الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٣٩
الحديث رقم ٤٧٣٩ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة الأنبياء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٩٧⦘
بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَحَسُّوا﴾ تَوَقَّعُوهُ، مِنْ أَحْسَسْتُ ﴿خَامِدِينَ﴾ هَامِدِينَ، حَصِيدٌ: مُسْتَأْصَلٌ، يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ، ﴿لَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لَا يُعْيُونَ، وَمِنْهُ: حَسِيرٌ وَحَسَرْتُ بَعِيرِي، ﴿عَمِيقٌ﴾: بَعِيدٌ، ﴿نُكِّسُوا﴾: رُدُّوا، ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ الدُّرُوعُ، ﴿تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ اخْتَلَفُوا، الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنَ الصَّوْتِ الْخَفِيِّ، ﴿آذَنَّاكَ﴾ أَعْلَمْنَاكَ، ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ إِذَا أَعْلَمْتَهُ، فَأَنْتَ وَهْوَ ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ لَمْ تَغْدِرْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ تُفْهَمُونَ، ﴿ارْتَضَى﴾ رَضِيَ، ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ الْأَصْنَامُ، السِّجِلُّ: الصَّحِيفَةُ.
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾
٤٧٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
📖 هذا الحديث في تفسير سورة الأنبياء - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنْ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ. قَالَ: قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُحَاجَّةِ مُوسَى وَآدَمَ ﵉، وَسَيَأْتِي فِي الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢١ - سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ
٤٧٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطه، وَالْأَنْبِيَاءُ هُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿جُذَاذًا﴾ قَطَّعَهُنَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يَدُورُونَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَفَشَتْ﴾ رَعَتْ لَيْلًا، ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يُمْنَعُونَ، ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قَالَ: دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَحَسُّوا﴾ تَوَقَّعُوا، مِنْ أَحْسَسْتُ، ﴿خَامِدِينَ﴾ هَامِدِينَ، حصيد مُسْتَأْصَلٌ، يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَالْجَمِيعِ ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لَا يُعْيُونَ، وَمِنْهُ ﴿حَسِيرٌ﴾ وَحَسَرْتُ بَعِيرِي، عَمِيقٌ: بَعِيدٌ، نُكِّسُوا: رُدُّوا، ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ الدُّرُوعُ، ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ اخْتَلَفُوا، الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ وَهُوَ الصَّوْت الْخَفِيّ، ﴿آذَنَّاكَ﴾ أَعْلَمْنَاكَ، ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ إِذَا أَعْلَمْتَهُ، فَأَنْتَ وَهُوَ ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ لَمْ تَغْدِرْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ تُفْهَمُونَ، ﴿ارْتَضَى﴾ رَضِيَ، ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ الْأَصْنَامُ، السِّجِلُّ: الصَّحِيفَةُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ كَذَا فِيهِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ وَهَمٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَبَقِيَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ، وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا لَمْ يَذْكُرُهُ فِي تِلْكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ خَمْسَ سُوَرٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِمَكَّةَ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي بَعْضِ آيَاتٍ مِنْهُنَّ أَمَّا فِي سُبْحَانَ فَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ - إِلَى - ﴿تَحْوِيلا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الْآيَةَ. وَفِي الْكَهْفِ قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَقِيلَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى ﴿أَحْسَنُ عَمَلا﴾ وَفِي مَرْيَمَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ الْآيَةَ. وَفِي طَهَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ الْآيَةَ، وَفِي الْأَنْبِيَاءِ ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا﴾ الْآيَةَ، قِيلَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِنَّهُ مَدَنِيٌّ، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مَكِّيَّاتٌ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ خِلَافَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿جُذَاذًا﴾ قَطَّعَهُنَّ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ أَيْ قِطَعًا.
(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ ﴿جُذَاذًا﴾ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الْمُكَسَّرِ كَالْحُطَامِ فِي الْمُحَطَّمِ، وَقِيلَ جَمْعُ جُذَاذَةٍ كَزُجَاجٍ وَزُجَاجَةٍ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ فَقِيلَ هُوَ جَمْعُ جَذِيذٍ كَكِرَامٍ وَكَرِيمٍ، فِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخْرَى فِي الشَّوَاذِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ مِثْلُ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ) وَصَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ مِثْلُ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يَدُورُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قَالَ: يَدُورُونَ حَوْلَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ﴿فِي فَلَكٍ﴾ كَهَيْئَةِ حَدِيدَةِ الرَّحَى ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يَجْرُونَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَالَ يَسْبَحُونَ لِأَنَّ السِّبَاحَةَ مِنْ أَفْعَالِ الْآدَمِيِّينَ فَذُكِرَتْ بِالنُّونِ مِثْلُ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَفَشَتْ﴾ رَعَتْ لَيْلًا) سَقَطَ لَيْلًا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ: نَفَشَتْ إِذَا رَعَتْ لَيْلًا بِلَا رَاعٍ، وَإِذَا رَعَتْ نَهَارًا بِلَا رَاعٍ قِيلَ هَمَلَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يُمْنَعُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قَالَ: يُمْنَعُونَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُمْنَعُونَ قَالَ: يُنْصَرُونَ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ) قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ قَالَ: دِينُكُمْ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حَطَبٌ بِالْحَبَشَةِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَرَوَى الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَرَآ حَطَبٌ بِالطَّاءِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ الْمَنْقُوطَةِ قَالَ وَهُوَ مَا هُيِّجَتْ بِهِ النَّارُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: أَحَسُّوا تَوَقَّعُوا مِنْ أَحْسَسْتُ) كَذَا لَهُمْ وَلِلنَّسَفِيِّ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَحَسُّوا إِلَخْ، وَمَعْمَرٌ هَذَا هُوَ بِالسُّكُونِ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى اللُّغَوِيُّ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ نَقْلَ كَلَامِهِ، فَتَارَةً يُصَرِّحُ بِعَزْوِهِ وَتَارَةً يُبْهِمُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ لَقُوهُ يُقَالُ هَلْ أَحْسَسْتُ فُلَانًا أَيْ هَلْ وَجَدْتُهُ، وَهَلْ أَحْسَسْتُ مِنْ نَفْسِكَ ضَعْفًا أَوْ شَرًّا.
قَوْلُهُ: ﴿خَامِدِينَ﴾ هَامِدِينَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلِهِ: ﴿حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ مَجَازُ خَامِدٍ أَيْ هَامِدٍ، كَمَا يُقَالُ لِلنَّارِ إِذَا طُفِّئَتْ خَمَدَتْ، قَالَ: وَالْحَصِيدُ الْمُسْتَأْصَلُ، وَهُوَ يُوصَفُ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعُ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ كَأَنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَى الْمَصْدَرِ، قَالَ: وَمِثْلُهُ ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ وَمِثْلُهُ ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾
قَوْلُهُ: (وَالْحَصِيدُ مُسْتَأْصَلٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ حَصِيدًا مُسْتَأْصَلًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا ذَكَرْتُهُ قَبْلُ.
(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْقِصَّةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ حَضُورٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ، قَرْيَةٌ بِصَنْعَاءَ مِنْ الْيَمَنِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ. وَقِيلَ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ، بُعِثَ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنْ حِمْيَرَ يُقَالُ لَهُ شُعَيْبٌ وَلَيْسَ صَاحِبُ مَدْيَنَ بَيْنَ زَمَنِ سُلَيْمَانَ وَعِيسَى فَكَذَّبُوهُ فَقَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، ذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقَدْ رَوَى قِصَّتَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لَا يَعِيبُونَ، وَمِنْهُ حَسِيرٌ وَحَسَرْتُ بَعِيرِي) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَكَذَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَعِيبُونَ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَعْيَوْنَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ووهاه ابْنُ التِّينِ وَقَالَ: هُوَ مِنْ أُعْيِيَ أَيِ الصَّوَابُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿عَمِيقٍ﴾ بَعِيدٌ) كَذَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَكَأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِجَاجًا وَجَاءَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ كَأَنَّهُ اسْتَطْرَدَ مِنْ هَذِهِ لِهَذِهِ أَوْ كَانَ فِي طُرَّةٍ فَنَقَلَهَا النَّاسِخُ إِلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿نُكِسُوا﴾ رُدُّوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أَيْ قُلِبُوا، وَتَقُولُ نَكَسْتُهُ عَلَى رَأْسِهِ إِذَا قَهَرْتَهُ. وَقَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(((٢١))) (سُوْرَةُ الأَنْبِيَاءِ) مكِّيَّةٌ، وهي مئةٌ واثنتا عشرةَ آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ.
٤٧٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة المفتوحة والمعجمة المشدَّدة، بُندارٌ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر الهذليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرِو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) النَّخَعيَّ الكوفيَّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ ﵁ (قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ) فيه حذفُ المضاف وإبقاءُ المضاف إليه على حاله، أي: سورة بني إسرائيل (وَالكَهْفُ) بالرفع، أي: والثاني الكهف، فهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (وَمَرْيَمُ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءُ) رفعٌ كالأوَّل (هُنَّ) الأربعة (١) (مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقيَّة، جمع عتيق؛ وهو ما بلغ الغاية في الجودة، و «الأُوَل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو المخفَّفة، والأوليَّة باعتبار النزول؛ لأنَّهُنَّ نزلْنَ بمكَّةَ (وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي) بكسر الفوقيَّة وتخفيف اللَّام
وكسر الدَّال المهملة، أي: ممَّا حفظتُه قديمًا من القرآن، ضدُّ الطارِف، وإنَّما كانت «الأنبياءُ» بهذا الوصف لتضمُّنها أخبارَ جِلَّة الأنبياء، وغير ذلك.
وقد سبق هذا الحديثُ أوَّل «سورة بني إسرائيل» [خ¦٤٧٠٨].
(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله الطبريُّ من طريق سعيدٍ عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ (﴿جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]) بضمِّ الجيم (قَطَّعَهُنَّ) وعبَّر بقوله: «جَعَلَهُمْ» وهو ضميرُ العقلاء معاملةً للأصنام معاملةَ العقلاء؛ حيث اعتقدوا فيها ذلك، وقرأ الكِسائيُّ: بكسر الجيم؛ لغتان بمعنًى.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ في قوله تعالى: (﴿فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣]) أي: في (مِثْلِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ) بكسر الميم وفتح الزاي، وهذا وصلَه ابنُ عُيينةَ، وقال: «الفَلَكُ» مَدارُ النُّجوم، و «الفَلَك» في كلام العرب: كلُّ مستديرٍ، وجَمْعُه أفلاك، ومنه فِلكةُ المِغْزَل، وقال آخر: «الفلك» ماءٌ مجموعٌ تجري فيه الكواكب، واحتجَّ بأنَّ السباحة لا تكون إلَّا في الماء، وأُجيب بأنَّه يُقال في الفرس الذي يَمُدُّ يديه في الجَرْيِ سابحٌ، فلا دليلَ فيما احتجَّ به.
(﴿يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]) قال (١) ابن عبَّاس: (يَدُورُونَ) كما يدورُ المِغْزَلُ في الفِلْكَة؛ ولذا قال مجاهدٌ: فلا يدورُ المِغْزَل إلَّا بالفِلْكَة، ولا الفِلْكَةُ إلَّا بالمِغْزَل، كذلك النُّجومُ والقمران (٢) لا يدورون (٣) إلَّا به، ولا يدورُ إلَّا بهِنَّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما (٤) وصله ابنُ أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿إِذْ﴾ (﴿نَفَشَتْ﴾) أي:
(رَعَتْ) ﴿فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وزاد أبو ذرٍّ: «ليلًا».
(﴿يُصْحَبُونَ﴾) في قوله: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] أي: (يُمْنَعُونَ) قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن المنذر، وقال مجاهدٌ: يُنصَرُون.
(﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] قَالَ) أي: ابنُ عبَّاسٍ (١): (دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ) وأصلُ الأمَّة: الجماعة التي هي على مَقْصِدٍ واحدٍ، فجُعلتِ الشريعةُ أُمَّةً؛ لاجتماع أهلِها على مَقْصِدٍ واحدٍ.
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) في قوله: (﴿حَصَبُ﴾ [الأنبياء: ٩٨]) أي: (حَطَبُ) «بالطاء» بدل: «الصاد»، (بِالحَبَشِيَّةِ) وقيل: باليمانيَّة (٢)، وهي قراءة أُبيٍّ وعائشة، والظَّاهر: أنَّها تفسيرٌ لا تِلاوةٌ، و «الحصبُ» بالصَّاد ما يُرمى به في النار، ولا يقال له: حصب إلَّا وهو في النَّار (٣)، فأمَّا قبلَ ذلك فحطبٌ وشجرٌ، وهذه ساقطة لأبي ذر.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ عِكرمةَ: (﴿أَحَسُّوا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] أي: (تَوَقَّعُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «توقعوا» بحذف الضمير، مُشتقٌّ (مِنْ أَحْسَسْتُ) مِنَ الإحساس، وقال في «الأنوار»: فلمَّا أدركوا شِدَّة عذابنا إدراك المشاهَدِ المحسوس.
(﴿خَامِدِينَ﴾) أي: (هَامِدِينَ)، قاله أبو عُبيدةَ.
(حَصِيدٌ) ولأبي ذرٍّ: «والحصيد» أي: في قوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] معناه: (مُسْتَأْصَلٌ) كالنَّبْتِ المحصود، شبَّهَهُم في استئصالِهِم به، كما تقول: جعلناهم رمادًا، أي: مثلَ الرماد، ولفظه: (يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالجَمِيعِ) وهو مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الجَعْلَ هنا تصييرٌ.
فإن قلت: كيف يَنصِبُ «جَعَلَ» ثلاثةَ مفاعيل؟ أُجيب بأنَّ ﴿حَصِيدًا﴾ و ﴿خَامِدِينَ﴾ يجوزُ أن يكونا مِن باب: «هذا حلوٌ حامضٌ» كأنَّه قيل: جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعًا،
والمعنى: أنَّهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يَبْقَ حسٌّ ولا حركةٌ، وجَفُّوا كما يجفُّ الحصيدُ وخمدوا كما تخمدُ النَّارُ.
(﴿لَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]) قال أبو عبيدةَ: (لَا يُعْيُونَ) في الفرع وأصله بضمِّ أوَّله مصحَّحًا عليه وثالِثِهِ وكِلاهما مصلَّحٌ على كشطٍ (١)؛ مِن أعيا، وفي نسخة عن أبي ذرٍّ: «يَعْيَون» بفتحهما، وردَّه ابنُ التين السَّفاقسيُّ (٢)، وصوَّب الضَّمَّ، وأجاب العَينيُّ: بأنَّ الصوابَ الفتحُ؛ لأنَّ معناه: لا يَعجِزون، وقيل: لا ينقطِعون (وَمِنْهُ: حَسِيرٌ، وَحَسَرْتُ بَعِيرِي) أي: أعييتُه.
(عَمِيقٌ) (٣) في سورة الحج [الآية: ٢٧] أي: (بَعِيدٌ) ويَحتملُ أن يكون ذَكَرَه هنا سهوًا من ناسخٍ أو غيِره.
((نُكِّسُوا)) بتشديد الكاف مبنيًّا للمفعول، وهي قراءةُ أبي حيوة وغيره، لغة (٤) في المخفَّفة في قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي: (رُدُّوا) بضمِّ الراء، إلى الكفر بعدَ أن أَقرُّوا على أنفسِهم بالظُّلم، أو قُلِبُوا على رؤوسِهِم حقيقةً؛ بفرط إطراقِهِم خجلًا وانكسارًا وانخزالًا ممَّا بهتَهُم إبراهيمُ ﵇، فما أَحارُوا جوابًا إلَّا ما هو حُجَّة لإبراهيمَ حين جادلهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] فأقرُّوا بهذه الحُجَّة التي لحقتْهُم.
(﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ [الأنبياء: ٨٠]) هي (الدُّرُوعُ) لأنَّها تُلبَس، وهي (٥) بمعنى الملبوس، كالحَلوب والرَّكوب (٦).
(﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم﴾ [الأنبياء: ٩٣]) أي: (اخْتَلَفُوا) أي: في الدين، فصاروا فِرقًا أحزابًا،
والأصل: وتقطعتم، إلَّا أنَّه صُرِفَ إلى الغَيبة (١) على طريق الالتفات، كأنَّه يَنْعَى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبِّح عندَهم فِعلَهم، ويقول لهم: أَلَا ترون إلى عظيم ما ارتكب (٢) هؤلاء في دين الله؟! والمعنى: اختلفوا في الدين فصاروا فِرقًا وأحزابًا، قاله في «الكشاف».
(الحَسِيسُ وَالحِسُّ) في قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] (وَالجَرْسُ) بفتح الجيم وسكون الراء (وَالهَمْسُ) بفتح الهاء وسكون الميم (وَاحِدٌ) في المعنى (وَهْوَ مِنَ الصَّوْتِ الخَفِيُّ) بالرفع خبرُ المبتدأ الذي هو قوله: «وهو»، ومعنى (٣) الآية: لا يسمعون صوتَها وحركةَ تلهُّبِها إذا نزلوا منازِلَهم في الجنَّة (﴿آذَنَّاكَ﴾) ﴿مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ بفصلت [الآية: ٤٧] معناه: (أَعْلَمْنَاكَ) وذكره مناسبةً لقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ﴾ (٤).
(﴿آذَنتُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]) قال أبو عبيدة: (إِذَا) أنذرت عدوَّك و (أَعْلَمْتَهُ) بالحرب (فَأَنْتَ وَهْوَ عَلَى سَوَاءٍ لَمْ تَغْدِرْ) ومعنى الآية: أعلمتُكم بالحرب وأنَّه لا (٥) صلح بيننا على سواء؛ لتتأهَّبوا لِمَا يُرادُ بكم، فلا غَدْرَ ولا خِداع.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ في قوله: (﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣]) أي: (تُفْهَمُونَ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون (٦) الفاء وفتح الهاء مخفَّفة (٧)، وفي نسخة: «تَفْهَمون» بفتح فسكون ففتح مخفَّفًا، ولابن المنذر مِن وجهٍ آخرَ عنه: «تفقهون»، وقال بعضُهم أي: ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلَّكم تُسألون عمَّا جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتُجيبوا السائلَ عنِ علمٍ ومشاهدة.
(﴿ارْتَضَى﴾) في قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] أي: (رَضِيَ) أن: يشفع له مَهابةً منه، وسقطت هذه لأبي ذرٍّ.
(﴿التَّمَاثِيلُ﴾ [الأنبياء: ٥٢]) هي (الأَصْنَامُ) والتمثال اسمٌ للشَّيءِ الموضوع (١) مشبَّهًا بخَلْقٍ مِن خَلْق الله.
(السِّجِلُّ) في قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] هو (الصَّحِيفَةُ) مطلقًا، أو مخصوص بصحيفة العهد، و «طيّ» مصدرٌ مضافٌ للمفعول، والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: كما يطوي الرجلُ الصحيفةَ ليكتبَ فيها.
(٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾) الكافُ تتعلَّق (٢) بـ ﴿نُّعِيدُهُ﴾ و «ما» مصدريَّة، و ﴿بَدَأْنَا﴾ صلتُها، و ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعولُ ﴿بَدَأْنَا﴾ قاله أبو البقاء، أي: نعيد أولَ خَلْق إعادةً مثلَ بداءتنا (٣) له، أي: كما أبرزناه مِنَ العدم إلى الوجود نعيدُه مِنَ العدم إلى الوجود، وقد اختُلف في كيفيَّة الإعادة؛ فقيل: إنَّ الله يفرِّقُ أجزاء الأجسام ولا يَعْدِمها ثم يُعيدُ تركيبَها، أو يَعْدِمُها بالكلية ثم يُوجدُها بعينها، والآية تدُلُّ على ذلك؛ لأنَّه شبَّه الإعادة بالابتداء، وهو عن الوجود بعد العدم (﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) الإعادةُ، وقيل: المراد: حقًّا علينا؛ بسبب الإخبار عن ذلك، وتعلَّق العِلم بوقوعه، فإنَّ (٤) وقوع ما عَلِمَ الله وقوعَه واجبٌ، وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ، وكذا «﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾» (٥).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنْ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ. قَالَ: قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُحَاجَّةِ مُوسَى وَآدَمَ ﵉، وَسَيَأْتِي فِي الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢١ - سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ
٤٧٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْكَهْفُ، وَمَرْيَمُ، وَطه، وَالْأَنْبِيَاءُ هُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿جُذَاذًا﴾ قَطَّعَهُنَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يَدُورُونَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَفَشَتْ﴾ رَعَتْ لَيْلًا، ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يُمْنَعُونَ، ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قَالَ: دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَحَسُّوا﴾ تَوَقَّعُوا، مِنْ أَحْسَسْتُ، ﴿خَامِدِينَ﴾ هَامِدِينَ، حصيد مُسْتَأْصَلٌ، يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَالْجَمِيعِ ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لَا يُعْيُونَ، وَمِنْهُ ﴿حَسِيرٌ﴾ وَحَسَرْتُ بَعِيرِي، عَمِيقٌ: بَعِيدٌ، نُكِّسُوا: رُدُّوا، ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ الدُّرُوعُ، ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ اخْتَلَفُوا، الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ وَهُوَ الصَّوْت الْخَفِيّ، ﴿آذَنَّاكَ﴾ أَعْلَمْنَاكَ، ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ إِذَا أَعْلَمْتَهُ، فَأَنْتَ وَهُوَ ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ لَمْ تَغْدِرْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ تُفْهَمُونَ، ﴿ارْتَضَى﴾ رَضِيَ، ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ الْأَصْنَامُ، السِّجِلُّ: الصَّحِيفَةُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ كَذَا فِيهِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ وَهَمٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَبَقِيَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ، وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا لَمْ يَذْكُرُهُ فِي تِلْكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ خَمْسَ سُوَرٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِمَكَّةَ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي بَعْضِ آيَاتٍ مِنْهُنَّ أَمَّا فِي سُبْحَانَ فَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ - إِلَى - ﴿تَحْوِيلا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الْآيَةَ. وَفِي الْكَهْفِ قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَقِيلَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى ﴿أَحْسَنُ عَمَلا﴾ وَفِي مَرْيَمَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ الْآيَةَ. وَفِي طَهَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ الْآيَةَ، وَفِي الْأَنْبِيَاءِ ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا﴾ الْآيَةَ، قِيلَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِنَّهُ مَدَنِيٌّ، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مَكِّيَّاتٌ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ خِلَافَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿جُذَاذًا﴾ قَطَّعَهُنَّ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ أَيْ قِطَعًا.
(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ ﴿جُذَاذًا﴾ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الْمُكَسَّرِ كَالْحُطَامِ فِي الْمُحَطَّمِ، وَقِيلَ جَمْعُ جُذَاذَةٍ كَزُجَاجٍ وَزُجَاجَةٍ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ فَقِيلَ هُوَ جَمْعُ جَذِيذٍ كَكِرَامٍ وَكَرِيمٍ، فِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخْرَى فِي الشَّوَاذِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ مِثْلُ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ) وَصَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ مِثْلُ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يَدُورُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قَالَ: يَدُورُونَ حَوْلَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ﴿فِي فَلَكٍ﴾ كَهَيْئَةِ حَدِيدَةِ الرَّحَى ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يَجْرُونَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَالَ يَسْبَحُونَ لِأَنَّ السِّبَاحَةَ مِنْ أَفْعَالِ الْآدَمِيِّينَ فَذُكِرَتْ بِالنُّونِ مِثْلُ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَفَشَتْ﴾ رَعَتْ لَيْلًا) سَقَطَ لَيْلًا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ: نَفَشَتْ إِذَا رَعَتْ لَيْلًا بِلَا رَاعٍ، وَإِذَا رَعَتْ نَهَارًا بِلَا رَاعٍ قِيلَ هَمَلَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يُمْنَعُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قَالَ: يُمْنَعُونَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُمْنَعُونَ قَالَ: يُنْصَرُونَ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ) قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ قَالَ: دِينُكُمْ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حَطَبٌ بِالْحَبَشَةِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَرَوَى الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَرَآ حَطَبٌ بِالطَّاءِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ الْمَنْقُوطَةِ قَالَ وَهُوَ مَا هُيِّجَتْ بِهِ النَّارُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: أَحَسُّوا تَوَقَّعُوا مِنْ أَحْسَسْتُ) كَذَا لَهُمْ وَلِلنَّسَفِيِّ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَحَسُّوا إِلَخْ، وَمَعْمَرٌ هَذَا هُوَ بِالسُّكُونِ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى اللُّغَوِيُّ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ نَقْلَ كَلَامِهِ، فَتَارَةً يُصَرِّحُ بِعَزْوِهِ وَتَارَةً يُبْهِمُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ لَقُوهُ يُقَالُ هَلْ أَحْسَسْتُ فُلَانًا أَيْ هَلْ وَجَدْتُهُ، وَهَلْ أَحْسَسْتُ مِنْ نَفْسِكَ ضَعْفًا أَوْ شَرًّا.
قَوْلُهُ: ﴿خَامِدِينَ﴾ هَامِدِينَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلِهِ: ﴿حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ مَجَازُ خَامِدٍ أَيْ هَامِدٍ، كَمَا يُقَالُ لِلنَّارِ إِذَا طُفِّئَتْ خَمَدَتْ، قَالَ: وَالْحَصِيدُ الْمُسْتَأْصَلُ، وَهُوَ يُوصَفُ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعُ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ كَأَنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَى الْمَصْدَرِ، قَالَ: وَمِثْلُهُ ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ وَمِثْلُهُ ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾
قَوْلُهُ: (وَالْحَصِيدُ مُسْتَأْصَلٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ حَصِيدًا مُسْتَأْصَلًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا ذَكَرْتُهُ قَبْلُ.
(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْقِصَّةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ حَضُورٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ، قَرْيَةٌ بِصَنْعَاءَ مِنْ الْيَمَنِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ. وَقِيلَ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ، بُعِثَ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنْ حِمْيَرَ يُقَالُ لَهُ شُعَيْبٌ وَلَيْسَ صَاحِبُ مَدْيَنَ بَيْنَ زَمَنِ سُلَيْمَانَ وَعِيسَى فَكَذَّبُوهُ فَقَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، ذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقَدْ رَوَى قِصَّتَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لَا يَعِيبُونَ، وَمِنْهُ حَسِيرٌ وَحَسَرْتُ بَعِيرِي) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَكَذَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ قَالَ: لَا يَعِيبُونَ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَعْيَوْنَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ووهاه ابْنُ التِّينِ وَقَالَ: هُوَ مِنْ أُعْيِيَ أَيِ الصَّوَابُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿عَمِيقٍ﴾ بَعِيدٌ) كَذَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَكَأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِجَاجًا وَجَاءَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ كَأَنَّهُ اسْتَطْرَدَ مِنْ هَذِهِ لِهَذِهِ أَوْ كَانَ فِي طُرَّةٍ فَنَقَلَهَا النَّاسِخُ إِلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿نُكِسُوا﴾ رُدُّوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أَيْ قُلِبُوا، وَتَقُولُ نَكَسْتُهُ عَلَى رَأْسِهِ إِذَا قَهَرْتَهُ. وَقَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(((٢١))) (سُوْرَةُ الأَنْبِيَاءِ) مكِّيَّةٌ، وهي مئةٌ واثنتا عشرةَ آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ.
٤٧٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة المفتوحة والمعجمة المشدَّدة، بُندارٌ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر الهذليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرِو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) النَّخَعيَّ الكوفيَّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ ﵁ (قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ) فيه حذفُ المضاف وإبقاءُ المضاف إليه على حاله، أي: سورة بني إسرائيل (وَالكَهْفُ) بالرفع، أي: والثاني الكهف، فهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (وَمَرْيَمُ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءُ) رفعٌ كالأوَّل (هُنَّ) الأربعة (١) (مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقيَّة، جمع عتيق؛ وهو ما بلغ الغاية في الجودة، و «الأُوَل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو المخفَّفة، والأوليَّة باعتبار النزول؛ لأنَّهُنَّ نزلْنَ بمكَّةَ (وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي) بكسر الفوقيَّة وتخفيف اللَّام
وكسر الدَّال المهملة، أي: ممَّا حفظتُه قديمًا من القرآن، ضدُّ الطارِف، وإنَّما كانت «الأنبياءُ» بهذا الوصف لتضمُّنها أخبارَ جِلَّة الأنبياء، وغير ذلك.
وقد سبق هذا الحديثُ أوَّل «سورة بني إسرائيل» [خ¦٤٧٠٨].
(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله الطبريُّ من طريق سعيدٍ عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ (﴿جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]) بضمِّ الجيم (قَطَّعَهُنَّ) وعبَّر بقوله: «جَعَلَهُمْ» وهو ضميرُ العقلاء معاملةً للأصنام معاملةَ العقلاء؛ حيث اعتقدوا فيها ذلك، وقرأ الكِسائيُّ: بكسر الجيم؛ لغتان بمعنًى.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ في قوله تعالى: (﴿فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣]) أي: في (مِثْلِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ) بكسر الميم وفتح الزاي، وهذا وصلَه ابنُ عُيينةَ، وقال: «الفَلَكُ» مَدارُ النُّجوم، و «الفَلَك» في كلام العرب: كلُّ مستديرٍ، وجَمْعُه أفلاك، ومنه فِلكةُ المِغْزَل، وقال آخر: «الفلك» ماءٌ مجموعٌ تجري فيه الكواكب، واحتجَّ بأنَّ السباحة لا تكون إلَّا في الماء، وأُجيب بأنَّه يُقال في الفرس الذي يَمُدُّ يديه في الجَرْيِ سابحٌ، فلا دليلَ فيما احتجَّ به.
(﴿يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]) قال (١) ابن عبَّاس: (يَدُورُونَ) كما يدورُ المِغْزَلُ في الفِلْكَة؛ ولذا قال مجاهدٌ: فلا يدورُ المِغْزَل إلَّا بالفِلْكَة، ولا الفِلْكَةُ إلَّا بالمِغْزَل، كذلك النُّجومُ والقمران (٢) لا يدورون (٣) إلَّا به، ولا يدورُ إلَّا بهِنَّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما (٤) وصله ابنُ أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿إِذْ﴾ (﴿نَفَشَتْ﴾) أي:
(رَعَتْ) ﴿فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وزاد أبو ذرٍّ: «ليلًا».
(﴿يُصْحَبُونَ﴾) في قوله: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] أي: (يُمْنَعُونَ) قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن المنذر، وقال مجاهدٌ: يُنصَرُون.
(﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] قَالَ) أي: ابنُ عبَّاسٍ (١): (دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ) وأصلُ الأمَّة: الجماعة التي هي على مَقْصِدٍ واحدٍ، فجُعلتِ الشريعةُ أُمَّةً؛ لاجتماع أهلِها على مَقْصِدٍ واحدٍ.
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) في قوله: (﴿حَصَبُ﴾ [الأنبياء: ٩٨]) أي: (حَطَبُ) «بالطاء» بدل: «الصاد»، (بِالحَبَشِيَّةِ) وقيل: باليمانيَّة (٢)، وهي قراءة أُبيٍّ وعائشة، والظَّاهر: أنَّها تفسيرٌ لا تِلاوةٌ، و «الحصبُ» بالصَّاد ما يُرمى به في النار، ولا يقال له: حصب إلَّا وهو في النَّار (٣)، فأمَّا قبلَ ذلك فحطبٌ وشجرٌ، وهذه ساقطة لأبي ذر.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ عِكرمةَ: (﴿أَحَسُّوا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] أي: (تَوَقَّعُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «توقعوا» بحذف الضمير، مُشتقٌّ (مِنْ أَحْسَسْتُ) مِنَ الإحساس، وقال في «الأنوار»: فلمَّا أدركوا شِدَّة عذابنا إدراك المشاهَدِ المحسوس.
(﴿خَامِدِينَ﴾) أي: (هَامِدِينَ)، قاله أبو عُبيدةَ.
(حَصِيدٌ) ولأبي ذرٍّ: «والحصيد» أي: في قوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] معناه: (مُسْتَأْصَلٌ) كالنَّبْتِ المحصود، شبَّهَهُم في استئصالِهِم به، كما تقول: جعلناهم رمادًا، أي: مثلَ الرماد، ولفظه: (يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالجَمِيعِ) وهو مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الجَعْلَ هنا تصييرٌ.
فإن قلت: كيف يَنصِبُ «جَعَلَ» ثلاثةَ مفاعيل؟ أُجيب بأنَّ ﴿حَصِيدًا﴾ و ﴿خَامِدِينَ﴾ يجوزُ أن يكونا مِن باب: «هذا حلوٌ حامضٌ» كأنَّه قيل: جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعًا،
والمعنى: أنَّهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يَبْقَ حسٌّ ولا حركةٌ، وجَفُّوا كما يجفُّ الحصيدُ وخمدوا كما تخمدُ النَّارُ.
(﴿لَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]) قال أبو عبيدةَ: (لَا يُعْيُونَ) في الفرع وأصله بضمِّ أوَّله مصحَّحًا عليه وثالِثِهِ وكِلاهما مصلَّحٌ على كشطٍ (١)؛ مِن أعيا، وفي نسخة عن أبي ذرٍّ: «يَعْيَون» بفتحهما، وردَّه ابنُ التين السَّفاقسيُّ (٢)، وصوَّب الضَّمَّ، وأجاب العَينيُّ: بأنَّ الصوابَ الفتحُ؛ لأنَّ معناه: لا يَعجِزون، وقيل: لا ينقطِعون (وَمِنْهُ: حَسِيرٌ، وَحَسَرْتُ بَعِيرِي) أي: أعييتُه.
(عَمِيقٌ) (٣) في سورة الحج [الآية: ٢٧] أي: (بَعِيدٌ) ويَحتملُ أن يكون ذَكَرَه هنا سهوًا من ناسخٍ أو غيِره.
((نُكِّسُوا)) بتشديد الكاف مبنيًّا للمفعول، وهي قراءةُ أبي حيوة وغيره، لغة (٤) في المخفَّفة في قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي: (رُدُّوا) بضمِّ الراء، إلى الكفر بعدَ أن أَقرُّوا على أنفسِهم بالظُّلم، أو قُلِبُوا على رؤوسِهِم حقيقةً؛ بفرط إطراقِهِم خجلًا وانكسارًا وانخزالًا ممَّا بهتَهُم إبراهيمُ ﵇، فما أَحارُوا جوابًا إلَّا ما هو حُجَّة لإبراهيمَ حين جادلهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] فأقرُّوا بهذه الحُجَّة التي لحقتْهُم.
(﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ [الأنبياء: ٨٠]) هي (الدُّرُوعُ) لأنَّها تُلبَس، وهي (٥) بمعنى الملبوس، كالحَلوب والرَّكوب (٦).
(﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم﴾ [الأنبياء: ٩٣]) أي: (اخْتَلَفُوا) أي: في الدين، فصاروا فِرقًا أحزابًا،
والأصل: وتقطعتم، إلَّا أنَّه صُرِفَ إلى الغَيبة (١) على طريق الالتفات، كأنَّه يَنْعَى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبِّح عندَهم فِعلَهم، ويقول لهم: أَلَا ترون إلى عظيم ما ارتكب (٢) هؤلاء في دين الله؟! والمعنى: اختلفوا في الدين فصاروا فِرقًا وأحزابًا، قاله في «الكشاف».
(الحَسِيسُ وَالحِسُّ) في قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] (وَالجَرْسُ) بفتح الجيم وسكون الراء (وَالهَمْسُ) بفتح الهاء وسكون الميم (وَاحِدٌ) في المعنى (وَهْوَ مِنَ الصَّوْتِ الخَفِيُّ) بالرفع خبرُ المبتدأ الذي هو قوله: «وهو»، ومعنى (٣) الآية: لا يسمعون صوتَها وحركةَ تلهُّبِها إذا نزلوا منازِلَهم في الجنَّة (﴿آذَنَّاكَ﴾) ﴿مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ بفصلت [الآية: ٤٧] معناه: (أَعْلَمْنَاكَ) وذكره مناسبةً لقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ﴾ (٤).
(﴿آذَنتُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]) قال أبو عبيدة: (إِذَا) أنذرت عدوَّك و (أَعْلَمْتَهُ) بالحرب (فَأَنْتَ وَهْوَ عَلَى سَوَاءٍ لَمْ تَغْدِرْ) ومعنى الآية: أعلمتُكم بالحرب وأنَّه لا (٥) صلح بيننا على سواء؛ لتتأهَّبوا لِمَا يُرادُ بكم، فلا غَدْرَ ولا خِداع.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ في قوله: (﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣]) أي: (تُفْهَمُونَ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون (٦) الفاء وفتح الهاء مخفَّفة (٧)، وفي نسخة: «تَفْهَمون» بفتح فسكون ففتح مخفَّفًا، ولابن المنذر مِن وجهٍ آخرَ عنه: «تفقهون»، وقال بعضُهم أي: ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلَّكم تُسألون عمَّا جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتُجيبوا السائلَ عنِ علمٍ ومشاهدة.
(﴿ارْتَضَى﴾) في قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] أي: (رَضِيَ) أن: يشفع له مَهابةً منه، وسقطت هذه لأبي ذرٍّ.
(﴿التَّمَاثِيلُ﴾ [الأنبياء: ٥٢]) هي (الأَصْنَامُ) والتمثال اسمٌ للشَّيءِ الموضوع (١) مشبَّهًا بخَلْقٍ مِن خَلْق الله.
(السِّجِلُّ) في قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] هو (الصَّحِيفَةُ) مطلقًا، أو مخصوص بصحيفة العهد، و «طيّ» مصدرٌ مضافٌ للمفعول، والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: كما يطوي الرجلُ الصحيفةَ ليكتبَ فيها.
(٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾) الكافُ تتعلَّق (٢) بـ ﴿نُّعِيدُهُ﴾ و «ما» مصدريَّة، و ﴿بَدَأْنَا﴾ صلتُها، و ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعولُ ﴿بَدَأْنَا﴾ قاله أبو البقاء، أي: نعيد أولَ خَلْق إعادةً مثلَ بداءتنا (٣) له، أي: كما أبرزناه مِنَ العدم إلى الوجود نعيدُه مِنَ العدم إلى الوجود، وقد اختُلف في كيفيَّة الإعادة؛ فقيل: إنَّ الله يفرِّقُ أجزاء الأجسام ولا يَعْدِمها ثم يُعيدُ تركيبَها، أو يَعْدِمُها بالكلية ثم يُوجدُها بعينها، والآية تدُلُّ على ذلك؛ لأنَّه شبَّه الإعادة بالابتداء، وهو عن الوجود بعد العدم (﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) الإعادةُ، وقيل: المراد: حقًّا علينا؛ بسبب الإخبار عن ذلك، وتعلَّق العِلم بوقوعه، فإنَّ (٤) وقوع ما عَلِمَ الله وقوعَه واجبٌ، وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ، وكذا «﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾» (٥).