ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سُقْتُهَا بَلَغَتْ نَحْو الْعَشَرَةِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ سَأَلَ رَفْعَ الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَأُخْبِرَ بِأَنْ ذَلِكَ قَدْ قُدِّرَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَأَمَّا مَا زَادَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ لَيْسَ هَذَا قَالَ وَلَوِ اسْتَعَاذَهُ لَأَعَاذَهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَسْمَعْ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ وَحَفِظَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ وَلَوِ اسْتَعَاذَهُ إِلَخْ بَعْضَ رُوَاتِهِ دُونَ جَابِرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الفتح، أي: وعنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ويُطلَق المفتاح على المحسوس والمعنوي (١)، وفي حديث أنسٍ ممَّا صحَّحه ابن حبَّان: «إنَّ من النَّاس مفاتيح للخير».
٤٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مفَاتِحُ الغَيْبِ) بوزن مساجد، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ) لا يعلمها إلَّا الله، فمن ادَّعى علم شيءٍ منها (٢)؛ فقد كفر بالقرآن العظيم، وذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي زائدًا عليه، أو لأنَّ هذه الخمس هي التي كانوا يدَّعون علمها: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) أي: علم قيامها، فلا يعلم ذلك نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرَّبٌ ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ومن ثمَّ أنكر الدَّاوديُّ على الطبريِّ دعواه أنَّه بقي من الدُّنيا من هجرة المصطفى نصف يومٍ؛ وهو خمس مئةِ عامٍ، قال: وتقوم السَّاعة؛ لأنَّ دعواه مخالفةٌ لصريحٍ القرآن والسُّنَّة، ويكفي في الردِّ عليه أنَّ الأمر وقع بخلاف ما قال، فقد مضت خمس مئةِ سنةٍ ثمَّ ثلاث مئةٍ وزيادةٌ، لكنَّ الطَّبريَّ تمسَّك بحديث (٣) أبي ثعلبة رفعه: «لن تعجز هذه الأمَّة أن يؤخِّرها الله نصف يومٍ … » الحديث، أخرجه أبو داود وغيره، لكنَّه ليس صريحًا في أنَّها لا تؤخَّر (٤) أكثر من ذلك (﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾) فلا يعلم وقت إنزاله من غير تقديمٍ ولا تأخيرٍ وفي (٥)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي التَّفْسِير: سُبْحَانَ الله. أَي: تقدس وتنزه وتعاظم عَمَّا يصفه الجهلة الضالون من الأنداد والنظراء والشركاء.
وَإنْ تَعْدِلْ تُقْسِطْ: لَا يُقْبَلْ مِنْها فِي ذَلِكَ اليَوْمِ
هَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِن تعدل كل عدل لَا يُؤْخَذ مِنْهَا} (الْأَنْعَام: ٧٠) وَفسّر تعدل بقوله: تقسط، بِضَم التَّاء من الإقساط، وَهُوَ الْعدْل وَالضَّمِير فِي: وَإِن تعدل. يرجع إِلَى النَّفس الْكَافِرَة الْمَذْكُورَة فِيمَا قبله، وَفسّر أَبُو عُبَيْدَة الْعدْل بِالتَّوْبَةِ. قَوْله: {لَا يقبل مِنْهَا فِي ذَلِك الْيَوْم} يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة لِأَن التَّوْبَة إِنَّمَا كَانَت تَنْفَع فِي حَال الْحَيَاة قبل الْمَوْت كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار فَلَنْ يقبل من أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا وَلَو اقْتدى بِهِ} (آل عمرَان: ٩١) الْآيَة.
يُقَالُ عَلَى الله حُسْبَانُهُ أَي حِسابُهُ وَيُقالُ حُسْبانا مَرَامِيَ. وَرُجُوما لِلشَّياطِينِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا} (الْأَنْعَام: ٩٦) وَقَالَ: هُوَ جمع حِسَاب، وَفِي التَّفْسِير: {وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا} أَي: يجريان بِحِسَاب مقنن مُقَدّر لَا يتَغَيَّر وَلَا يضطرب. قَوْله: (على الله حسبانه) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حسبانا كَمَا يَجِيء جمع حِسَاب يَجِيء أَيْضا، بِمَعْنى حِسَاب مثل شهبان وشهاب، وَكَذَا فسره بقوله: أَي حسابه. قَوْله: (وَيُقَال: حسبانا مرامي ورجوما للشياطين) ، مضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي: بَاب صفة الشَّمْس وَالْقَمَر.
مُسْتَقِرٌ فِي الصُّلْبِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الرَّحِمِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة فمستقر ومستودع} (الْأَنْعَام: ٩٨) وَقد فسر قَوْله مُسْتَقر. بقوله مُسْتَقر فِي الصلب، وَقَوله: مستودع، بقوله مستودع فِي الرَّحِم، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَطَائِفَة، وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَقيس بن أبي حَازِم وَمُجاهد وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي، مُسْتَقر فِي الْأَرْحَام مستودع فِي الأصلاب، وَعَن ابْن مَسْعُود أَيْضا فمستقر فِي الدُّنْيَا ومستودع حَيْثُ يَمُوت، وَعَن الْحسن، والمستقر الَّذِي قد مَاتَ فاستقر بِهِ عمله، وَعَن ابْن مَسْعُود أَيْضا مستودع فِي الدَّار الْآخِرَة، وَعَن الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيثه المستقر الرَّحِم والمستودع الأَرْض، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كثير، فمستقر، بِكَسْر الْقَاف وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَقَرَأَ الْجَمِيع مستودع، بِفَتْح الدَّال إلَاّ رِوَايَة عَن أبي عَمْرو فبكسرها.
الْقِنُوا العِذْقُ وَالإثْنانِ قِنْوَانِ وَالجَماعَةُ أَيْضا قِنْوانٌ مِثْلُ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمن النّخل من طلعها قنوان دانية} (الْأَنْعَام: ٩٩) قَوْله الغدق بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره قَاف، وَهُوَ العرجون، بِمَا فِيهِ من الشماريخ، وَيجمع على عذاق، والعذق بِالْفَتْح النَّخْلَة. قَوْله: {والاثنان قنوان} يَعْنِي: تَثْنِيَة القنو قنوان، وَكَذَلِكَ جمع القنو قنوان فيستوي فِيهِ التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي اللَّفْظ وَيَقَع الْفرق بَينهمَا بِأَن نون التَّثْنِيَة مَكْسُورَة وَنون الْجمع تجْرِي عَلَيْهِ أَنْوَاع الْإِعْرَاب، تَقول فِي التَّثْنِيَة، هَذَانِ قنوان بِالْكَسْرِ، وَأخذت قنوين فِي النصب وَضربت بقنوين فِي الْجَرّ، فألف التَّثْنِيَة تنْقَلب يَاء فيهمَا، وَتقول فِي الْجمع: هَذِه قنوان بِالرَّفْع لِأَنَّهُ لَا يتَغَيَّر فِي حَالَة الرّفْع، وَأخذت قنوانا بِالنّصب وَضربت بقنوان بِالْجَرِّ، وَلَا يتَغَيَّر فِيهِ الْألف أصلا وَالْإِعْرَاب يجْرِي على النُّون، وَكَذَا يَقع الْفرق فِي حَالَة الْإِضَافَة فَإِن نون التَّثْنِيَة تحذف فِي الْإِضَافَة دون نون الْجمع قَوْله: {مثل صنْوَان} يَعْنِي: أَن تَثْنِيَة صنو وَجمعه كَذَلِك على لفظ وَاحِد، وَالْفرق بِمَا ذكرنَا وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون، وَهُوَ الْمثل وَأَصله أَن تطلع نخلتان من عرق وَاحِد. وَقَرَأَ الْجُمْهُور: قنوان بِكَسْر أَوله وَقَرَأَ الْأَعْمَش والأعرج بضَمهَا، وَهِي رِوَايَة عَن أبي عَمْرو، وَهِي لُغَة قيس.
١ - (بابٌ: {وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إلاّ هُوَ} (الْأَنْعَام: ٥٩)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إلاّ هُوَ} أَي: وَفِي علم الله مفاتح مَا لَا يعلم من الْأُمُور، والمفاتح جمع
مفتح، بِكَسْر الْمِيم لِأَن اسْم للآلة الَّتِي يفتح بهَا، وَاسم الْآلَة مفعل ومفعال ومفعلة كلهَا بِكَسْر الْمِيم، وقرىء (مَفَاتِيح الْغَيْب) جمع مِفْتَاح، وَقيل: المفاتح هُنَا جمع مفتح بِفَتْح الْمِيم أَي: مَكَان الْفَتْح، وَقيل: هُوَ مصدر ميمي على معنى: وَعِنْده فتح الْغَيْب وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: جعل للغيب مفاتح على طَرِيق الِاسْتِعَارَة لِأَن المفاتح يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَا فِي المخازن المتوثق مِنْهَا بالإغلاق والأقفال وَمن علم مفاتحها وَكَيف تفتح توصل إِلَيْهَا فَأَرَادَ أَنه هُوَ المتوصل إِلَى علم المغيبات وَحده لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا غَيره، كمن عِنْده مفاتح أقفال المخازن يعلم فتحهَا فَهُوَ المتوصل إِلَى مَا فِي المخازن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ (وَعِنْده مفاتح الْغَيْب) قَالَ: خَزَائِن الْغَيْب. وَقَالَ مقَاتل: عِنْده خَزَائِن غيب الْعَذَاب مَتى ينزله بكم، وَقَالَ الْجَوْزِيّ: مفاتح الْغَيْب هُوَ مَا غَابَ عَن بني آدم من الرزق والمطر وَالثَّوَاب، وَقيل: مفاتح الْغَيْب السَّعَادَة والشقاوة، وَقيل: الْغَيْب عواقب الْأَعْمَار وخواتيم الْأَعْمَال. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مفاتح الْغَيْب خَزَائِن الأَرْض، وَقيل: هُوَ مَا لم يكن بعد أَنه يكون لم لَا يكون وَمَا يكون وَكَيف يكون.
٤٦٢٧ - ح دَّثنا عَبْدِ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَالِم بنِ عَبْد الله عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ: إنَّ الله عَنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ أيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأوسي والمديني من أَفْرَاد البُخَارِيّ يروي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عبيد الله بن فضَالة وَمر فِي الاسْتِسْقَاء من حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢ - (بابُ قَوْلِهِ: {قلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ} (الْأَنْعَام: ٦٥) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل هُوَ الْقَادِر} الْآيَة. أَي: قل يَا مُحَمَّد الله الْقَادِر على بعث الْعَذَاب عَلَيْكُم من فَوْقكُم كالحجارة الَّتِي أرْسلت على قوم لوط وكالماء المنهمر الَّذِي نزل لإغراق قوم نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وكالحجارة الَّتِي أرْسلت على أَصْحَاب الْفِيل، وَمن تَحت أَرْجُلكُم كالخسف بقارون وإغراق آل فِرْعَوْن. وَقيل: من فَوْقكُم من أكابركم وسلاطينكم وَمن تَحت أَرْجُلكُم من سفلتكم وعبيدكم، وَقيل: من فَوْقكُم حبس الْمَطَر وَمن تَحت أَرْجُلكُم منع النَّبَات.
يَلْبِسَكُمْ يَخْلِطَكُمْ مِنَ الالْتِبَاسِ يَلْبِسُوا يَخْلِطُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض} وَفسّر يلْبِسكُمْ بقوله يخلطكم، وَنبهَ على أَن مادته من مَادَّة الالتباس، لِأَن ثلاثيه من لبس يلبس من بَاب علم يعلم.
شِيعا فِرَقا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا} وَفسّر الشيع بِالْفرقِ جمع فرقة، وَفِي التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا} أَي ليجعلكم ملتبسين شيعًا فرقا متخالفين. وَقَالَ الْوَالِي عَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الْأَهْوَاء وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغير وَاحِد، وَقد ورد فِي الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طرق عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (سَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة) .
٤٦٢٨ - ح دَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرو بنِ دِينارٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ قُلْ هُوَ القادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابا مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ رسولُ الله