الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٤٨
الحديث رقم ٤٦٤٨ من كتاب «سورة الأنفال» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
٤٦٤٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ : سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ: هِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، السَّبْعُ الْمَثَانِي.
قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ اسْتَجِيبُوا: أَجِيبُوا. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لِمَا يُصْلِحُكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ﴾ أَيْ أَجِيبُوا لِلَّهِ، يُقَالُ اسْتَجَبْتُ لَهُ وَاسْتَجَبْتُهُ بِمَعْنًى وَقَوْلِهِ: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ لِمَا يَهْدِيكُمْ وَيُصْلِحُكُمُ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آلِ عِمْرَانَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاذٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ، وَفَائِدَةُ إِيرَادِهِ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ تَصْرِيحِ حَفْصٍ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى.
٣ - بَاب: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا سَمَّى اللَّهُ مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا، وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾
٤٦٤٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ - هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ - سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ.
[الحديث ٤٦٤٨ - طرفه في: ٤٦٤٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِن دِكَ فَأَمْطِرْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِلَخْ) كَذَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ قَالَ: وَيَقُولُ نَاسٌ مَا سَمَّى اللَّهُ الْمَطَرَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا، وَلَكِنْ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ كَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ﴿حم * عسق﴾ وَقَدْ تُعُقِّبَ كَلَامُ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِوُرُودِ الْمَطَرِ بِمَعْنَى الْغَيْثِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْغَيْثُ قَطْعًا، مَعْنَى التَّأَذِّي بِهِ الْبَلَلُ الْحَاصِلُ مِنْهُ لِلثَّوْبِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنْ كَانَ مِنَ الْعَذَابِ فَهُوَ أُمْطِرَتْ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الرَّحْمَةِ فَهُوَ مُطِرَتْ. وَفِيهِ مُطِرَتْ. وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرِ مَنْسُوبٍ، وَجَزَمَ الْحَاكِمَانِ أَبُو أَحْمَدَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ ابْنُ النَّضِرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ بِعَيْنِهِ عَقِبَ هَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضِرِ أَخِي أَحْمَدَ هَذَا، قَالَ الْحَاكِمُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمَا وَيُكْثِرُ الْكُمُونَ عِنْدَهُمَا إِذَا قَدِمَ نَيْسَابُورَ. قُلْتُ: وَهُمَا مِنْ طَبَقَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ تَلَامِذَةِ الْبُخَارِيِّ وَإِنْ شَارَكُوهُ فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ عَنْ شَيْخِهِمَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورُ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَنَزَلَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْكَثِيرَ عَنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ بِوَاسِطَةِ وَاحِدَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعْبَةَ، قَالَ الْحَاكِمُ: أَحْمَدُ بْنُ النَّضِرِ يُكَنَّى أَبَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
روي أنَّ معاوية قال لرجلٍ من سبأ: «ما أجهل قومك حين ملَّكوا عليهم امرأة! فقال: أجهلُ من قومي قومُك حين قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ ولم يقولوا: فاهْدِنا له» وروي (١) أنَّ النَّضر بن الحارث -لعنه الله- لمَّا قال: ﴿إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] قال النبيُّ ﷺ: «ويلك (٢)! إنَّه كلام الله» فقال هو وأبو جهلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، وثبت (٣) «باب قوله» لأبي (٤) ذرٍّ، وسقط له من قوله: «﴿عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿فَأَمْطِرْ﴾: «الآيةَ».
(قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان في «تفسيره» روايةِ سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ (٥): (مَا سَمَّى اللهُ تَعَالَى مَطَرًا فِي القُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا) أُورِدَ (٦) عليه قوله تعالى: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] فإنَّ المراد به المطر قطعًا، ونسبة الأذى إليه بالبَلَل والوَحْل الحاصل منه لا يُخرِجه عن كونه مَطَرًا (وَتُسَمِّيه العَرَبُ الغَيْثَ؛ وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]) وثبت قوله «﴿وَهُوَ الَّذِي﴾» في الفرع وسقط من أصله.
٤٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ) غير منسوب، وقد جزم الحاكمان -أبو أحمد وأبو
عبد الله- أنَّه ابن (١) النَّضر بن عبد الوهَّاب النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة مصغَّرًا، قال (٢): (حَدَّثَنَا أَبِي) معاذ بن معاذ بن حسَّان العنبريُّ التَّميميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن دينارٍ تابعيٌّ صغيرٌ، زاد غير أبي ذرٍّ: «هو ابن كُرْدِيدٍ» بكافٍ مضمومةٍ فراءٍ ساكنةٍ فدالينِ الأولى مكسورةٌ بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ (صَاحِبُِ الزِّيَادِيِّ) -بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة- أنَّه (سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁) يقول: (قَالَ أَبُو جَهْلٍ) لعنه الله: (﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾) نُصِبَ خبرًا عن الكون، و ﴿هُوَ﴾ فصلٌ (٣)، وقُرِئ بالرَّفع على أنَّ (٤) ﴿هُوَ﴾ مبتدأٌ غير فصلٍ، و ﴿الْحَقَّ﴾: خبره (﴿مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾) قال أبو عبيدة: كلُّ شيءٍ «أمطرت» فهو من العذاب، وما كان من الرَّحمة فهو «مطرت» (فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الاية [الأنفال: ٣٣ - ٣٤]) وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ … » إلى «﴿يَصُدُّونَ﴾» ويقول: «إلى: ﴿عَنِ (٥) الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾» وقد أورد ابن المنيِّر في «تفسيره» هنا سؤالًا -كما نقله عنه في «المصابيح» - فقال: قد حكى الله عنهم هذا الكلام في هذه الآية؛ أي قوله: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ الآيةَ، وهو من جنس نَظْم القرآن، فقد وُجِد فيه بعض التكلُّم ببعض القرآن، فكيف يتمُّ نفي المعارضة بالكلِّيَّة وقد وُجِد بعضها؟ ومنها حكاية الله عنهم في الإسراء [الآية: ٩٠]: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ وأجاب: بأنَّ الإتيان بمثل هذا (٦) القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة؛ لأنَّ هذا المقدار قليلٌ لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة، قال العلَّامة البدر
الدَّمامينيُّ: وهذا الجواب إنَّما يتمشَّى على القول بأنَّ التحدِّي إنَّما وقع بالسُّورة الطَّويلة التي يظهر منها (١) قوَّة الكلام.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «ذكر المنافقين والكفَّار».
(٤) (بابُ قَولهِ) تعالى: (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾) اللَّام لتأكيد النَّفي، والدَّلالةُ على أنَّ تعذيبهم عذابَ استئصالٍ والنبيُّ ﷺ بين أظهُرهم غيرُ مستقيم في الحكمة، خارجٌ عن عادته تعالى في قضائه، قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه عنه عليُّ بن أبي طلحة-: «ما كان الله ليعذِّب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتَّى يُخرِجَهم» (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]) في موضع الحال، ومعناه: نفي الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا ممَّن يؤمن ويستغفر من الكفر لَمَا عذَّبهم، ولكنَّهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، أو: ما كان الله معذِّبهم وفيهم مَن يستغفر -وهم المسلمون- بين أظهرهم ممَّن تخلَّف من المستضعفين، أو مِن أولادهم مَن يستغفر، أو يريد إسلام بعضهم، أو استغفار الكفَّار؛ إذ كانوا يقولون بعد التَّلبية: غُفرانك، وفيه أنَّ الاستغفار أمانٌ من العذاب، وفي حديث فَضَالة بن عبيد الله عند الإمام أحمد مرفوعًا: «العبد آمنٌ من عذاب الله ما استغفر الله ﷿» وتأمَّلوا علوَّ مرتبة الاستغفار وعِظَم موقعه؛ كيف قُرِن حصوله مع وجود سيِّد العالمين في استدفاع البلاء، وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه ابن أبي حاتمٍ: «إنَّ الله تعالى جعل في هذه الأمَّة أمانَيْنِ، لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمانٌ قبضه الله إليه، وأمانٌ بقي فيكم، ثم تلا الآية» وروى ابن جريرٍ: «أنَّهم لمَّا قالوا ما قالوا ثمَّ أمسَوا ندِموا، فقالوا: غُفرانك اللهمَّ، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾» وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «باب قوله»، وثبت له.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ: هِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، السَّبْعُ الْمَثَانِي.
قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ اسْتَجِيبُوا: أَجِيبُوا. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لِمَا يُصْلِحُكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ﴾ أَيْ أَجِيبُوا لِلَّهِ، يُقَالُ اسْتَجَبْتُ لَهُ وَاسْتَجَبْتُهُ بِمَعْنًى وَقَوْلِهِ: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ لِمَا يَهْدِيكُمْ وَيُصْلِحُكُمُ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آلِ عِمْرَانَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاذٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ، وَفَائِدَةُ إِيرَادِهِ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ تَصْرِيحِ حَفْصٍ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى.
٣ - بَاب: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا سَمَّى اللَّهُ مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا، وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾
٤٦٤٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ - هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ - سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ.
[الحديث ٤٦٤٨ - طرفه في: ٤٦٤٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِن دِكَ فَأَمْطِرْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِلَخْ) كَذَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ قَالَ: وَيَقُولُ نَاسٌ مَا سَمَّى اللَّهُ الْمَطَرَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا، وَلَكِنْ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ كَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ﴿حم * عسق﴾ وَقَدْ تُعُقِّبَ كَلَامُ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِوُرُودِ الْمَطَرِ بِمَعْنَى الْغَيْثِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْغَيْثُ قَطْعًا، مَعْنَى التَّأَذِّي بِهِ الْبَلَلُ الْحَاصِلُ مِنْهُ لِلثَّوْبِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنْ كَانَ مِنَ الْعَذَابِ فَهُوَ أُمْطِرَتْ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الرَّحْمَةِ فَهُوَ مُطِرَتْ. وَفِيهِ مُطِرَتْ. وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرِ مَنْسُوبٍ، وَجَزَمَ الْحَاكِمَانِ أَبُو أَحْمَدَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ ابْنُ النَّضِرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ بِعَيْنِهِ عَقِبَ هَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضِرِ أَخِي أَحْمَدَ هَذَا، قَالَ الْحَاكِمُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمَا وَيُكْثِرُ الْكُمُونَ عِنْدَهُمَا إِذَا قَدِمَ نَيْسَابُورَ. قُلْتُ: وَهُمَا مِنْ طَبَقَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ تَلَامِذَةِ الْبُخَارِيِّ وَإِنْ شَارَكُوهُ فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ عَنْ شَيْخِهِمَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورُ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَنَزَلَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْكَثِيرَ عَنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ بِوَاسِطَةِ وَاحِدَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعْبَةَ، قَالَ الْحَاكِمُ: أَحْمَدُ بْنُ النَّضِرِ يُكَنَّى أَبَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
روي أنَّ معاوية قال لرجلٍ من سبأ: «ما أجهل قومك حين ملَّكوا عليهم امرأة! فقال: أجهلُ من قومي قومُك حين قالوا: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ ولم يقولوا: فاهْدِنا له» وروي (١) أنَّ النَّضر بن الحارث -لعنه الله- لمَّا قال: ﴿إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] قال النبيُّ ﷺ: «ويلك (٢)! إنَّه كلام الله» فقال هو وأبو جهلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، وثبت (٣) «باب قوله» لأبي (٤) ذرٍّ، وسقط له من قوله: «﴿عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿فَأَمْطِرْ﴾: «الآيةَ».
(قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان في «تفسيره» روايةِ سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ (٥): (مَا سَمَّى اللهُ تَعَالَى مَطَرًا فِي القُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا) أُورِدَ (٦) عليه قوله تعالى: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] فإنَّ المراد به المطر قطعًا، ونسبة الأذى إليه بالبَلَل والوَحْل الحاصل منه لا يُخرِجه عن كونه مَطَرًا (وَتُسَمِّيه العَرَبُ الغَيْثَ؛ وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]) وثبت قوله «﴿وَهُوَ الَّذِي﴾» في الفرع وسقط من أصله.
٤٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ) غير منسوب، وقد جزم الحاكمان -أبو أحمد وأبو
عبد الله- أنَّه ابن (١) النَّضر بن عبد الوهَّاب النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة مصغَّرًا، قال (٢): (حَدَّثَنَا أَبِي) معاذ بن معاذ بن حسَّان العنبريُّ التَّميميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن دينارٍ تابعيٌّ صغيرٌ، زاد غير أبي ذرٍّ: «هو ابن كُرْدِيدٍ» بكافٍ مضمومةٍ فراءٍ ساكنةٍ فدالينِ الأولى مكسورةٌ بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ (صَاحِبُِ الزِّيَادِيِّ) -بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة- أنَّه (سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁) يقول: (قَالَ أَبُو جَهْلٍ) لعنه الله: (﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾) نُصِبَ خبرًا عن الكون، و ﴿هُوَ﴾ فصلٌ (٣)، وقُرِئ بالرَّفع على أنَّ (٤) ﴿هُوَ﴾ مبتدأٌ غير فصلٍ، و ﴿الْحَقَّ﴾: خبره (﴿مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾) قال أبو عبيدة: كلُّ شيءٍ «أمطرت» فهو من العذاب، وما كان من الرَّحمة فهو «مطرت» (فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الاية [الأنفال: ٣٣ - ٣٤]) وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ … » إلى «﴿يَصُدُّونَ﴾» ويقول: «إلى: ﴿عَنِ (٥) الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾» وقد أورد ابن المنيِّر في «تفسيره» هنا سؤالًا -كما نقله عنه في «المصابيح» - فقال: قد حكى الله عنهم هذا الكلام في هذه الآية؛ أي قوله: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ الآيةَ، وهو من جنس نَظْم القرآن، فقد وُجِد فيه بعض التكلُّم ببعض القرآن، فكيف يتمُّ نفي المعارضة بالكلِّيَّة وقد وُجِد بعضها؟ ومنها حكاية الله عنهم في الإسراء [الآية: ٩٠]: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ وأجاب: بأنَّ الإتيان بمثل هذا (٦) القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة؛ لأنَّ هذا المقدار قليلٌ لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة، قال العلَّامة البدر
الدَّمامينيُّ: وهذا الجواب إنَّما يتمشَّى على القول بأنَّ التحدِّي إنَّما وقع بالسُّورة الطَّويلة التي يظهر منها (١) قوَّة الكلام.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «ذكر المنافقين والكفَّار».
(٤) (بابُ قَولهِ) تعالى: (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾) اللَّام لتأكيد النَّفي، والدَّلالةُ على أنَّ تعذيبهم عذابَ استئصالٍ والنبيُّ ﷺ بين أظهُرهم غيرُ مستقيم في الحكمة، خارجٌ عن عادته تعالى في قضائه، قال ابن عبَّاسٍ -فيما رواه عنه عليُّ بن أبي طلحة-: «ما كان الله ليعذِّب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتَّى يُخرِجَهم» (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]) في موضع الحال، ومعناه: نفي الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا ممَّن يؤمن ويستغفر من الكفر لَمَا عذَّبهم، ولكنَّهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، أو: ما كان الله معذِّبهم وفيهم مَن يستغفر -وهم المسلمون- بين أظهرهم ممَّن تخلَّف من المستضعفين، أو مِن أولادهم مَن يستغفر، أو يريد إسلام بعضهم، أو استغفار الكفَّار؛ إذ كانوا يقولون بعد التَّلبية: غُفرانك، وفيه أنَّ الاستغفار أمانٌ من العذاب، وفي حديث فَضَالة بن عبيد الله عند الإمام أحمد مرفوعًا: «العبد آمنٌ من عذاب الله ما استغفر الله ﷿» وتأمَّلوا علوَّ مرتبة الاستغفار وعِظَم موقعه؛ كيف قُرِن حصوله مع وجود سيِّد العالمين في استدفاع البلاء، وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه ابن أبي حاتمٍ: «إنَّ الله تعالى جعل في هذه الأمَّة أمانَيْنِ، لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمانٌ قبضه الله إليه، وأمانٌ بقي فيكم، ثم تلا الآية» وروى ابن جريرٍ: «أنَّهم لمَّا قالوا ما قالوا ثمَّ أمسَوا ندِموا، فقالوا: غُفرانك اللهمَّ، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾» وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «باب قوله»، وثبت له.