«كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٢٧

الحديث رقم ٤٨٢٧ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة حم الأحقاف.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨٢٧ في صحيح البخاري

«كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفِّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي».

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَارِضٌ﴾ السَّحَابُ

إسناد حديث رقم ٤٨٢٧ من صحيح البخاري

٤٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٨٢٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَثَرَةٌ مِنْ عِلْمٍ قَالَ: أَثَرَةٌ شَيْءٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهُ. قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: أَوْ خَاصَّةٌ مِنْ عِلْمٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قَالَ: خَطٌّ كَانَتْ تَخُطُّهُ الْعَرَبُ فِي الْأَرْضِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَوْدَةُ الْخَطِّ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ. وَحَمَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْخَطَّ هُنَا عَلَى الْمَكْتُوبِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي تَجْوِيدِ الْخَطِّ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ، فَالْأَمْرُ فِيهِ لَيْسَ هُوَ لِإِبَاحَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ مَا كُنْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلُهُ قَالَ: وَيُقَالُ مَا هَذَا مِنِّي بِبِدْعٍ أَيْ بِبَدِيعٍ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَانَتْ قَبْلِي.

قَوْلُهُ: ﴿تُفِيضُونَ﴾ تَقُولُونَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: (أَرَأَيْتُمْ) هَذِهِ الْأَلِفَ إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَرَأَيْتُمْ بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ إِنَّمَا هُوَ أَتَعْلَمُونَ، أَبَلَغَكُمْ أَنَّ مَا تَدَّعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَلَقُوا شَيْئًا) هَذَا كُلُّهُ سَقْطٌ لِأَبِي ذَرٍّ.

١ - بَاب: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾

٤٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عليه، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا، وَأُفٍّ قَرَأَهَا الْجُمْهُورُ بِالْكَسْرِ، لَكِنْ نَوَّنَهَا نَافِعٌ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ عَاصِمٍ - بِفَتْحِ الْفَاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِكَسْرِهَا وَمَعْنَاهُ الْقُمَيْرُ تَصْغِيرُ الْقَمَرِ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَعَدَمُهُ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ) أَيْ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ. وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ هُوَ الْجُمَحِيُّ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَامِلًا عَلَى الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ فَأَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَهُ - فَكَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ مَرْوَانُ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ، فَذَكَرَ يَزِيدَ، وَدَعَا إِلَى بَيْعَتِهِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي يَزِيدَ رَأْيًا حَسَنًا، وَإِنْ يَسْتَخْلِفْهُ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا) قِيلَ: قَالَ لَهُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ثَلَاثٌ، مَاتَ

رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَلَمْ يَعْهَدُوا. كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَقَدِ اخْتَصَرَهُ فَأَفْسَدَهُ، وَالَّذِي فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا هِيَ إِلَّا هِرَقْلِيَّةٌ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ: فَقَالَ مَرْوَانُ: سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سُنَّةُ هِرَقْلَ، وَقَيْصَرَ. وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَجِئْتُمْ بِهَا هِرَقْلِيَّةً تُبَايِعُونَ لِأَبْنَائِكُمْ؟ وَلِأَبِي يَعْلَى، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ خَطَبَ مَرْوَانُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَأْيًا حَسَنًا فِي يَزِيدَ، وَإِنْ يَسْتَخْلِفْهُ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هِرَقْلِيَّةٌ. إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَاللَّهِ مَا جَعَلَهَا فِي أَحَدٍ مِنْ وَلَدِهِ وَلَا فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَمَا جَعَلَهَا مُعَاوِيَةُ إِلَّا كَرَامَةً لِوَلَدِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا) أَيِ: امْتَنَعُوا مِنَ الدُّخُولِ خَلْفَهُ إِعْظَامًا لِعَائِشَةَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فَنَزَلَ مَرْوَانُ عَنِ الْمِنْبَرِ حَتَّى أَتَى بَابَ عَائِشَةَ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَرْوَانُ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فقَالَ مَرْوَانُ: اسْكُتْ، أَلَسْتَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ. . . فَذَكَرَ الْآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَلَسْتَ ابْنَ اللَّعِينِ الَّذِي لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ: فَقَالَتْ: كَذَبَ مَرْوَانُ.

قَوْلُهُ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي) أَيِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْإِفْكِ وَبَرَاءَتِهَا مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَذَبَ وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أُنْزِلَتْ إِلَّا فِي فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَعَنَ أَبَا مَرْوَانَ، وَمَرْوَانُ فِي صُلْبِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مِينَاءَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ سَمَّتْ رَجُلًا. وَقَدْ شَغَبَ بَعْضُ الرَّافِضَةِ فَقَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ لَيْسَ هُوَ أَبَا بَكْرٍ، وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ هَذَا الرَّافِضِيُّ، بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِينَا أَيْ فِي بَنِي أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ النَّفْيِ وَإِلَّا فَالْمَقَامُ يُخَصَّصُ، وَالْآيَاتُ الَّتِي فِي عُذْرِهَا فِي غَايَةِ الْمَدْحِ لَهَا، وَالْمُرَادُ نَفْيُ إِنْزَالِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الذَّمُّ كَمَا فِي قِصَّةِ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ إِلَى آخِرِهِ. وَالْعَجَبُ مِمَّا أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الزَّجَّاجُ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْكَافِرِ الْعَاقِّ، وَإِلَّا فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَصَارَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَأَجَابَ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِأُولَئِكَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ ثُمَّ يُسْلِمُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ آخَرُونَ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.

قُلْتُ: وَالْقَوْلُ فِي عَبْدِ اللَّهِ كَالْقَوْلِ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهُ أَيْضًا أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطَ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ لِأَبَوَيْهِ - وَهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَأُمُّ رُومَانَ - وَكَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَأَبَى هُوَ أَنْ يُسْلِمَ، فَكَانَا يَأْمُرَانِهِ بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِمَا وَيُكَذِّبُهُمَا وَيَقُولُ: فَأَيْنَ فُلَانٌ وَأَيْنَ فُلَانٌ يَعْنِي مَشَايِخَ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قَدْ مَاتَ، فَأَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَنَزَلَتْ تَوْبَتُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

قُلْتُ: لَكِنَّ نَفْيَ عَائِشَةَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَآلِ بَيْتِهِ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَوْلَى بِالْقَبُولِ. وَجَزَمَ مُقَاتِلٌ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ نَزَلَتْ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾) أي: التَّأفيفُ لكما، وهي كلمة كراهيةٍ (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) من قبري حيًّا (وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِنْ قَبْلِي) فلم يبعث أحدٌ منهم (﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾) أي: يسألان الله أن يغيثَه بالتَّوفيق للإيمان، أو يقولان: الغياث بالله منك (﴿وَيْلَكَ﴾) أي: يقولان له: ويلك (﴿آمِنْ﴾) وصدِّق بالبعثِ، و ﴿وَيْلَكَ﴾: دعاءٌ بالثُّبور (﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾) بالبعثِ (﴿حَقٌّ فَيَقُولُ﴾) لهما: (﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]) أباطيلهم الَّتي كتبوها، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» وله من قوله: «﴿وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾: «إلى قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾».

٤٨٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بنُ أبي وحشيَّة (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍَ) بفتح الهاء، يصرفُ ولا يصرف، ومعناه: قُمير، مصغَّر القمرِ، أنَّه (قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ) بنُ الحكمِ الأمويِّ أميرًا (عَلَى الحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيانَ عليه، وعند النَّسائيِّ: أنَّه كان عاملًا على المدينةِ، وعند الإسماعيليِّ «فأراد معاويةُ أن يستخلفَ يزيد -يعني: ابنه- فكتبَ

إلى مروانَ بذلك فجمع مروان النَّاس» (فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايِعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ) وفي رواية الإسماعيليِّ: «وقال: إنَّ الله أَرى أميرَ المؤمنينَ في يزيد رأيًا حسنًا، وإن يستخلفهُ فقد استخلفَ أبو بكر عمر (١)» (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (شَيْئًا) لم يبيِّنه، ولأبي يعلى وابن أبي حاتمٍ: فقال -أي: عبد الرحمن-: هرقليَّة، إنَّ أبا بكر والله ما جعلَها في أحدٍ من ولدهِ، ولا في أهلِ بيتهِ، وما جعلها معاويةُ إلَّا كرامةً لولده. ولابنِ المنذرِ: أجئتُم بها هرقليَّة؟ تبايعونَ لأبنائِكم؟ (فَقَالَ) أي: مروان لأعوانه (خُذُوهُ) أي: عبد الرَّحمن (فَدَخَلَ بَيْتَ) أخته (عَائِشَةَ) ملتجئًا بها (فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ) أي: امتنعُوا أن (٢) يخرجُوه من بيتِها إعظامًا لها، وعند أبي يعلى: فنزلَ مروان عن المنبرِ حتَّى أتى باب عائشةَ، فجعلَ يكلِّمها وتكلِّمهُ، وسقطَ «عليه» من «اليونينية»، وثبت في الفرع وغيره (٣) (فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا) يعني: عبد الرَّحمن (الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا) آل أبي بكر (شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي) عن قصةِ أهل الإفكِ. وعند الإسماعيليِّ: «فقالت عائشة: كذبت (٤)، واللهِ ما نزلَتْ فيه»، وفي رواية له «والله ما أُنزلَتْ إلَّا في فلانِ بن فلان الفلاني» وفي رواية: «لو شئتَ أن أسمِّيه لسمَّيتهُ، ولكن رسول الله لعن أبا مروان ومروان في صلبهِ»، فالصَّحيح أنَّ الآية نزلت في الكافرِ العاقِّ، ومن زعم أنَّها نزلت في عبد الرَّحمن فقوله ضعيفٌ؛ لأنَّ عبد الرَّحمن قد أسلم وحسُن إسلامهُ وصارَ من خيارِ (٥) المسلمينَ، ونفيُ عائشة أصحُّ إسنادًا ممَّن روى غيره وأولى بالقبولِ.

(٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾) أي: العذاب (﴿عَارِضًا﴾) سحابًا عرض في أفق السَّماء،

والضَّمير عائدٌ إلى السَّحاب، كأنَّه قيل: فلمَّا رأوا السَّحاب عارضًا (﴿مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾) صفة لـ ﴿عَارِضًا﴾ وإضافتُه غير محضة، فمِن ثمَّ ساغ أن يكون نعتًا لنكرةٍ (﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾) صفةٌ لـ ﴿عَارِضٌ﴾ أيضًا، أي: يأتينا بالمطر، وقد كانوا (١) ممحلينَ محتاجينَ إلى المطرِ، قال الله تعالى أو هود : (﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾) من العذابِ حيث قلتُم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ثمَّ بيَّن ماهيته فقال: (﴿رِيحٌ﴾) أي: هي ريحٌ (﴿فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) فما برحُوا حتَّى كانت الرِّيح تجيءُ بالرَّجل فتطرحه، وكان طولُ الرَّجل منهم اثنتي عشرة (٢) ذراعًا، وقيل: ستُّون ذراعًا، وقيل: مئة، ولهم قصورٌ محكمةُ البناءِ بالصُّخورِ، فحملت الرِّيحُ الصُّخورَ والشَّجرَ ورفعتها كأنَّها جرادةٌ، وهدمتِ القصورَ، واصطفَّ لها الأطولونَ الأشدَّاء منهم، فصرعتْهم وألقت عليهم الصُّخور، وسفَّت عليهم الرِّمالَ، فكانوا تحتها سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ لهم أنينٌ، ثمَّ أمرَ الله الرِّيح فكشفتْ (٣) عنهم الرِّمال، واحتملتهُم فرمَتْ بهم في البحرِ، ولم يصلْ إلى هود ومن آمنَ به من تلك الرِّيح إلَّا نسيمٌ، وكان قد جمعَ المؤمنينَ إلى شجرةٍ عند عين ماءٍ وأدارَ عليهم خطًّا خطَّه في الأرضِ، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ «باب قوله» وله: «﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَوْدِيَتِهِمْ﴾: «الآيةَ».

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ: (﴿عَارِضٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) أي: (السَّحَابُ) الَّذي يُرى في ناحية السَّماءِ، وسمِّي بذلك لأنَّه يبدو في عرض السَّماء.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَثَرَةٌ مِنْ عِلْمٍ قَالَ: أَثَرَةٌ شَيْءٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهُ. قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: أَوْ خَاصَّةٌ مِنْ عِلْمٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قَالَ: خَطٌّ كَانَتْ تَخُطُّهُ الْعَرَبُ فِي الْأَرْضِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَوْدَةُ الْخَطِّ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ. وَحَمَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْخَطَّ هُنَا عَلَى الْمَكْتُوبِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي تَجْوِيدِ الْخَطِّ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ، فَالْأَمْرُ فِيهِ لَيْسَ هُوَ لِإِبَاحَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ مَا كُنْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلُهُ قَالَ: وَيُقَالُ مَا هَذَا مِنِّي بِبِدْعٍ أَيْ بِبَدِيعٍ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَانَتْ قَبْلِي.

قَوْلُهُ: ﴿تُفِيضُونَ﴾ تَقُولُونَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: (أَرَأَيْتُمْ) هَذِهِ الْأَلِفَ إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَرَأَيْتُمْ بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ إِنَّمَا هُوَ أَتَعْلَمُونَ، أَبَلَغَكُمْ أَنَّ مَا تَدَّعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَلَقُوا شَيْئًا) هَذَا كُلُّهُ سَقْطٌ لِأَبِي ذَرٍّ.

١ - بَاب: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾

٤٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عليه، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا، وَأُفٍّ قَرَأَهَا الْجُمْهُورُ بِالْكَسْرِ، لَكِنْ نَوَّنَهَا نَافِعٌ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ عَاصِمٍ - بِفَتْحِ الْفَاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِكَسْرِهَا وَمَعْنَاهُ الْقُمَيْرُ تَصْغِيرُ الْقَمَرِ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَعَدَمُهُ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ) أَيْ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ. وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ هُوَ الْجُمَحِيُّ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَامِلًا عَلَى الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ فَأَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَهُ - فَكَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ مَرْوَانُ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ، فَذَكَرَ يَزِيدَ، وَدَعَا إِلَى بَيْعَتِهِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي يَزِيدَ رَأْيًا حَسَنًا، وَإِنْ يَسْتَخْلِفْهُ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا) قِيلَ: قَالَ لَهُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ثَلَاثٌ، مَاتَ

رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَلَمْ يَعْهَدُوا. كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَقَدِ اخْتَصَرَهُ فَأَفْسَدَهُ، وَالَّذِي فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا هِيَ إِلَّا هِرَقْلِيَّةٌ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ: فَقَالَ مَرْوَانُ: سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سُنَّةُ هِرَقْلَ، وَقَيْصَرَ. وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَجِئْتُمْ بِهَا هِرَقْلِيَّةً تُبَايِعُونَ لِأَبْنَائِكُمْ؟ وَلِأَبِي يَعْلَى، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ خَطَبَ مَرْوَانُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَأْيًا حَسَنًا فِي يَزِيدَ، وَإِنْ يَسْتَخْلِفْهُ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هِرَقْلِيَّةٌ. إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَاللَّهِ مَا جَعَلَهَا فِي أَحَدٍ مِنْ وَلَدِهِ وَلَا فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَمَا جَعَلَهَا مُعَاوِيَةُ إِلَّا كَرَامَةً لِوَلَدِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا) أَيِ: امْتَنَعُوا مِنَ الدُّخُولِ خَلْفَهُ إِعْظَامًا لِعَائِشَةَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فَنَزَلَ مَرْوَانُ عَنِ الْمِنْبَرِ حَتَّى أَتَى بَابَ عَائِشَةَ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَرْوَانُ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فقَالَ مَرْوَانُ: اسْكُتْ، أَلَسْتَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ. . . فَذَكَرَ الْآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَلَسْتَ ابْنَ اللَّعِينِ الَّذِي لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ: فَقَالَتْ: كَذَبَ مَرْوَانُ.

قَوْلُهُ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي) أَيِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْإِفْكِ وَبَرَاءَتِهَا مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَذَبَ وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أُنْزِلَتْ إِلَّا فِي فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَعَنَ أَبَا مَرْوَانَ، وَمَرْوَانُ فِي صُلْبِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مِينَاءَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ سَمَّتْ رَجُلًا. وَقَدْ شَغَبَ بَعْضُ الرَّافِضَةِ فَقَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ لَيْسَ هُوَ أَبَا بَكْرٍ، وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ هَذَا الرَّافِضِيُّ، بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِينَا أَيْ فِي بَنِي أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ النَّفْيِ وَإِلَّا فَالْمَقَامُ يُخَصَّصُ، وَالْآيَاتُ الَّتِي فِي عُذْرِهَا فِي غَايَةِ الْمَدْحِ لَهَا، وَالْمُرَادُ نَفْيُ إِنْزَالِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الذَّمُّ كَمَا فِي قِصَّةِ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ إِلَى آخِرِهِ. وَالْعَجَبُ مِمَّا أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الزَّجَّاجُ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْكَافِرِ الْعَاقِّ، وَإِلَّا فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَصَارَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَأَجَابَ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِأُولَئِكَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ ثُمَّ يُسْلِمُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ آخَرُونَ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.

قُلْتُ: وَالْقَوْلُ فِي عَبْدِ اللَّهِ كَالْقَوْلِ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهُ أَيْضًا أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطَ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ لِأَبَوَيْهِ - وَهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَأُمُّ رُومَانَ - وَكَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَأَبَى هُوَ أَنْ يُسْلِمَ، فَكَانَا يَأْمُرَانِهِ بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِمَا وَيُكَذِّبُهُمَا وَيَقُولُ: فَأَيْنَ فُلَانٌ وَأَيْنَ فُلَانٌ يَعْنِي مَشَايِخَ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قَدْ مَاتَ، فَأَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَنَزَلَتْ تَوْبَتُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

قُلْتُ: لَكِنَّ نَفْيَ عَائِشَةَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَآلِ بَيْتِهِ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَوْلَى بِالْقَبُولِ. وَجَزَمَ مُقَاتِلٌ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ نَزَلَتْ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾) أي: التَّأفيفُ لكما، وهي كلمة كراهيةٍ (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) من قبري حيًّا (وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِنْ قَبْلِي) فلم يبعث أحدٌ منهم (﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ﴾) أي: يسألان الله أن يغيثَه بالتَّوفيق للإيمان، أو يقولان: الغياث بالله منك (﴿وَيْلَكَ﴾) أي: يقولان له: ويلك (﴿آمِنْ﴾) وصدِّق بالبعثِ، و ﴿وَيْلَكَ﴾: دعاءٌ بالثُّبور (﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾) بالبعثِ (﴿حَقٌّ فَيَقُولُ﴾) لهما: (﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]) أباطيلهم الَّتي كتبوها، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» وله من قوله: «﴿وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾: «إلى قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾».

٤٨٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بنُ أبي وحشيَّة (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍَ) بفتح الهاء، يصرفُ ولا يصرف، ومعناه: قُمير، مصغَّر القمرِ، أنَّه (قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ) بنُ الحكمِ الأمويِّ أميرًا (عَلَى الحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيانَ عليه، وعند النَّسائيِّ: أنَّه كان عاملًا على المدينةِ، وعند الإسماعيليِّ «فأراد معاويةُ أن يستخلفَ يزيد -يعني: ابنه- فكتبَ

إلى مروانَ بذلك فجمع مروان النَّاس» (فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايِعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ) وفي رواية الإسماعيليِّ: «وقال: إنَّ الله أَرى أميرَ المؤمنينَ في يزيد رأيًا حسنًا، وإن يستخلفهُ فقد استخلفَ أبو بكر عمر (١)» (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (شَيْئًا) لم يبيِّنه، ولأبي يعلى وابن أبي حاتمٍ: فقال -أي: عبد الرحمن-: هرقليَّة، إنَّ أبا بكر والله ما جعلَها في أحدٍ من ولدهِ، ولا في أهلِ بيتهِ، وما جعلها معاويةُ إلَّا كرامةً لولده. ولابنِ المنذرِ: أجئتُم بها هرقليَّة؟ تبايعونَ لأبنائِكم؟ (فَقَالَ) أي: مروان لأعوانه (خُذُوهُ) أي: عبد الرَّحمن (فَدَخَلَ بَيْتَ) أخته (عَائِشَةَ) ملتجئًا بها (فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ) أي: امتنعُوا أن (٢) يخرجُوه من بيتِها إعظامًا لها، وعند أبي يعلى: فنزلَ مروان عن المنبرِ حتَّى أتى باب عائشةَ، فجعلَ يكلِّمها وتكلِّمهُ، وسقطَ «عليه» من «اليونينية»، وثبت في الفرع وغيره (٣) (فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا) يعني: عبد الرَّحمن (الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا) آل أبي بكر (شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي) عن قصةِ أهل الإفكِ. وعند الإسماعيليِّ: «فقالت عائشة: كذبت (٤)، واللهِ ما نزلَتْ فيه»، وفي رواية له «والله ما أُنزلَتْ إلَّا في فلانِ بن فلان الفلاني» وفي رواية: «لو شئتَ أن أسمِّيه لسمَّيتهُ، ولكن رسول الله لعن أبا مروان ومروان في صلبهِ»، فالصَّحيح أنَّ الآية نزلت في الكافرِ العاقِّ، ومن زعم أنَّها نزلت في عبد الرَّحمن فقوله ضعيفٌ؛ لأنَّ عبد الرَّحمن قد أسلم وحسُن إسلامهُ وصارَ من خيارِ (٥) المسلمينَ، ونفيُ عائشة أصحُّ إسنادًا ممَّن روى غيره وأولى بالقبولِ.

(٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾) أي: العذاب (﴿عَارِضًا﴾) سحابًا عرض في أفق السَّماء،

والضَّمير عائدٌ إلى السَّحاب، كأنَّه قيل: فلمَّا رأوا السَّحاب عارضًا (﴿مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾) صفة لـ ﴿عَارِضًا﴾ وإضافتُه غير محضة، فمِن ثمَّ ساغ أن يكون نعتًا لنكرةٍ (﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾) صفةٌ لـ ﴿عَارِضٌ﴾ أيضًا، أي: يأتينا بالمطر، وقد كانوا (١) ممحلينَ محتاجينَ إلى المطرِ، قال الله تعالى أو هود : (﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾) من العذابِ حيث قلتُم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ثمَّ بيَّن ماهيته فقال: (﴿رِيحٌ﴾) أي: هي ريحٌ (﴿فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) فما برحُوا حتَّى كانت الرِّيح تجيءُ بالرَّجل فتطرحه، وكان طولُ الرَّجل منهم اثنتي عشرة (٢) ذراعًا، وقيل: ستُّون ذراعًا، وقيل: مئة، ولهم قصورٌ محكمةُ البناءِ بالصُّخورِ، فحملت الرِّيحُ الصُّخورَ والشَّجرَ ورفعتها كأنَّها جرادةٌ، وهدمتِ القصورَ، واصطفَّ لها الأطولونَ الأشدَّاء منهم، فصرعتْهم وألقت عليهم الصُّخور، وسفَّت عليهم الرِّمالَ، فكانوا تحتها سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ لهم أنينٌ، ثمَّ أمرَ الله الرِّيح فكشفتْ (٣) عنهم الرِّمال، واحتملتهُم فرمَتْ بهم في البحرِ، ولم يصلْ إلى هود ومن آمنَ به من تلك الرِّيح إلَّا نسيمٌ، وكان قد جمعَ المؤمنينَ إلى شجرةٍ عند عين ماءٍ وأدارَ عليهم خطًّا خطَّه في الأرضِ، وسقطَ لغير أبي ذرٍّ «باب قوله» وله: «﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿أَوْدِيَتِهِمْ﴾: «الآيةَ».

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ: (﴿عَارِضٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]) أي: (السَّحَابُ) الَّذي يُرى في ناحية السَّماءِ، وسمِّي بذلك لأنَّه يبدو في عرض السَّماء.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله