الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٨٦
الحديث رقم ٤٧٨٦ من كتاب «سورة الأحزاب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة عروة عن عائشة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنُِ وَالسُّنَّةُِ.
٤٧٨٦ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إِلَى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ.
تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ:. كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَخْرُجُ تَتَمَشَّى بَيْنَ الرِّجَالِ فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ منْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةٌ وَتَكَسُّرٌ وَتَغَنُّجٌ إِذَا خَرَجْنَ مِنَ الْبُيُوتِ فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَا كَانَتْ إِلَّا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. هَلْ سَمِعْتَ بِأُولَى إِلَّا وَلَهَا آخِرَةٌ؟ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَكُونُ جَاهِلِيَّةٌ أُخْرَى. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى أَلْفَ سَنَةٍ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَامِرٍ - وَهُوَ الشَّعْبِيُّ - قَالَ: هِيَ مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ. وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: الْأُولَى زَمَانُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأُخْرَى زَمَانُ مُحَمَّدٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةَ اللَّهِ: اسْتَنَّهَا: جَعَلَهَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَزَادَ: جَعَلَهَا سُنَّةً. وَنَسَبَهُ مُغْلَطَايُ وَمَنْ تَبِعَهُ أَيْضًا إِلَى تَخْرِيجِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
٥ - بَاب ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةُ.
٤٧٨٦ - وقال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ - إِلَى - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَتْ: فَقُلْتُ فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رسول الله ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ سَاقُوا كُلُّهُمُ الْآيَةَ إِلَى (عَظِيمًا).
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ أَوْرَدَهُ بِصُورَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) وَرَدَ فِي سَبَبِ هَذَا التَّخْيِيرِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ فِي قَوْلِهِ ﷺ: هن حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ، يَعْنِي نِسَاءَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ - حَتَّى بَلَغَ - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ،
وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا بِطُولِهِ، وَفِي آخِرِهِ: حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَقَدْ أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي الْحَدِيثَ.
وَهَذَا السِّيَاقُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ كُلُّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهَا، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:: أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِي، الْحَدِيثَ. لَكِنْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَفَصَّلَهُ تَفْصِيلًا حَسَنًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِطُولِهِ إِلَى آخِرِ قِصَّةِ عُمَرَ فِي الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى عَاتَبَهُ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ: الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَذَكَرَ مُرَاجَعَتَهَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. الْحَدِيثَ.
فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ إِلَخْ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ بِحَذْفِ الْوَاسِطَةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَنْ عَمْدٍ مِنْ أَجْلِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَكَأَنَّ مَنْ أَدْرَجَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَشَى عَلَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ، وَلَمْ يَفْطِنْ لِلتَّفْصِيلِ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ فَاتَّفَقَ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ نَزَلَتْ عَقِبَ فَرَاغِ الشَّهْرِ الَّذِي اعْتَزَلَهُنَّ فِيهِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى نِسَائِهِ أُمِرَ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ. الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَاخْتَلَفَ الْحَدِيثَانِ فِي سَبَبِ الِاعْتِزَالِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الْقَضِيَّتَانِ جَمِيعًا سَبَبُ الِاعْتِزَالِ؛ فَإِنَّ قِصَّةَ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ خَاصَّةً بِهِمَا، وَقِصَّةُ سُؤَالِ النَّفَقَةِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ النِّسْوَةِ، وَمُنَاسَبَةُ آيَةِ التَّخْيِيرِ بِقِصَّةِ سُؤَالِ النَّفَقَةِ أَلْيَقُ مِنْهَا بِقِصَّةِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيمَنْ خَيَّرَهَا زَوْجُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ هَلْ كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْإِقَامَةِ عِنْدَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَشْبَهَهُمَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ. وَكَذَا قَالَ: الْقُرْطُبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي التَّخْيِيرِ هَلْ كَانَ فِي الْبَقَاءِ وَالطَّلَاقِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مَلْزُومٌ لِلْآخَرِ، وَكَأَنَّهُنَّ خُيِّرْنَ بَيْنَ الدُّنْيَا فَيُطَلِّقُهُنَّ وَبَيْنَ الْآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ، وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاقِ الْآيَةِ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ هَلْ فُوِّضَ إِلَيْهِنَّ الطَّلَاقَ أَمْ لَا؟ ولِهَذَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمْ يُخَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ إِلَّا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) أَيْ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكِ فِي التَّأَنِّي وَعَدَمِ الْعَجَلَةِ حَتَّى تُشَاوِرِي أَبَوَيْكِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أَيْ تَطْلُبِي مِنْهُمَا أَنْ يُبَيِّنَا لَكِ رَأْيَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: إِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكِ أَمْرًا فَلَا تَفْتَاتِي فِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَعْرِضِيهِ عَلَى أَبَوَيْكِ أَبِي بَكْرٍ وَأُمِّ رُومَانَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أُمَّ رُومَانَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَوْجُودَةٌ، فَيُرَدُّ بِهِ
عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّ التَّخْيِيرَ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسَتَأْمِرُ أَبَوَيَّ)؟ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا أُؤَامِرُ أَبَوَيَّ أَبَا بَكْرٍ وَأُمَّ رُومَانَ، فَضَحِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَفَرِحَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلَتْ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ فِي رِوَايَتِهِ: فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا حِينَ قَالَهُ لَهُنَّ فَاخْتَرْنَهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةِ: ثُمَّ اسْتَقْرَى الْحُجَرَ - يَعْنِي حُجَرَ أَزْوَاجِهِ - فَقَالَ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَذَا، فَقُلْنَ: وَنَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَتْ. وَقَوْلُهُ: اسْتَقْرَى الْحُجَرَ أَيْ تَتَبَّعَ، وَالْحُجَرُ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ - جَمْعُ حُجْرَةٍ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، وَالْمُرَادُ مَسَاكِنُ أَزْوَاجِهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا قَالَتْ: بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا وَإِنَّمَا بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ أَيُّوبَ، وَعَائِشَةَ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مُلَاطَفَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ وَحِلْمُهُ عَنْهُنَّ وَصَبْرُهُ عَلَى مَا كَانَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ إِدْلَالٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَبْعَثُهُ عَلَيْهِنَّ الْغَيْرَةُ.
وَفِيهِ فَضْلُ عَائِشَةَ لِبُدَاءَتِهِ بِهَا، كَذَا قَرَّرَهُ النَّوَوِيُّ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَلَبَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبًا، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ: إمَا عِنْدَ اللَّهِ تُرِدْنَ أَمِ الدُّنْيَا؟ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا وَكَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِي التَّخْيِيرِ فَلَعَلَّ الْبُدَاءَةَ بِهَا لِذَلِكَ، لَكِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ يَسْأَلْنَهُ النَّفَقَةَ أَصَحُّ طَرِيقًا مِنْهُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَّحِدْ فِيهَا وَقُدِّمَتْ فِي التَّخْيِيرِ دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَقْدِيمِهِ لَهَا أَيْضًا فِي الْبُدَاءَةِ بِهَا فِي الدُّخُولِ عَلَيْهَا.
وَفِيهِ أَنَّ صِغَرَ السِّنِّ مَظِنَّةٌ لِنَقْصِ الرَّأْيِ، قَالَ: الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْمِرَ أَبَوَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهَا صِغَرُ السِّنِّ عَلَى اخْتِيَارِ الشِّقِّ الْآخَرِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهَا مِنَ الْمَلَكَةِ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْعَارِضَ، فَإِذَا اسْتَشَارَتْ أَبَوَيْهَا أَوْضَحَا لَهَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ وَمَا فِي مُقَابِلِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا فَطِنَتْ عَائِشَةُ لِذَلِكَ قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: وَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدَاثَتِي، وَهَذَا شَاهِدٌ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَائِشَةَ وَبَيَانُ كَمَالِ عَقْلِهَا وَصِحَّةِ رَأْيِهَا مَعَ صِغَرِ سِنِّهَا، وَأَنَّ الْغَيْرَةَ تَحْمِلُ الْمَرْأَةَ الْكَامِلَةَ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ عَلَى ارْتِكَابِ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهَا لِسُؤَالِهَا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ لَا يُخْبِرَ أَحَدًا مِنْ أَزْوَاجِهِ بِفِعْلِهَا، وَلَكِنَّهُ ﷺ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْحَامِلَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنَ الْغَيْرَةِ وَمَحَبَّةِ الِاسْتِبْدَادِ دُونَ ضَرَائِرِهَا لَمْ يُسْعِفْهَا بِمَا طَلَبَتْ مِنْ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ يَخْتَارَ نِسَاؤُهُ الْفِرَاقَ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَاهُ فِيمَا فَهِمَاهُ مِنَ السِّيَاقِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ تَخْيِيرُ أَزْوَاجِهِ، وَاسْتَنَدَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ. نَعَمْ، ادَّعَى بَعْضُ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّخْيِيرَ طَلَاقٌ - أَنَّهُ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَاخْتُصَّ هُوَ ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَا جَاءَ أَنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ حِينَئِذٍ مَنِ اخْتَارَتِ الدُّنْيَا فَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ثُمَّ فَعَلَ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) يَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٥) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾): رضا الله ورسوله (﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾) نعيم الجنة (﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]) ثوابًا جزيلًا في الجنَّة، تستحقر دونه الدنيا وزينتَها، و «من»: للبيان؛ لأنَّهُنَّ كلَّهن كُنَّ (١) محسناتٍ، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]) هما (القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ) لفٌّ ونشرٌ مرتَّب، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿مِنْ آيَاتِ اللهِ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ السُّنَّة»، قال في «الأنوار»: وهو تذكيرٌ بما أنعم عليهن (٢)؛ حيث جعلهنَّ أهلَ بيت النبوَّة ومهبِطَ الوحي، وما شاهدن (٣) من بُرحاء الوحي ممَّا يوجب قوَّة الإيمان والحرص على الطاعة، حثًّا على الانتهاء والائتمار فيما كُلِّفن (٤).
٤٧٨٦ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ فيما وصله الذُّهليُّ عن أبي صالح عنه: (حَدَّثَنِي) بالإفراد
(يُونُسُ) بنُ يزيدَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ (١) قَالَتْ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أمرَ وجوبٍ (بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) وكُنَّ يومئذٍ تسع نسوة، خمسة من قريش: عائشةُ بنت أبي بكر، وحفصةُ بنت عمر، وأمُّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودةُ بنت زمعة، وأمُّ سلمة بنت أبي أمية، وصفيَّة بنت حُيَي بن أَخْطَب الخيبريَّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليَّة، وزينب بنت جحش الأسديَّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقية (بَدَأَ بِي) إنَّما بدأ بها ﵂ على غيرها من أزواجه ﷺ لفضلها كما قاله النَّوويُّ، أو لأنَّها كانت السبب في التخيير؛ لأنَّها طلبت منه ثوبًا، فأمره الله بالتخيير، رواه ابن مردويه من طريق الحسن عن عائشة، لكن الحسن لم يسمع من عائشة، فهو (٢) مرسل (فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) بفتح الجيم وإسقاط السين، أي: لا بأس عليك في عدم العجلة (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) فيه، وزاد في رواية عمرة عن عائشة عند الطبريِّ (٣) والطَّحاويِّ: وخشي رسول الله ﷺ حداثتي (٤)؛ لأنَّ الصغرَ مَظِنَّةٌ لنقص الرأي، فإذا استشارت أبويها أوضحا لها ما فيه المصلحة (قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ) ولأبي ذرٍّ: «﷿» (قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إِلَى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]) فيه: أنَّ سبب التخيير سؤالهنَّ ﵅ منه ﵊ الدنيا وزينتَها، فقيل: إنَّهنَّ اجتمعن يومًا، فقلن: نُريد ما تريد النساء مِنَ الحُليِّ، وطلبت أمُّ سلمةَ سترًا معلَّمًا، وميمونة حُلَّةً يمانيَّةً، وزينبُ ثوبًا مخططًا، وأمُّ حبيبةَ ثوبًا سَحوليًّا، وسألته كلُّ واحدة منهنَّ (٥) شيئًا، قال النقَّاش: إلَّا عائشة، وآلَمْن قلبَه ﵇ (٦) بمطالبتهنَّ له بتوسعة الحال، فأنزل الله (٧) التَّخيير؛ لئلَّا يكون لأحدٍ منهنَّ مِنَّة عليه في الصبر على ما اختاره ﵊ مِن خشونة العيش، وعند الإمام
أحمد ﵁ من حديث جابرٍ: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ، والناسُ ببابه جلوس، والنَّبيُّ ﷺ جالس، فلم يؤذَن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذَن له، ثم أُذِن لأبي بكرٍ وعمرَ فدخلا، والنَّبيُّ ﷺ جالس وحولَه نساؤُه وهو ساكتٌ، فقال عمر: لأكلمنَّ رسولَ الله ﷺ لعلَّه يضحك، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيتَ ابنةَ زيد امرأةَ عمرَ، سألتني النفقة آنفًا فوجأتُ عنقها، فضحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتى بدا ناجذه (١)، وقال: «هن حولي يسألني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده؟! فنهاهما رسول الله ﷺ، فقُلن نساؤه: واللهِ؛ لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله ﷿ الخيار فبدأ بعائشة، ورواه مسلمٌ منفردًا به دون البخاريِّ، وزاد: ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه (٢) هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ﴾ إلى: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قال: فبدأ بعائشة، وسبق في «المظالم» [خ¦٢٤٦٨] من طريق عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله (٣) بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عبَّاسٍ، عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا … الحديثَ بطوله، وفيه: فاعتزل النبيُّ ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: «ما أنا بداخل عليهنَّ شهرًا» من شِدَّة موجدته عليهنَّ حين عاتبه الله، فلمَّا مضت تسع وعشرون؛ دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: إنَّك أقسمت ألَّا تدخل علينا شهرًا، وإنَّا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدُّها عدًّا، فقال النبي ﷺ: «الشهر تسع وعشرون»، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأنزل الله (٤) آية التخيير، فبدأ بي أوَّل امرأة، قال في «الفتح»: فاتَّفق الحديثان على أنَّ آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهنَّ فيه، لكن اختلفا في سبب الاعتزال، ويمكن الجمعُ بأن يكونا جميعًا سبب الاعتزال، فإنَّ قِصَّة المتظاهرتين خاصَّة بهما، وقصَّة سؤال النفقة عامَّة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصَّة سؤال النفقة أليق منها بقصَّة المتظاهرتين. انتهى. (قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ) الأمرين من (هَذَا) الذي ذكرتَه (أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ
وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ) وهذا يدُلُّ على كمال عقلها وصِحَّة رأيها مع صغر سِنِّها (قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ) مِنِ اختيار الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خيَّرهُنَّ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع الليثَ (مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتحتيَّة بينهما عين مهملة (١) ساكنة، الجزريُّ بالجيم والزاي والراء، الحَرَّانيُّ، فيما وصله النَّسائيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ.
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام فيما وصله مسلمٌ وابن ماجه (وَأَبُو سُفْيَانَ) محمَّدُ بن حُميدٍ السُّكَّريُّ (المَعْمَرِيُّ) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة ممَّا وصله الذُّهْلي في «الزهريات» (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) وفيه إشارةٌ إلى ما وقع مِنَ الاختلاف على الزهريِّ في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القِصَّة، ولعلَّ الحديث كان عند الزهريِّ عنهما، فحدَّث به (٢) تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، وإلى هذا جَنَحَ التِّرمذيُّ، وقد رواه عقيل وشعيب عن الزهري عن عائشة بغير واسطة، ولو اختارتِ المخيَّرة نفسها؛ وقعت طلقة رجعيَّة عندنا، وبائنة عند الحنفية، وفي هذا المبحث زيادة تأتي إن شاء الله تعالى في «الطلاق» [خ¦٥٢٦٣] بعون الله وقوّته.
(٦) هذا (بَابٌ) بالتنوين يُذْكَر فيه (قَوْلُهُ) ﷿ مخاطبًا لنبيِّه صلوات الله وسلامه عليه في قصَّة زينبَ وزيدٍ: (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾) وهو نكاحُ زينبَ إن طلقها زيدٌ، أو إرادة طلاقها، أو إخبار الله إيَّاه أنَّها ستصير زوجتَه، كما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّي بلفظ: بلغنا أنَّ هذه الآية نزلت في زينبَ بنتِ جَحْشٍ، وكانت أمُّها أُمَيْمَة بنت عبد المطلب عمَّة رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوِّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثمَّ إنَّها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ، فزوَّجها إيَّاه، ثم أعلم اللهُ نبيَّه بعدُ أنَّها من
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ:. كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَخْرُجُ تَتَمَشَّى بَيْنَ الرِّجَالِ فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ منْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةٌ وَتَكَسُّرٌ وَتَغَنُّجٌ إِذَا خَرَجْنَ مِنَ الْبُيُوتِ فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَا كَانَتْ إِلَّا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. هَلْ سَمِعْتَ بِأُولَى إِلَّا وَلَهَا آخِرَةٌ؟ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَكُونُ جَاهِلِيَّةٌ أُخْرَى. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى أَلْفَ سَنَةٍ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَامِرٍ - وَهُوَ الشَّعْبِيُّ - قَالَ: هِيَ مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ. وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: الْأُولَى زَمَانُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأُخْرَى زَمَانُ مُحَمَّدٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةَ اللَّهِ: اسْتَنَّهَا: جَعَلَهَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَزَادَ: جَعَلَهَا سُنَّةً. وَنَسَبَهُ مُغْلَطَايُ وَمَنْ تَبِعَهُ أَيْضًا إِلَى تَخْرِيجِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
٥ - بَاب ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةُ.
٤٧٨٦ - وقال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ - إِلَى - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَتْ: فَقُلْتُ فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رسول الله ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ سَاقُوا كُلُّهُمُ الْآيَةَ إِلَى (عَظِيمًا).
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ أَوْرَدَهُ بِصُورَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) وَرَدَ فِي سَبَبِ هَذَا التَّخْيِيرِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ فِي قَوْلِهِ ﷺ: هن حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ، يَعْنِي نِسَاءَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ - حَتَّى بَلَغَ - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ،
وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا بِطُولِهِ، وَفِي آخِرِهِ: حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَقَدْ أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي الْحَدِيثَ.
وَهَذَا السِّيَاقُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ كُلُّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهَا، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:: أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِي، الْحَدِيثَ. لَكِنْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَفَصَّلَهُ تَفْصِيلًا حَسَنًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِطُولِهِ إِلَى آخِرِ قِصَّةِ عُمَرَ فِي الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى عَاتَبَهُ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ: الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَذَكَرَ مُرَاجَعَتَهَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. الْحَدِيثَ.
فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ إِلَخْ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ بِحَذْفِ الْوَاسِطَةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَنْ عَمْدٍ مِنْ أَجْلِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَكَأَنَّ مَنْ أَدْرَجَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَشَى عَلَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ، وَلَمْ يَفْطِنْ لِلتَّفْصِيلِ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ فَاتَّفَقَ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ نَزَلَتْ عَقِبَ فَرَاغِ الشَّهْرِ الَّذِي اعْتَزَلَهُنَّ فِيهِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى نِسَائِهِ أُمِرَ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ. الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَاخْتَلَفَ الْحَدِيثَانِ فِي سَبَبِ الِاعْتِزَالِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الْقَضِيَّتَانِ جَمِيعًا سَبَبُ الِاعْتِزَالِ؛ فَإِنَّ قِصَّةَ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ خَاصَّةً بِهِمَا، وَقِصَّةُ سُؤَالِ النَّفَقَةِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ النِّسْوَةِ، وَمُنَاسَبَةُ آيَةِ التَّخْيِيرِ بِقِصَّةِ سُؤَالِ النَّفَقَةِ أَلْيَقُ مِنْهَا بِقِصَّةِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيمَنْ خَيَّرَهَا زَوْجُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ هَلْ كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْإِقَامَةِ عِنْدَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَشْبَهَهُمَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ. وَكَذَا قَالَ: الْقُرْطُبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي التَّخْيِيرِ هَلْ كَانَ فِي الْبَقَاءِ وَالطَّلَاقِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مَلْزُومٌ لِلْآخَرِ، وَكَأَنَّهُنَّ خُيِّرْنَ بَيْنَ الدُّنْيَا فَيُطَلِّقُهُنَّ وَبَيْنَ الْآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ، وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاقِ الْآيَةِ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ هَلْ فُوِّضَ إِلَيْهِنَّ الطَّلَاقَ أَمْ لَا؟ ولِهَذَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمْ يُخَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ إِلَّا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) أَيْ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكِ فِي التَّأَنِّي وَعَدَمِ الْعَجَلَةِ حَتَّى تُشَاوِرِي أَبَوَيْكِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أَيْ تَطْلُبِي مِنْهُمَا أَنْ يُبَيِّنَا لَكِ رَأْيَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: إِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكِ أَمْرًا فَلَا تَفْتَاتِي فِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَعْرِضِيهِ عَلَى أَبَوَيْكِ أَبِي بَكْرٍ وَأُمِّ رُومَانَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أُمَّ رُومَانَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَوْجُودَةٌ، فَيُرَدُّ بِهِ
عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّ التَّخْيِيرَ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسَتَأْمِرُ أَبَوَيَّ)؟ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا أُؤَامِرُ أَبَوَيَّ أَبَا بَكْرٍ وَأُمَّ رُومَانَ، فَضَحِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَفَرِحَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلَتْ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ فِي رِوَايَتِهِ: فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا حِينَ قَالَهُ لَهُنَّ فَاخْتَرْنَهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةِ: ثُمَّ اسْتَقْرَى الْحُجَرَ - يَعْنِي حُجَرَ أَزْوَاجِهِ - فَقَالَ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَذَا، فَقُلْنَ: وَنَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَتْ. وَقَوْلُهُ: اسْتَقْرَى الْحُجَرَ أَيْ تَتَبَّعَ، وَالْحُجَرُ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ - جَمْعُ حُجْرَةٍ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، وَالْمُرَادُ مَسَاكِنُ أَزْوَاجِهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا قَالَتْ: بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا وَإِنَّمَا بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ أَيُّوبَ، وَعَائِشَةَ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مُلَاطَفَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ وَحِلْمُهُ عَنْهُنَّ وَصَبْرُهُ عَلَى مَا كَانَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ إِدْلَالٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَبْعَثُهُ عَلَيْهِنَّ الْغَيْرَةُ.
وَفِيهِ فَضْلُ عَائِشَةَ لِبُدَاءَتِهِ بِهَا، كَذَا قَرَّرَهُ النَّوَوِيُّ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَلَبَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبًا، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ: إمَا عِنْدَ اللَّهِ تُرِدْنَ أَمِ الدُّنْيَا؟ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا وَكَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِي التَّخْيِيرِ فَلَعَلَّ الْبُدَاءَةَ بِهَا لِذَلِكَ، لَكِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ يَسْأَلْنَهُ النَّفَقَةَ أَصَحُّ طَرِيقًا مِنْهُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَّحِدْ فِيهَا وَقُدِّمَتْ فِي التَّخْيِيرِ دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَقْدِيمِهِ لَهَا أَيْضًا فِي الْبُدَاءَةِ بِهَا فِي الدُّخُولِ عَلَيْهَا.
وَفِيهِ أَنَّ صِغَرَ السِّنِّ مَظِنَّةٌ لِنَقْصِ الرَّأْيِ، قَالَ: الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْمِرَ أَبَوَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهَا صِغَرُ السِّنِّ عَلَى اخْتِيَارِ الشِّقِّ الْآخَرِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهَا مِنَ الْمَلَكَةِ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْعَارِضَ، فَإِذَا اسْتَشَارَتْ أَبَوَيْهَا أَوْضَحَا لَهَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ وَمَا فِي مُقَابِلِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا فَطِنَتْ عَائِشَةُ لِذَلِكَ قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: وَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدَاثَتِي، وَهَذَا شَاهِدٌ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَائِشَةَ وَبَيَانُ كَمَالِ عَقْلِهَا وَصِحَّةِ رَأْيِهَا مَعَ صِغَرِ سِنِّهَا، وَأَنَّ الْغَيْرَةَ تَحْمِلُ الْمَرْأَةَ الْكَامِلَةَ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ عَلَى ارْتِكَابِ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهَا لِسُؤَالِهَا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ لَا يُخْبِرَ أَحَدًا مِنْ أَزْوَاجِهِ بِفِعْلِهَا، وَلَكِنَّهُ ﷺ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْحَامِلَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنَ الْغَيْرَةِ وَمَحَبَّةِ الِاسْتِبْدَادِ دُونَ ضَرَائِرِهَا لَمْ يُسْعِفْهَا بِمَا طَلَبَتْ مِنْ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ يَخْتَارَ نِسَاؤُهُ الْفِرَاقَ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَاهُ فِيمَا فَهِمَاهُ مِنَ السِّيَاقِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ تَخْيِيرُ أَزْوَاجِهِ، وَاسْتَنَدَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ. نَعَمْ، ادَّعَى بَعْضُ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّخْيِيرَ طَلَاقٌ - أَنَّهُ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَاخْتُصَّ هُوَ ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَا جَاءَ أَنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ حِينَئِذٍ مَنِ اخْتَارَتِ الدُّنْيَا فَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ثُمَّ فَعَلَ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) يَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٥) (بَابُ قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾): رضا الله ورسوله (﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾) نعيم الجنة (﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]) ثوابًا جزيلًا في الجنَّة، تستحقر دونه الدنيا وزينتَها، و «من»: للبيان؛ لأنَّهُنَّ كلَّهن كُنَّ (١) محسناتٍ، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]) هما (القُرْآنُ وَالسُّنَّةُ) لفٌّ ونشرٌ مرتَّب، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿مِنْ آيَاتِ اللهِ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ السُّنَّة»، قال في «الأنوار»: وهو تذكيرٌ بما أنعم عليهن (٢)؛ حيث جعلهنَّ أهلَ بيت النبوَّة ومهبِطَ الوحي، وما شاهدن (٣) من بُرحاء الوحي ممَّا يوجب قوَّة الإيمان والحرص على الطاعة، حثًّا على الانتهاء والائتمار فيما كُلِّفن (٤).
٤٧٨٦ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ فيما وصله الذُّهليُّ عن أبي صالح عنه: (حَدَّثَنِي) بالإفراد
(يُونُسُ) بنُ يزيدَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ (١) قَالَتْ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أمرَ وجوبٍ (بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) وكُنَّ يومئذٍ تسع نسوة، خمسة من قريش: عائشةُ بنت أبي بكر، وحفصةُ بنت عمر، وأمُّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودةُ بنت زمعة، وأمُّ سلمة بنت أبي أمية، وصفيَّة بنت حُيَي بن أَخْطَب الخيبريَّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليَّة، وزينب بنت جحش الأسديَّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقية (بَدَأَ بِي) إنَّما بدأ بها ﵂ على غيرها من أزواجه ﷺ لفضلها كما قاله النَّوويُّ، أو لأنَّها كانت السبب في التخيير؛ لأنَّها طلبت منه ثوبًا، فأمره الله بالتخيير، رواه ابن مردويه من طريق الحسن عن عائشة، لكن الحسن لم يسمع من عائشة، فهو (٢) مرسل (فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) بفتح الجيم وإسقاط السين، أي: لا بأس عليك في عدم العجلة (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) فيه، وزاد في رواية عمرة عن عائشة عند الطبريِّ (٣) والطَّحاويِّ: وخشي رسول الله ﷺ حداثتي (٤)؛ لأنَّ الصغرَ مَظِنَّةٌ لنقص الرأي، فإذا استشارت أبويها أوضحا لها ما فيه المصلحة (قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ) ولأبي ذرٍّ: «﷿» (قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إِلَى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]) فيه: أنَّ سبب التخيير سؤالهنَّ ﵅ منه ﵊ الدنيا وزينتَها، فقيل: إنَّهنَّ اجتمعن يومًا، فقلن: نُريد ما تريد النساء مِنَ الحُليِّ، وطلبت أمُّ سلمةَ سترًا معلَّمًا، وميمونة حُلَّةً يمانيَّةً، وزينبُ ثوبًا مخططًا، وأمُّ حبيبةَ ثوبًا سَحوليًّا، وسألته كلُّ واحدة منهنَّ (٥) شيئًا، قال النقَّاش: إلَّا عائشة، وآلَمْن قلبَه ﵇ (٦) بمطالبتهنَّ له بتوسعة الحال، فأنزل الله (٧) التَّخيير؛ لئلَّا يكون لأحدٍ منهنَّ مِنَّة عليه في الصبر على ما اختاره ﵊ مِن خشونة العيش، وعند الإمام
أحمد ﵁ من حديث جابرٍ: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ، والناسُ ببابه جلوس، والنَّبيُّ ﷺ جالس، فلم يؤذَن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذَن له، ثم أُذِن لأبي بكرٍ وعمرَ فدخلا، والنَّبيُّ ﷺ جالس وحولَه نساؤُه وهو ساكتٌ، فقال عمر: لأكلمنَّ رسولَ الله ﷺ لعلَّه يضحك، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيتَ ابنةَ زيد امرأةَ عمرَ، سألتني النفقة آنفًا فوجأتُ عنقها، فضحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتى بدا ناجذه (١)، وقال: «هن حولي يسألني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده؟! فنهاهما رسول الله ﷺ، فقُلن نساؤه: واللهِ؛ لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله ﷿ الخيار فبدأ بعائشة، ورواه مسلمٌ منفردًا به دون البخاريِّ، وزاد: ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه (٢) هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ﴾ إلى: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قال: فبدأ بعائشة، وسبق في «المظالم» [خ¦٢٤٦٨] من طريق عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله (٣) بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عبَّاسٍ، عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا … الحديثَ بطوله، وفيه: فاعتزل النبيُّ ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: «ما أنا بداخل عليهنَّ شهرًا» من شِدَّة موجدته عليهنَّ حين عاتبه الله، فلمَّا مضت تسع وعشرون؛ دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: إنَّك أقسمت ألَّا تدخل علينا شهرًا، وإنَّا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدُّها عدًّا، فقال النبي ﷺ: «الشهر تسع وعشرون»، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأنزل الله (٤) آية التخيير، فبدأ بي أوَّل امرأة، قال في «الفتح»: فاتَّفق الحديثان على أنَّ آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهنَّ فيه، لكن اختلفا في سبب الاعتزال، ويمكن الجمعُ بأن يكونا جميعًا سبب الاعتزال، فإنَّ قِصَّة المتظاهرتين خاصَّة بهما، وقصَّة سؤال النفقة عامَّة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصَّة سؤال النفقة أليق منها بقصَّة المتظاهرتين. انتهى. (قَالَتْ) عائشة: (فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ) الأمرين من (هَذَا) الذي ذكرتَه (أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ
وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ) وهذا يدُلُّ على كمال عقلها وصِحَّة رأيها مع صغر سِنِّها (قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ) مِنِ اختيار الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خيَّرهُنَّ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع الليثَ (مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتحتيَّة بينهما عين مهملة (١) ساكنة، الجزريُّ بالجيم والزاي والراء، الحَرَّانيُّ، فيما وصله النَّسائيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ ابنِ شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ.
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام فيما وصله مسلمٌ وابن ماجه (وَأَبُو سُفْيَانَ) محمَّدُ بن حُميدٍ السُّكَّريُّ (المَعْمَرِيُّ) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة ممَّا وصله الذُّهْلي في «الزهريات» (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) وفيه إشارةٌ إلى ما وقع مِنَ الاختلاف على الزهريِّ في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القِصَّة، ولعلَّ الحديث كان عند الزهريِّ عنهما، فحدَّث به (٢) تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، وإلى هذا جَنَحَ التِّرمذيُّ، وقد رواه عقيل وشعيب عن الزهري عن عائشة بغير واسطة، ولو اختارتِ المخيَّرة نفسها؛ وقعت طلقة رجعيَّة عندنا، وبائنة عند الحنفية، وفي هذا المبحث زيادة تأتي إن شاء الله تعالى في «الطلاق» [خ¦٥٢٦٣] بعون الله وقوّته.
(٦) هذا (بَابٌ) بالتنوين يُذْكَر فيه (قَوْلُهُ) ﷿ مخاطبًا لنبيِّه صلوات الله وسلامه عليه في قصَّة زينبَ وزيدٍ: (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾) وهو نكاحُ زينبَ إن طلقها زيدٌ، أو إرادة طلاقها، أو إخبار الله إيَّاه أنَّها ستصير زوجتَه، كما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّي بلفظ: بلغنا أنَّ هذه الآية نزلت في زينبَ بنتِ جَحْشٍ، وكانت أمُّها أُمَيْمَة بنت عبد المطلب عمَّة رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوِّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثمَّ إنَّها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ، فزوَّجها إيَّاه، ثم أعلم اللهُ نبيَّه بعدُ أنَّها من