الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٤٧
الحديث رقم ٤٧٤٧ من كتاب «سورة النور» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٠١⦘
هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ».
﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
٤٧٤٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣ - بَاب ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
٤٧٤٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ؟ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ.
قوله: (بَابُ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي اللِّعَانِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ، وَبَيْنَهُمَا فِي سِيَاقِهِ اخْتِلَافٌ سَأُبَيِّنُهُ هُنَاكَ، وَأَقْتَصِرُ هُنَا عَلَى بَيَانِ الرَّاجِحِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ نُزُولِ آيَاتِ اللِّعَانِ دُونَ أَحْكَامِهِ فَأَذْكُرُهَا فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْهُ، وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى، وَمَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ لِهِشَامٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ طَرِيقَ عِكْرِمَةَ، وَمُسْلِمًا أَخْرَجَ طَرِيقَ ابْنِ سِيرِينَ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْحَمْلُ اخْتِلَافُ السِّيَاقَيْنِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: ضَبَطُوا الْبَيِّنَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ أَيْ أَحْضِرِ الْبَيِّنَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالتَّقْدِيرُ إِمَّا الْبَيِّنَةُ وَإِمَّا حَدٌّ. وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ: أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: حُذِفَ مِنْهُ فَاءُ الْجَوَابِ وَفِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَ إِلَّا وَالتَّقْدِيرُ وَإِلَّا تُحْضِرُهَا فَجَزَاؤُكَ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، قَالَ: وَحَذْفُ مِثْلِ هَذَا لَمْ يَذْكُرِ النُّحَاةُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِلَّا فِي الشِّعْرِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وُرُودُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ
عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ آيَاتِ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ الْمَاضِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُوَيْمِرٍ وَلَفْظُهُ فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَأَمَرَهُمَا بِالْمُلَاعَنَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عُوَيْمِرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ هِلَالٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ هِلَالٌ وَصَادَفَ مَجِيءُ عُوَيْمِرٍ أَيْضًا فَنَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمَا مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ جَنَحَ النَّوَوِيُّ إِلَى هَذَا، وَسَبَقَهُ الْخَطِيبُ فَقَالَ: لَعَلَّهُمَا اتَّفَقَ كَوْنُهُمَا جَاءَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَيُؤَيِّدُ التَّعَدُّدَ أَنَّ الْقَائِلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ، سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّلِهِ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ لُكَاعًا قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهَيِّجَهُ حَتَّى آتِيَ بأَرْبَعَة شُهَدَاءَ، مَا كُنْتُ لِآتِي بِهِمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ، قَالَ: فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْحَدِيثَ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا فِيهِ نَحْوَهُ وَزَادَ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَرَمَى امْرَأَتَهُ الْحَدِيثَ. وَالْقَائِلُ فِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ، عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ: إِنْ أَنَا رَأَيْتُ فَتَكَلَّمْتُ جُلِدْتُ، وَإِنْ سَكَتُّ سَكَتُّ عَلَى غَيْظٍ الْحَدِيثَ، وَلَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْقِصَصُ وَيَتَّحِدَ النُّزُولُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ تُبَيْعٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: لَوْ رَأَيْتَ مَعَ أُمِّ رُومَانَ رَجُلًا مَا كُنْتَ فَاعِلًا بِهِ؟ قَالَ: كُنْتُ فَاعِلًا بِهِ شَرًّا. قَالَ: فَأَنْتَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُولُ لَعَنَ اللَّهُ الْأَبْعَدَ، قَالَ: فَنَزَلَتْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النُّزُولَ سَبَقَ بِسَبَبِ هِلَالٍ، فَلَمَّا جَاءَ عُوَيْمِرٌ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِمَا وَقَعَ لِهِلَالٍ أَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحُكْمِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَفِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ فَيُؤوَّلُ قَوْلُهُ: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ أَيْ وَفِيمَنْ كَانَ مِثْلَكَ وَبِهَذَا أَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ قَالَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي هِلَالٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعُوَيْمِرٍ: وقَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَمَعْنَاهُ مَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى قَالَ: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ الْحَدِيثَ، وَجَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى تَجْوِيزِ نُزُولِ الْآيَةِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَإِنْ بَعُدَتْ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِ الرُّوَاةِ الْحُفَّاظِ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ ذِكْرَ هِلَالٍ فِيمَنْ لَاعَنَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَنْكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ أَخُو الْمُهَلَّبِ وَقَالَ: هُوَ خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُوَيْمِرٌ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ النَّاسُ: هُوَ وَهَمٌ مِنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَعَلَيْهِ دَارَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنْسٍ بِذَلِكَ. وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: كَذَا جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الْقِصَّةُ لِعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ، قَالَ: وَلَكِنْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي حَدِيثِ الْعَجْلَانِيِّ ذِكْرُ شَرِيكٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُبْهَمَاتِهِ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُلَاعَنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ.
ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الْوَاحِدِيِّ أَنَّ أَظْهَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ عُوَيْمِرٌ. وَكَلَامُ الْجَمِيعِ مُتَعَقَّبٌ أَمَّا قَوْلُ ابْنُ أَبِي صُفْرَةَ فَدَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، وَكَيْفَ يُجْزَمُ بِخَطَأِ حَدِيثٍ ثَابِتٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ؟ وَمَا نَسَبَهُ إِلَى الطَّبَرِيِّ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِنَّ ذِكْرَ هِلَالٍ دَارَ عَلَى هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَكَذَا جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ حَسَّانَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، فَقَدْ وَافَقَهُ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَكَذَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَوْصُولًا قَالَ: لَمَّا قَذَفَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ امْرَأَتَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
متحقِّقٌ منها، فلو أكذب الزوج نفسَه؛ ثبت النسب ولزمه الحدُّ، ولم ترتفعِ الحرمةُ المؤبَّدة (ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي المِيرَاثِ أَنْ (١) يَرِثَهَا) ولدُها الذي نفاه زوجُها بالملاعنة (وَتَرِثَ) هي (مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا) والظاهر: أنَّ هذا من قول سهل حيث قال: فتلاعنا … إلى آخره.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة (٢) في قوله: فأنزل الله فيهما (٣).
(٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا﴾) أي: عن المقذوفة (﴿الْعَذَابَ﴾) أي: الحدَّ (﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]) فيما رماني به، وسقط لفظ «باب» لغير أبي (٤) ذرٍّ.
٤٧٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشين
المعجمة المشدَّدة (١) بُندارٌ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّدٌ، واسمُ أبي عديٍّ: إبراهيمُ البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍَ) منصرفٌ (٢) وغير منصرفٍ، الأزديِّ القُرْدُوسيِّ بضمِّ القاف وسكون الراء وضم الدال، البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) أبو عبد الله (٣) البربريُّ مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، الواقِفِيَّ بكسر القاف والفاء، الأنصاريَّ، أحد الثلاثة المتخلفين (٤) عن غزوة تبوك، وتِيبَ عليهم (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) خولَة بنتَ عاصمٍ، كما رواه ابن مَنْده، وكانت حاملًا (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ) بفتح السين وسكون الحاء المهملتين ممدودًا، اسمُ أمِّه، وفي «تفسير مقاتل»: أنَّها كانت حبشيَّة، وقيل: يمانيَّة، واسمُ أبيه عبدة بن معتب أو مغيث، ولا يمتنع (٥) أن يتَّهم شريكُ ابن سحماءَ بهذه المرأة وامرأةِ عويمرٍ معًا، وأمَّا قولُ بن الصَّباغ في «الشامل»: إنَّ المزنيَّ ذكر في «المختصر» أنَّ العجلانيَّ قذف زوجتَه بشريك ابن سحماء، وهو سهوٌ في النقل، وإنَّما القاذفُ بشريكٍ هلالُ بنُ أميَّة؛ فلعلَّه لم يعرف مستند المزنيِّ في ذلك، وقد سبق في الباب الذي قبله مستند ذلك [خ¦٤٧٤٥] فليلتفت إليه، والجمعُ ممكنٌ، فتعيَّن (٦) المصير إليه، وهو أَولى مِنَ التغليط على ما لا يخفى.
(فَقَالَ) له (٧) (النَّبِيُّ ﷺ: البَيِّنَةَ) بالنصب بتقدير: أَحْضِرِ البيِّنةَ (أَوْ حَدٌّ) بالرَّفع، أي: أتحضر البينة أو يقعُ حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ)؟ أي: على ظهرك؛ كقوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ) حالَ كونه (١) (يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ) أي: يطلبُها؟ (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: البَيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ؛ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ) بفتح اللَّام وضمِّ التَّحتيَّة وسكون النون (مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ) في موضع نصبٍ بقوله: «فَليُنزلَنَّ اللهُ» (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) ﵇ (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ) ﷺ: (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَأ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]) أي: فيما رماها الزوجُ به (فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا) أي: إلى خولَة بنتِ عاصمٍ زوجِ هلالٍ، فحضرت بين يديه (فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ) أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصادقين فيما رماها به، والخامسةَ أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين في الرمي (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ).
قال القاضي عياض -وتَبِعَه النوويُّ-: في قوله: «أحدكما» ردٌّ على مَن قال مِنَ النُّحاة: إنَّ لفظ أحد لا يُستعمل إلَّا في النفي، وعلى مَن قال منهم: لا يُستعمل إلَّا في الوصف، وأنَّه لا توضع (٢) في موضع «واحدٍ»، ولا توقع (٣) موقعه، وقد أجازه المبرِّد، وجاء في هذا الحديث في غير وصفٍ ولا نفيٍ بمعنى «واحدٍ». انتهى. وتعقَّب الفاكهانيُّ ذلك فقال: هذا مِن أعجب ما وقع للقاضي عياض مع براعته وحِذْقه؛ فإنَّ الذي قاله النُّحاة إنَّما هو في «أحد» التي للعموم؛ نحو: ما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، وأمَّا «أحد» بمعنى «واحد»؛ فلا خلاف في استعمالها في الإثبات؛ نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ونحوه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] ونحو: «أَحدُكما كاذبٌ».
(فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) عرَّض لهما بالتوبة بلفظ الاستفهام؛ لإبهام الكاذب منهما؛ فلذلك لم يقل لهما: توبا، ولا لأحدهما بعينه: تُب، ولا قال: ليَتُبِ الكاذب منكما، وزاد جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس عند الطبريِّ والحاكم والبيهقيِّ: فقال هلالٌ: والله؛ إنِّي لصادق (ثُمَّ قَامَتْ) أي: زوجتُه (٤) (فَشَهِدَتْ) أي (٥): أربع شهادات بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما
رماني به (فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ) المرَّةِ (الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا) بتشديد القاف، ولأبي ذرٍّ: «وَقَفُوها» بتخفيفها (وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ) للعذابِ الأليمِ إن كنتِ (١) كاذبة (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السابق: (فَتَلَكَّأَتْ) بهمزة مفتوحة بعد الكاف المشدَّدة بوزن «تَفَعَّلَتْ» أي: تباطأتْ عن ذلك (وَنَكَصَتْ) أي: أحجمتْ (٢) (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ) عن مقالتها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عما رماها به (ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ) بفتح (٣) الهمزة والمعجمة (قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ) أي: جميع الأيام أيام (٤) الدهر، أو فيما بقي مِنَ الأيام بالإعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج، وأريدَ بـ «اليوم» الجنس؛ ولذلك أجراه مُجرى العام (٥) (فَمَضَتْ) أي: في تمام اللِّعان (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبْصِرُوهَا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وكسر المهملة (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي: بالولد (٦) (أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ) أي: شديد سواد جفونهما خلقة مِن غيرِ اكتحالٍ (سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ) أي: غليظهما (٧) (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وبعد اللَّام المشدَّدة جيم: عظيمهما (فَهْوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ) في آية (٨) اللِّعان (لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) في إقامة الحدِّ عليها، وفي ذكر الشأن وتنكيره تهويلٌ عظيم لما كان يَفْعلُ بها، أي: لفعلتُ بها؛ لتَضَاعُفِ ذنبِها، ما يكونُ عِبرةً للنَّاظرين، وتذكرة للسامعين.
قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: الحديث الأوَّل يدُلُّ على أنَّ عويمرًا هو الملاعن، والآية نزلت فيه والولد شابهه، والثَّاني: أنَّ هلالًا هو الملاعن، والآية نزلت فيه والولد شابهه (٩). وأجاب:
بأنَّ النَّوويَّ قال: اختلفوا في نزول آية اللِّعان، هل هو بسبب عويمرٍ أم بسبب هلالٍ؟ والأكثرون: أنَّها نزلت في هلالٍ، وأمَّا قوله ﵊ لعويمرٍ: «إنَّ الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك»، فقالوا: معناه الإشارة إلى ما نزل في قِصَّةِ هلالٍ؛ لأنَّ ذلك حكمٌ عامٌّ لجميع الناس، ويَحتملُ أنَّها نزلت فيهما جميعًا، فلعلَّهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما وسبق هلال باللعان. انتهى. قال في «الفتح»: ويؤيِّدُ التعدد أنَّ القائل في قصَّة هلالٍ سعدُ ابنُ عبادة، كما أخرجه أبو داود والطبريُّ، والقائلُ في قصَّة عويمرٍ عاصمُ بنُ عديٍّ، كما في حديث سهلٍ السابق، ولا مانع أن تتعدَّد القِصَص ويتَّحِدَ النزول، وجنح القرطبيُّ إلى تجويز نزول الآية مرَّتين، وأنكر جماعةٌ ذِكرَ هلالٍ فيمَن لاعن، والصحيحُ ثبوت ذلك، وكيف يُجزَمُ بخطأِ حديثٍ ثابتٍ في «الصَّحيحين» بمجرَّد دعوى لا دليلَ عليها؟! وقولُ النَّوويِّ في «تهذيبه»: اختلفوا في الذي وَجَدَ مع امرأته رجلًا وتلاعنا على ثلاثة أقوال: هلالُ بن أمية، أو عاصمُ بن عدي، أو عويمرٌ العجلانيُّ؟ قال الواحديُّ: أظهرُ هذه الأقوال أنَّه عويمرٌ؛ لكثرة الأحاديث، واتَّفقوا على أنَّ الموجود زانيًا شريكُ ابن سحماء، تعقَّبوه بأنَّ قِصَّتَي ملاعنة عويمرٍ وهلالٍ ثبتتا، فكيف يُختلف فيهما؟! وإنَّما المختلَفُ فيه سبب نزول الآية في أيِّهما؟ وقد سبقَ تقريرُه، وبأنَّ عاصمًا لم يلاعِن قطُّ، وإنَّما سأل لعويمرٍ العجلانيِّ عن ذلك، وبأنَّ قوله: واتفقوا على أنَّ الموجود زانيًا شريكٌ، ممنوعٌ؛ إذ لم يوجد زانيًا، وإنَّما هم اعتقدوا ذلك ولم يثبت (١) ذلك في حقِّه في ظاهر الحكم، فصوابُ العبارةِ أن يقال: واتَّفقوا على أنَّ المرميَّ به شريكُ ابن سحماء.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة» من «كتاب الشهادات» [خ¦٢٦٧١].
(٤) (بَابُ قَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]) فيما رماها به، وخصَّها بالغضب؛ لأنَّ الغالب أنَّ الرجل لا يتجشَّمُ فضيحةَ أهلِه ورميَها بالزِّنا إلَّا وهو صادقٌ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣ - بَاب ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
٤٧٤٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ؟ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ.
قوله: (بَابُ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي اللِّعَانِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ، وَبَيْنَهُمَا فِي سِيَاقِهِ اخْتِلَافٌ سَأُبَيِّنُهُ هُنَاكَ، وَأَقْتَصِرُ هُنَا عَلَى بَيَانِ الرَّاجِحِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ نُزُولِ آيَاتِ اللِّعَانِ دُونَ أَحْكَامِهِ فَأَذْكُرُهَا فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْهُ، وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى، وَمَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ لِهِشَامٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ طَرِيقَ عِكْرِمَةَ، وَمُسْلِمًا أَخْرَجَ طَرِيقَ ابْنِ سِيرِينَ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْحَمْلُ اخْتِلَافُ السِّيَاقَيْنِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: ضَبَطُوا الْبَيِّنَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ أَيْ أَحْضِرِ الْبَيِّنَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالتَّقْدِيرُ إِمَّا الْبَيِّنَةُ وَإِمَّا حَدٌّ. وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ: أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: حُذِفَ مِنْهُ فَاءُ الْجَوَابِ وَفِعْلُ الشَّرْطِ بَعْدَ إِلَّا وَالتَّقْدِيرُ وَإِلَّا تُحْضِرُهَا فَجَزَاؤُكَ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، قَالَ: وَحَذْفُ مِثْلِ هَذَا لَمْ يَذْكُرِ النُّحَاةُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِلَّا فِي الشِّعْرِ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وُرُودُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ
عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ آيَاتِ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ الْمَاضِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُوَيْمِرٍ وَلَفْظُهُ فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَأَمَرَهُمَا بِالْمُلَاعَنَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عُوَيْمِرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ هِلَالٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ هِلَالٌ وَصَادَفَ مَجِيءُ عُوَيْمِرٍ أَيْضًا فَنَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمَا مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ جَنَحَ النَّوَوِيُّ إِلَى هَذَا، وَسَبَقَهُ الْخَطِيبُ فَقَالَ: لَعَلَّهُمَا اتَّفَقَ كَوْنُهُمَا جَاءَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَيُؤَيِّدُ التَّعَدُّدَ أَنَّ الْقَائِلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ، سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّلِهِ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ لُكَاعًا قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهَيِّجَهُ حَتَّى آتِيَ بأَرْبَعَة شُهَدَاءَ، مَا كُنْتُ لِآتِي بِهِمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ، قَالَ: فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْحَدِيثَ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا فِيهِ نَحْوَهُ وَزَادَ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَرَمَى امْرَأَتَهُ الْحَدِيثَ. وَالْقَائِلُ فِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ، عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ: إِنْ أَنَا رَأَيْتُ فَتَكَلَّمْتُ جُلِدْتُ، وَإِنْ سَكَتُّ سَكَتُّ عَلَى غَيْظٍ الْحَدِيثَ، وَلَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْقِصَصُ وَيَتَّحِدَ النُّزُولُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ تُبَيْعٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: لَوْ رَأَيْتَ مَعَ أُمِّ رُومَانَ رَجُلًا مَا كُنْتَ فَاعِلًا بِهِ؟ قَالَ: كُنْتُ فَاعِلًا بِهِ شَرًّا. قَالَ: فَأَنْتَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُولُ لَعَنَ اللَّهُ الْأَبْعَدَ، قَالَ: فَنَزَلَتْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النُّزُولَ سَبَقَ بِسَبَبِ هِلَالٍ، فَلَمَّا جَاءَ عُوَيْمِرٌ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِمَا وَقَعَ لِهِلَالٍ أَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحُكْمِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَفِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ فَيُؤوَّلُ قَوْلُهُ: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ أَيْ وَفِيمَنْ كَانَ مِثْلَكَ وَبِهَذَا أَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ قَالَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي هِلَالٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعُوَيْمِرٍ: وقَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَمَعْنَاهُ مَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى قَالَ: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ الْحَدِيثَ، وَجَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى تَجْوِيزِ نُزُولِ الْآيَةِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَإِنْ بَعُدَتْ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِ الرُّوَاةِ الْحُفَّاظِ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ ذِكْرَ هِلَالٍ فِيمَنْ لَاعَنَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَنْكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ أَخُو الْمُهَلَّبِ وَقَالَ: هُوَ خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُوَيْمِرٌ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ النَّاسُ: هُوَ وَهَمٌ مِنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَعَلَيْهِ دَارَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنْسٍ بِذَلِكَ. وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: كَذَا جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الْقِصَّةُ لِعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ، قَالَ: وَلَكِنْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي حَدِيثِ الْعَجْلَانِيِّ ذِكْرُ شَرِيكٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُبْهَمَاتِهِ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُلَاعَنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ.
ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الْوَاحِدِيِّ أَنَّ أَظْهَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ عُوَيْمِرٌ. وَكَلَامُ الْجَمِيعِ مُتَعَقَّبٌ أَمَّا قَوْلُ ابْنُ أَبِي صُفْرَةَ فَدَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، وَكَيْفَ يُجْزَمُ بِخَطَأِ حَدِيثٍ ثَابِتٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ؟ وَمَا نَسَبَهُ إِلَى الطَّبَرِيِّ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِنَّ ذِكْرَ هِلَالٍ دَارَ عَلَى هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَكَذَا جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ حَسَّانَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، فَقَدْ وَافَقَهُ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَكَذَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَوْصُولًا قَالَ: لَمَّا قَذَفَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ امْرَأَتَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
متحقِّقٌ منها، فلو أكذب الزوج نفسَه؛ ثبت النسب ولزمه الحدُّ، ولم ترتفعِ الحرمةُ المؤبَّدة (ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي المِيرَاثِ أَنْ (١) يَرِثَهَا) ولدُها الذي نفاه زوجُها بالملاعنة (وَتَرِثَ) هي (مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا) والظاهر: أنَّ هذا من قول سهل حيث قال: فتلاعنا … إلى آخره.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة (٢) في قوله: فأنزل الله فيهما (٣).
(٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا﴾) أي: عن المقذوفة (﴿الْعَذَابَ﴾) أي: الحدَّ (﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]) فيما رماني به، وسقط لفظ «باب» لغير أبي (٤) ذرٍّ.
٤٧٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشين
المعجمة المشدَّدة (١) بُندارٌ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّدٌ، واسمُ أبي عديٍّ: إبراهيمُ البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍَ) منصرفٌ (٢) وغير منصرفٍ، الأزديِّ القُرْدُوسيِّ بضمِّ القاف وسكون الراء وضم الدال، البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) أبو عبد الله (٣) البربريُّ مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، الواقِفِيَّ بكسر القاف والفاء، الأنصاريَّ، أحد الثلاثة المتخلفين (٤) عن غزوة تبوك، وتِيبَ عليهم (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) خولَة بنتَ عاصمٍ، كما رواه ابن مَنْده، وكانت حاملًا (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ) بفتح السين وسكون الحاء المهملتين ممدودًا، اسمُ أمِّه، وفي «تفسير مقاتل»: أنَّها كانت حبشيَّة، وقيل: يمانيَّة، واسمُ أبيه عبدة بن معتب أو مغيث، ولا يمتنع (٥) أن يتَّهم شريكُ ابن سحماءَ بهذه المرأة وامرأةِ عويمرٍ معًا، وأمَّا قولُ بن الصَّباغ في «الشامل»: إنَّ المزنيَّ ذكر في «المختصر» أنَّ العجلانيَّ قذف زوجتَه بشريك ابن سحماء، وهو سهوٌ في النقل، وإنَّما القاذفُ بشريكٍ هلالُ بنُ أميَّة؛ فلعلَّه لم يعرف مستند المزنيِّ في ذلك، وقد سبق في الباب الذي قبله مستند ذلك [خ¦٤٧٤٥] فليلتفت إليه، والجمعُ ممكنٌ، فتعيَّن (٦) المصير إليه، وهو أَولى مِنَ التغليط على ما لا يخفى.
(فَقَالَ) له (٧) (النَّبِيُّ ﷺ: البَيِّنَةَ) بالنصب بتقدير: أَحْضِرِ البيِّنةَ (أَوْ حَدٌّ) بالرَّفع، أي: أتحضر البينة أو يقعُ حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ)؟ أي: على ظهرك؛ كقوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ) حالَ كونه (١) (يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ) أي: يطلبُها؟ (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: البَيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ؛ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ) بفتح اللَّام وضمِّ التَّحتيَّة وسكون النون (مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ) في موضع نصبٍ بقوله: «فَليُنزلَنَّ اللهُ» (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) ﵇ (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ) ﷺ: (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَأ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]) أي: فيما رماها الزوجُ به (فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا) أي: إلى خولَة بنتِ عاصمٍ زوجِ هلالٍ، فحضرت بين يديه (فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ) أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصادقين فيما رماها به، والخامسةَ أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين في الرمي (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ).
قال القاضي عياض -وتَبِعَه النوويُّ-: في قوله: «أحدكما» ردٌّ على مَن قال مِنَ النُّحاة: إنَّ لفظ أحد لا يُستعمل إلَّا في النفي، وعلى مَن قال منهم: لا يُستعمل إلَّا في الوصف، وأنَّه لا توضع (٢) في موضع «واحدٍ»، ولا توقع (٣) موقعه، وقد أجازه المبرِّد، وجاء في هذا الحديث في غير وصفٍ ولا نفيٍ بمعنى «واحدٍ». انتهى. وتعقَّب الفاكهانيُّ ذلك فقال: هذا مِن أعجب ما وقع للقاضي عياض مع براعته وحِذْقه؛ فإنَّ الذي قاله النُّحاة إنَّما هو في «أحد» التي للعموم؛ نحو: ما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، وأمَّا «أحد» بمعنى «واحد»؛ فلا خلاف في استعمالها في الإثبات؛ نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ونحوه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] ونحو: «أَحدُكما كاذبٌ».
(فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) عرَّض لهما بالتوبة بلفظ الاستفهام؛ لإبهام الكاذب منهما؛ فلذلك لم يقل لهما: توبا، ولا لأحدهما بعينه: تُب، ولا قال: ليَتُبِ الكاذب منكما، وزاد جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس عند الطبريِّ والحاكم والبيهقيِّ: فقال هلالٌ: والله؛ إنِّي لصادق (ثُمَّ قَامَتْ) أي: زوجتُه (٤) (فَشَهِدَتْ) أي (٥): أربع شهادات بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما
رماني به (فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ) المرَّةِ (الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا) بتشديد القاف، ولأبي ذرٍّ: «وَقَفُوها» بتخفيفها (وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ) للعذابِ الأليمِ إن كنتِ (١) كاذبة (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السابق: (فَتَلَكَّأَتْ) بهمزة مفتوحة بعد الكاف المشدَّدة بوزن «تَفَعَّلَتْ» أي: تباطأتْ عن ذلك (وَنَكَصَتْ) أي: أحجمتْ (٢) (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ) عن مقالتها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عما رماها به (ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ) بفتح (٣) الهمزة والمعجمة (قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ) أي: جميع الأيام أيام (٤) الدهر، أو فيما بقي مِنَ الأيام بالإعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج، وأريدَ بـ «اليوم» الجنس؛ ولذلك أجراه مُجرى العام (٥) (فَمَضَتْ) أي: في تمام اللِّعان (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبْصِرُوهَا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وكسر المهملة (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) أي: بالولد (٦) (أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ) أي: شديد سواد جفونهما خلقة مِن غيرِ اكتحالٍ (سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ) أي: غليظهما (٧) (خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وبعد اللَّام المشدَّدة جيم: عظيمهما (فَهْوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ) في آية (٨) اللِّعان (لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) في إقامة الحدِّ عليها، وفي ذكر الشأن وتنكيره تهويلٌ عظيم لما كان يَفْعلُ بها، أي: لفعلتُ بها؛ لتَضَاعُفِ ذنبِها، ما يكونُ عِبرةً للنَّاظرين، وتذكرة للسامعين.
قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: الحديث الأوَّل يدُلُّ على أنَّ عويمرًا هو الملاعن، والآية نزلت فيه والولد شابهه، والثَّاني: أنَّ هلالًا هو الملاعن، والآية نزلت فيه والولد شابهه (٩). وأجاب:
بأنَّ النَّوويَّ قال: اختلفوا في نزول آية اللِّعان، هل هو بسبب عويمرٍ أم بسبب هلالٍ؟ والأكثرون: أنَّها نزلت في هلالٍ، وأمَّا قوله ﵊ لعويمرٍ: «إنَّ الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك»، فقالوا: معناه الإشارة إلى ما نزل في قِصَّةِ هلالٍ؛ لأنَّ ذلك حكمٌ عامٌّ لجميع الناس، ويَحتملُ أنَّها نزلت فيهما جميعًا، فلعلَّهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما وسبق هلال باللعان. انتهى. قال في «الفتح»: ويؤيِّدُ التعدد أنَّ القائل في قصَّة هلالٍ سعدُ ابنُ عبادة، كما أخرجه أبو داود والطبريُّ، والقائلُ في قصَّة عويمرٍ عاصمُ بنُ عديٍّ، كما في حديث سهلٍ السابق، ولا مانع أن تتعدَّد القِصَص ويتَّحِدَ النزول، وجنح القرطبيُّ إلى تجويز نزول الآية مرَّتين، وأنكر جماعةٌ ذِكرَ هلالٍ فيمَن لاعن، والصحيحُ ثبوت ذلك، وكيف يُجزَمُ بخطأِ حديثٍ ثابتٍ في «الصَّحيحين» بمجرَّد دعوى لا دليلَ عليها؟! وقولُ النَّوويِّ في «تهذيبه»: اختلفوا في الذي وَجَدَ مع امرأته رجلًا وتلاعنا على ثلاثة أقوال: هلالُ بن أمية، أو عاصمُ بن عدي، أو عويمرٌ العجلانيُّ؟ قال الواحديُّ: أظهرُ هذه الأقوال أنَّه عويمرٌ؛ لكثرة الأحاديث، واتَّفقوا على أنَّ الموجود زانيًا شريكُ ابن سحماء، تعقَّبوه بأنَّ قِصَّتَي ملاعنة عويمرٍ وهلالٍ ثبتتا، فكيف يُختلف فيهما؟! وإنَّما المختلَفُ فيه سبب نزول الآية في أيِّهما؟ وقد سبقَ تقريرُه، وبأنَّ عاصمًا لم يلاعِن قطُّ، وإنَّما سأل لعويمرٍ العجلانيِّ عن ذلك، وبأنَّ قوله: واتفقوا على أنَّ الموجود زانيًا شريكٌ، ممنوعٌ؛ إذ لم يوجد زانيًا، وإنَّما هم اعتقدوا ذلك ولم يثبت (١) ذلك في حقِّه في ظاهر الحكم، فصوابُ العبارةِ أن يقال: واتَّفقوا على أنَّ المرميَّ به شريكُ ابن سحماء.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة» من «كتاب الشهادات» [خ¦٢٦٧١].
(٤) (بَابُ قَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]) فيما رماها به، وخصَّها بالغضب؛ لأنَّ الغالب أنَّ الرجل لا يتجشَّمُ فضيحةَ أهلِه ورميَها بالزِّنا إلَّا وهو صادقٌ