الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨١٠
الحديث رقم ٤٨١٠ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة الزمر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٢٦⦘
فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾».
﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ: قَالَ يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄:
📖 هذا الحديث في تفسير سورة الزمر - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: غَيْرُهُ ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ. ﴿وَرَجُلا سَلَمًا﴾ وَيُقَالُ سَالِمًا: صَالِحًا) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ بَقَايَا كَلَامِ مُجَاهِدٍ. وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَالَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْفَاعِلِ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَلَامُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: الشَّكِسُ: الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ هُوَ مِنَ الرَّجُلِ الشَّكِسِ، (وَرَجُلًا سَالِمًا) الرَّجُلُ سَالِمٌ وَسَلَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنَ الصُّلَّحِ.
(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو سَالِمًا وَالْبَاقُونَ سَلَمًا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِهِ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ وُصِفَ بِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ أَوْلَى لِيُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى، وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ أَيْ بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ الشَّكِسُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا هُوَ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، وَقِيلَ: مَنْ كَسَرَ الْكَافَ فَتَحَ أَوَّلَهُ وَمَنْ سَكَّنَهَا كَسَرَ وَهُمَا بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نَفَرَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَقُولُ الْعَرَبُ اشْمَأَزَّ قَلْبِي عَنْ فُلَانٍ أَيْ نَفَرَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ أَيْ نَفَرَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: انْقَبَضَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ مِنَ الْفَوْزِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أَيْ بِنَجَاتِهِمْ وَهُوَ مِنَ الْفَوْزِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أَيْ: بِفَضَائِلِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿حَافِّينَ﴾ أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ بِحِفَافِيهِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ بِجَانِبَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْأَصِيلِيِّ بِجَوَانِبِهِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِحَافَّتِهِ بِجَوَانِبِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ طَافُوا بِهِ بِحِفَافِيهِ، وَرِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِيِّ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قَالَ: يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ قَالَ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَدُلُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَانِيَ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ الْقِصَصَ الْمُتَكَرِّرَةَ تَكُونُ مُتَشَابِهَةٌ، وَالْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَى بِمَعْنَى مُكَرَّرٍ، لِمَا أُعِيدَ فِيهِ مِنْ قَصَصٍ وَغَيْرِهَا
١ - بَاب ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
نجوِّزه (١)، واحتجَّ الجمهورُ بوجهين: الأول: أنَّ العَفُوَّ لا يعذِّبُ على الذَّنبِ مع استحقاقِ العذابِ، ولا تقول المعتزلةُ بذلك الاستحقاق في (٢) غير صورةِ النِّزاعِ، إذ لا استحقاقَ بالصَّغائرِ أصلًا، ولا بالكبائرِ بعد التَّوبة، فلم تبقَ إلَّا الكبائر (٣) قبلها، فهو يعفو (٤) عنها كما ذهبنا إليه. الثَّاني: الآيات الدَّالة على العفوِ عن الكبيرةِ قبل التَّوبة؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] فإنَّ ما عدا الشِّركِ داخلٌ فيه، ولا يمكن التَّقييد بالتَّوبة لأنَّ الكفرَ معفوٌّ معها، فيلزمُ تساوي ما نُفي عنه الغُفران وما أثبتَ له، وذلك ممَّا لا يليقُ بكلام عاقلٍ فضلًا عن كلامِ الله تعالى، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] عامٌّ للكلِّ، فلا يخرجُ عنه إلَّا ما أجمعَ عليه.
وسقطَ قوله: «﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، ولفظ «باب» لغيرهِ.
٤٨١٠ - وبه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغيرُ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيزِ (أَخْبَرَهُمْ) قال: (قَالَ يَعْلَى) هو ابنُ مسلم بن هرمزٍ، كما في «مسلم»: (إنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) سمَّى الواقديُّ منهم: وحشيَّ بن حربٍ قاتل حمزة، وكذا هو عند الطَّبرانيِّ عن ابن عبَّاسٍ من وجه آخر (كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا) من القتلِ (وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا) من الزِّنا (فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ) من
الإسلام (لَحَسَنٌ) وفي نسخة: «به» بدل: «إليهِ»، (لَوْ تُخْبِرُنَا: أَنَّ لِمَا) أي: للَّذي (عَمِلْنَا) من الكبائرِ (كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾) أي: حرَّمَ قَتلها (١) (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) قال في «الأنوار»: نفى عنهم أمَّهاتِ المعاصِي بعد ما أثبتَ لهم أصول الطَّاعات؛ إظهارًا لكمالِ إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجرَ المذكور موعودٌ للجامع بين ذلك، وتعريضًا للكفرةِ بأضدادهِ (وَنَزَلَ) ولأبي ذرٍّ: «ونَزَلت» بتاء التَّأنيث: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]).
وعند الإمامِ أحمدَ من حديث ثوبان مرفوعًا: «ما أحبُّ أنَّ لي الدُّنيَا وما فيها بهذهِ الآية: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ … » إلى آخِرها، فقال رجلٌ: يا رسول الله، فمن أشركَ؟ فسكتَ النَّبيُّ ﷺ، ثمَّ قال: «ألَا ومَن أشركَ» ثلاث مرات. وعنده أيضًا عن أسماءَ بنت يزيد قالتْ: سمعتُه ﷺ يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يُبالي. قال (٢) الحسن البَصريُّ: انظروا إلى هذا الكرمِ والجودِ، قتلوا أولياءهُ وهو يدعوهُم إلى التَّوبةِ والمغفرةِ، ولمَّا أسلمَ وحشيُّ بن حربٍ فقال النَّاس: يا رسول الله، إنَّا أصبنَا ما أصابَ وحشيٌّ، فقال: «هي للمسلمين عامَّةً». وقال ابن عبَّاسٍ: قد دعا الله ﷾ إلى توبتهِ من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فمن آيس العبادَ من التَّوبة بعد هذا فقد جحدَ كتابَ الله، ولكن إذا تابَ الله على العبدِ تابَ.
(٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: ما عظَّموهُ حقَّ عظمتهِ (٣) حين (٤) أشركُوا به غيره، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: غَيْرُهُ ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ. ﴿وَرَجُلا سَلَمًا﴾ وَيُقَالُ سَالِمًا: صَالِحًا) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ بَقَايَا كَلَامِ مُجَاهِدٍ. وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَالَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْفَاعِلِ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَلَامُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: الشَّكِسُ: الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ هُوَ مِنَ الرَّجُلِ الشَّكِسِ، (وَرَجُلًا سَالِمًا) الرَّجُلُ سَالِمٌ وَسَلَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنَ الصُّلَّحِ.
(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو سَالِمًا وَالْبَاقُونَ سَلَمًا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِهِ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ وُصِفَ بِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ أَوْلَى لِيُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى، وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ أَيْ بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ الشَّكِسُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا هُوَ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، وَقِيلَ: مَنْ كَسَرَ الْكَافَ فَتَحَ أَوَّلَهُ وَمَنْ سَكَّنَهَا كَسَرَ وَهُمَا بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نَفَرَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَقُولُ الْعَرَبُ اشْمَأَزَّ قَلْبِي عَنْ فُلَانٍ أَيْ نَفَرَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ أَيْ نَفَرَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: انْقَبَضَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ مِنَ الْفَوْزِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أَيْ بِنَجَاتِهِمْ وَهُوَ مِنَ الْفَوْزِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أَيْ: بِفَضَائِلِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿حَافِّينَ﴾ أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ بِحِفَافِيهِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ بِجَانِبَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْأَصِيلِيِّ بِجَوَانِبِهِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِحَافَّتِهِ بِجَوَانِبِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ طَافُوا بِهِ بِحِفَافِيهِ، وَرِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِيِّ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قَالَ: يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ قَالَ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَدُلُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَانِيَ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ الْقِصَصَ الْمُتَكَرِّرَةَ تَكُونُ مُتَشَابِهَةٌ، وَالْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَى بِمَعْنَى مُكَرَّرٍ، لِمَا أُعِيدَ فِيهِ مِنْ قَصَصٍ وَغَيْرِهَا
١ - بَاب ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
نجوِّزه (١)، واحتجَّ الجمهورُ بوجهين: الأول: أنَّ العَفُوَّ لا يعذِّبُ على الذَّنبِ مع استحقاقِ العذابِ، ولا تقول المعتزلةُ بذلك الاستحقاق في (٢) غير صورةِ النِّزاعِ، إذ لا استحقاقَ بالصَّغائرِ أصلًا، ولا بالكبائرِ بعد التَّوبة، فلم تبقَ إلَّا الكبائر (٣) قبلها، فهو يعفو (٤) عنها كما ذهبنا إليه. الثَّاني: الآيات الدَّالة على العفوِ عن الكبيرةِ قبل التَّوبة؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] فإنَّ ما عدا الشِّركِ داخلٌ فيه، ولا يمكن التَّقييد بالتَّوبة لأنَّ الكفرَ معفوٌّ معها، فيلزمُ تساوي ما نُفي عنه الغُفران وما أثبتَ له، وذلك ممَّا لا يليقُ بكلام عاقلٍ فضلًا عن كلامِ الله تعالى، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] عامٌّ للكلِّ، فلا يخرجُ عنه إلَّا ما أجمعَ عليه.
وسقطَ قوله: «﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، ولفظ «باب» لغيرهِ.
٤٨١٠ - وبه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغيرُ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيزِ (أَخْبَرَهُمْ) قال: (قَالَ يَعْلَى) هو ابنُ مسلم بن هرمزٍ، كما في «مسلم»: (إنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) سمَّى الواقديُّ منهم: وحشيَّ بن حربٍ قاتل حمزة، وكذا هو عند الطَّبرانيِّ عن ابن عبَّاسٍ من وجه آخر (كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا) من القتلِ (وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا) من الزِّنا (فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ) من
الإسلام (لَحَسَنٌ) وفي نسخة: «به» بدل: «إليهِ»، (لَوْ تُخْبِرُنَا: أَنَّ لِمَا) أي: للَّذي (عَمِلْنَا) من الكبائرِ (كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾) أي: حرَّمَ قَتلها (١) (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) قال في «الأنوار»: نفى عنهم أمَّهاتِ المعاصِي بعد ما أثبتَ لهم أصول الطَّاعات؛ إظهارًا لكمالِ إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجرَ المذكور موعودٌ للجامع بين ذلك، وتعريضًا للكفرةِ بأضدادهِ (وَنَزَلَ) ولأبي ذرٍّ: «ونَزَلت» بتاء التَّأنيث: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]).
وعند الإمامِ أحمدَ من حديث ثوبان مرفوعًا: «ما أحبُّ أنَّ لي الدُّنيَا وما فيها بهذهِ الآية: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ … » إلى آخِرها، فقال رجلٌ: يا رسول الله، فمن أشركَ؟ فسكتَ النَّبيُّ ﷺ، ثمَّ قال: «ألَا ومَن أشركَ» ثلاث مرات. وعنده أيضًا عن أسماءَ بنت يزيد قالتْ: سمعتُه ﷺ يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يُبالي. قال (٢) الحسن البَصريُّ: انظروا إلى هذا الكرمِ والجودِ، قتلوا أولياءهُ وهو يدعوهُم إلى التَّوبةِ والمغفرةِ، ولمَّا أسلمَ وحشيُّ بن حربٍ فقال النَّاس: يا رسول الله، إنَّا أصبنَا ما أصابَ وحشيٌّ، فقال: «هي للمسلمين عامَّةً». وقال ابن عبَّاسٍ: قد دعا الله ﷾ إلى توبتهِ من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فمن آيس العبادَ من التَّوبة بعد هذا فقد جحدَ كتابَ الله، ولكن إذا تابَ الله على العبدِ تابَ.
(٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: ما عظَّموهُ حقَّ عظمتهِ (٣) حين (٤) أشركُوا به غيره، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ.