الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٠٠
الحديث رقم ٤٨٠٠ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة سبإ.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمُقْبِلَةَ، وَكَانُوا أَنْعَمَ قَوْمٍ، فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بَثَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْمُسَنَّاةِ، فَغَرِقَتْ أَرْضُهُمْ وَدَقَّتِ الرَّمْلُ بُيُوتَهُمْ وَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ، حَتَّى صَارَ تَمْزِيقُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ مَثَلًا يَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أَيْدِيَ سَبَأٍ. وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ: فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الْعَرِمُ اسْمُ الْوَادِي، وَقِيلَ: الْعَرِمُ اسْمُ الْجُرَذِ الَّذِي خَرَّبَ السَّدَّ، وَقِيلَ: هُوَ صِفَةُ السَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرَامَةِ، وَقِيلَ: اسْمُ الْمَطَرِ الْكَثِيرِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَيْلُ الْعَرِمِ وَاحِدَتُهَا عَرِمَةٌ، وَهُوَ بِنَاءٌ يُحْبَسُ بِهِ الْمَاءُ يُبْنَى فَيُشْرَفُ بِهِ عَلَى الْمَاءِ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ، وَيُتْرَكُ فِيهِ سَبِيلٌ لِلسَّفِينَةِ، فَتِلْكَ الْعَرِمَاتُ وَاحِدَتُهَا عَرِمَةٌ.
قَوْلُهُ: (السَّابِغَاتُ الدُّرُوعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أَيْ دُرُوعًا وَاسِعَةً طَوِيلَةً.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُجَازِي يُعَاقِبُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ: هُوَ الْمُنَاقَشَةُ فِي الْحِسَابِ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، وَهُوَ الْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ.
(تَنْبِيهٌ): قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ الْحَصْرِ فِي الْكُفْرِ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْكُفْرِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَمِثْلُهُ ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ وَقِيلَ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وَقِيلَ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وَقِيلَ: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ وَقِيلَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ، وَقِيلَ: آيَةُ الدَّيْنِ، وَقِيلَ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ وَهَذَا الْأَخِيرُ نَقَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَقِبَ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَفِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
قَوْلُهُ: (أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ: بِطَاعَةِ اللَّهِ، مَثْنَى وَفُرَادَى وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (التَّنَاوُشُ: الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: (وَأَنَّى لَهُمَا التَّنَاوُشُ) قَالَ: رَدٌّ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قَالَ: يَسْأَلُونَ الرَّدَّ، وَلَيْسَ بِحِينِ رَدٍّ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ: مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ. أَوْ زَهْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَشْيَاعِهِمْ: بِأَمْثَالِهِمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ قَالَ: الْكُفَّارُ مِنْ قَبْلِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالْجَوَابِي كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ) تَقَدَّمَ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، قِيلَ: الْجَوَابِي فِي اللُّغَةِ جَمْعُ جَابِيَةٍ وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الشَّيْءُ أَيْ يُجْمَعُ، وَأَمَّا الْجَوْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ فَهِيَ الْمَوْضِعُ الْمُطْمَئِنُ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ الْجَوَابِي بِهَا، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَسَّرَ الْجَابِيَةَ بِالْجَوْبَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ اشْتِقَاقَهُمَا وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (الْخَمْطُ: الْأَرَاكُ، وَالْأَثْلُ: الطَّرْفَاءُ، الْعَرِمُ: الشَّدِيدُ) سَقَطَ الْكَلَامُ الْأَخِيرُ لِلنَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا كُلِّهِ مُفَرَّقًا.
١ - بَاب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُهَا
مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ) فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَاءَ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، فَإِذَا سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِذَلِكَ صُعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، فَيَنْتَهِي بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُهُ مَاذَا قَالَ رَبُّنَا؟ قَالَ: الْحَقَّ، فَيَنْتَهِي بِهِ حَيْثُ أُمِرَ.
قَوْلُهُ: (ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا) بِفَتْحَتَيْنِ مِنَ الْخُضُوعِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى خَاضِعِينَ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهُ) أَيِ الْقَوْلُ الْمَسْمُوعُ (سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ) هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ: صَلْصَلَةٌ كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ صَوْتُ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ يَسْمَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ فَيَفْزَعُونَ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ. وَقَرَأَ: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ الْآيَةَ وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَعَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ مَوْقُوفًا، وَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الصَّلْصَلَةُ صَوْتُ الْحَدِيدِ إِذَا تَحَرَّكَ وَتَدَاخَلَ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ لَهُ بِالصَّادِ، وَأَرَادَ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَالَّذِي فِي بَدْءِ الْوَحْيِ هَذَا وَالَّذِي هُنَا جَرُّ السِّلْسِلَةِ مِنَ الْحَدِيدِ إِلَى الصَّفْوَانِ الَّذِي هُوَ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ يَكُونُ الصَّوْتُ النَّاشِئُ عَنْهُمَا سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (عَلَى صَفْوَانٍ) زَادَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ غَيْرُهُ: - يَعْنِي غَيْرَ سُفْيَانَ - يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ فَلَا يَنْزِلُ عَلَى أَهْلِ سَمَاءٍ إِلَّا صُعِقُوا وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَرُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ: مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ مَاتَ عَظِيمٌ أَوْ يُولَدُ عَظِيمٌ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ سَمَاءَ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَقُولُونَ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ الْحَدِيثَ. وَلَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ) فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَمُسْتَرِقٌ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ فَصِيحٌ.
قَوْلُهُ: (هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَصَفَهُ سُفْيَانُ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ (بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْني أَصَابِعِهِ) أَيْ فَرَّقَ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنَ الْجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّمَاءِ يَسْمَعُونَ مِنْهُ الْوَحْيَ يَعْنِي يُلْقِيهَا، زَادَ عَلِيٌّ، عَنْ سُفْيَانَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْأَرْضِ فَيُلْقَى.
قَوْلُهُ: (عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ) فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ عَلَى لِسَانِ الْآخَرِ بَدَلَ السَّاحِرِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ السَّاحِرِ وَالْكَاهِنِ وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ.
قَوْلُهُ: (فَرُبَّمَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ضِمنًا، واختلف في الموصوفين بهذه الصِّفةِ، فقيل: هم الملائكةُ عند سماعِ الوحي (﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾)؟ جواب ﴿إِذَا فُزِّعَ﴾ (﴿قَالُوا﴾) أي: المقرَّبون من الملائكة كجبريل: قال ربنا القول (﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]) إشارة إلى أنَّه الكاملُ في ذاتهِ وصفاته.
٤٨٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بنُ الزُّبير، المكيُّ، قال (١): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو: ابنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو: ابنُ دينار (قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ) وفي حديث النَّواسِ بنِ سمعان عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «إذا تكلَّمَ الله بالوحيِ» (ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا) حال كونها (خُضْعَانًا) بضم الخاء المعجمة، أي: خاضعينَ طائعينَ، وهذا مقامٌ رفيع في العظمةِ (لِقَوْلِهِ) تعالى: (كَأَنَّهُ) أي: القولُ المسموعُ (سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ) حجرٍ أملسٍ، فيفزعون ويرون أنَّه من أمر السَّاعةِ (فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا﴾) أي: الملائكةُ بعضهم لبعضٍ (﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ لِلَّذِي قَالَ) يسألُ: قال الله القول (﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] فَيَسْمَعُهَا) أي: المقالة (مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ) بالإفراد فيهما، واستشكلَه الزَّركشيُّ وصوَّب الجمع في الموضعين، وأجاب في «المصابيح»: بأنَّه يمكنُ جعلهُ لمفردٍ لفظًا دال على الجماعةِ معنى؛ أي (٢): فيسمعُها فريقُ مسترِق السَّمع، وفريقُ مسترقِ السَّمع مبتدأ خبرُه قوله: (هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَوَصَفَ)
ولابنِ عساكرَ: «وصَفَ» بإسقاط الواو، ولأبي ذرٍّ: «وصَفَهُ» بهاء الضَّمير (سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا) بحاء مهملة وراء مشدَّدة ثمَّ فاء (وَبَدَّدَ) أي: فرَّقَ (بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَيَسْمَعُ) المسترقُ (الكَلِمَةَ) من الوحي (فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا) في الفرع: «يُلقيْهَا» بجزمةٍ فوق الياء، وفي غيره بنصبة (١) (عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ).
وعند سعيدِ بن منصورٍ عن سفيان: «على السَّاحرِ والكاهنِ» (فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ) أي: المسترقَ (قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا) أي: المقالةَ إلى صاحبهِ (وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ) أي: الشِّهابُ (فَيَكْذِبُ) الَّذي تلقَّاها (مَعَهَا) مع تلك المقالةِ (مِئَةَ كَذْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون الذال (٢) المعجمة (فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ) بفتح الصاد والدال (بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) وسقطتِ «التاء» من «سُمِعت» لغير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ، والأولى إثباتها.
وسبق الحديث في «سورة الحجر» [خ¦٤٧٠١]، ويأتي إن شاء الله تعالى بقيَّةُ مباحثهِ في محلِّهِ بعون الله وقوَّته.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمُقْبِلَةَ، وَكَانُوا أَنْعَمَ قَوْمٍ، فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بَثَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْمُسَنَّاةِ، فَغَرِقَتْ أَرْضُهُمْ وَدَقَّتِ الرَّمْلُ بُيُوتَهُمْ وَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ، حَتَّى صَارَ تَمْزِيقُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ مَثَلًا يَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أَيْدِيَ سَبَأٍ. وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ: فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: الْعَرِمُ اسْمُ الْوَادِي، وَقِيلَ: الْعَرِمُ اسْمُ الْجُرَذِ الَّذِي خَرَّبَ السَّدَّ، وَقِيلَ: هُوَ صِفَةُ السَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرَامَةِ، وَقِيلَ: اسْمُ الْمَطَرِ الْكَثِيرِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَيْلُ الْعَرِمِ وَاحِدَتُهَا عَرِمَةٌ، وَهُوَ بِنَاءٌ يُحْبَسُ بِهِ الْمَاءُ يُبْنَى فَيُشْرَفُ بِهِ عَلَى الْمَاءِ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ، وَيُتْرَكُ فِيهِ سَبِيلٌ لِلسَّفِينَةِ، فَتِلْكَ الْعَرِمَاتُ وَاحِدَتُهَا عَرِمَةٌ.
قَوْلُهُ: (السَّابِغَاتُ الدُّرُوعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أَيْ دُرُوعًا وَاسِعَةً طَوِيلَةً.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُجَازِي يُعَاقِبُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ: هُوَ الْمُنَاقَشَةُ فِي الْحِسَابِ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، وَهُوَ الْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ.
(تَنْبِيهٌ): قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ الْحَصْرِ فِي الْكُفْرِ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْكُفْرِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَمِثْلُهُ ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ وَقِيلَ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وَقِيلَ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وَقِيلَ: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ وَقِيلَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ، وَقِيلَ: آيَةُ الدَّيْنِ، وَقِيلَ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ وَهَذَا الْأَخِيرُ نَقَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَقِبَ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَفِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
قَوْلُهُ: (أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ: بِطَاعَةِ اللَّهِ، مَثْنَى وَفُرَادَى وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (التَّنَاوُشُ: الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: (وَأَنَّى لَهُمَا التَّنَاوُشُ) قَالَ: رَدٌّ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قَالَ: يَسْأَلُونَ الرَّدَّ، وَلَيْسَ بِحِينِ رَدٍّ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ: مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ. أَوْ زَهْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَشْيَاعِهِمْ: بِأَمْثَالِهِمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ قَالَ: الْكُفَّارُ مِنْ قَبْلِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالْجَوَابِي كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ) تَقَدَّمَ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، قِيلَ: الْجَوَابِي فِي اللُّغَةِ جَمْعُ جَابِيَةٍ وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الشَّيْءُ أَيْ يُجْمَعُ، وَأَمَّا الْجَوْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ فَهِيَ الْمَوْضِعُ الْمُطْمَئِنُ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ الْجَوَابِي بِهَا، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَسَّرَ الْجَابِيَةَ بِالْجَوْبَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ اشْتِقَاقَهُمَا وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (الْخَمْطُ: الْأَرَاكُ، وَالْأَثْلُ: الطَّرْفَاءُ، الْعَرِمُ: الشَّدِيدُ) سَقَطَ الْكَلَامُ الْأَخِيرُ لِلنَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا كُلِّهِ مُفَرَّقًا.
١ - بَاب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُهَا
مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ) فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَاءَ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، فَإِذَا سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِذَلِكَ صُعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، فَيَنْتَهِي بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُهُ مَاذَا قَالَ رَبُّنَا؟ قَالَ: الْحَقَّ، فَيَنْتَهِي بِهِ حَيْثُ أُمِرَ.
قَوْلُهُ: (ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا) بِفَتْحَتَيْنِ مِنَ الْخُضُوعِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى خَاضِعِينَ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهُ) أَيِ الْقَوْلُ الْمَسْمُوعُ (سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ) هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ: صَلْصَلَةٌ كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ صَوْتُ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ يَسْمَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ فَيَفْزَعُونَ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ. وَقَرَأَ: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ الْآيَةَ وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَعَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ مَوْقُوفًا، وَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الصَّلْصَلَةُ صَوْتُ الْحَدِيدِ إِذَا تَحَرَّكَ وَتَدَاخَلَ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ لَهُ بِالصَّادِ، وَأَرَادَ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَالَّذِي فِي بَدْءِ الْوَحْيِ هَذَا وَالَّذِي هُنَا جَرُّ السِّلْسِلَةِ مِنَ الْحَدِيدِ إِلَى الصَّفْوَانِ الَّذِي هُوَ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ يَكُونُ الصَّوْتُ النَّاشِئُ عَنْهُمَا سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (عَلَى صَفْوَانٍ) زَادَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ غَيْرُهُ: - يَعْنِي غَيْرَ سُفْيَانَ - يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ فَلَا يَنْزِلُ عَلَى أَهْلِ سَمَاءٍ إِلَّا صُعِقُوا وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَرُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ: مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ مَاتَ عَظِيمٌ أَوْ يُولَدُ عَظِيمٌ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ سَمَاءَ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَقُولُونَ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ الْحَدِيثَ. وَلَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ) فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَمُسْتَرِقٌ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ فَصِيحٌ.
قَوْلُهُ: (هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَصَفَهُ سُفْيَانُ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ (بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْني أَصَابِعِهِ) أَيْ فَرَّقَ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنَ الْجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّمَاءِ يَسْمَعُونَ مِنْهُ الْوَحْيَ يَعْنِي يُلْقِيهَا، زَادَ عَلِيٌّ، عَنْ سُفْيَانَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْأَرْضِ فَيُلْقَى.
قَوْلُهُ: (عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ) فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ عَلَى لِسَانِ الْآخَرِ بَدَلَ السَّاحِرِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ السَّاحِرِ وَالْكَاهِنِ وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ.
قَوْلُهُ: (فَرُبَّمَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ضِمنًا، واختلف في الموصوفين بهذه الصِّفةِ، فقيل: هم الملائكةُ عند سماعِ الوحي (﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾)؟ جواب ﴿إِذَا فُزِّعَ﴾ (﴿قَالُوا﴾) أي: المقرَّبون من الملائكة كجبريل: قال ربنا القول (﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]) إشارة إلى أنَّه الكاملُ في ذاتهِ وصفاته.
٤٨٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بنُ الزُّبير، المكيُّ، قال (١): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو: ابنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو: ابنُ دينار (قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ) وفي حديث النَّواسِ بنِ سمعان عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «إذا تكلَّمَ الله بالوحيِ» (ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا) حال كونها (خُضْعَانًا) بضم الخاء المعجمة، أي: خاضعينَ طائعينَ، وهذا مقامٌ رفيع في العظمةِ (لِقَوْلِهِ) تعالى: (كَأَنَّهُ) أي: القولُ المسموعُ (سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ) حجرٍ أملسٍ، فيفزعون ويرون أنَّه من أمر السَّاعةِ (فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا﴾) أي: الملائكةُ بعضهم لبعضٍ (﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ لِلَّذِي قَالَ) يسألُ: قال الله القول (﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] فَيَسْمَعُهَا) أي: المقالة (مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ) بالإفراد فيهما، واستشكلَه الزَّركشيُّ وصوَّب الجمع في الموضعين، وأجاب في «المصابيح»: بأنَّه يمكنُ جعلهُ لمفردٍ لفظًا دال على الجماعةِ معنى؛ أي (٢): فيسمعُها فريقُ مسترِق السَّمع، وفريقُ مسترقِ السَّمع مبتدأ خبرُه قوله: (هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَوَصَفَ)
ولابنِ عساكرَ: «وصَفَ» بإسقاط الواو، ولأبي ذرٍّ: «وصَفَهُ» بهاء الضَّمير (سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا) بحاء مهملة وراء مشدَّدة ثمَّ فاء (وَبَدَّدَ) أي: فرَّقَ (بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَيَسْمَعُ) المسترقُ (الكَلِمَةَ) من الوحي (فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا) في الفرع: «يُلقيْهَا» بجزمةٍ فوق الياء، وفي غيره بنصبة (١) (عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ).
وعند سعيدِ بن منصورٍ عن سفيان: «على السَّاحرِ والكاهنِ» (فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ) أي: المسترقَ (قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا) أي: المقالةَ إلى صاحبهِ (وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ) أي: الشِّهابُ (فَيَكْذِبُ) الَّذي تلقَّاها (مَعَهَا) مع تلك المقالةِ (مِئَةَ كَذْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون الذال (٢) المعجمة (فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ) بفتح الصاد والدال (بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) وسقطتِ «التاء» من «سُمِعت» لغير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ، والأولى إثباتها.
وسبق الحديث في «سورة الحجر» [خ¦٤٧٠١]، ويأتي إن شاء الله تعالى بقيَّةُ مباحثهِ في محلِّهِ بعون الله وقوَّته.