(١)، عَمُّكِ (٢)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٩٦

الحديث رقم ٤٧٩٦ من كتاب «سورة الأحزاب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٩٦ في صحيح البخاري

(١)، عَمُّكِ (٢)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَقَالَ: ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ. قَالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ».

﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَلُّونَ﴾ يُبَرِّكُونَ.

﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ لَنُسَلِّطَنَّكَ.

إسناد حديث رقم ٤٧٩٦ من صحيح البخاري

٤٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ - قَالَتِ: «اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ، بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِينَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٩٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحِجَابِ. وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعْتُ أَنَسًا) مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّ عَنْعَنَةَ حُمَيْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرِ مُؤَثِّرَةٍ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَمِنْهُ، وَيَحْيَى الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ أَيُّوبَ الْغَافِقِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَهُوَ تَغْيِيرٌ فَاحِشٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَعِيدٌ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ خَرَجَتْ سَوْدَةُ - أَيْ بِنْتُ زَمْعَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتُ: وَقَعَ هُنَا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْحِجَابِ، فَالْجَوَابُ: لَعَلَّهُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ. قُلْتُ: بَلِ الْمُرَادُ بِالْحِجَابِ الْأَوَّلِ غَيْرُ الْحِجَابِ الثَّانِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عُمَرَ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ نُفْرَةٌ مِنَ اطِّلَاعِ الْأَجَانِبِ عَلَى الْحَرِيمِ النَّبَوِيِّ، حَتَّى صَرَّحَ بِقَوْلِهُ لَهُ : احْجُبْ نِسَاءَكَ وَأَكَّدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، ثُمَّ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُبْدِينَ أَشْخَاصَهُنَّ أَصْلًا وَلَوْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ، فَبَالَغَ فِي ذَلِكَ، فَمَنَعَ مِنْهُ، وَأَذِنَ لَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ لِحَاجَتِهِنَّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَرَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ لَيْسَ مُطَابِقًا، بَلْ إِيرَادُهُ فِي عَدَمِ الْحِجَابِ أَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ لِنُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ سَبَبٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: كُنْتُ آكُلُ مَعَ النَّبِيِّ حَيْسًا فِي قَعْبٍ، فَمَرَّ عُمَرُ فَدَعَاهُ فَأَكَلَ، فَأَصَابَ إِصْبَعُهُ إِصْبَعِي فَقَالَ: حِسَّ - أَوْ أَوْهُ - لَوْ أُطَاعُ فِيكُنَّ مَا رَأَتْكُنَّ عَيْنٌ. فَنَزَلَ الْحِجَابُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ قِصَّةِ زَيْنَبَ، فَلِقُرْبِهِ مِنْهَا أَطْلَقْتُ نُزُولَ الْحِجَابِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ فَأَطَالَ الْجُلُوسَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِيَخْرُجَ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَدَخَلَ عُمَرُ فَرَأَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: لَعَلَّكَ آذَيْتَ النَّبِيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ لَقَدْ قُمْتُ ثَلَاثًا لِكَيْ يَتْبَعَنِي فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَالَ: لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ حِجَابًا، فَإِنَّ نِسَاءَكَ لَسْنَ كَسَائِرِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِهِنَّ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ.

٩ - بَاب ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾

٤٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: طلب الإذنَ في الدخول عليَّ (أَفْلَحُ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وبعد اللَّام المفتوحة حاء مهملة (أَخُو أَبِي القُعَيْسِ) بضمِّ القاف وفتح العين المهملة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملة، واسمه (١) وائلٌ الأشعريُّ (بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ) آخر سنة خمسٍ (فَقُلْتُ: والله (٢) لَا آذَنُ لَهُ) بالمدِّ، ليس في «اليونينيَّة» لفظ: «والله» بعد «فقلت» (٣) (حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ) الذي (أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) سقط لفظ «له» لأبي ذرٍّ (٤) (إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ) أي: في الدخول عليَّ (فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ) بالمدِّ، وزاد أبو ذرٍّ: «له» (حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: «فقال رسول الله» (: وَمَا مَنَعَكِ أَنْ (٥) تَأْذَنِينَ) بالرَّفع بثبوت النون؛ كقراءة: «أن يتمُّ الرضاعة» شاذة، بالرفع على إهمال «أن» الناصبة، حملًا على «ما» أُختِها؛ لاشتراكهما في المصدريَّة، قاله البصريُّون، ولم يجعلوها المخففة مِنَ الثقيلة؛ لأنَّه لم يفصل بينها وبين الجملة الفعليَّة بعدها، أو أنَّ ما قبلها ليس بفعل علمٍ ويقينٍ، وقال

الكوفيُّون: هي المخفَّفة من الثقيلة، وشذَّ وقوعها موقع الناصبة، كما شذَّ وقوع الناصبة موقعها، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «أن تأذني» بحذف النون للنصب (عَمَُّكِ) بالنصب على المفعوليَّة أو بالرفع، أي: هو عمُّك (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَقَالَ) : (ائْذَنِي لَهُ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ) كلمةٌ تقولها العرب ولا يريدون حقيقتها إذ معناها (١): افتقرت يمينك، وقيل: المعنى ضَعُفَ عقلك إذا قلت هذا، أو تربتْ يمينك إن لم تفعلي.

(قَالَ عُرْوَةُ) بن الزبير بالسند المذكور: (فَلِذَلِكَ) الذي قاله (كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ) بالنون، ولأبي ذرٍّ: «ما تحرِّموا» بحذفها مِن غير ناصبٍ، وهو لغةٌ فصيحةٌ كعكسه، وقد اجتمع في هذا الحديث الأمران، وقال في «فتح الباري»: ومطابقة الآيتين للترجمة من قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] لأنَّ ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: «ائذني له فإنه عمك» مع قوله في الحديث الآخر: «العمُّ صِنْوُ الأب»، وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنَّه ليس في الحديث مطابقة للتَّرجمة أصلًا، وكأنَّ البخاريَّ رمز بإيراد هذا الحديث إلى الرَّدِّ على من كره للمرأة أن تضع (٢) خمارها عند عمِّها أو خالها، كما ذكرته عن عكرمة والشَّعبيِّ فيما سبق هنا قريبًا، وهذا من دقائق ما ترجم به البخاري .

وهذا الحديث قد سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤].

(١٠) (بابُ قولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «بَابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٣): في (٤) قوله: (﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾) اختلف: هل ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبرٌ عن الله وملائكتِهِ، أو عن الملائكة فقط؟ وخبر الجلالة (٥)

محذوفٌ لتغايرِ الصلاتين؛ لأنَّ صلاة الله غير صلاتهم، أي: إنَّ الله يصلِّي وملائكته يصلُّون، إلَّا أنَّ فيه بحثًا؛ وذلك أنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا اختلفَ مدلولا (١) الخبرين؛ فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد، فلا تقول: زيد ضاربٌ وعمرٌو؛ يعني (٢): وعمرٌو ضاربٌ في الأرض، أي: مسافرٌ، وعبَّر بصيغة المضارع؛ ليدل على الدوام والاستمرار، أي: أنَّه تعالى وجميع ملائكته الذين لا يُحصَون بالعدِّ (٣)، ولا يُحصَرون بالحدِّ يصلُّون عليه، وفيه الاعتناء بشرفه وتعظيم شأنه في الملأ الأعلى (٤) (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾) أي: اعتنوا أيُّها الملأ الأدنى بشرفه وتعظيمه أيضًا، فإنَّكم (٥) أولى بذلك، وقولوا: اللَّهمَّ صلِّ عليه (﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]) وقولوا: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ، وأكَّد السَّلام بالمصدر، واستُشكل: بأنَّ الصلاة آكد منه، فكيف أكَّده بالمصدر دونها؟ وأُجيب بأنَّها مؤكَّدة بـ ﴿إِنَّ﴾ وبإعلامه تعالى بأنَّه (٦) يصلِّي عليه وملائكته، ولا كذلك السَّلام؛ إذ ليس ثمَّ ما يقوم مقامه، أو أنَّه لمَّا وقع تقديمها عليه لفظًا -وللتقديم مزيَّةٌ في الاهتمام- حسن تأكيد السَّلام؛ لئلَّا يتوهَّم قلَّة الاهتمام به لتأخُّره، وأضيفت الصلاة إلى الله وملائكته دون السَّلام وأمر المؤمنون بهما؟ فيحتمل أن يقال: إن السَّلام لمَّا كان له معنيان: التحيَّة والانقياد، فأمر به المؤمنون لصحَّتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام، كذا أجاب الحافظ ابن حجر، والأمر للوجوب في الجملة، أو كلَّما ذُكِرَ؛ لحديث: «رغم أنف رجل ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ»، رواه البخاريُّ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ (٧)، وحديث عليٍّ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسن غريب صحيح-: «البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ»، أو في المجلس مرَّةً؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلُّوا على

نبيِّهم إلَّا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم» رواه الترمذي، أو في العمر مرَّةً واحدةً؛ لأنَّ الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا، والماهية تحصل بمرَّةٍ، أو في القعود آخر الصلاة بين التشهُّد والسَّلام، قاله إمامُنا الشَّافعيُّ والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهي (١) الأخيرة، وإسحاق بن رَاهُوْيَه، ونصُّه: إذا تركها عمدًا؛ بطلت صلاته، أو سهوًا؛ رجوتُ أن تُجزِئَه، وابن الموَّاز من المالكيَّة، واختاره ابن العربيِّ منهم أيضًا (٢)، وألزم العراقيُّ القائل بوجوبها كلَّما ذكر -كالطحاوي- أن يقول به في التشهُّد؛ لتقدُّم ذكره في التشهُّد، وفيه ردٌّ على مَن زعم أنَّ الشافعيَّ شذَّ في ذلك، كأبي (٣) جعفرٍ الطبريِّ والطحاويِّ وابن المنذر والخطَّابيِّ، كما حكاه القاضي عياض في «الشفاء»، وفي كتابي «المواهب اللدنية بالمنح المحمَّدية» ما يكفي ويَشفي، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾: «الآيةَ»، وقد انتزع النوويُّ من الآية الجمع بين الصَّلاة والسَّلام، فلا يُفرَدُ أحدهما من الآخر، قال الحافظ ابن كثير: والأَولى أن يقال: تسليمًا.

(قَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفيعٌ -بالتَّصغير- ابن مِهْران الرِّياحيُّ؛ بكسر الراء بعدها تحتيَّة وبعد الألف حاءٌ مهملة، مولاهم البصريُّ، أحد أئمَّة التابعين، أدرك الجاهلية، ودخل على أبي بكرٍ، وصلَّى خلف عمر، وحفظ القرآن في خلافته، وتوفِّي سنة تسعين في شوَّالٍ، وقال البخاريُّ (٤) سنة ثلاث

وتسعين: (صَلَاةُ اللهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ) أخرجه ابن أبي حاتم (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) : (﴿يُصَلُّونَ﴾) أي: (يُبَرِّكُونَ) بتشديد الرَّاء المكسورة، أي: يدعون له بالبركة، أخرجه الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه (١)، ونقل التِّرمذيُّ عن سفيان الثوريِّ وغير واحدٍ من أهل العلم قالوا: صلاةُ الربِّ الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، وعن الحسن ممَّا رواه ابن أبي حاتم: أنَّ بني إسرائيل سألوا موسى هل يصلِّي ربُّك؟ قال: فكأنَّ ذلك كَبُرَ في صدر موسى، فأوحى الله إليه: أخبرهم أنِّي أصلي وأنَّ صلاتي: إنَّ رحمتي سبقت غضبي، وهو في معجمي (٢) الطبراني «الصغير» و «الأوسط» من طريق عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ؛ رفعه: «قلت: يا جبريل، أيُصلِّي ربُّك جلَّ ذكره؟ قال: نعم؛ قلت: ما صلاته؟ قال: سبُّوحٌ قدُّوسٌ، سبقت رحمتي غضبي».

وعن أبي (٣) بكر القشيريِّ ممَّا (٤) نقله القاضي عياض: الصلاة على النَّبيِّ من الله تشريفٌ وزيادة تكرُمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبيِّ وبين سائر المؤمنين، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال قبل

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحِجَابِ. وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعْتُ أَنَسًا) مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّ عَنْعَنَةَ حُمَيْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرِ مُؤَثِّرَةٍ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَمِنْهُ، وَيَحْيَى الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ أَيُّوبَ الْغَافِقِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَهُوَ تَغْيِيرٌ فَاحِشٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَعِيدٌ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ خَرَجَتْ سَوْدَةُ - أَيْ بِنْتُ زَمْعَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتُ: وَقَعَ هُنَا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْحِجَابِ، فَالْجَوَابُ: لَعَلَّهُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ. قُلْتُ: بَلِ الْمُرَادُ بِالْحِجَابِ الْأَوَّلِ غَيْرُ الْحِجَابِ الثَّانِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عُمَرَ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ نُفْرَةٌ مِنَ اطِّلَاعِ الْأَجَانِبِ عَلَى الْحَرِيمِ النَّبَوِيِّ، حَتَّى صَرَّحَ بِقَوْلِهُ لَهُ : احْجُبْ نِسَاءَكَ وَأَكَّدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، ثُمَّ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُبْدِينَ أَشْخَاصَهُنَّ أَصْلًا وَلَوْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ، فَبَالَغَ فِي ذَلِكَ، فَمَنَعَ مِنْهُ، وَأَذِنَ لَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ لِحَاجَتِهِنَّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَرَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ لَيْسَ مُطَابِقًا، بَلْ إِيرَادُهُ فِي عَدَمِ الْحِجَابِ أَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ لِنُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ سَبَبٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: كُنْتُ آكُلُ مَعَ النَّبِيِّ حَيْسًا فِي قَعْبٍ، فَمَرَّ عُمَرُ فَدَعَاهُ فَأَكَلَ، فَأَصَابَ إِصْبَعُهُ إِصْبَعِي فَقَالَ: حِسَّ - أَوْ أَوْهُ - لَوْ أُطَاعُ فِيكُنَّ مَا رَأَتْكُنَّ عَيْنٌ. فَنَزَلَ الْحِجَابُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ قِصَّةِ زَيْنَبَ، فَلِقُرْبِهِ مِنْهَا أَطْلَقْتُ نُزُولَ الْحِجَابِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ فَأَطَالَ الْجُلُوسَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِيَخْرُجَ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَدَخَلَ عُمَرُ فَرَأَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: لَعَلَّكَ آذَيْتَ النَّبِيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ لَقَدْ قُمْتُ ثَلَاثًا لِكَيْ يَتْبَعَنِي فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَالَ: لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ حِجَابًا، فَإِنَّ نِسَاءَكَ لَسْنَ كَسَائِرِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِهِنَّ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ.

٩ - بَاب ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾

٤٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: طلب الإذنَ في الدخول عليَّ (أَفْلَحُ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وبعد اللَّام المفتوحة حاء مهملة (أَخُو أَبِي القُعَيْسِ) بضمِّ القاف وفتح العين المهملة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملة، واسمه (١) وائلٌ الأشعريُّ (بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ) آخر سنة خمسٍ (فَقُلْتُ: والله (٢) لَا آذَنُ لَهُ) بالمدِّ، ليس في «اليونينيَّة» لفظ: «والله» بعد «فقلت» (٣) (حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ) الذي (أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) سقط لفظ «له» لأبي ذرٍّ (٤) (إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ) أي: في الدخول عليَّ (فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ) بالمدِّ، وزاد أبو ذرٍّ: «له» (حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: «فقال رسول الله» (: وَمَا مَنَعَكِ أَنْ (٥) تَأْذَنِينَ) بالرَّفع بثبوت النون؛ كقراءة: «أن يتمُّ الرضاعة» شاذة، بالرفع على إهمال «أن» الناصبة، حملًا على «ما» أُختِها؛ لاشتراكهما في المصدريَّة، قاله البصريُّون، ولم يجعلوها المخففة مِنَ الثقيلة؛ لأنَّه لم يفصل بينها وبين الجملة الفعليَّة بعدها، أو أنَّ ما قبلها ليس بفعل علمٍ ويقينٍ، وقال

الكوفيُّون: هي المخفَّفة من الثقيلة، وشذَّ وقوعها موقع الناصبة، كما شذَّ وقوع الناصبة موقعها، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «أن تأذني» بحذف النون للنصب (عَمَُّكِ) بالنصب على المفعوليَّة أو بالرفع، أي: هو عمُّك (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَقَالَ) : (ائْذَنِي لَهُ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ) كلمةٌ تقولها العرب ولا يريدون حقيقتها إذ معناها (١): افتقرت يمينك، وقيل: المعنى ضَعُفَ عقلك إذا قلت هذا، أو تربتْ يمينك إن لم تفعلي.

(قَالَ عُرْوَةُ) بن الزبير بالسند المذكور: (فَلِذَلِكَ) الذي قاله (كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ) بالنون، ولأبي ذرٍّ: «ما تحرِّموا» بحذفها مِن غير ناصبٍ، وهو لغةٌ فصيحةٌ كعكسه، وقد اجتمع في هذا الحديث الأمران، وقال في «فتح الباري»: ومطابقة الآيتين للترجمة من قوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] لأنَّ ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: «ائذني له فإنه عمك» مع قوله في الحديث الآخر: «العمُّ صِنْوُ الأب»، وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنَّه ليس في الحديث مطابقة للتَّرجمة أصلًا، وكأنَّ البخاريَّ رمز بإيراد هذا الحديث إلى الرَّدِّ على من كره للمرأة أن تضع (٢) خمارها عند عمِّها أو خالها، كما ذكرته عن عكرمة والشَّعبيِّ فيما سبق هنا قريبًا، وهذا من دقائق ما ترجم به البخاري .

وهذا الحديث قد سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٤].

(١٠) (بابُ قولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «بَابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٣): في (٤) قوله: (﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾) اختلف: هل ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبرٌ عن الله وملائكتِهِ، أو عن الملائكة فقط؟ وخبر الجلالة (٥)

محذوفٌ لتغايرِ الصلاتين؛ لأنَّ صلاة الله غير صلاتهم، أي: إنَّ الله يصلِّي وملائكته يصلُّون، إلَّا أنَّ فيه بحثًا؛ وذلك أنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا اختلفَ مدلولا (١) الخبرين؛ فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد، فلا تقول: زيد ضاربٌ وعمرٌو؛ يعني (٢): وعمرٌو ضاربٌ في الأرض، أي: مسافرٌ، وعبَّر بصيغة المضارع؛ ليدل على الدوام والاستمرار، أي: أنَّه تعالى وجميع ملائكته الذين لا يُحصَون بالعدِّ (٣)، ولا يُحصَرون بالحدِّ يصلُّون عليه، وفيه الاعتناء بشرفه وتعظيم شأنه في الملأ الأعلى (٤) (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾) أي: اعتنوا أيُّها الملأ الأدنى بشرفه وتعظيمه أيضًا، فإنَّكم (٥) أولى بذلك، وقولوا: اللَّهمَّ صلِّ عليه (﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]) وقولوا: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ، وأكَّد السَّلام بالمصدر، واستُشكل: بأنَّ الصلاة آكد منه، فكيف أكَّده بالمصدر دونها؟ وأُجيب بأنَّها مؤكَّدة بـ ﴿إِنَّ﴾ وبإعلامه تعالى بأنَّه (٦) يصلِّي عليه وملائكته، ولا كذلك السَّلام؛ إذ ليس ثمَّ ما يقوم مقامه، أو أنَّه لمَّا وقع تقديمها عليه لفظًا -وللتقديم مزيَّةٌ في الاهتمام- حسن تأكيد السَّلام؛ لئلَّا يتوهَّم قلَّة الاهتمام به لتأخُّره، وأضيفت الصلاة إلى الله وملائكته دون السَّلام وأمر المؤمنون بهما؟ فيحتمل أن يقال: إن السَّلام لمَّا كان له معنيان: التحيَّة والانقياد، فأمر به المؤمنون لصحَّتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام، كذا أجاب الحافظ ابن حجر، والأمر للوجوب في الجملة، أو كلَّما ذُكِرَ؛ لحديث: «رغم أنف رجل ذُكِرْتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ»، رواه البخاريُّ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ (٧)، وحديث عليٍّ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسن غريب صحيح-: «البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ»، أو في المجلس مرَّةً؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلُّوا على

نبيِّهم إلَّا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم» رواه الترمذي، أو في العمر مرَّةً واحدةً؛ لأنَّ الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا، والماهية تحصل بمرَّةٍ، أو في القعود آخر الصلاة بين التشهُّد والسَّلام، قاله إمامُنا الشَّافعيُّ والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهي (١) الأخيرة، وإسحاق بن رَاهُوْيَه، ونصُّه: إذا تركها عمدًا؛ بطلت صلاته، أو سهوًا؛ رجوتُ أن تُجزِئَه، وابن الموَّاز من المالكيَّة، واختاره ابن العربيِّ منهم أيضًا (٢)، وألزم العراقيُّ القائل بوجوبها كلَّما ذكر -كالطحاوي- أن يقول به في التشهُّد؛ لتقدُّم ذكره في التشهُّد، وفيه ردٌّ على مَن زعم أنَّ الشافعيَّ شذَّ في ذلك، كأبي (٣) جعفرٍ الطبريِّ والطحاويِّ وابن المنذر والخطَّابيِّ، كما حكاه القاضي عياض في «الشفاء»، وفي كتابي «المواهب اللدنية بالمنح المحمَّدية» ما يكفي ويَشفي، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾: «الآيةَ»، وقد انتزع النوويُّ من الآية الجمع بين الصَّلاة والسَّلام، فلا يُفرَدُ أحدهما من الآخر، قال الحافظ ابن كثير: والأَولى أن يقال: تسليمًا.

(قَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفيعٌ -بالتَّصغير- ابن مِهْران الرِّياحيُّ؛ بكسر الراء بعدها تحتيَّة وبعد الألف حاءٌ مهملة، مولاهم البصريُّ، أحد أئمَّة التابعين، أدرك الجاهلية، ودخل على أبي بكرٍ، وصلَّى خلف عمر، وحفظ القرآن في خلافته، وتوفِّي سنة تسعين في شوَّالٍ، وقال البخاريُّ (٤) سنة ثلاث

وتسعين: (صَلَاةُ اللهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ) أخرجه ابن أبي حاتم (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) : (﴿يُصَلُّونَ﴾) أي: (يُبَرِّكُونَ) بتشديد الرَّاء المكسورة، أي: يدعون له بالبركة، أخرجه الطبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه (١)، ونقل التِّرمذيُّ عن سفيان الثوريِّ وغير واحدٍ من أهل العلم قالوا: صلاةُ الربِّ الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، وعن الحسن ممَّا رواه ابن أبي حاتم: أنَّ بني إسرائيل سألوا موسى هل يصلِّي ربُّك؟ قال: فكأنَّ ذلك كَبُرَ في صدر موسى، فأوحى الله إليه: أخبرهم أنِّي أصلي وأنَّ صلاتي: إنَّ رحمتي سبقت غضبي، وهو في معجمي (٢) الطبراني «الصغير» و «الأوسط» من طريق عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ؛ رفعه: «قلت: يا جبريل، أيُصلِّي ربُّك جلَّ ذكره؟ قال: نعم؛ قلت: ما صلاته؟ قال: سبُّوحٌ قدُّوسٌ، سبقت رحمتي غضبي».

وعن أبي (٣) بكر القشيريِّ ممَّا (٤) نقله القاضي عياض: الصلاة على النَّبيِّ من الله تشريفٌ وزيادة تكرُمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبيِّ وبين سائر المؤمنين، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال قبل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله