الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٠٨
الحديث رقم ٤٧٠٨ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة بني إسرائيل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٨٣⦘
فَسَيُنْغِضُونَ: يَهُزُّونَ .. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَغَضَتْ سِنُّكَ، أَيْ تَحَرَّكَتْ.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ، وَالْقَضَاءُ عَلَى وُجُوهٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أَمَرَ رَبُّكَ، وَمِنْهُ الْحُكْمُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾، وَمِنْهُ الْخَلْقُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، ﴿نَفِيرًا﴾ مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُدَمِّرُوا، ﴿مَا عَلَوْا * حَصِيرًا﴾ مَحْبِسًا مَحْصَرًا، حَقَّ وَجَبَ، ﴿مَيْسُورًا﴾ لَيِّنًا، ﴿خِطْئًا﴾ إِثْمًا، وَهْوَ اسْمٌ مِنْ خَطِئْتَ، وَالْخَطَأُ مَفْتُوحٌ مَصْدَرُهُ مِنَ الْإِثْمِ، خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ، ﴿تَخْرِقَ﴾ تَقْطَعَُ، ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ فَوَصَفَهُمْ بِهَا، وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ، رُفَاتًا حُطَامًا، ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ اسْتَخِفَّ، ﴿بِخَيْلِكَ﴾ الْفُرْسَانِ، وَالرَّجْلُ الرَّجَّالَةُ، وَاحِدُهَا رَاجِلٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ، ﴿حَاصِبًا﴾ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ أَيْضًا مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ، وَهْوَ حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الْأَرْضِ ذَهَبَ، وَالْحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَصْبَاءِ وَالْحِجَارَةِ، ﴿تَارَةً﴾ مَرَّةً، وَجَمَاعَتُهُ تِيَرَةٌ وَتَارَاتٌ، ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ لَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقَالُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ اسْتَقْصَاهُ، ﴿طَائِرَهُ﴾ حَظُّهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ. ﴿وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا.
٤٧٠٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ قَالَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ، وَالْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي الدُّعَاءِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ، شُعَيْبٌ الرَّاوِي، عَنْ أَنَسٍ هُوَ ابْنُ الْحَبْحَابِ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: أَرْذَلُ الْعُمُرِ هُوَ الْخَرِفُ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ.
١٧ - سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
[١ - باب]
٤٧٠٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ: إِنَّهُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَهُزُّونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَغَضَتْ سِنُّكَ أَيْ تَحَرَّكَتْ.
[الحديث ٤٧٠٨ - طرفاه في: ٤٧٣٩، ٤٩٩٤]
قَوْلُهُ: (سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ: جَمْعُ عَتِيقٍ وَهُوَ الْقَدِيمُ، أَوْ هُوَ كُلُّ مَا بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوْدَةِ، وَبِالثَّانِي جَزَمَ جَمَاعَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَبِالْأُوَلِ جَزَمَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ بِتَخْفِيفِ الْوَاوِ. وَقَوْلُهُ: هُنَّ مِنْ تِلَادِي بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ مِمَّا حُفِظَ قَدِيمًا، وَالتِّلَادُ قَدِيمُ الْمِلْكِ وَهُوَ بِخِلَافِ الطَّارِفِ، وَمُرَادُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُنَّ مِنْ أَوَّلِ مَا تُعُلِّمَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ لَهُنَّ فَضْلًا لِمَا فِيهِنَّ مِنَ الْقَصَصِ وَأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَهُزُّونَ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ نَغَضَتْ سِنَّكَ أَيْ تَحَرَّكَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أَيْ يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً، يُقَالُ نَغَضَتْ سِنُّهُ أَيْ تَحَرَّكَتْ وَارْتَفَعَتْ مِنْ أَصْلِهَا. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُحَرِّكُونَ رُءُوسَهُمُ اسْتِبْعَادًا، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ قَالَ: يُحَرِّكُونَ.
٢ - باب ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ. وَالْقَضَاءُ عَلَى وُجُوهٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أَمَرَ رَبُّكَ. الْحُكْمُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ وَمِنْهُ الْخَلْقُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ خَلَقَهُنَّ. ﴿نَفِيرًا﴾ مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُدَمِّرُوا. ﴿مَا عَلَوْا * حَصِيرًا﴾ مَحْبِسًا مَحْصَرًا. حَقَّ: وَجَبَ ﴿مَيْسُورًا﴾ لَيِّنًا. ﴿خِطْئًا﴾ إِثْمًا. وَهُوَ اسْمٌ مِنْ خَطِئْتَ. وَالْخَطَأُ مَفْتُوحٌ مَصْدَرُهُ ومِنْ الْإِثْمِ. خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ. ﴿تَخْرِقَ﴾ تَقْطَعَ. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ، فَوَصَفَهُمْ بِهَا، وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ. رُفَاتًا:
حُطَامًا. ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ اسْتَخِفَّ. ﴿بِخَيْلِكَ﴾ الْفُرْسَانِ. وَالرَّجْلُ وَالرِّجَالُ الرَّجَّالَةُ وَاحِدُهَا رَاجِلٌ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ. ﴿حَاصِبًا﴾ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ أَيْضًا مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ وَهُوَ حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الْأَرْضِ ذَهَبَ. وَالْحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَصْبَاءِ وَالْحِجَارَةِ. ﴿تَارَةً﴾ مَرَّةً، وَجَمَاعَتُهُ تِيَرَةٌ وَتَارَاتٌ. ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ لَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقَالُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ: اسْتَقْصَاهُ. ﴿طَائِرَهُ﴾ حَظَّهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ. ﴿وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ، وَالْقَضَاءُ عَلَى وُجُوهٍ: قَضَى رَبُّكَ أَمَرَ، وَمِنْهُ الْحُكْمُ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ وَمِنْهُ الْخَلْقُ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ خَلَقَهُنَّ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ أَخْبَرْنَاهُمْ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أَيْ أَمَرَ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ يَحْكُمُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أَيْ خَلَقَهُنَّ. وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْضَ الْوُجُوهِ الَّتِي يَرِدُ بِهَا لَفْظُ الْقَضَاءِ وَأَغْفَلَ كَثِيرًا مِنْهَا، وَاسْتَوْعَبَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ فَقَالَ لَفْظَةُ (قَضَى) فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ جَاءَتْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا: الْفَرَاغُ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ وَالْأَمْرُ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ وَالْأَجَلُ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى﴾ نَحْبَهُ. وَالْفَصْلُ ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وَالْمُضِيُّ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَالْهَلَاكُ ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ وَالْوُجُوبُ ﴿لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ وَالْإِبْرَامُ ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ وَالْإِعْلَامُ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وَالْوَصِيَّةُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ وَالْمَوْتُ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ وَالنُّزُولُ ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ وَالْخَلْقُ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ وَالْفِعْلُ ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يَعْنِي حَقًّا لَمْ يَفْعَلْ.
وَالْعَهْدُ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْقَدرَ الْمَكْتُوبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ وَالْفِعْلَ ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ وَالْوُجُوبَ ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ أَيْ وَجَبَ لَهُمُ الْعَذَابُ. وَالْوَفَاءُ كَفَائِتِ الْعِبَادَةِ (١). وَالْكِفَايَةُ وَلَنْ يَقْضِيَ عَنْ أَحَدِ مِنْ بَعْدِكِ انْتَهَى. وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ مُتَدَاخِلٌ، وَأَغْفَلَ أَنَّهُ يَرِدُ بِمَعْنَى الِانْتِهَاءِ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ وَبِمَعْنَى الْإِتْمَامِ ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ وَبِمَعْنَى كَتَبَ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ وَبِمَعْنَى الْأَدَاءِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ. وَمِنْهُ قَضَى دَيْنَهُ. وَتَفْسِيرُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا﴾ بِمَعْنَى وَصَّى مَنْقُولٌ مِنْ مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَوَصَّى، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى﴾ قَالَ: وَأَوْصَى وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَرَأَ وَوَصَّى وَقَالَ: أُلْصِقَتِ الْوَاوُ بِالصَّادِ فَصَارَتْ قَافًا فَقُرِئَتْ وَقَضَى، كَذَا قَالَ وَاسْتَنْكَرُوهُ مِنْهُ. وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِالْأَمْرِ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: مَعْنَاهُ أَمَرَ وَلَوْ قَضَى لَمَضَى، يَعْنِي لَوْ حَكَمَ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ مَرْجِعُهُ إِلَى انْقِطَاعِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ. وَيُمْكِنُ رَدُّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَيْضًا: كُلُّ مَا أَحْكَمَ عَمَلَهُ أَوْ خَتَمَ أَوْ
أَكْمَلَ أَوْ وَجَبَ أَوْ أَلْهَمَ أَوْ أَنْفَذَ أَوْ مَضَى فَقَدْ قَضَى.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ أَعْلَمْنَاهُمْ عِلْمًا قَاطِعًا، انْتَهَى. وَالْقَضَاءُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَعَدَّى بِالْحَرْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى أَوْحَيْنَا.
قَوْلُهُ: (نَفِيرًا مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ قَالَ: الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أَيْ عَدَدًا، وَمِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (مَيْسُورًا لَيِّنًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أَيْ لَيِّنًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أَيْ لَصَامَ تَعِدُهُمْ (١) وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: عَدَّهُمْ عِدَةً حَسَنَةً. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا﴾ قَالَ: الْعِدَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: تَقُولُ نَعَمْ وَكَرَامَةٌ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ: تَقُولُ: سَيَكُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (خِطْأ إِثْمًا وَهُوَ اسْمُ مِنْ خَطِئْتَ، وَالْخَطَأُ مَفْتُوحٌ مَصْدَرُهُ مِنَ الْإِثْمِ خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أَيْ إِثْمًا، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ خَطِئْتُ، فَإِذَا فَتَحْتَهُ فَهُوَ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
دَعِينِي إِنَّمَا خَطِّئِي وَصَوِّبِي … عَلَيَّ وَإِنَّمَا أَهلَكْتُ مَالِي
ثُمَّ قَالَ: وَخَطِئْتُ وَأَخْطَأْتُ لُغَتَانِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: خَطِئْتُ إِذَا أَذْنَبْتُ عَمْدًا، وَأَخْطَأْتُ إِذَا أَذْنَبْتُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (خِطْئًا) قَالَ: خَطِيئَةٌ، قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ عَلَى عَمْدٍ لَا خَطَأً فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْفَتْحِ فَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ ذِكْوَانَ، وَقَدْ أَجَابُوا عَنِ الِاسْتِبْعَادِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ قَتْلَهُمْ - كَانَ غَيْرُ صَوَابٍ، تَقُولُ: أَخْطَأَ يُخْطِئُ خَطَأً إِذَا لَمْ يُصِبْ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي تَبِعَهُ فِيهِ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ قَالَ: خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ خَطِئَ بِمَعْنَى أَثِمَ، وَأَخْطَأَ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَوْ إِذَا لَمْ يُصِبْ.
قَوْلُهُ: ﴿حَصِيرًا﴾ مَحْبِسًا مَحْصِرًا) أَمَّا مَحْبِسًا فَهُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قَالَ: مَحْبِسًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ قَالَ: مَحْصِرًا.
قَوْلِهِ: (تَخْرِقُ تَقْطَعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ قَالَ: لَنْ تَقْطَعَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ فَوَصَفَهُمْ بِهَا، وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ) كَذَا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ هُوَ مَصْدَرُ نَاجَيْتُ، أَوِ اسْمٌ مِنْهَا فَوَصَفَ بِهَا الْقَوْمَ، كَقَوْلِهِمْ هُمْ عَذَابٌ، فَجَاءَتْ نَجْوَى فِي مَوْضِعِ مُتَنَاجِينَ انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَهُمْ ذَوُو نَجْوَى، أَوْ هُوَ جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتِيلٍ وَقَتْلَى.
قَوْلُهُ: (رُفَاتًا حُطَامًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (رُفَاتًا) أَيْ حُطَامًا أَيْ عِظَامًا مُحَطَّمَةً، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ قَالَ: تُرَابًا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَفْزِزِ اسْتَخِفَّ، بِخَيْلِكَ الْفُرْسَانُ، وَالرَّجْلُ وَالرِّجَالُ وَالرَّجَّالَةُ وَاحِدُهَا رَاجِلٌ، مِثْلُ صَاحِبِ وَصَحْبٍ وَتَاجِرِ وَتَجْرٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِنَصِّهِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ قَالَ اسْتَنْزِلْ.
قَوْلُهُ: ﴿حَاصِبًا﴾ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ أَيْضًا مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ وَهُمْ حَصَبُهَا ; وَيُقَالُ حَصَبَ فِي الْأَرْضِ ذَهَبَ وَالْحَاصِبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَصْبَاءِ الْحِجَارَةِ) تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
واجبٌ (وَ) من (فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) في حديث أبي أُمامة عند أبي داود وابن ماجه: «خطبنا رسول الله ﷺ … »، فذكر الحديثَ، وفيه: «أنَّه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذريَّة آدم أعظم من فتنة الدَّجال» (وَ) من (فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ) أي: زمان الحياة والموت؛ وهو من أوَّل النَّزع وهَلُمَّ جرًّا، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، واستعملت في الشَّرع في اختبار كشف ما يُكرَه، يقال: فتنت الذَّهب؛ إذا أدخلته النَّار لتختبر جودته، و «فتنة المحيا»: هو (١) ما يُعرَض للإنسان في مدَّة حياته من الافتتان بالدُّنيا وشهواتها، وأعظمُها -والعياذ بالله تعالى- أمرُ الخاتمة عند الموت، و «فتنة الممات» (٢): قيل: كسؤال الملكَين ونحو ذلك ممَّا يقع في القبر، والمراد: من شرِّ سؤالهما، وإلَّا فأصل السُّؤال واقعٌ لا محالةَ، فلا يُدعى برفعه، فيكون عذاب القبر مسببًّا عن ذلك، والسَّبب غير المسبب، وقيل: المراد: الفتنةُ قبيل الموت، وأُضِيفَت إليه لقربها (٣) منه، وكان ﷺ يتعوَّذ من المذكورات؛ دفعًا عن أمَّته وتشريعًا لهم ليبين لهم صفة المهمِّ (٤) من الأدعية، جزاه الله عنَّا ما هو أهله.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الدَّعوات».
(((١٧))) (٥) (سورة بَنِي إِسْرَائِيلَ) مكِّيَّةٌ، قيل: إلَّا قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آياتٍ، وهي مئةٌ وعشر آياتٍ، وزاد أبو ذَرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت لغيره.
٤٧٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ)
عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) النَّخعيَّ الكوفيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله (﵁ قَالَ فِي) سورة (بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ) سورة (الكَهْفِ وَ) سورة (مَرْيَمَ) وزاد في «سورة الأنبياء» [خ¦٤٧٣٩] و «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٩٣]: «وطه والأنبياء» (إِنَّهُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقيَّة؛ جمع عتيقٍ، والعرب تجعل كلَّ شيءٍ بلغ الغاية في الجودة عتيقًا، و «الأُوَّل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو المخفَّفة، والأوَّليَّة باعتبار حفظها، أو باعتبار نزولها؛ لأنَّها مكِّيَّاتٌ (١)، ومراده (٢): تفضيل هذه السُّور لِمَا يتضمَّن مفتَتَح كلٍّ منها بأمرٍ غريبٍ وقع في العالم خارق للعادة؛ وهو الإسراء وقصَّة أصحاب (٣) الكهف وقصَّة مريم، قاله الكِرمانيُّ (وَهُنَّ (٤) مِنْ تِلَادِي) بكسر الفوقيَّة وتخفيف اللَّام وبعد الألف دالٌ مهملةٌ فتحتيَّةٌ، ممَّا حفظته قديمًا، ضدُّ (٥) الطَّارف، ومراده: أنَّهن من أوَّل ما تعلَّم من القرآن، وأنَّ لهنَّ فضلًا لِمَا فيهنَّ من القصص وأخبار الأنبياء والأمم كما مرَّ، وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد: «كان رسول الله ﷺ يقرأ كلَّ ليلةٍ (٦) بني إسرائيل والزُّمر».
(﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ ابن أبي طلحة عنه معناه (٧): (يَهُزُّونَ) رؤوسهم، ومن طريق العوفيِّ عنه: يحرِّكونها استهزاءً، ولغير أبي ذَرٍّ: «قال ابن عبَّاسٍ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ (٨)﴾: يهزُّون» (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ: (نَغَضَتْ سِنُّكَ) بفتح الغين المعجمة، ولأبي ذَرٍّ: «نغضت» بكسرها (أَيْ: تَحَرَّكَتْ) قاله أبو عبيدة، وزاد: «وارتفعت من أصلها».
(٢) (﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]) قال أبو عبيدة أي: (أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ) والمرَّتين في الآية: أولاهما: قتل زكريَّا وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله، والآخرة: قتل يحيى بن زكريَّا وقصد قتل عيسى ابن مريم (وَالقَضَاءُ) يأتي (عَلَى وُجُوهٍ) كثيرةٍ (﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣]) أي: (أَمَرَ رَبُّكَ) أمرًا مقطوعًا به، وسقط لفظ «ربُّك» لأبي ذَرٍّ (وَمِنْهُ الحُكْمُ) كقوله تعالى: (﴿رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ (١) [يونس: ٩٣]) أي: يحكم بينهم (وَمِنْهُ الخَلْقُ) كقوله تعالى: (﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]) زاد أبو ذَرٍّ: «خلقهنَّ».
(﴿نَفِيرًا﴾) في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] قال أبو عبيدة: أصلُه (مَنْ يَنْفُِرُ مَعَهُ) أي: مع الرَّجل من قومه وعشيرته، وقيل: جمع نفرٍ؛ وهم المجتمعون للذَّهاب إلى العدوِّ، وفاءُ «ينفُِر» بالكسر والضَّمِّ.
(﴿مَّيْسُورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]: (ليِّنًا) ابتغاء رحمة الله
برحمتك عليهم، وثبتت هذه هنا لأبي ذَرٍّ، وتأتي بعدُ إن شاء الله تعالى.
(﴿وَلِيُتَبِّرُواْ﴾) أي: (يُدَمِّرُوا ﴿مَا عَلَوْاْ (١)﴾ [الإسراء: ٧]) من التَّدمير؛ وهو الإهلاك، أي: ليهلكوا ما غلبوه واستولوا عليه.
(﴿حَصِيرًا﴾) في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي: (مَحْبِسًا) بفتح الميم وكسر الموحَّدة، لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد (مَحْصَرًا) بفتح الميم والصَّاد المهملة: اسمٌ لموضع الحصر.
(﴿حَقَّ﴾) ﴿عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] أي: (وَجَبَ) عليها كلمة العذاب السَّابقة (﴿مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]) أي: (لَيِّنًا) وسبق قريبًا.
(﴿خِطْأً﴾) من قوله: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً﴾ [الإسراء: ٣١] أي: (إِثْمًا؛ وَهْوَ) أي: الخطأ: (اسْمٌ مِنْ «خَطِئْتُ»، وَالخَطَأُ مَفْتُوحٌ: مَصْدَرُهُ مِنَ الإِثْمِ، خَطِئْتُ) بكسر الطَّاء (٢) (بِمَعْنَى: أَخْطَأْتُ) كذا قاله أبو عبيدة، وتبعه المؤلِّف رحمهما الله، وتُعُقِّب بأنَّ جعله ﴿خِطْأً﴾ بكسر الخاء اسمُ مصدرٍ ممنوعٌ، وإنَّما هو مصدر خَطِئَ يخطأ، كأَثم يأثَم إثمًا؛ إذا تعمَّد الذَّنب، وبأنَّ دعواه أنَّ ﴿خِطْأً﴾ المفتوحَ الخاءِ والطَّاءِ -وبها قرأ ابن ذكوان- مصدرٌ بمعنى الإثم ليس كذلك، وإنَّما هو اسم مصدرٍ من: أخطأ يخطئ إخطاءً؛ إذا لم يُصِبْ، والمعنى فيه: أنَّ قتلهم كان غير صوابٍ، وبأنَّ قوله: «خَطِئتُ» بمعنى: «أخطأت» خلافُ قول أهل اللُّغة (٣): خَطِئ: أثم وتعمَّد الذنب، وأَخطَأ؛ إذا لم يتعمَّد.
(﴿تَخْرِقَ﴾) في قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] أي: لن (تَقْطَعَ) الأرض لشدَّة وطأتك، وسقط هذا لأبي ذَرٍّ.
(﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] مَصْدَرٌ مِنْ (١): نَاجَيْتُ، فَوَصَفَهُمْ بِهَا) أي: بالنَّجوى، فيكون من إطلاق المصدر على العين مبالغةً، أو على حذف مضافٍ، أي: ذوو (٢) نجوى، ويجوز أن يكون جمع نجيٍّ؛ كقتيلٍ وقتلى (وَالمَعْنَى: يَتَنَاجَوْنَ).
وقوله: (﴿وَرُفَاتًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ [الإسراء: ٤٩] أي: (حُطَامًا) وقال الفرَّاء: هو التُّراب، ويؤيِّده أنَّه قد تكرَّر في القرآن ﴿تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ [المؤمنون: ٨٢].
(﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾) أي: (اسْتَخِفَّ) الَّذي استطعت استفزازه منهم (﴿بِخَيْلِكَ﴾: الفُرْسَانِ) بالجرِّ، فالخيل: الخيَّالة، ومنه قوله ﵊: «يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي» (وَالرَّجْلُ) بفتح الرَّاء وسكون الجيم، يريد قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] ولأبي ذَرٍّ: «والرِّجال» بكسر الرَّاء وتخفيف الجيم: هو (الرَّجَّالَةُ) بفتح الرَّاء وتشديد الجيم (وَاحِدُهَا: رَاجِلٌ) ضدُّ الفارس (مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ)، قاله أبو عبيدة.
(﴿حَاصِبًا﴾) في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] هو (٣) (الرِّيحُ العَاصِفُ) أي: الشَّديد، ولم يؤنِّثه لأنَّه مجازيٌّ (وَالحَاصِبُ أَيْضًا: مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]) أي: (يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ) بضمِّ الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (وَهْوَ) أي: الشَّيء الَّذي يُرمى به، ولأبي ذَرٍّ: «وهم»، أي: القوم الَّذين يرمون فيها (حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ) أي: (ذَهَبَ) فيها (وَالحَصَبُ) محرَّكًا: (مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصْبَاءِ وَالحِجَارَةِ) قال العينيُّ: لم يُرِد بالاشتقاق الاشتقاقَ المصطَلَح عليه؛ أعني: الاشتقاق الصَّغير لعدم صدقه عليه، وتفسير الحصباء بالحجارة هو من تفسير الخاصِّ بالعامِّ، قالوا: والحصب: الرَّمي بالحصباء؛ وهي الحجارة الصِّغار، قال الفرزدق:
مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّامِ تضربُهم … حصباءُ مثلُ نَديفِ القُطنِ مَنْثورُ
ولغير أبي ذَرٍّ: «والحصباء والحجارة» بزيادة واو.
(﴿تَارَةً﴾) في قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً (١)﴾ [الإسراء: ٦٩] أي: (مَرَّةً) فهي مصدرٌ (وَجَمَاعَتُهُ) أي: لفظ «تارةً»: (تِيَرَةٌ) بكسر الفوقيَّة وفتح التَّحتيَّة (وَتَارَاتٌ) قال الشَّاعر:
وَإِنْسانُ عَيْني يَحْسِرُ الماءَ تارةً … فيبدو وَتَاراتٍ يَجمُّ فَيَغْرقُ
وألفها يحتمل أن تكون عن واوٍ أو ياءٍ (٢)، قال الرَّاغب: وهو فيما قيل من تَارَ الجرح؛ بمعنى: اِلتأمَ.
(﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾) في قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي: (لأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ) أي: بالإغواء، وقيل: لأستولينَّ عليهم استيلاء من جعل في حنك الدَّابة حبلًا يقودها، فلا تأبى ولا تشمس عليه (يُقَالُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ) أي: (اسْتَقْصَاهُ) وعن مجاهدٍ فيما رواه سعيد بن منصورٍ ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾: لأحتوينَّ، قال: يعني: شبه الزِّناق، وقال ابن زيدٍ: لأُضِلَّنَّهم، وكلُّها متقاربةٌ.
(﴿طَآئِرَهُ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]: هو (حَظُّهُ) بالحاء المهملة والظَّاء المعجمة، وقال ابن عبَّاسٍ: «خيره وشرُّه مكتوبٌ عليه لا يفارقه» وقال الحسن -فيما رواه السَّمرقنديُّ-: عمله. زاد في «الأنوار»: وما قُدِّر له، كأنَّه طير إليه من عُشِّ الغيب، والمعنى: أنَّ عمله لازمٌ له لزوم القلادة أو الغلِّ (٣) لا ينفك عنه، وخصَّ العنق حيث قال: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ من بين سائر الأعضاء؛ لأنَّ الَّذي عليه إمَّا أن يكون خيرًا يَزِينه، أو شرًّا يَشِينه، وما يزيِّن يكون كالطَّوق والحُليِّ، وما يشين يكون كالغلِّ.
(قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله ابن عيينة في «تفسيره» في قوله: ﴿وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] وقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]: (كُلُّ سُلْطَانٍ) ذُكِرَ (فِي القُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ) فمعنى: ﴿سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ حجَّةٌ ينصرني على مَن خالفني، و ﴿جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ حجَّةً يتسلَّط بها على المؤاخذة بمقتضى القتل.
(﴿وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ﴾ [الإسراء: ١١١]) أي: (لَمْ يُحَالِفْ) بالحاء المهملة، أي: لم يوالِ (أَحَدًا) من أجل مذلَّةٍ به ليدفعها بموالاته.
(٣) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾) محمَّدٍ ﷺ بجسده وروحه يقظةً (﴿لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]) مسجد مكَّة بعينه؛ لحديث أنسٍ المرويِّ في «الصَّحيحين» وسَرَى وأسرى بمعنًى، وقال: ﴿لَيْلاً﴾ بلفظ التَّنكير، قال الزَّمخشري: ليفيد تقليل مدَّة الإسراء، وأنَّه أُسرِيَ به في بعض اللَّيل من مكَّة إلى الشَّام مسيرة أربعين ليلةً، فدلَّ على (١) أنَّ التَّنكير دلَّ على البعضيَّة، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: (من اللَّيل) أي: بعضه؛ كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]. انتهى. قال صاحب «الدُّرِّ»: فيكون سرى وأسرى؛ كسقى وأسقى، والهمزة ليست للتَّعدية، وإنَّما المعدِّي الباءُ في ﴿بِعَبْدِهِ﴾ وقد تقرَّر أنَّها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور خلافًا للمبرِّد، وزعم ابن عطيَّة: أنَّ مفعول ﴿أَسْرَى﴾ محذوفٌ، وأنَّ التَّعدية بالهمزة، أي: أسرى الملائكةَ بعبده؛ لأنَّه يقلق (٢) أن يُسنِد
«أسرى» وهو بمعنى «سرى» إلى الله تعالى؛ إذ هو (١) فعلٌ يقتضي النُّقلة؛ كمشى وانتقل، فلا يحسن إسناد شيءٍ من هذا مع وجود مندوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشَّريعة (٢) شيءٌ من ذلك تأوَّلناه؛ نحو: «أتيته هرولةً» قال شهاب الدِّين (٣): وهذا كلُّه إنَّما بناه اعتقادًا على أنَّ التَّعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك، وهذا شيءٌ ذهب إليه المبرِّد، فإذا قلت: قمت بزيد؛ لزم منه قيامك وقيام زيدٍ عنده، وهذا ليس كذلك، التبستْ عنده باءُ التَّعدية بباء الحال، فباء الحال تلزم فيها (٤) المشاركة؛ إذ المعنى: قمت ملتبسًا بزيدٍ، وباء التَّعدية مرادفةٌ للهمزة، فقمت بزيدٍ والباء للتَّعدية؛ كقولك: أقمت زيدًا، ولا يلزم من إقامتك هو أن تقوم أنت، وأيضًا فموارد القرآن في ﴿فَأَسْرِ﴾ بقطع الهمزة ووصلها تقتضي أنَّهما بمعنًى واحدٍ، ألا ترى أنَّ قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود: ٨١] و ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧] قرئ بالقطع والوصل، ويبعد مع القطع تقدير مفعولٍ محذوفٍ؛ إذ لم يصرَّح به في موضعٍ فيستدلُّ بالمصرَّح على المحذوف، قاله أبو حيَّان، وقد تقدَّم الرَّدُّ على هذا المذهب، وقال صاحب «فتوح الغيب»: ويمكن أن يُراد بالتَّنكير في ﴿لَيْلاً﴾ التَّعظيم والتَّفخيم، والمقام يقتضيه، ألا ترى كيف افتتح السُّورة بالكلمة المنبئة عنه، ثمَّ وصف المسرَى به (٥) بالعبوديَّة، ثمَّ أردف تعظيم المكانين بالحَرَام وبالبركة لِمَا حوله تعظيمًا للزَّمان، ثمَّ تعظيم الآيات بإضافتها إلى صيغة التَّعظيم، وجَمَعَها ليشمل جميع أنواع الآيات، وكلُّ ذلك شاهدُ صدقٍ على ما نحن بصدده، والمعنى: ما أعظمَ شأن مَن أسرى بمَن حُقِّق له مقام العبوديَّة، وصُحِّح استئهاله للعناية السَّرمديَّة، أي: ليلٌ له شأنٌ جليلٌ، ليلٌ (٦) دنا فيه الحبيب من المحبوب، وفاز في مقام الشُّهود بالمطلوب ﴿فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ فحينئذٍ ينطبق عليه التَّعليل بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] أي: السَّميع بأحوال ذلك العبد، والبصير بأفعاله العالم بكونها مهذَّبةً خالصةً عن شوائب الهوى، مقرونةً بالصِّدق والصَّفا، مستأهلةً
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ، وَالْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي الدُّعَاءِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ، شُعَيْبٌ الرَّاوِي، عَنْ أَنَسٍ هُوَ ابْنُ الْحَبْحَابِ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: أَرْذَلُ الْعُمُرِ هُوَ الْخَرِفُ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ.
١٧ - سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
[١ - باب]
٤٧٠٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ: إِنَّهُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَهُزُّونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَغَضَتْ سِنُّكَ أَيْ تَحَرَّكَتْ.
[الحديث ٤٧٠٨ - طرفاه في: ٤٧٣٩، ٤٩٩٤]
قَوْلُهُ: (سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ: جَمْعُ عَتِيقٍ وَهُوَ الْقَدِيمُ، أَوْ هُوَ كُلُّ مَا بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوْدَةِ، وَبِالثَّانِي جَزَمَ جَمَاعَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَبِالْأُوَلِ جَزَمَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ بِتَخْفِيفِ الْوَاوِ. وَقَوْلُهُ: هُنَّ مِنْ تِلَادِي بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ مِمَّا حُفِظَ قَدِيمًا، وَالتِّلَادُ قَدِيمُ الْمِلْكِ وَهُوَ بِخِلَافِ الطَّارِفِ، وَمُرَادُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُنَّ مِنْ أَوَّلِ مَا تُعُلِّمَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ لَهُنَّ فَضْلًا لِمَا فِيهِنَّ مِنَ الْقَصَصِ وَأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَهُزُّونَ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ نَغَضَتْ سِنَّكَ أَيْ تَحَرَّكَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أَيْ يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً، يُقَالُ نَغَضَتْ سِنُّهُ أَيْ تَحَرَّكَتْ وَارْتَفَعَتْ مِنْ أَصْلِهَا. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُحَرِّكُونَ رُءُوسَهُمُ اسْتِبْعَادًا، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ قَالَ: يُحَرِّكُونَ.
٢ - باب ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ. وَالْقَضَاءُ عَلَى وُجُوهٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أَمَرَ رَبُّكَ. الْحُكْمُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ وَمِنْهُ الْخَلْقُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ خَلَقَهُنَّ. ﴿نَفِيرًا﴾ مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُدَمِّرُوا. ﴿مَا عَلَوْا * حَصِيرًا﴾ مَحْبِسًا مَحْصَرًا. حَقَّ: وَجَبَ ﴿مَيْسُورًا﴾ لَيِّنًا. ﴿خِطْئًا﴾ إِثْمًا. وَهُوَ اسْمٌ مِنْ خَطِئْتَ. وَالْخَطَأُ مَفْتُوحٌ مَصْدَرُهُ ومِنْ الْإِثْمِ. خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ. ﴿تَخْرِقَ﴾ تَقْطَعَ. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ، فَوَصَفَهُمْ بِهَا، وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ. رُفَاتًا:
حُطَامًا. ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ اسْتَخِفَّ. ﴿بِخَيْلِكَ﴾ الْفُرْسَانِ. وَالرَّجْلُ وَالرِّجَالُ الرَّجَّالَةُ وَاحِدُهَا رَاجِلٌ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ. ﴿حَاصِبًا﴾ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ أَيْضًا مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ وَهُوَ حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الْأَرْضِ ذَهَبَ. وَالْحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَصْبَاءِ وَالْحِجَارَةِ. ﴿تَارَةً﴾ مَرَّةً، وَجَمَاعَتُهُ تِيَرَةٌ وَتَارَاتٌ. ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ لَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقَالُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ: اسْتَقْصَاهُ. ﴿طَائِرَهُ﴾ حَظَّهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ. ﴿وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ، وَالْقَضَاءُ عَلَى وُجُوهٍ: قَضَى رَبُّكَ أَمَرَ، وَمِنْهُ الْحُكْمُ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ وَمِنْهُ الْخَلْقُ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ خَلَقَهُنَّ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ أَخْبَرْنَاهُمْ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أَيْ أَمَرَ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ يَحْكُمُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أَيْ خَلَقَهُنَّ. وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْضَ الْوُجُوهِ الَّتِي يَرِدُ بِهَا لَفْظُ الْقَضَاءِ وَأَغْفَلَ كَثِيرًا مِنْهَا، وَاسْتَوْعَبَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ فَقَالَ لَفْظَةُ (قَضَى) فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ جَاءَتْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا: الْفَرَاغُ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ وَالْأَمْرُ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ وَالْأَجَلُ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى﴾ نَحْبَهُ. وَالْفَصْلُ ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وَالْمُضِيُّ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَالْهَلَاكُ ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ وَالْوُجُوبُ ﴿لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ وَالْإِبْرَامُ ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ وَالْإِعْلَامُ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وَالْوَصِيَّةُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ وَالْمَوْتُ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ وَالنُّزُولُ ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ وَالْخَلْقُ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ وَالْفِعْلُ ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يَعْنِي حَقًّا لَمْ يَفْعَلْ.
وَالْعَهْدُ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْقَدرَ الْمَكْتُوبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ وَالْفِعْلَ ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ وَالْوُجُوبَ ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ أَيْ وَجَبَ لَهُمُ الْعَذَابُ. وَالْوَفَاءُ كَفَائِتِ الْعِبَادَةِ (١). وَالْكِفَايَةُ وَلَنْ يَقْضِيَ عَنْ أَحَدِ مِنْ بَعْدِكِ انْتَهَى. وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ مُتَدَاخِلٌ، وَأَغْفَلَ أَنَّهُ يَرِدُ بِمَعْنَى الِانْتِهَاءِ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ وَبِمَعْنَى الْإِتْمَامِ ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ وَبِمَعْنَى كَتَبَ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ وَبِمَعْنَى الْأَدَاءِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ. وَمِنْهُ قَضَى دَيْنَهُ. وَتَفْسِيرُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا﴾ بِمَعْنَى وَصَّى مَنْقُولٌ مِنْ مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَوَصَّى، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى﴾ قَالَ: وَأَوْصَى وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَرَأَ وَوَصَّى وَقَالَ: أُلْصِقَتِ الْوَاوُ بِالصَّادِ فَصَارَتْ قَافًا فَقُرِئَتْ وَقَضَى، كَذَا قَالَ وَاسْتَنْكَرُوهُ مِنْهُ. وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِالْأَمْرِ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: مَعْنَاهُ أَمَرَ وَلَوْ قَضَى لَمَضَى، يَعْنِي لَوْ حَكَمَ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ مَرْجِعُهُ إِلَى انْقِطَاعِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ. وَيُمْكِنُ رَدُّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَيْضًا: كُلُّ مَا أَحْكَمَ عَمَلَهُ أَوْ خَتَمَ أَوْ
أَكْمَلَ أَوْ وَجَبَ أَوْ أَلْهَمَ أَوْ أَنْفَذَ أَوْ مَضَى فَقَدْ قَضَى.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ أَعْلَمْنَاهُمْ عِلْمًا قَاطِعًا، انْتَهَى. وَالْقَضَاءُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَعَدَّى بِالْحَرْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى أَوْحَيْنَا.
قَوْلُهُ: (نَفِيرًا مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ قَالَ: الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أَيْ عَدَدًا، وَمِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (مَيْسُورًا لَيِّنًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أَيْ لَيِّنًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا﴾ أَيْ لَصَامَ تَعِدُهُمْ (١) وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: عَدَّهُمْ عِدَةً حَسَنَةً. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا﴾ قَالَ: الْعِدَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: تَقُولُ نَعَمْ وَكَرَامَةٌ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ: تَقُولُ: سَيَكُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (خِطْأ إِثْمًا وَهُوَ اسْمُ مِنْ خَطِئْتَ، وَالْخَطَأُ مَفْتُوحٌ مَصْدَرُهُ مِنَ الْإِثْمِ خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أَيْ إِثْمًا، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ خَطِئْتُ، فَإِذَا فَتَحْتَهُ فَهُوَ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
دَعِينِي إِنَّمَا خَطِّئِي وَصَوِّبِي … عَلَيَّ وَإِنَّمَا أَهلَكْتُ مَالِي
ثُمَّ قَالَ: وَخَطِئْتُ وَأَخْطَأْتُ لُغَتَانِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: خَطِئْتُ إِذَا أَذْنَبْتُ عَمْدًا، وَأَخْطَأْتُ إِذَا أَذْنَبْتُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (خِطْئًا) قَالَ: خَطِيئَةٌ، قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ عَلَى عَمْدٍ لَا خَطَأً فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْفَتْحِ فَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ ذِكْوَانَ، وَقَدْ أَجَابُوا عَنِ الِاسْتِبْعَادِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ قَتْلَهُمْ - كَانَ غَيْرُ صَوَابٍ، تَقُولُ: أَخْطَأَ يُخْطِئُ خَطَأً إِذَا لَمْ يُصِبْ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي تَبِعَهُ فِيهِ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ قَالَ: خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ خَطِئَ بِمَعْنَى أَثِمَ، وَأَخْطَأَ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَوْ إِذَا لَمْ يُصِبْ.
قَوْلُهُ: ﴿حَصِيرًا﴾ مَحْبِسًا مَحْصِرًا) أَمَّا مَحْبِسًا فَهُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قَالَ: مَحْبِسًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ قَالَ: مَحْصِرًا.
قَوْلِهِ: (تَخْرِقُ تَقْطَعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ قَالَ: لَنْ تَقْطَعَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ فَوَصَفَهُمْ بِهَا، وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ) كَذَا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ هُوَ مَصْدَرُ نَاجَيْتُ، أَوِ اسْمٌ مِنْهَا فَوَصَفَ بِهَا الْقَوْمَ، كَقَوْلِهِمْ هُمْ عَذَابٌ، فَجَاءَتْ نَجْوَى فِي مَوْضِعِ مُتَنَاجِينَ انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَهُمْ ذَوُو نَجْوَى، أَوْ هُوَ جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتِيلٍ وَقَتْلَى.
قَوْلُهُ: (رُفَاتًا حُطَامًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (رُفَاتًا) أَيْ حُطَامًا أَيْ عِظَامًا مُحَطَّمَةً، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ قَالَ: تُرَابًا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَفْزِزِ اسْتَخِفَّ، بِخَيْلِكَ الْفُرْسَانُ، وَالرَّجْلُ وَالرِّجَالُ وَالرَّجَّالَةُ وَاحِدُهَا رَاجِلٌ، مِثْلُ صَاحِبِ وَصَحْبٍ وَتَاجِرِ وَتَجْرٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِنَصِّهِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ قَالَ اسْتَنْزِلْ.
قَوْلُهُ: ﴿حَاصِبًا﴾ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ أَيْضًا مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ وَهُمْ حَصَبُهَا ; وَيُقَالُ حَصَبَ فِي الْأَرْضِ ذَهَبَ وَالْحَاصِبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَصْبَاءِ الْحِجَارَةِ) تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
واجبٌ (وَ) من (فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) في حديث أبي أُمامة عند أبي داود وابن ماجه: «خطبنا رسول الله ﷺ … »، فذكر الحديثَ، وفيه: «أنَّه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذريَّة آدم أعظم من فتنة الدَّجال» (وَ) من (فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ) أي: زمان الحياة والموت؛ وهو من أوَّل النَّزع وهَلُمَّ جرًّا، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، واستعملت في الشَّرع في اختبار كشف ما يُكرَه، يقال: فتنت الذَّهب؛ إذا أدخلته النَّار لتختبر جودته، و «فتنة المحيا»: هو (١) ما يُعرَض للإنسان في مدَّة حياته من الافتتان بالدُّنيا وشهواتها، وأعظمُها -والعياذ بالله تعالى- أمرُ الخاتمة عند الموت، و «فتنة الممات» (٢): قيل: كسؤال الملكَين ونحو ذلك ممَّا يقع في القبر، والمراد: من شرِّ سؤالهما، وإلَّا فأصل السُّؤال واقعٌ لا محالةَ، فلا يُدعى برفعه، فيكون عذاب القبر مسببًّا عن ذلك، والسَّبب غير المسبب، وقيل: المراد: الفتنةُ قبيل الموت، وأُضِيفَت إليه لقربها (٣) منه، وكان ﷺ يتعوَّذ من المذكورات؛ دفعًا عن أمَّته وتشريعًا لهم ليبين لهم صفة المهمِّ (٤) من الأدعية، جزاه الله عنَّا ما هو أهله.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الدَّعوات».
(((١٧))) (٥) (سورة بَنِي إِسْرَائِيلَ) مكِّيَّةٌ، قيل: إلَّا قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آياتٍ، وهي مئةٌ وعشر آياتٍ، وزاد أبو ذَرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» وسقطت لغيره.
٤٧٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ)
عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) النَّخعيَّ الكوفيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله (﵁ قَالَ فِي) سورة (بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ) سورة (الكَهْفِ وَ) سورة (مَرْيَمَ) وزاد في «سورة الأنبياء» [خ¦٤٧٣٩] و «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٩٣]: «وطه والأنبياء» (إِنَّهُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقيَّة؛ جمع عتيقٍ، والعرب تجعل كلَّ شيءٍ بلغ الغاية في الجودة عتيقًا، و «الأُوَّل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو المخفَّفة، والأوَّليَّة باعتبار حفظها، أو باعتبار نزولها؛ لأنَّها مكِّيَّاتٌ (١)، ومراده (٢): تفضيل هذه السُّور لِمَا يتضمَّن مفتَتَح كلٍّ منها بأمرٍ غريبٍ وقع في العالم خارق للعادة؛ وهو الإسراء وقصَّة أصحاب (٣) الكهف وقصَّة مريم، قاله الكِرمانيُّ (وَهُنَّ (٤) مِنْ تِلَادِي) بكسر الفوقيَّة وتخفيف اللَّام وبعد الألف دالٌ مهملةٌ فتحتيَّةٌ، ممَّا حفظته قديمًا، ضدُّ (٥) الطَّارف، ومراده: أنَّهن من أوَّل ما تعلَّم من القرآن، وأنَّ لهنَّ فضلًا لِمَا فيهنَّ من القصص وأخبار الأنبياء والأمم كما مرَّ، وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد: «كان رسول الله ﷺ يقرأ كلَّ ليلةٍ (٦) بني إسرائيل والزُّمر».
(﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ ابن أبي طلحة عنه معناه (٧): (يَهُزُّونَ) رؤوسهم، ومن طريق العوفيِّ عنه: يحرِّكونها استهزاءً، ولغير أبي ذَرٍّ: «قال ابن عبَّاسٍ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ (٨)﴾: يهزُّون» (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ: (نَغَضَتْ سِنُّكَ) بفتح الغين المعجمة، ولأبي ذَرٍّ: «نغضت» بكسرها (أَيْ: تَحَرَّكَتْ) قاله أبو عبيدة، وزاد: «وارتفعت من أصلها».
(٢) (﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]) قال أبو عبيدة أي: (أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ) والمرَّتين في الآية: أولاهما: قتل زكريَّا وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله، والآخرة: قتل يحيى بن زكريَّا وقصد قتل عيسى ابن مريم (وَالقَضَاءُ) يأتي (عَلَى وُجُوهٍ) كثيرةٍ (﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣]) أي: (أَمَرَ رَبُّكَ) أمرًا مقطوعًا به، وسقط لفظ «ربُّك» لأبي ذَرٍّ (وَمِنْهُ الحُكْمُ) كقوله تعالى: (﴿رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ (١) [يونس: ٩٣]) أي: يحكم بينهم (وَمِنْهُ الخَلْقُ) كقوله تعالى: (﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]) زاد أبو ذَرٍّ: «خلقهنَّ».
(﴿نَفِيرًا﴾) في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] قال أبو عبيدة: أصلُه (مَنْ يَنْفُِرُ مَعَهُ) أي: مع الرَّجل من قومه وعشيرته، وقيل: جمع نفرٍ؛ وهم المجتمعون للذَّهاب إلى العدوِّ، وفاءُ «ينفُِر» بالكسر والضَّمِّ.
(﴿مَّيْسُورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]: (ليِّنًا) ابتغاء رحمة الله
برحمتك عليهم، وثبتت هذه هنا لأبي ذَرٍّ، وتأتي بعدُ إن شاء الله تعالى.
(﴿وَلِيُتَبِّرُواْ﴾) أي: (يُدَمِّرُوا ﴿مَا عَلَوْاْ (١)﴾ [الإسراء: ٧]) من التَّدمير؛ وهو الإهلاك، أي: ليهلكوا ما غلبوه واستولوا عليه.
(﴿حَصِيرًا﴾) في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي: (مَحْبِسًا) بفتح الميم وكسر الموحَّدة، لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد (مَحْصَرًا) بفتح الميم والصَّاد المهملة: اسمٌ لموضع الحصر.
(﴿حَقَّ﴾) ﴿عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] أي: (وَجَبَ) عليها كلمة العذاب السَّابقة (﴿مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]) أي: (لَيِّنًا) وسبق قريبًا.
(﴿خِطْأً﴾) من قوله: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً﴾ [الإسراء: ٣١] أي: (إِثْمًا؛ وَهْوَ) أي: الخطأ: (اسْمٌ مِنْ «خَطِئْتُ»، وَالخَطَأُ مَفْتُوحٌ: مَصْدَرُهُ مِنَ الإِثْمِ، خَطِئْتُ) بكسر الطَّاء (٢) (بِمَعْنَى: أَخْطَأْتُ) كذا قاله أبو عبيدة، وتبعه المؤلِّف رحمهما الله، وتُعُقِّب بأنَّ جعله ﴿خِطْأً﴾ بكسر الخاء اسمُ مصدرٍ ممنوعٌ، وإنَّما هو مصدر خَطِئَ يخطأ، كأَثم يأثَم إثمًا؛ إذا تعمَّد الذَّنب، وبأنَّ دعواه أنَّ ﴿خِطْأً﴾ المفتوحَ الخاءِ والطَّاءِ -وبها قرأ ابن ذكوان- مصدرٌ بمعنى الإثم ليس كذلك، وإنَّما هو اسم مصدرٍ من: أخطأ يخطئ إخطاءً؛ إذا لم يُصِبْ، والمعنى فيه: أنَّ قتلهم كان غير صوابٍ، وبأنَّ قوله: «خَطِئتُ» بمعنى: «أخطأت» خلافُ قول أهل اللُّغة (٣): خَطِئ: أثم وتعمَّد الذنب، وأَخطَأ؛ إذا لم يتعمَّد.
(﴿تَخْرِقَ﴾) في قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] أي: لن (تَقْطَعَ) الأرض لشدَّة وطأتك، وسقط هذا لأبي ذَرٍّ.
(﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] مَصْدَرٌ مِنْ (١): نَاجَيْتُ، فَوَصَفَهُمْ بِهَا) أي: بالنَّجوى، فيكون من إطلاق المصدر على العين مبالغةً، أو على حذف مضافٍ، أي: ذوو (٢) نجوى، ويجوز أن يكون جمع نجيٍّ؛ كقتيلٍ وقتلى (وَالمَعْنَى: يَتَنَاجَوْنَ).
وقوله: (﴿وَرُفَاتًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ [الإسراء: ٤٩] أي: (حُطَامًا) وقال الفرَّاء: هو التُّراب، ويؤيِّده أنَّه قد تكرَّر في القرآن ﴿تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ [المؤمنون: ٨٢].
(﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾) أي: (اسْتَخِفَّ) الَّذي استطعت استفزازه منهم (﴿بِخَيْلِكَ﴾: الفُرْسَانِ) بالجرِّ، فالخيل: الخيَّالة، ومنه قوله ﵊: «يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي» (وَالرَّجْلُ) بفتح الرَّاء وسكون الجيم، يريد قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] ولأبي ذَرٍّ: «والرِّجال» بكسر الرَّاء وتخفيف الجيم: هو (الرَّجَّالَةُ) بفتح الرَّاء وتشديد الجيم (وَاحِدُهَا: رَاجِلٌ) ضدُّ الفارس (مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ)، قاله أبو عبيدة.
(﴿حَاصِبًا﴾) في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] هو (٣) (الرِّيحُ العَاصِفُ) أي: الشَّديد، ولم يؤنِّثه لأنَّه مجازيٌّ (وَالحَاصِبُ أَيْضًا: مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]) أي: (يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ) بضمِّ الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (وَهْوَ) أي: الشَّيء الَّذي يُرمى به، ولأبي ذَرٍّ: «وهم»، أي: القوم الَّذين يرمون فيها (حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ) أي: (ذَهَبَ) فيها (وَالحَصَبُ) محرَّكًا: (مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصْبَاءِ وَالحِجَارَةِ) قال العينيُّ: لم يُرِد بالاشتقاق الاشتقاقَ المصطَلَح عليه؛ أعني: الاشتقاق الصَّغير لعدم صدقه عليه، وتفسير الحصباء بالحجارة هو من تفسير الخاصِّ بالعامِّ، قالوا: والحصب: الرَّمي بالحصباء؛ وهي الحجارة الصِّغار، قال الفرزدق:
مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّامِ تضربُهم … حصباءُ مثلُ نَديفِ القُطنِ مَنْثورُ
ولغير أبي ذَرٍّ: «والحصباء والحجارة» بزيادة واو.
(﴿تَارَةً﴾) في قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً (١)﴾ [الإسراء: ٦٩] أي: (مَرَّةً) فهي مصدرٌ (وَجَمَاعَتُهُ) أي: لفظ «تارةً»: (تِيَرَةٌ) بكسر الفوقيَّة وفتح التَّحتيَّة (وَتَارَاتٌ) قال الشَّاعر:
وَإِنْسانُ عَيْني يَحْسِرُ الماءَ تارةً … فيبدو وَتَاراتٍ يَجمُّ فَيَغْرقُ
وألفها يحتمل أن تكون عن واوٍ أو ياءٍ (٢)، قال الرَّاغب: وهو فيما قيل من تَارَ الجرح؛ بمعنى: اِلتأمَ.
(﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾) في قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي: (لأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ) أي: بالإغواء، وقيل: لأستولينَّ عليهم استيلاء من جعل في حنك الدَّابة حبلًا يقودها، فلا تأبى ولا تشمس عليه (يُقَالُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ) أي: (اسْتَقْصَاهُ) وعن مجاهدٍ فيما رواه سعيد بن منصورٍ ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾: لأحتوينَّ، قال: يعني: شبه الزِّناق، وقال ابن زيدٍ: لأُضِلَّنَّهم، وكلُّها متقاربةٌ.
(﴿طَآئِرَهُ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]: هو (حَظُّهُ) بالحاء المهملة والظَّاء المعجمة، وقال ابن عبَّاسٍ: «خيره وشرُّه مكتوبٌ عليه لا يفارقه» وقال الحسن -فيما رواه السَّمرقنديُّ-: عمله. زاد في «الأنوار»: وما قُدِّر له، كأنَّه طير إليه من عُشِّ الغيب، والمعنى: أنَّ عمله لازمٌ له لزوم القلادة أو الغلِّ (٣) لا ينفك عنه، وخصَّ العنق حيث قال: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ من بين سائر الأعضاء؛ لأنَّ الَّذي عليه إمَّا أن يكون خيرًا يَزِينه، أو شرًّا يَشِينه، وما يزيِّن يكون كالطَّوق والحُليِّ، وما يشين يكون كالغلِّ.
(قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله ابن عيينة في «تفسيره» في قوله: ﴿وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] وقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]: (كُلُّ سُلْطَانٍ) ذُكِرَ (فِي القُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ) فمعنى: ﴿سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ حجَّةٌ ينصرني على مَن خالفني، و ﴿جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ حجَّةً يتسلَّط بها على المؤاخذة بمقتضى القتل.
(﴿وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ﴾ [الإسراء: ١١١]) أي: (لَمْ يُحَالِفْ) بالحاء المهملة، أي: لم يوالِ (أَحَدًا) من أجل مذلَّةٍ به ليدفعها بموالاته.
(٣) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾) محمَّدٍ ﷺ بجسده وروحه يقظةً (﴿لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]) مسجد مكَّة بعينه؛ لحديث أنسٍ المرويِّ في «الصَّحيحين» وسَرَى وأسرى بمعنًى، وقال: ﴿لَيْلاً﴾ بلفظ التَّنكير، قال الزَّمخشري: ليفيد تقليل مدَّة الإسراء، وأنَّه أُسرِيَ به في بعض اللَّيل من مكَّة إلى الشَّام مسيرة أربعين ليلةً، فدلَّ على (١) أنَّ التَّنكير دلَّ على البعضيَّة، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: (من اللَّيل) أي: بعضه؛ كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]. انتهى. قال صاحب «الدُّرِّ»: فيكون سرى وأسرى؛ كسقى وأسقى، والهمزة ليست للتَّعدية، وإنَّما المعدِّي الباءُ في ﴿بِعَبْدِهِ﴾ وقد تقرَّر أنَّها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور خلافًا للمبرِّد، وزعم ابن عطيَّة: أنَّ مفعول ﴿أَسْرَى﴾ محذوفٌ، وأنَّ التَّعدية بالهمزة، أي: أسرى الملائكةَ بعبده؛ لأنَّه يقلق (٢) أن يُسنِد
«أسرى» وهو بمعنى «سرى» إلى الله تعالى؛ إذ هو (١) فعلٌ يقتضي النُّقلة؛ كمشى وانتقل، فلا يحسن إسناد شيءٍ من هذا مع وجود مندوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشَّريعة (٢) شيءٌ من ذلك تأوَّلناه؛ نحو: «أتيته هرولةً» قال شهاب الدِّين (٣): وهذا كلُّه إنَّما بناه اعتقادًا على أنَّ التَّعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك، وهذا شيءٌ ذهب إليه المبرِّد، فإذا قلت: قمت بزيد؛ لزم منه قيامك وقيام زيدٍ عنده، وهذا ليس كذلك، التبستْ عنده باءُ التَّعدية بباء الحال، فباء الحال تلزم فيها (٤) المشاركة؛ إذ المعنى: قمت ملتبسًا بزيدٍ، وباء التَّعدية مرادفةٌ للهمزة، فقمت بزيدٍ والباء للتَّعدية؛ كقولك: أقمت زيدًا، ولا يلزم من إقامتك هو أن تقوم أنت، وأيضًا فموارد القرآن في ﴿فَأَسْرِ﴾ بقطع الهمزة ووصلها تقتضي أنَّهما بمعنًى واحدٍ، ألا ترى أنَّ قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود: ٨١] و ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧] قرئ بالقطع والوصل، ويبعد مع القطع تقدير مفعولٍ محذوفٍ؛ إذ لم يصرَّح به في موضعٍ فيستدلُّ بالمصرَّح على المحذوف، قاله أبو حيَّان، وقد تقدَّم الرَّدُّ على هذا المذهب، وقال صاحب «فتوح الغيب»: ويمكن أن يُراد بالتَّنكير في ﴿لَيْلاً﴾ التَّعظيم والتَّفخيم، والمقام يقتضيه، ألا ترى كيف افتتح السُّورة بالكلمة المنبئة عنه، ثمَّ وصف المسرَى به (٥) بالعبوديَّة، ثمَّ أردف تعظيم المكانين بالحَرَام وبالبركة لِمَا حوله تعظيمًا للزَّمان، ثمَّ تعظيم الآيات بإضافتها إلى صيغة التَّعظيم، وجَمَعَها ليشمل جميع أنواع الآيات، وكلُّ ذلك شاهدُ صدقٍ على ما نحن بصدده، والمعنى: ما أعظمَ شأن مَن أسرى بمَن حُقِّق له مقام العبوديَّة، وصُحِّح استئهاله للعناية السَّرمديَّة، أي: ليلٌ له شأنٌ جليلٌ، ليلٌ (٦) دنا فيه الحبيب من المحبوب، وفاز في مقام الشُّهود بالمطلوب ﴿فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ فحينئذٍ ينطبق عليه التَّعليل بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] أي: السَّميع بأحوال ذلك العبد، والبصير بأفعاله العالم بكونها مهذَّبةً خالصةً عن شوائب الهوى، مقرونةً بالصِّدق والصَّفا، مستأهلةً