«أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٤٤

الحديث رقم ٤٧٤٤ من كتاب «سورة الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هذان خصمان اختصموا في ربهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٤٤ في صحيح البخاري

«أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.

سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ

قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ، ﴿قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خَائِفِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بَعِيدٌ بَعِيدٌ، ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الْمَلَائِكَةَ، ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ لَعَادِلُونَ، ﴿كَالِحُونَ﴾ عَابِسُونَ. ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ الْوَلَدُ وَالنُّطْفَةُ السُّلَالَةُ. وَالْجِنَّةُ وَالْجُنُونُ وَاحِدٌ، وَالْغُثَاءُ الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَنِ الْمَاءِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.

سُورَةُ النُّورِ

﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ، ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ الضِّيَاءُ، ﴿مُذْعِنِينَ﴾ يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي: مُذْعِنٌ، ﴿أَشْتَاتًا﴾ وَشَتَّى وَشَتَاتٌ وَشَتٌّ وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ بَيَّنَّاهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الْأُخْرَى، فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآنًا. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ: الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، أَيْ مَا جُمِعَ فِيهِ فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ، وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ اللهُ، وَيُقَالُ: لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ تَأْلِيفٌ، وَسُمِّيَ الْفُرْقَانَ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ، أَيْ لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا، وَقَالَ: فَرَّضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ: فَرَضْنَاهَا يَقُولُ: فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ لَمْ يَدْرُوا لِمَا بِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾

إسناد حديث رقم ٤٧٤٤ من صحيح البخاري

٤٧٤٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٤٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

موقوفًا عليه، وقد وصله أبو هاشمٍ في رواية الثوريِّ وهُشيم إلى أبي ذرٍّ كما مرَّ قريبًا، والحكمُ للواصل إذا كان حافظًا على ما لا يخفى، والثوريُّ أحفظُ مِن منصورٍ، فتُقدَّمُ روايتُه.

٤٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان -بالخاء المعجمة- التيميَّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ) لاحقٌ السَّدُوسيُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أبي طالب» أنَّه (قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو) بالجيم، أي: يجلس على ركبتيه (بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ قَيْسٌ) هو ابنُ عُبَاد مِن قوله موقوفًا عليه: (وَفِيهِمْ) أي: في حمزةَ وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه (نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ) بنُ عبدِ المطلب (وَعُبَيْدَةُ) بنُ الحارث بن عبد المطلب، والثلاثةُ مسلمونَ (وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ) بنِ عبدِ شمسٍ (وَ) أخوه (عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ) المذكور.

ومقتضى رواية سليمان بن طرخان هذه الاقتصارُ على قوله: «أنا أوَّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة» فقط، كما أنَّ مقتضى رواية أبي هاشم السابقة قريبًا [خ¦٤٧٤٣]: الاقتصار على سبب النزول، فليس في رواية قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ وعليٍّ اختلافٌ عليه، لكن أخرج النَّسائيُّ من طريق يوسفَ (١) بن يعقوبَ عن سليمانَ التيميِّ بهذا الإسناد إلى عليٍّ، قال: «فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يومَ بدرٍ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾» وزاد أبو نُعيم في «مستخرجه» ما في رواية مُعتَمِر بنِ سليمانَ؛ وهو قولُه: «أنا أوَّل من يجثو» وكذا أخرجه الحاكم من طريق أبي جعفرٍ الرازيِّ، ورواه عبدُ بنُ حميدٍ عن يزيد بن هارون، وعن حماد بن مسعدة، كلاهُما عن سليمانَ التَّيميِّ كرواية مُعتَمِرٍ، فإنْ كان محفوظًا فيكون الحديث عند قيسٍ عن أبي ذرٍّ وعن

عليٍّ معًا؛ بدليل اختلاف سياقِهِما، قاله في «الفتح».

وقد رُوِيَ: أنَّ الآية نزلتْ في أهل الكتاب والمسلمين، قال أهل الكتاب: نحن أحقُّ بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكُم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمنا بمحمَّدٍ وآمنا بنبيِّكم وما أنزل الله من كتاب، فأفلج الله الإسلام على مَن ناوأه وأنزل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ قاله قتادة بنحوه، وقال عِكرمةُ: «هما الجنَّة والنَّار، قالت النَّار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنَّة: خلقني الله لرحمته، فقصَّ اللهُ على محمَّدٍ خبرَهما» وخصوصُ السببِ لا يمنَعُ العمومَ في نظير ذلك السبب، وقول (١) عطاء ومجاهد: إنَّ المراد الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوالَ كلَّها، وينتظم فيه قِصَّةَ بدرٍ وغيرها.

تم الجزء العاشر من كتاب: «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري».

يليه الجزء الحادي عشر مبتدئًا بـ «سورة المؤمنين» من «كتاب تفسير القرآن» (٢).

(((٢٣))) (سورة المُؤْمِنِينَ) بالياء (١)، وفي نسخة «سورة المؤمنون» بالواو (٢) مكِّيَّة، مئة وتسع عشرة آيةً في البصريِّ، وثمان عشرة في الكوفيِّ.

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ ممَّا (١) وصله في «تفسيره» من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ﴾ (﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) أي: (سَبْعَ سَمَوَاتٍ) سُمِّيت (٢) طرائق؛ لتطارقها، وهو أنَّ بعضَها فوق بعضٍ، يقال: طارقَ (٣) النعل إذا أطبق نعلًا على نعل، وطارق بين الثوبين إذا لبس ثوبًا على ثوب، قاله الخليل والزَّجَّاج والفرَّاء، أو لأنَّها طرق الملائكة في العروج والهبوط، قاله عليُّ بنُ عيسى، وقيل: لأنَّها طرق الكواكب في مسيرها (٤)، والوجه في إنعامه علينا بذلك: أنَّه جعلها موضعًا لأرزاقنا بإنزال الماء منها، وجعلها مقرًّا للملائكة، ولأنَّها موضع الثواب، ومكان إرسال الأنبياء، ونزول الوحي.

(﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أي: (سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ) قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ، وضميرُ ﴿لَهَا﴾ يرجعُ إلى ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ لتقدُّمِها (٥) في اللفظ، و «اللَّام» قيل: بمعنى «إلى»، يقال: سبقت له وإليه، بمعنًى، ومفعول ﴿سَابِقُونَ﴾ محذوفٌ تقديرُه: سابقون الناسَ إليها، وقيل: اللَّام للتعليل، أي: سابقون (٦) الناس (٧) لأجلها، وسقط هذا لأبي ذرٍّ.

(﴿قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]) قال ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم أي: (خَائِفِينَ) ألَّا يُقبل منهم ما آتوا مِنَ الصدقات، وهذا ثابت لأبي ذرٍّ عن المُستملي.

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة: (﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]) بالفتح من غير تنوينٍ لغةُ الحجازيين، بني لوقوعه (٨) موقع

المبني أو لشبهه بالحرف (١)، أي: (بَعِيدٌ بَعِيدٌ).

قال في «المصابيح»: المعروف عند النُّحاة أنَّها اسمُ فعلٍ، أي: سُمِّيَ بها الفعلُ الذي هو بَعُدَ، وهذا تحقيقٌ لكونها (٢) اسمًا، مع أنَّ مدلوله وقوعُ البعد في الزمن الماضي، والمعنى: أنَّ دلالته على معنى «بَعُدَ» ليست من حيث إنَّه موضوعٌ لذلك المعنى ليكون فعلًا، بل من حيث إنَّه موضوعٌ لفعلٍ (٣) دالٍّ على «بُعْد» يقترن بالزمان الماضي؛ وهو «بَعُدَ»، كوضعِ سائر الأسماء لمدلولاتها. انتهى. وفسَّره الزَّجاج في ظاهر عبارته بالمصدر، فقال: البُعد لما توعدون، أو بُعْدٌ لما توعدون (٤)، فظاهرها أنَّه مصدرٌ بدليل عطف الفعل عليه (٥)، ويمكن أن يكون فسَّر المعنى فقط، وجمهور القرَّاء على فتح التاء من غير تنوينٍ فيهما، وهي لغةُ الحجازيين، وإنَّما بَنَوه لشبهِهِ بالحرف، وفيه لُغات تزيد على الأربعين، وكُرِّر للتوكيد، وليست المسألة من التنازع، قال جرير:

فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهلُهُ … وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُواصِلُه

(﴿فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣]) أي: (المَلَائِكَةَ) يعني: الذين يحفظون أعمال بني آدم ويُحْصُونها عليهم، وهذا قولُ عِكرمَة، وقيل: الملائكة الذين يعدُّون أيام الدنيا، وقيل: المعنى: سَلْ مَن يعرف عدد ذلك، فإنَّا نسيناه.

(﴿لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤]) ولأبي ذرٍّ: «قال ابن عبَّاس: ﴿لَنَاكِبُونَ﴾» أي (٦): (لَعَادِلُونَ) عن الصراط السويِّ.

(﴿كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]) أي: (عَابِسُونَ) وفي حديث أبي سعيد الخدريِّ مرفوعًا: «تَشْويهِ النارُ، فتقلَّص شفتَه العليا، وتسترخي السفلى» رواه الحاكم.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ وثبت: «وقال غيره» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره (١) (﴿مِن سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]: الوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ: السُّلَالَةُ) لأنَّه استُلَّ مِن أبيه، وهو مثل البُرادة والنُّحاتة لما يتساقط من الشيء بالبَرْدِ والنَّحْت، وقال الكِرمانيُّ: ليس الولد تفسيرًا للسلالة، بل مبتدأٌ خبرُه: السلالة، وهي «فُعالة»، وهو بناءٌ يدُلُّ على القِلَّة؛ كالقُلامة.

(وَالجِنَّةُ) في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] (وَالجُنُونُ وَاحِدٌ) في المعنى، وقيل: كانوا يعلمون بالضرورة أنَّه أرجحُهم عقلًا، وأثقبُهم نظرًا، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة الجامعة؟!

(وَالغُثَاءُ) في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء﴾ [المؤمنون: ٤١] هو (الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَنِ المَاءِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) وهو مِن «غَثَا الوادي يَغْثُو غَثْوًا» بالواو، وأمَّا «غَثَتْ نفسُه تَغْثِي غَثَيانًا» -أي: خبث-؛ فهو قريب من معناه، ولكنَّه من مادة الياء.

(﴿يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]) أي: (يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُم) بالاستغاثة والضجيج (كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ) لشِدَّة ما نالهَم.

(﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٦]) يقال: (رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: أدبر؛ يعني: أنَّهم مُدبرونَ (٢) عن سماعِ الآيات.

(﴿سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧]) نُصِبَ على الحال من فاعل ﴿تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أو مِنَ الضمير في ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، مأخوذٌ (مِنَ السَّمَرِ) وهو سهرُ الليل، وهو ما يقع (٣) على

الشجر مِن ضوء القمر فيجلسون إليه يتحدَّثون مستأنسين به، قال:

كأنْ لم يكنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا … أنيسٌ وَلم يَسْمُرْ بمكَّةَ سامرُ

وقال الراغب: السَّامرُ: الليل المظلم (والجَمِيعُ (١): السُّمَّارُ) بوزن الجُمَّار (وَالسَّامِرُ هَهُنَا فِي مَوْضِعِ الجَمْعِ) وهو الأفصحُ، تقول: قومٌ سامرٌ، ونظيرُه: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].

(﴿تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]) أي: فكيف (تَعْمُونَ مِنَ السِّحْرِ) حتى يُخيَّلَ لكم الحقُّ باطلًا، مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلَّة، وثبت من قوله: «﴿تَجْأَرُونَ﴾ … » إلى هنا في رواية النسفيِّ، وسقط لغيره، كما نبَّه عليه في «الفتح».

(((٢٤))) (سُورَةُ النُّورِ) مدنيَّة، وهي ثنتان أو أربع وستونَ آيةً.

(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ، وفي بعض النسخ ثبوتُها مقدمةً على السورة.

(﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] أي: فترى المطر يخرُجُ (مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ) و «خِلال» مفرد كـ «حِجاب»، أو جمع كـ «الجبال» جمع جبل.

(﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور: ٤٣] وَهُوَ الضِّيَاءُ) يقال: سَنا يسنُو سنًا (١)، أي: أضاءَ يُضِيءُ، قال امرؤ القيس:

يُضيءُ سناهُ أو مصابيحُ راهبٍ ..........................

والسَّناء -بالمدِّ- الرِّفعة، والمعنى هنا: يكادُ ضوءُ بَرْقِ السَّحاب يذهبُ بالأبصار مِن شِدَّةِ ضوئِه، والبرقُ الذي صفتُه كذلك لا بُدَّ وأن يكونَ نارًا عظيمةً خالصةً، والنَّار ضدُّ الماء والبرد، فظهورُه يقتضي ظهورَ الضدِّ مِنَ الضدِّ، وذلك لا يمكن إلَّا بقدرة قادرٍ حكيمٍ، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «وهو» من قوله: «وهو الضياء» (٢).

(﴿مُذْعِنِينَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] (يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي) بالخاء والذال المعجمتين؛ اسمُ فاعلٍ منِ استخذى، أي: خَضَعَ: (مُذْعِنٌ) بالذال المعجمة، أي: منقادٌ، يريد: إن كان لهمُ الحُكمُ لا عليهم يأتوا إليه مُنقادينَ؛ لِعلمِهِم بأنَّه يُحكَمُ لهم.

(﴿أَشْتَاتًا﴾ وَشَتَّى) بتشديد التاء (وَشَتَاتٌ) بتخفيفها (وَشَتٌّ) بتشديدها (وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده: ما في قوله (٣) تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] و ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن فاعل ﴿تَأْكُلُوا﴾ و ﴿أَشْتَاتًا﴾ عطفٌ عليه، والأكثرون على أنَّ الآية نزلت في بني ليث بن عمرو، حيٍّ مِن كِنانة، كانوا يتحرَّجون أن يأكلَ الرجلُ وحدَه، فيمكثُ يومَه حتى يجدَ ضيفًا يأكلُ معه، فإن لم يجد مَن يؤاكِلُه لم يأكلْ شيئًا، وربَّما قعدَ الرَّجلُ والطعامُ بين يديه مِنَ الصباح إلى الرواح، فنزلت هذه الآية، فرُخِّص لهم (٤) أن يأكلوا كيف شاؤوا، جميعًا: مجتمعين، أو أشتاتًا: متفرِّقين.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عنه (١) في قوله عالى: (﴿سورة أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]) أي: (بَيَّنَّاهَا) قال الزَّركشيُّ -تَبَعًا للقاضي عِياضٍ-: كذا في النسخ، والصوابُ: ﴿أَنزَلْنَاهَا (٢) وَفَرَضْنَاهَا﴾: بيَّنَّاها، فـ «بيِّنَّاها» تفسيرُ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ لا تفسير ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ (٣)، ويدلُّ عليه قولُه بعدَ هذا: ويقالُ في ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ (٤): أنزلنا فيها فرائض مختلفة، فإنَّه يدُلُّ على أنَّه تقدَّم له تفسيرٌ آخر. انتهى. وتعقَّب الزركشيُّ صاحب «المصابيح» فقال: يا عجبًا لهذا الرجل وتقويله لابن عبَّاس ما لم يَقُلْه، فالبخاريُّ نقل عنِ ابن عبَّاسٍ تفسير ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ ببيَّنَّاها، وهو نقلٌ صحيحٌ، ذكره الحافظ (٥) مغلطاي من طريق ابن المنذر بسندِه إلى ابن عبَّاسٍ، فما هذا الاعتراض البارد؟! انتهى. وقد روى الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يقول: بيَّنَّاها، قال في «الفتح» وهو يؤيِّدُ قولَ عياضٍ.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (سُمِّيَ القُرْآنُ؛ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ) بفتح الجيم والعين وتاء التأنيث، و «السور» مجرورٌ بالإضافة، ويجوزُ كسر الجيم والعين وهاء الضمير لجِماعِه، و «السور» نصبٌ مفعولٌ لـ «جماعه» (وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ؛ لأَنَّهَا) منزلةٌ بعدَ منزلةٍ (مَقْطُوعَةٌ مِنَ (٦) الأُخْرَى) والجمع سُوَر بفتح الواو، وقال الراعي:

سُودُ المحاجرِ لا يقرأنَ بالسُّوَرِ

وفيها لغتان: الهمز وتركه، فبتركه: هي المنزلةُ مِن منازل الارتفاع، ومِن ثَمَّ (٧) سمِّيَ سُورُ البلدِ، لارتفاعه على ما يحويه، ومنه قولُ النابغة:

ألم ترَ أنَّ اللهَ أعطاكَ سُورةً … ترى كلَّ مَلْكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ

يعني: منزلة من منازل الشَّرف التي (١) قصُرَت عنها منازل الملوك، فسُمِّيت سورة (٢)؛ لارتفاعها وعلوِّ قدرها، وبالهمز: القطعة التي فصلت من القرآن عما سواها وأبقيت منه؛ لأنَّ سؤر كلِّ شيءٍ بقيتُه بعد ما يُؤخَذ منه (فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ؛ سُمِّيَ) المجموعُ (قُرْآنًا) قال أبو عبيدةَ: سُمِّي القرآنُ؛ لأنَّه يَجمع السور فيضمُّها.

(وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ) بسكون (٣) العين (الثُّمَالِيُّ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم نسبةً إلى ثُمالة؛ قبيلةٌ مِن الأزد، الكوفيُّ التَّابعيُّ، ممَّا وصله ابنُ شاهين من طريقه: (المِشْكَاةُ) هي (الكَُوَّةُ) بضمِّ الكاف وفتحِها وتشديد الواو؛ هي (٤) الطَّاقة غير النافذة (٥) (بِلِسَانِ الحَبَشَةِ) ثمَّ عُرِّب، وقال مجاهدٌ: هي القنديل؛ وقيل: هي الأنبوبة في (٦) وسط القنديل.

وقوله تعالى: (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾) أي: (تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٨]) أي: (فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ؛ أَيْ: مَا جُمِعَ فِيهِ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ) اللهُ فيه (وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ اللهُ) عنه (٧)، وسقطت الجلالةُ لأبي ذرٍّ، وفي الأوَّل للكلِّ (وَيُقَالُ: لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ: تَأْلِيفٌ، وَسُمِّيَ الفُرْقَانَ) بالنصب (لأَنَّهُ يُفَرِّقُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الفاء وتشديد الراء مكسورةً (٨) (بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ) بفتح السِّين المهملة منوَّنًا مِن غير همزٍ؛ وهي الجلدةُ الرقيقةُ التي يكونُ فيها الولد (أَيْ: لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا) والحاصلُ: أنَّ القُرآن عنده مشتقٌّ مِن «قرأ» بمعنى: جَمَعَ، لا مِن «قرأ» بمعنى: تَلَا.

(وَقَالَ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]) بتشديد الرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «ويقال في ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾» أي: (أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً) فالتشديد لتكثير المفروض (١)، وقيل: للمبالغة في الإيجاب (وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾) بالتَّخفيف، وهي قراءة غير أبي عمرٍو وابن كثير (يَقُولُ): المعنى: (فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ) أي: فرضناها، فأسقط الضمير (وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ) إلى يوم القيامة، والسورة لا يمكن فرضها؛ لأنَّها قد دخلت في الوجود، وتحصيل الحاصل محالٌ، فوجب أن يكون المراد: فرضنا ما بُيِّنَ فيها مِنَ الأحكام.

(قَالَ) ولأبي ذر: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله: (﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١]) أي: (لَمْ يَدْرُوا) بسكون الدال العورةَ من غيرها (لِمَا بِهِمْ) أي: لأجل ما بهم (مِنَ الصِّغَرِ) وقال الفرَّاء والزَّجَّاج: لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء، وقيل: لم يبلغوا حدَّ الشهوة، والطفل: يُطلق على المثنى والجمع، فلذا وصف بالجمع، أو لمَّا قُصِدَ به الجنس؛ رُوِعيَ فيه الجمعُ.

(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) بفتح المعجمة فيما وصله الطبريُّ: (﴿أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]) هو (مَنْ لَيْسَ لَهُ إِرْبٌ) بكسر الهمزة، أي: حاجةُ النساء، وهم الشيوخُ الهِمُّ والممسوخون، وقال ابن جُبير: المعتوه، وقال ابن عبَّاس: المغفل (٢) الذي لا شهوة له (٣)، وقال مجاهد: المخنَّث الذي لا يقوم ذَكَرُه.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ، هو الذي (لا يُهِمُّهُ إلَّا بَطْنُهُ، وَلَا يَخَافُ عَلَى النِّسَاءِ) لبَلَهِه (وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصله عبد الرَّزَّاق عن أبيه (٤): (هُوَ الأَحْمَقُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ) وقيل: هو الذي لا تشتهيه المرأة، وثبت من قوله: «وقال الشَّعبيُّ … » إلى هنا للنسفيِّ، وسقط من فرع «اليونينية» كأصله (٥) كبعض الأصول.

(١) (بَابُ قَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾) يقذفون أزواجهم بالزنا (١) (﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء﴾) يشهدون (٢) على ذلك (٣) (﴿إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ﴾) فالواجبُ شهادةُ (﴿أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾) بنصبِ «أربعَ» على المصدر، وحفص وحمزة والكسائي برفعها خبرُ المبتدأ، وهو قوله: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ (﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]) فيما رماها به مِنَ الزِّنا، قال ابنُ كثيرٍ: وهذه الآيةُ فيها فرجٌ للأزواج وزيادةُ مَخْرَجٍ، إذا قَذَفَ أحدُهم زوجتَه وعَسُرَ عليه إقامةُ البيِّنة أن يلاعنها (٤)، وثبت التبويب لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿شُهَدَاء﴾: «الآيةَ» وأسقط باقيها.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

موقوفًا عليه، وقد وصله أبو هاشمٍ في رواية الثوريِّ وهُشيم إلى أبي ذرٍّ كما مرَّ قريبًا، والحكمُ للواصل إذا كان حافظًا على ما لا يخفى، والثوريُّ أحفظُ مِن منصورٍ، فتُقدَّمُ روايتُه.

٤٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان -بالخاء المعجمة- التيميَّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ) لاحقٌ السَّدُوسيُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن أبي طالب» أنَّه (قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو) بالجيم، أي: يجلس على ركبتيه (بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ قَيْسٌ) هو ابنُ عُبَاد مِن قوله موقوفًا عليه: (وَفِيهِمْ) أي: في حمزةَ وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه (نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ) بنُ عبدِ المطلب (وَعُبَيْدَةُ) بنُ الحارث بن عبد المطلب، والثلاثةُ مسلمونَ (وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ) بنِ عبدِ شمسٍ (وَ) أخوه (عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ) المذكور.

ومقتضى رواية سليمان بن طرخان هذه الاقتصارُ على قوله: «أنا أوَّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة» فقط، كما أنَّ مقتضى رواية أبي هاشم السابقة قريبًا [خ¦٤٧٤٣]: الاقتصار على سبب النزول، فليس في رواية قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ وعليٍّ اختلافٌ عليه، لكن أخرج النَّسائيُّ من طريق يوسفَ (١) بن يعقوبَ عن سليمانَ التيميِّ بهذا الإسناد إلى عليٍّ، قال: «فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يومَ بدرٍ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾» وزاد أبو نُعيم في «مستخرجه» ما في رواية مُعتَمِر بنِ سليمانَ؛ وهو قولُه: «أنا أوَّل من يجثو» وكذا أخرجه الحاكم من طريق أبي جعفرٍ الرازيِّ، ورواه عبدُ بنُ حميدٍ عن يزيد بن هارون، وعن حماد بن مسعدة، كلاهُما عن سليمانَ التَّيميِّ كرواية مُعتَمِرٍ، فإنْ كان محفوظًا فيكون الحديث عند قيسٍ عن أبي ذرٍّ وعن

عليٍّ معًا؛ بدليل اختلاف سياقِهِما، قاله في «الفتح».

وقد رُوِيَ: أنَّ الآية نزلتْ في أهل الكتاب والمسلمين، قال أهل الكتاب: نحن أحقُّ بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكُم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمنا بمحمَّدٍ وآمنا بنبيِّكم وما أنزل الله من كتاب، فأفلج الله الإسلام على مَن ناوأه وأنزل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ قاله قتادة بنحوه، وقال عِكرمةُ: «هما الجنَّة والنَّار، قالت النَّار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنَّة: خلقني الله لرحمته، فقصَّ اللهُ على محمَّدٍ خبرَهما» وخصوصُ السببِ لا يمنَعُ العمومَ في نظير ذلك السبب، وقول (١) عطاء ومجاهد: إنَّ المراد الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوالَ كلَّها، وينتظم فيه قِصَّةَ بدرٍ وغيرها.

تم الجزء العاشر من كتاب: «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري».

يليه الجزء الحادي عشر مبتدئًا بـ «سورة المؤمنين» من «كتاب تفسير القرآن» (٢).

(((٢٣))) (سورة المُؤْمِنِينَ) بالياء (١)، وفي نسخة «سورة المؤمنون» بالواو (٢) مكِّيَّة، مئة وتسع عشرة آيةً في البصريِّ، وثمان عشرة في الكوفيِّ.

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ ممَّا (١) وصله في «تفسيره» من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ﴾ (﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) أي: (سَبْعَ سَمَوَاتٍ) سُمِّيت (٢) طرائق؛ لتطارقها، وهو أنَّ بعضَها فوق بعضٍ، يقال: طارقَ (٣) النعل إذا أطبق نعلًا على نعل، وطارق بين الثوبين إذا لبس ثوبًا على ثوب، قاله الخليل والزَّجَّاج والفرَّاء، أو لأنَّها طرق الملائكة في العروج والهبوط، قاله عليُّ بنُ عيسى، وقيل: لأنَّها طرق الكواكب في مسيرها (٤)، والوجه في إنعامه علينا بذلك: أنَّه جعلها موضعًا لأرزاقنا بإنزال الماء منها، وجعلها مقرًّا للملائكة، ولأنَّها موضع الثواب، ومكان إرسال الأنبياء، ونزول الوحي.

(﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾) في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أي: (سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ) قاله ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ، وضميرُ ﴿لَهَا﴾ يرجعُ إلى ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ لتقدُّمِها (٥) في اللفظ، و «اللَّام» قيل: بمعنى «إلى»، يقال: سبقت له وإليه، بمعنًى، ومفعول ﴿سَابِقُونَ﴾ محذوفٌ تقديرُه: سابقون الناسَ إليها، وقيل: اللَّام للتعليل، أي: سابقون (٦) الناس (٧) لأجلها، وسقط هذا لأبي ذرٍّ.

(﴿قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]) قال ابن عبَّاس فيما وصله ابن أبي حاتم أي: (خَائِفِينَ) ألَّا يُقبل منهم ما آتوا مِنَ الصدقات، وهذا ثابت لأبي ذرٍّ عن المُستملي.

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة: (﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]) بالفتح من غير تنوينٍ لغةُ الحجازيين، بني لوقوعه (٨) موقع

المبني أو لشبهه بالحرف (١)، أي: (بَعِيدٌ بَعِيدٌ).

قال في «المصابيح»: المعروف عند النُّحاة أنَّها اسمُ فعلٍ، أي: سُمِّيَ بها الفعلُ الذي هو بَعُدَ، وهذا تحقيقٌ لكونها (٢) اسمًا، مع أنَّ مدلوله وقوعُ البعد في الزمن الماضي، والمعنى: أنَّ دلالته على معنى «بَعُدَ» ليست من حيث إنَّه موضوعٌ لذلك المعنى ليكون فعلًا، بل من حيث إنَّه موضوعٌ لفعلٍ (٣) دالٍّ على «بُعْد» يقترن بالزمان الماضي؛ وهو «بَعُدَ»، كوضعِ سائر الأسماء لمدلولاتها. انتهى. وفسَّره الزَّجاج في ظاهر عبارته بالمصدر، فقال: البُعد لما توعدون، أو بُعْدٌ لما توعدون (٤)، فظاهرها أنَّه مصدرٌ بدليل عطف الفعل عليه (٥)، ويمكن أن يكون فسَّر المعنى فقط، وجمهور القرَّاء على فتح التاء من غير تنوينٍ فيهما، وهي لغةُ الحجازيين، وإنَّما بَنَوه لشبهِهِ بالحرف، وفيه لُغات تزيد على الأربعين، وكُرِّر للتوكيد، وليست المسألة من التنازع، قال جرير:

فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ وأهلُهُ … وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُواصِلُه

(﴿فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣]) أي: (المَلَائِكَةَ) يعني: الذين يحفظون أعمال بني آدم ويُحْصُونها عليهم، وهذا قولُ عِكرمَة، وقيل: الملائكة الذين يعدُّون أيام الدنيا، وقيل: المعنى: سَلْ مَن يعرف عدد ذلك، فإنَّا نسيناه.

(﴿لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤]) ولأبي ذرٍّ: «قال ابن عبَّاس: ﴿لَنَاكِبُونَ﴾» أي (٦): (لَعَادِلُونَ) عن الصراط السويِّ.

(﴿كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]) أي: (عَابِسُونَ) وفي حديث أبي سعيد الخدريِّ مرفوعًا: «تَشْويهِ النارُ، فتقلَّص شفتَه العليا، وتسترخي السفلى» رواه الحاكم.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ وثبت: «وقال غيره» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره (١) (﴿مِن سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]: الوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ: السُّلَالَةُ) لأنَّه استُلَّ مِن أبيه، وهو مثل البُرادة والنُّحاتة لما يتساقط من الشيء بالبَرْدِ والنَّحْت، وقال الكِرمانيُّ: ليس الولد تفسيرًا للسلالة، بل مبتدأٌ خبرُه: السلالة، وهي «فُعالة»، وهو بناءٌ يدُلُّ على القِلَّة؛ كالقُلامة.

(وَالجِنَّةُ) في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] (وَالجُنُونُ وَاحِدٌ) في المعنى، وقيل: كانوا يعلمون بالضرورة أنَّه أرجحُهم عقلًا، وأثقبُهم نظرًا، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة الجامعة؟!

(وَالغُثَاءُ) في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء﴾ [المؤمنون: ٤١] هو (الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَنِ المَاءِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) وهو مِن «غَثَا الوادي يَغْثُو غَثْوًا» بالواو، وأمَّا «غَثَتْ نفسُه تَغْثِي غَثَيانًا» -أي: خبث-؛ فهو قريب من معناه، ولكنَّه من مادة الياء.

(﴿يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]) أي: (يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُم) بالاستغاثة والضجيج (كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ) لشِدَّة ما نالهَم.

(﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٦]) يقال: (رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: أدبر؛ يعني: أنَّهم مُدبرونَ (٢) عن سماعِ الآيات.

(﴿سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧]) نُصِبَ على الحال من فاعل ﴿تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أو مِنَ الضمير في ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، مأخوذٌ (مِنَ السَّمَرِ) وهو سهرُ الليل، وهو ما يقع (٣) على

الشجر مِن ضوء القمر فيجلسون إليه يتحدَّثون مستأنسين به، قال:

كأنْ لم يكنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا … أنيسٌ وَلم يَسْمُرْ بمكَّةَ سامرُ

وقال الراغب: السَّامرُ: الليل المظلم (والجَمِيعُ (١): السُّمَّارُ) بوزن الجُمَّار (وَالسَّامِرُ هَهُنَا فِي مَوْضِعِ الجَمْعِ) وهو الأفصحُ، تقول: قومٌ سامرٌ، ونظيرُه: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].

(﴿تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]) أي: فكيف (تَعْمُونَ مِنَ السِّحْرِ) حتى يُخيَّلَ لكم الحقُّ باطلًا، مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلَّة، وثبت من قوله: «﴿تَجْأَرُونَ﴾ … » إلى هنا في رواية النسفيِّ، وسقط لغيره، كما نبَّه عليه في «الفتح».

(((٢٤))) (سُورَةُ النُّورِ) مدنيَّة، وهي ثنتان أو أربع وستونَ آيةً.

(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتتِ البسملةُ لأبي ذرٍّ، وفي بعض النسخ ثبوتُها مقدمةً على السورة.

(﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾) في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] أي: فترى المطر يخرُجُ (مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ) و «خِلال» مفرد كـ «حِجاب»، أو جمع كـ «الجبال» جمع جبل.

(﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور: ٤٣] وَهُوَ الضِّيَاءُ) يقال: سَنا يسنُو سنًا (١)، أي: أضاءَ يُضِيءُ، قال امرؤ القيس:

يُضيءُ سناهُ أو مصابيحُ راهبٍ ..........................

والسَّناء -بالمدِّ- الرِّفعة، والمعنى هنا: يكادُ ضوءُ بَرْقِ السَّحاب يذهبُ بالأبصار مِن شِدَّةِ ضوئِه، والبرقُ الذي صفتُه كذلك لا بُدَّ وأن يكونَ نارًا عظيمةً خالصةً، والنَّار ضدُّ الماء والبرد، فظهورُه يقتضي ظهورَ الضدِّ مِنَ الضدِّ، وذلك لا يمكن إلَّا بقدرة قادرٍ حكيمٍ، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «وهو» من قوله: «وهو الضياء» (٢).

(﴿مُذْعِنِينَ﴾) في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] (يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي) بالخاء والذال المعجمتين؛ اسمُ فاعلٍ منِ استخذى، أي: خَضَعَ: (مُذْعِنٌ) بالذال المعجمة، أي: منقادٌ، يريد: إن كان لهمُ الحُكمُ لا عليهم يأتوا إليه مُنقادينَ؛ لِعلمِهِم بأنَّه يُحكَمُ لهم.

(﴿أَشْتَاتًا﴾ وَشَتَّى) بتشديد التاء (وَشَتَاتٌ) بتخفيفها (وَشَتٌّ) بتشديدها (وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده: ما في قوله (٣) تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] و ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن فاعل ﴿تَأْكُلُوا﴾ و ﴿أَشْتَاتًا﴾ عطفٌ عليه، والأكثرون على أنَّ الآية نزلت في بني ليث بن عمرو، حيٍّ مِن كِنانة، كانوا يتحرَّجون أن يأكلَ الرجلُ وحدَه، فيمكثُ يومَه حتى يجدَ ضيفًا يأكلُ معه، فإن لم يجد مَن يؤاكِلُه لم يأكلْ شيئًا، وربَّما قعدَ الرَّجلُ والطعامُ بين يديه مِنَ الصباح إلى الرواح، فنزلت هذه الآية، فرُخِّص لهم (٤) أن يأكلوا كيف شاؤوا، جميعًا: مجتمعين، أو أشتاتًا: متفرِّقين.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عنه (١) في قوله عالى: (﴿سورة أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]) أي: (بَيَّنَّاهَا) قال الزَّركشيُّ -تَبَعًا للقاضي عِياضٍ-: كذا في النسخ، والصوابُ: ﴿أَنزَلْنَاهَا (٢) وَفَرَضْنَاهَا﴾: بيَّنَّاها، فـ «بيِّنَّاها» تفسيرُ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ لا تفسير ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ (٣)، ويدلُّ عليه قولُه بعدَ هذا: ويقالُ في ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ (٤): أنزلنا فيها فرائض مختلفة، فإنَّه يدُلُّ على أنَّه تقدَّم له تفسيرٌ آخر. انتهى. وتعقَّب الزركشيُّ صاحب «المصابيح» فقال: يا عجبًا لهذا الرجل وتقويله لابن عبَّاس ما لم يَقُلْه، فالبخاريُّ نقل عنِ ابن عبَّاسٍ تفسير ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ ببيَّنَّاها، وهو نقلٌ صحيحٌ، ذكره الحافظ (٥) مغلطاي من طريق ابن المنذر بسندِه إلى ابن عبَّاسٍ، فما هذا الاعتراض البارد؟! انتهى. وقد روى الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يقول: بيَّنَّاها، قال في «الفتح» وهو يؤيِّدُ قولَ عياضٍ.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (سُمِّيَ القُرْآنُ؛ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ) بفتح الجيم والعين وتاء التأنيث، و «السور» مجرورٌ بالإضافة، ويجوزُ كسر الجيم والعين وهاء الضمير لجِماعِه، و «السور» نصبٌ مفعولٌ لـ «جماعه» (وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ؛ لأَنَّهَا) منزلةٌ بعدَ منزلةٍ (مَقْطُوعَةٌ مِنَ (٦) الأُخْرَى) والجمع سُوَر بفتح الواو، وقال الراعي:

سُودُ المحاجرِ لا يقرأنَ بالسُّوَرِ

وفيها لغتان: الهمز وتركه، فبتركه: هي المنزلةُ مِن منازل الارتفاع، ومِن ثَمَّ (٧) سمِّيَ سُورُ البلدِ، لارتفاعه على ما يحويه، ومنه قولُ النابغة:

ألم ترَ أنَّ اللهَ أعطاكَ سُورةً … ترى كلَّ مَلْكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ

يعني: منزلة من منازل الشَّرف التي (١) قصُرَت عنها منازل الملوك، فسُمِّيت سورة (٢)؛ لارتفاعها وعلوِّ قدرها، وبالهمز: القطعة التي فصلت من القرآن عما سواها وأبقيت منه؛ لأنَّ سؤر كلِّ شيءٍ بقيتُه بعد ما يُؤخَذ منه (فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ؛ سُمِّيَ) المجموعُ (قُرْآنًا) قال أبو عبيدةَ: سُمِّي القرآنُ؛ لأنَّه يَجمع السور فيضمُّها.

(وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ) بسكون (٣) العين (الثُّمَالِيُّ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم نسبةً إلى ثُمالة؛ قبيلةٌ مِن الأزد، الكوفيُّ التَّابعيُّ، ممَّا وصله ابنُ شاهين من طريقه: (المِشْكَاةُ) هي (الكَُوَّةُ) بضمِّ الكاف وفتحِها وتشديد الواو؛ هي (٤) الطَّاقة غير النافذة (٥) (بِلِسَانِ الحَبَشَةِ) ثمَّ عُرِّب، وقال مجاهدٌ: هي القنديل؛ وقيل: هي الأنبوبة في (٦) وسط القنديل.

وقوله تعالى: (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾) أي: (تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٨]) أي: (فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ؛ أَيْ: مَا جُمِعَ فِيهِ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ) اللهُ فيه (وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ اللهُ) عنه (٧)، وسقطت الجلالةُ لأبي ذرٍّ، وفي الأوَّل للكلِّ (وَيُقَالُ: لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ: تَأْلِيفٌ، وَسُمِّيَ الفُرْقَانَ) بالنصب (لأَنَّهُ يُفَرِّقُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الفاء وتشديد الراء مكسورةً (٨) (بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ) بفتح السِّين المهملة منوَّنًا مِن غير همزٍ؛ وهي الجلدةُ الرقيقةُ التي يكونُ فيها الولد (أَيْ: لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا) والحاصلُ: أنَّ القُرآن عنده مشتقٌّ مِن «قرأ» بمعنى: جَمَعَ، لا مِن «قرأ» بمعنى: تَلَا.

(وَقَالَ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]) بتشديد الرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «ويقال في ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾» أي: (أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً) فالتشديد لتكثير المفروض (١)، وقيل: للمبالغة في الإيجاب (وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾) بالتَّخفيف، وهي قراءة غير أبي عمرٍو وابن كثير (يَقُولُ): المعنى: (فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ) أي: فرضناها، فأسقط الضمير (وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ) إلى يوم القيامة، والسورة لا يمكن فرضها؛ لأنَّها قد دخلت في الوجود، وتحصيل الحاصل محالٌ، فوجب أن يكون المراد: فرضنا ما بُيِّنَ فيها مِنَ الأحكام.

(قَالَ) ولأبي ذر: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ في قوله: (﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١]) أي: (لَمْ يَدْرُوا) بسكون الدال العورةَ من غيرها (لِمَا بِهِمْ) أي: لأجل ما بهم (مِنَ الصِّغَرِ) وقال الفرَّاء والزَّجَّاج: لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء، وقيل: لم يبلغوا حدَّ الشهوة، والطفل: يُطلق على المثنى والجمع، فلذا وصف بالجمع، أو لمَّا قُصِدَ به الجنس؛ رُوِعيَ فيه الجمعُ.

(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) بفتح المعجمة فيما وصله الطبريُّ: (﴿أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]) هو (مَنْ لَيْسَ لَهُ إِرْبٌ) بكسر الهمزة، أي: حاجةُ النساء، وهم الشيوخُ الهِمُّ والممسوخون، وقال ابن جُبير: المعتوه، وقال ابن عبَّاس: المغفل (٢) الذي لا شهوة له (٣)، وقال مجاهد: المخنَّث الذي لا يقوم ذَكَرُه.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الطبريُّ، هو الذي (لا يُهِمُّهُ إلَّا بَطْنُهُ، وَلَا يَخَافُ عَلَى النِّسَاءِ) لبَلَهِه (وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصله عبد الرَّزَّاق عن أبيه (٤): (هُوَ الأَحْمَقُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ) وقيل: هو الذي لا تشتهيه المرأة، وثبت من قوله: «وقال الشَّعبيُّ … » إلى هنا للنسفيِّ، وسقط من فرع «اليونينية» كأصله (٥) كبعض الأصول.

(١) (بَابُ قَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾) يقذفون أزواجهم بالزنا (١) (﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء﴾) يشهدون (٢) على ذلك (٣) (﴿إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ﴾) فالواجبُ شهادةُ (﴿أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾) بنصبِ «أربعَ» على المصدر، وحفص وحمزة والكسائي برفعها خبرُ المبتدأ، وهو قوله: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ (﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]) فيما رماها به مِنَ الزِّنا، قال ابنُ كثيرٍ: وهذه الآيةُ فيها فرجٌ للأزواج وزيادةُ مَخْرَجٍ، إذا قَذَفَ أحدُهم زوجتَه وعَسُرَ عليه إقامةُ البيِّنة أن يلاعنها (٤)، وثبت التبويب لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿شُهَدَاء﴾: «الآيةَ» وأسقط باقيها.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله