«سَأَلْتُ مُجَاهِدًا، عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٠٦

الحديث رقم ٤٨٠٦ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة ص.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨٠٦ في صحيح البخاري

«سَأَلْتُ مُجَاهِدًا، عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا».

إسناد حديث رقم ٤٨٠٦ من صحيح البخاري

٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَوَّامِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

📖 هذا الحديث في تفسير سورة ص - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.

شرح حديث ٤٨٠٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ

٣٨ - سُورَةُ ص

٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا.

٤٨٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةٍ فِي ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقَالَ: أَوَ مَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿عُجَابٌ﴾ عَجِيبٌ. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ. وهُوَ هَا هُنَا صَحِيفَةُ الْحِسَنات، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ مُعَازِّينَ. ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الْاخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ. الْأَسْبَابُ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا. ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ. ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ. ﴿قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أَحَطْنَا بِهِمْ. ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَمْثَالٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَيْدُ الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادَةِ. الْأَبْصَارُ: الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ مِنْ ذِكْرِ. طَفِقَ مَسْحًا: يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. ﴿الأَصْفَادِ﴾ الْوَثَاقِ

قَوْلُهُ: سُورَةُ ص - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ فَقَطْ لِلنَّسَفِيِّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى ص، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّوَرِ، وَقَدْ قَرَأَهَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ الدَّالِ فَقِيلَ الدَّرَجُ وَقِيلَ بَلْ هِيَ عِنْدَهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُصَادَاةِ وَهِيَ الْمُعَارَضَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ عَارِضِ الْقُرْآنَ بِعَمَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِي أَسْمَاءِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ غَافِرٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَوَّامِ) هُوَ ابْنُ حَوْشَبٍ، كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورٍ، وَعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، وَأَبِي حُصَيْنٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ فَكَأَنَّ لِشُعْبَةَ فِيهِ مَشَايِخُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بَدَلَ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. فَلَعَلَّ لِلْعَوَّامِ فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَفِي ص سَجْدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ، فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِمُجَاهِدٍ، فَرِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ شَاذَّةٌ.

قَوْلُهُ في الرواية الثانية (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَابْنُ طَاهِرٍ: هُوَ الذُّهْلِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَخْرَمِيِّ فَإِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ.

قَوْلُهُ: (فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ) سَقَطَ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ؛ وَهَذَا أَصْرَحُ فِي الرَّفْعِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّجُودِ فِي ص فِي كِتَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ مُسْتَوْفًى، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ

قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ تَعَرَّضْنَا لَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ: ﴿عُجَابٌ﴾ عَجِيبٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَالْعَرَبُ تُحَوِّلُ فَعِيلًا إِلَى فُعَالٍ بِالضَّمِّ وَهُوَ مِثْلُ طَوِيلٍ وَطُوَالٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:

تَعْدُو بِهِ سَلْهَبَةً سُرَاعَةً

أَيْ سَرِيعَةً، وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَنُقِلَتْ عَنْ عَلِيٍّ عُجَّابٌ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مِثْلُ كُبَّارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ كُبَارٍ بِالتَّخْفِيفِ وَكُبَارٌ الْمُخَفَّفُ أَبْلَغُ مِنْ كَبِيرٍ.

قَوْلُهُ: (الْقَطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هَاهُنَا صَحِيفَةُ الْحَسَنَاتِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْحِسَابُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالْعَكْسِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقَطُّ: الْكِتَابُ وَالْجَمْعُ قُطُوطٌ وَقِطَطَةٌ كَقِرْدٍ وَقُرُودٍ وَقِرَدَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَطَّ الشَّيْءَ أَيْ قَطَعَهُ وَالْمَعْنَى قِطْعَةٌ مِمَّا وَعَدْتَنَا بِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّحِيفَةِ قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ تُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ الصَّكُّ، وَيُقَالُ لِلْجَائِزَةِ أَيْضًا قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْعَطِيَّةِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْكِتَابِ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا. وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أَيْ (مُعَازِّينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ قَالَ: فِي حَمِيَّةٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْكِسَائِيِّ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِي غُرَّةٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الِاخْتِلَاقُ الْكَذِبُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: مِلَّةُ قُرَيْشٍ ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾: كَذِبٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: النَّصْرَانِيَّةُ. وَعَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: دِينُهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ

قَوْلُهُ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾، يَعْنِي قُرَيْشًا) سَقَطَ لَفْظُ: قَوْلُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ قَالَ: قُرَيْشٌ، وَقَوْلُهُ جُنْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمْ، وَمَا مَزِيدَةٌ أَوْ صِفَةٌ لِجُنْدٍ وَهُنَالِكَ مُشَارٌ بِهِ إِلَى مَكَانِ الْمُرَاجَعَةِ، وَمَهْزُومٌ صِفَةٌ لِجُنْدٍ أَيْ سَيُهْزَمُونَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهُوَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُمْ هُزِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَعَدَهُ اللَّهُ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا بِبَدْرٍ، فَعَلَى هَذَا فَهُنَالِكَ ظَرْفٌ لِلْمُرَاجَعَةِ فَقَطْ وَمَكَانُ الْهَزِيمَةِ لَمْ يُذْكَرْ.

قَوْلُهُ: ﴿الأَسْبَابِ﴾ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقٍ مجاهد بِلَفْظِ: طُرُقُ السَّمَاءِ أَبْوَابُهَا وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿الأَسْبَابِ﴾ هِيَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ ذَا دِينٍ ارْتَقَى فُلَانٌ فِي الْأَسْبَابِ.

قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يَقُولُ لَيْسَ لَهُمْ إِفَاقَةٌ وَلَا رُجُوعٌ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ فَتَحَهَا أَيِ الْفَاءَ قَالَ: مَا لَهَا مِنْ رَاحَةٍ، وَمَنْ ضَمَّهَا جَعَلَهَا مِنْ فَوَاقِي نَاقَةٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَالَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْفَاءِ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَعْنَى بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَاحِدٌ مِثْلَ قُصَاصِ الشَّعْرِ يُقَالُ بِضَمِّ الْقَافِ وَبِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: ﴿قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قِطَّنَا﴾ أَيْ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿قِطَّنَا﴾ قَالَ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ شَبِيهُ قَوْلِهِمْ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُ الْآخَرِينَ: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، هو بُنْدار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاج (عَنِ العَوَّامِ) بفتح العين والواو المشددة، ابن حوشب بنِ يزيد الشَّيبانيِّ الواسطيِّ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: عنها (فَقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) في سورة الأنعام، فقال: نبيُّكم ممَّن أمر أن يقتدي بهم، أي: وقد سجدها داود، فسجدَها رسولُ الله اقتداءً به (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا).

٤٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو الذُّهليُّ، كما قاله الكلاباذيُّ وابنُ

طاهرٍ، ونسبه إلى جدِّه؛ لأنَّ اسم أبيه يحيَى، أو محمد بن عبد الله بنِ المبارك المخرَّميُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ) بفتح الطاء وكسر الفاء (عَنِ العَوَّامِ) بنِ حوشبٍ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ﴿ص﴾) ولأبي ذرٍّ: «عن سجدة في ﴿ص﴾» (فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟) أي: من أيِّ دليلٍ؟ (فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ) زاد أبو ذرٍّ: «فسجدَها (٣) داود » (فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللهِ ) وهي سجدةُ شكرٍ عند الشَّافعيَّة، لحديث النَّسائيِّ: «سجدَها داودُ توبةً ونسجدُها شُكرًا» أي: على قبولِ توبتهِ، فتسنُّ عند تلاوتها في غير صلاةٍ ولا تدخلُ فيها.

(﴿عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]) أي: (عَجِيبٌ) وذلك أنَّ التَّفرُّد بالألوهيَّةِ خلاف ما عليه آباؤُهم مطلقًا وتصوروهُ من أنَّ الإلهَ الواحدَ لا يسع الخلقَ كلَّهم.

(القِطُّ) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] هو (الصَّحِيفَةُ) مطلقًا؛ لأنَّها قطعةٌ من القرطاسِ، من قطَّه إذا قطعهُ، لكنَّه (هُوَ هَهُنَا (٤) صَحِيفَةُ الحَسَنَاتِ) قال سعيد بنُ جبيرٍ: يعنونَ حظَّنا ونصيبنَا من الجنَّة الَّتي تقول. ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٥): «صحيفَةُ الحِسَابِ» بالموحدة آخره بدل الفوقية وإسقاط النون وكسر المهملة، أي: عجِّل لنا كتابَنا في الدُّنيا قبلَ يوم الحسابِ، قالوه على سبيلِ الاستهزاءِ لعنهم اللهُ، وعند عبد بنِ حميدٍ من طريق عطاء: أنَّ قائل ذلك هو النَّضر بن الحارثِ. وفيه تفسيرٌ آخر يأتي (٦) قريبًا إن شاء الله تعالى.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ عنه: (﴿فِي عِزَّةٍ﴾ [ص: ٢]) أي: (مُعَازِّينَ) بضم الميم وبعد العين ألف فزاي مشدَّدة، وقال غيرُه: في استكبارٍ عن الحقِّ، أي: ما كفرَ من كفرَ به لخللٍ وجدهُ فيه بل كفرُوا به استكبارًا وحميَّة جاهلية.

(﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾) في قولهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] هي (مِلَّةُ قُرَيْشٍ) الَّتي كانت عليها آباؤهم أو دين النَّصرانيَّة، و ﴿فِي الْمِلَّةِ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: لم نسمَعْ في الملَّة الآخرةِ بهذا الَّذي جئت به، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من هذا، أي: ما سمعنا بهذا كائنًا في الملَّةِ الآخرة، أي: لم نسمَع من الكهَّانِ، ولا من أهلِ الكتبِ أنَّه يحدثُ توحيدُ الله في الملَّة الآخرة، وهذا من فرط كذبِهم.

(الاِخْتِلَاقُ) في قولهِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] هو (الكَذِبُ) المختلقُ.

(﴿الْأَسْبَابِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠] هي (طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) قاله مجاهدٌ، وكلُّ ما يوصلكَ إلى شيءٍ من بابٍ أو طريقٍ فهو سببهُ (١)، وهذا أمر توبيخٍ وتعجيزٍ، أي: إن ادَّعوا أنَّ عندهُم خزائنَ رحمةِ ربِّك أولهم ملك السَّموات والأرضِ وما بينهما، فليصعدُوا في الأسبابِ الَّتي توصلهم إلى السَّماء فليأتوا منها بالوحيِ إلى من يختارونَ، وهذا في غايةِ التَّهكُّم بهم.

(﴿جُندٌ﴾) ولأبي ذرٍّ: «قوله: ﴿جُندٌ﴾» (﴿مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [ص: ١١]) قاله مجاهدٌ أيضًا فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (يَعْنِي: قُرَيْشًا) و ﴿هُنَالِكَ﴾ مشارٌ به إلى موضعِ التَّقاولِ والمحاورةِ بالكلمات السَّابقة، وهو مكَّة، أي: سيهزمونَ بمكَّة، وهو إخبارٌ بالغيبِ، وصحَّح الإمام فخر الدِّين كون ذلك في فتح مكَّة، قال: لأنَّ المعنى أنَّهم جندٌ سيصيرونَ مُنْهزمين في الموضعِ الَّذي ذكروا فيه هذه الكلمات. انتهى. وهذا معارضٌ بما أخرجه الطَّبريُّ من طريق سعيد، عن قتادةَ، قال: وعدهُ الله -وهو بمكَّة- أنَّه سيهزمُ جندَ المشركين، فجاء تأويلها ببدرٍ. و ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارةٌ إلى بدرٍ ومصارعهم، وسقطَ من قوله: «﴿جُندٌ﴾ … » إلى آخر قوله «قُريشًا» لأبي ذرٍّ (٢).

(﴿أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣]) أي: (القُرُونُ المَاضِيَةُ) قاله مجاهدٌ أيضًا، أي: كانوا أكثر منكُم وأشدَّ قوَّةً وأكثرَ أموالًا وأولادًا، فما دفع ذلك عنهم من عذابِ الله من شيءٍ لمَّا جاء أمرُ الله.

(فَوَاقٌ) بالرَّفع لأبي ذرٍّ، أي: (رُجُوعٌ) هو من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحَّته (٣)، وإفاقةُ

النَّاقةِ ساعة يرجع اللَّبنُ إلى ضَرْعِها، يريد قولَه تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] ولغير أبي ذرٍّ: «﴿فَوَاقٍ﴾ رجُوعٍ» بجرِّهما، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: ﴿فَوَاقٍ﴾ بضم الفاء، وهما لغتان بمعنًى واحدٍ، وهما الزَّمان الَّذي بين حلبتي الحالبِ.

(﴿قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]) أي: (عَذَابَنَا) قاله مجاهدٌ وغيره (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣]) بضم السين، وهي قراءة نافعٍ والكِسائيُّ، أي: (أَحَطْنَا بِهِمْ) من الإحاطةِ، وقال الدِّمياطيُّ في «حواشيه»: لعلَّه أخطأنَاهُم (١) وحذف مع ذلك القول الَّذي هذا (٢) تفسيره، وهو ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣]. انتهى. وعند ابنِ أبي حاتمٍ من طريق مجاهدٍ: أخطأنَاهم (٣) أم هم في النَّارِ لا يعلم مكانَهم. وقال ابنُ عطيَّة: المعنى ليسوا (٤) معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميلُ عنهم. وقال ابنُ كيسانَ: أم كانوا خيرًا منَّا ونحن لا نعلمُ؟ فكأنَّ أبصارنا تزيغُ عنهم في الدُّنيا فلا نعدُّهم شيئًا.

(﴿أَتْرَابٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] أي (٥) (أَمْثَالٌ) على سنٍّ واحدٍ، قيل: بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها: تِرْب، وقيل: متواخياتٌ لا يتباغضنَ ولا يتغايرنَ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ: (الأَيْدُ) بالرفع في قولهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] هو (القُوَّةُ فِي العِبَادَةِ) والعامَّة على ثبوتِ الياء في «الأيدي»، جمع: يَد، وهي إمَّا الجارحة وكنَّى بها عن الأعمالِ؛ لأنَّ أكثر الأعمالِ إنَّما تزاول باليدِ، أو المراد النِّعمة، وقرئ: ﴿الْأَيْدِ﴾ بغير ياء اجتزاءً عنها بالكسرةِ.

(﴿وَالْأَبْصَارِ﴾) هو (البَصَرُ فِي أَمْرِ اللهِ) قاله ابنُ عبَّاس أيضًا.

(﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]) أي: (مِنْ ذِكْرِ) ربِّي، فـ ﴿عَن﴾ بمعنى: من، و ﴿الْخَيْرِ﴾: المالُ الكثير، والمراد به: الخيلُ الَّتي شغلتهُ، والراء تعاقب اللَّام، ويحتملُ أنَّه سمَّاها خيرًا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ

٣٨ - سُورَةُ ص

٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا.

٤٨٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةٍ فِي ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقَالَ: أَوَ مَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿عُجَابٌ﴾ عَجِيبٌ. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ. وهُوَ هَا هُنَا صَحِيفَةُ الْحِسَنات، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ مُعَازِّينَ. ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الْاخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ. الْأَسْبَابُ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا. ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ. ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ. ﴿قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أَحَطْنَا بِهِمْ. ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَمْثَالٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَيْدُ الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادَةِ. الْأَبْصَارُ: الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ مِنْ ذِكْرِ. طَفِقَ مَسْحًا: يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. ﴿الأَصْفَادِ﴾ الْوَثَاقِ

قَوْلُهُ: سُورَةُ ص - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ فَقَطْ لِلنَّسَفِيِّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى ص، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّوَرِ، وَقَدْ قَرَأَهَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ الدَّالِ فَقِيلَ الدَّرَجُ وَقِيلَ بَلْ هِيَ عِنْدَهُ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْمُصَادَاةِ وَهِيَ الْمُعَارَضَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ عَارِضِ الْقُرْآنَ بِعَمَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِي أَسْمَاءِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ غَافِرٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَوَّامِ) هُوَ ابْنُ حَوْشَبٍ، كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورٍ، وَعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، وَأَبِي حُصَيْنٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ فَكَأَنَّ لِشُعْبَةَ فِيهِ مَشَايِخُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بَدَلَ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. فَلَعَلَّ لِلْعَوَّامِ فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَفِي ص سَجْدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ، فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِمُجَاهِدٍ، فَرِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ شَاذَّةٌ.

قَوْلُهُ في الرواية الثانية (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَابْنُ طَاهِرٍ: هُوَ الذُّهْلِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَخْرَمِيِّ فَإِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ.

قَوْلُهُ: (فَسَجَدَهَا دَاوُدُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ) سَقَطَ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ؛ وَهَذَا أَصْرَحُ فِي الرَّفْعِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّجُودِ فِي ص فِي كِتَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ مُسْتَوْفًى، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ

قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ تَعَرَّضْنَا لَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ: ﴿عُجَابٌ﴾ عَجِيبٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَالْعَرَبُ تُحَوِّلُ فَعِيلًا إِلَى فُعَالٍ بِالضَّمِّ وَهُوَ مِثْلُ طَوِيلٍ وَطُوَالٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:

تَعْدُو بِهِ سَلْهَبَةً سُرَاعَةً

أَيْ سَرِيعَةً، وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَنُقِلَتْ عَنْ عَلِيٍّ عُجَّابٌ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ مِثْلُ كُبَّارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ كُبَارٍ بِالتَّخْفِيفِ وَكُبَارٌ الْمُخَفَّفُ أَبْلَغُ مِنْ كَبِيرٍ.

قَوْلُهُ: (الْقَطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هَاهُنَا صَحِيفَةُ الْحَسَنَاتِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْحِسَابُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالْعَكْسِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقَطُّ: الْكِتَابُ وَالْجَمْعُ قُطُوطٌ وَقِطَطَةٌ كَقِرْدٍ وَقُرُودٍ وَقِرَدَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَطَّ الشَّيْءَ أَيْ قَطَعَهُ وَالْمَعْنَى قِطْعَةٌ مِمَّا وَعَدْتَنَا بِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّحِيفَةِ قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ تُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ الصَّكُّ، وَيُقَالُ لِلْجَائِزَةِ أَيْضًا قَطٌّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْعَطِيَّةِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْكِتَابِ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا. وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أَيْ (مُعَازِّينَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ قَالَ: فِي حَمِيَّةٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْكِسَائِيِّ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِي غُرَّةٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الِاخْتِلَاقُ الْكَذِبُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: مِلَّةُ قُرَيْشٍ ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾: كَذِبٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: النَّصْرَانِيَّةُ. وَعَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: دِينُهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ

قَوْلُهُ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾، يَعْنِي قُرَيْشًا) سَقَطَ لَفْظُ: قَوْلُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ قَالَ: قُرَيْشٌ، وَقَوْلُهُ جُنْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمْ، وَمَا مَزِيدَةٌ أَوْ صِفَةٌ لِجُنْدٍ وَهُنَالِكَ مُشَارٌ بِهِ إِلَى مَكَانِ الْمُرَاجَعَةِ، وَمَهْزُومٌ صِفَةٌ لِجُنْدٍ أَيْ سَيُهْزَمُونَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَهُوَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ لِأَنَّهُمْ هُزِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَعَدَهُ اللَّهُ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا بِبَدْرٍ، فَعَلَى هَذَا فَهُنَالِكَ ظَرْفٌ لِلْمُرَاجَعَةِ فَقَطْ وَمَكَانُ الْهَزِيمَةِ لَمْ يُذْكَرْ.

قَوْلُهُ: ﴿الأَسْبَابِ﴾ طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقٍ مجاهد بِلَفْظِ: طُرُقُ السَّمَاءِ أَبْوَابُهَا وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿الأَسْبَابِ﴾ هِيَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ ذَا دِينٍ ارْتَقَى فُلَانٌ فِي الْأَسْبَابِ.

قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يَقُولُ لَيْسَ لَهُمْ إِفَاقَةٌ وَلَا رُجُوعٌ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ فَتَحَهَا أَيِ الْفَاءَ قَالَ: مَا لَهَا مِنْ رَاحَةٍ، وَمَنْ ضَمَّهَا جَعَلَهَا مِنْ فَوَاقِي نَاقَةٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَالَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْفَاءِ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَعْنَى بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَاحِدٌ مِثْلَ قُصَاصِ الشَّعْرِ يُقَالُ بِضَمِّ الْقَافِ وَبِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: ﴿قِطَّنَا﴾ عَذَابَنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قِطَّنَا﴾ أَيْ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿قِطَّنَا﴾ قَالَ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ شَبِيهُ قَوْلِهِمْ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُ الْآخَرِينَ: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، هو بُنْدار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابنُ الحجَّاج (عَنِ العَوَّامِ) بفتح العين والواو المشددة، ابن حوشب بنِ يزيد الشَّيبانيِّ الواسطيِّ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: عنها (فَقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) في سورة الأنعام، فقال: نبيُّكم ممَّن أمر أن يقتدي بهم، أي: وقد سجدها داود، فسجدَها رسولُ الله اقتداءً به (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا).

٤٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو الذُّهليُّ، كما قاله الكلاباذيُّ وابنُ

طاهرٍ، ونسبه إلى جدِّه؛ لأنَّ اسم أبيه يحيَى، أو محمد بن عبد الله بنِ المبارك المخرَّميُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ) بفتح الطاء وكسر الفاء (عَنِ العَوَّامِ) بنِ حوشبٍ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ﴿ص﴾) ولأبي ذرٍّ: «عن سجدة في ﴿ص﴾» (فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟) أي: من أيِّ دليلٍ؟ (فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ) زاد أبو ذرٍّ: «فسجدَها (٣) داود » (فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللهِ ) وهي سجدةُ شكرٍ عند الشَّافعيَّة، لحديث النَّسائيِّ: «سجدَها داودُ توبةً ونسجدُها شُكرًا» أي: على قبولِ توبتهِ، فتسنُّ عند تلاوتها في غير صلاةٍ ولا تدخلُ فيها.

(﴿عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]) أي: (عَجِيبٌ) وذلك أنَّ التَّفرُّد بالألوهيَّةِ خلاف ما عليه آباؤُهم مطلقًا وتصوروهُ من أنَّ الإلهَ الواحدَ لا يسع الخلقَ كلَّهم.

(القِطُّ) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] هو (الصَّحِيفَةُ) مطلقًا؛ لأنَّها قطعةٌ من القرطاسِ، من قطَّه إذا قطعهُ، لكنَّه (هُوَ هَهُنَا (٤) صَحِيفَةُ الحَسَنَاتِ) قال سعيد بنُ جبيرٍ: يعنونَ حظَّنا ونصيبنَا من الجنَّة الَّتي تقول. ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٥): «صحيفَةُ الحِسَابِ» بالموحدة آخره بدل الفوقية وإسقاط النون وكسر المهملة، أي: عجِّل لنا كتابَنا في الدُّنيا قبلَ يوم الحسابِ، قالوه على سبيلِ الاستهزاءِ لعنهم اللهُ، وعند عبد بنِ حميدٍ من طريق عطاء: أنَّ قائل ذلك هو النَّضر بن الحارثِ. وفيه تفسيرٌ آخر يأتي (٦) قريبًا إن شاء الله تعالى.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيحٍ عنه: (﴿فِي عِزَّةٍ﴾ [ص: ٢]) أي: (مُعَازِّينَ) بضم الميم وبعد العين ألف فزاي مشدَّدة، وقال غيرُه: في استكبارٍ عن الحقِّ، أي: ما كفرَ من كفرَ به لخللٍ وجدهُ فيه بل كفرُوا به استكبارًا وحميَّة جاهلية.

(﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾) في قولهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] هي (مِلَّةُ قُرَيْشٍ) الَّتي كانت عليها آباؤهم أو دين النَّصرانيَّة، و ﴿فِي الْمِلَّةِ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: لم نسمَعْ في الملَّة الآخرةِ بهذا الَّذي جئت به، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من هذا، أي: ما سمعنا بهذا كائنًا في الملَّةِ الآخرة، أي: لم نسمَع من الكهَّانِ، ولا من أهلِ الكتبِ أنَّه يحدثُ توحيدُ الله في الملَّة الآخرة، وهذا من فرط كذبِهم.

(الاِخْتِلَاقُ) في قولهِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] هو (الكَذِبُ) المختلقُ.

(﴿الْأَسْبَابِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠] هي (طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا) قاله مجاهدٌ، وكلُّ ما يوصلكَ إلى شيءٍ من بابٍ أو طريقٍ فهو سببهُ (١)، وهذا أمر توبيخٍ وتعجيزٍ، أي: إن ادَّعوا أنَّ عندهُم خزائنَ رحمةِ ربِّك أولهم ملك السَّموات والأرضِ وما بينهما، فليصعدُوا في الأسبابِ الَّتي توصلهم إلى السَّماء فليأتوا منها بالوحيِ إلى من يختارونَ، وهذا في غايةِ التَّهكُّم بهم.

(﴿جُندٌ﴾) ولأبي ذرٍّ: «قوله: ﴿جُندٌ﴾» (﴿مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [ص: ١١]) قاله مجاهدٌ أيضًا فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (يَعْنِي: قُرَيْشًا) و ﴿هُنَالِكَ﴾ مشارٌ به إلى موضعِ التَّقاولِ والمحاورةِ بالكلمات السَّابقة، وهو مكَّة، أي: سيهزمونَ بمكَّة، وهو إخبارٌ بالغيبِ، وصحَّح الإمام فخر الدِّين كون ذلك في فتح مكَّة، قال: لأنَّ المعنى أنَّهم جندٌ سيصيرونَ مُنْهزمين في الموضعِ الَّذي ذكروا فيه هذه الكلمات. انتهى. وهذا معارضٌ بما أخرجه الطَّبريُّ من طريق سعيد، عن قتادةَ، قال: وعدهُ الله -وهو بمكَّة- أنَّه سيهزمُ جندَ المشركين، فجاء تأويلها ببدرٍ. و ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارةٌ إلى بدرٍ ومصارعهم، وسقطَ من قوله: «﴿جُندٌ﴾ … » إلى آخر قوله «قُريشًا» لأبي ذرٍّ (٢).

(﴿أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: ١٣]) أي: (القُرُونُ المَاضِيَةُ) قاله مجاهدٌ أيضًا، أي: كانوا أكثر منكُم وأشدَّ قوَّةً وأكثرَ أموالًا وأولادًا، فما دفع ذلك عنهم من عذابِ الله من شيءٍ لمَّا جاء أمرُ الله.

(فَوَاقٌ) بالرَّفع لأبي ذرٍّ، أي: (رُجُوعٌ) هو من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحَّته (٣)، وإفاقةُ

النَّاقةِ ساعة يرجع اللَّبنُ إلى ضَرْعِها، يريد قولَه تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] ولغير أبي ذرٍّ: «﴿فَوَاقٍ﴾ رجُوعٍ» بجرِّهما، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: ﴿فَوَاقٍ﴾ بضم الفاء، وهما لغتان بمعنًى واحدٍ، وهما الزَّمان الَّذي بين حلبتي الحالبِ.

(﴿قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]) أي: (عَذَابَنَا) قاله مجاهدٌ وغيره (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣]) بضم السين، وهي قراءة نافعٍ والكِسائيُّ، أي: (أَحَطْنَا بِهِمْ) من الإحاطةِ، وقال الدِّمياطيُّ في «حواشيه»: لعلَّه أخطأنَاهُم (١) وحذف مع ذلك القول الَّذي هذا (٢) تفسيره، وهو ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣]. انتهى. وعند ابنِ أبي حاتمٍ من طريق مجاهدٍ: أخطأنَاهم (٣) أم هم في النَّارِ لا يعلم مكانَهم. وقال ابنُ عطيَّة: المعنى ليسوا (٤) معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميلُ عنهم. وقال ابنُ كيسانَ: أم كانوا خيرًا منَّا ونحن لا نعلمُ؟ فكأنَّ أبصارنا تزيغُ عنهم في الدُّنيا فلا نعدُّهم شيئًا.

(﴿أَتْرَابٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] أي (٥) (أَمْثَالٌ) على سنٍّ واحدٍ، قيل: بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها: تِرْب، وقيل: متواخياتٌ لا يتباغضنَ ولا يتغايرنَ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ: (الأَيْدُ) بالرفع في قولهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] هو (القُوَّةُ فِي العِبَادَةِ) والعامَّة على ثبوتِ الياء في «الأيدي»، جمع: يَد، وهي إمَّا الجارحة وكنَّى بها عن الأعمالِ؛ لأنَّ أكثر الأعمالِ إنَّما تزاول باليدِ، أو المراد النِّعمة، وقرئ: ﴿الْأَيْدِ﴾ بغير ياء اجتزاءً عنها بالكسرةِ.

(﴿وَالْأَبْصَارِ﴾) هو (البَصَرُ فِي أَمْرِ اللهِ) قاله ابنُ عبَّاس أيضًا.

(﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]) أي: (مِنْ ذِكْرِ) ربِّي، فـ ﴿عَن﴾ بمعنى: من، و ﴿الْخَيْرِ﴾: المالُ الكثير، والمراد به: الخيلُ الَّتي شغلتهُ، والراء تعاقب اللَّام، ويحتملُ أنَّه سمَّاها خيرًا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله