الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4844
الحديث رقم 4844 من كتاب «سورة الفتح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله إذ يبايعونك تحت الشجرة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
الحُجُرَاتُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ عَلَى لِسَانِهِ، ﴿امْتَحَنَ﴾ أَخْلَصَ، ﴿تَنَابَزُوا﴾ يُدْعَى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، ﴿يَلِتْكُمْ﴾ يَنْقُصْكُمْ، أَلَتْنَا نَقَصْنَا.
﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ.
﴿تَشْعُرُونَ﴾ تَعْلَمُونَ وَمِنْهُ الشَّاعِرُ
٤٨٤٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْلَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ:
قدِم أبو سفيان المدينة، وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، فمر على سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي في أناس من فقراء الصحابة، فقال هؤلاء الثلاثة: ما قتل المسلمون أبا سفيان إلى الآن، يقولون ذلك تأسُّفًا على ما فاتهم، فأنكر عليهم أبو بكر الصديق ما قالوه فقال: أتقولون هذا الكلام لشيخ قريش وسيدهم؟ وإنما كان قوله هذا تألفًا لأبي سفيان، فجاء أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قال هؤلاء، فرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام: لعلك أغضبتهم، وأخبره أنه إن كان أَغْضَبَهم فقد أغضب الله عز وجل، فجاء أبو بكر إليهم يسألهم إن كان قد أغضبهم، فأجابوه أنه لم يغضبهم ودعوا له بالمغفرة.
فدل هذا الحديث على رفعة منازل هؤلاء المذكورين عند الله تعالى، ويستفاد منه احترام الصالحين، واتقاء ما يغضبهم أو يؤذيهم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٨٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحصينِ (١) أبو إسحاقَ (السُّلَمِيُّ) بضم السين وفتح اللَّام، السَُّرْماريُّ البخاريُّ، نسبة إلى سَرماري -بفتح السين- قريةٌ من قرى بخارَى قال: (حَدَّثَنَا يَعْلَى) بفتح التحتية وسكون المهملة وفتح اللام، ابن عبيدٍ (٢) الطَّنافسيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ) بكسر السين (٣) المهملة وبعد التحتية المخففة ألف فهاء منوَّنة، فارسيٌّ معرَّب معناه الأسودُ (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) واسمه: قيسُ بن دينار الكوفيُّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ) بالهمزة، شقيقَ بن سلمةَ (أَسْأَلُهُ) لم يذكرِ المسؤول عنه، وفي روايةِ أحمد: أتيتُ أبا وائلٍ في مسجدِ أهلهِ أسألهُ عن هؤلاء القوم الَّذين قتلهُم عليٌّ؛ يعني: الخوارج (فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة، موضعٌ بقرب الفراتِ، كان به الوقعة بين عليٍّ ومعاوية (فَقَالَ رَجُلٌ) هو: عبدُ الله بن الكوَّاء: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ (٤) يُدْعَوْنَ) بضم الياء وفتح العين، وفي «اليونينية» بفتح الياء وضم العين (إِلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟ (٥) فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ) أنا أولى بالإجابة إذا دعيتُ إلى العملِ بكتاب الله، وعند النَّسائيِّ بعد قوله: بصِفَّين: فلما استحرَّ القتلُ بأهل الشَّامِ، قال عمرو بن العاصِ لمعاويةَ: أرسل المصحفَ إلى عليٍّ فادعهُ إلى كتابِ الله، فإنَّه لن يأبى عليكَ، فأتى به رجلٌ فقال: بيننا وبينكُم كتاب الله. فقال عليٌّ: أنا أولى بذلك، بيننا كتابُ الله، فجاءتهُ الخوارجُ -ونحن نسميهم يومئذ القرَّاء- وسيوفهُم
على عواتقِهم، فقالوا: يا أميرَ المؤمنينَ، ما ننتظرُ لهؤلاءِ القومِ، أَلَا نمشي إليهم بسيوفنَا؟ (فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) بضم الحاء المهملة (١) وفتح النون: (اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ) في هذا الرأي، وإنَّما قال ذلك لأنَّ كثيرًا منهم أنكرُوا التَّحكيمَ، وقالوا: لا حكمَ إلَّا للهِ، فقال عليٌّ: كلمةُ حقٍّ أريدَ بها باطلٌ (فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) يريد رأيتُ أنفسنا (يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يَعْنِي: الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبيِّ ﷺ وَ) بين (المُشْرِكِينَ، وَلَوْ نَرَى) بنون المتكلم مع غيره (قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ) إلى النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ) يريد المشركينَ (عَلَى البَاطِلِ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى، قَالَ) عمر: (فَفِيمَ أُعْطِي) بضم الهمزة وكسر الطاء، ولأبي ذرٍّ: «نُعطِي» «بالنون» بدل: «الهمزة»، (الدَّنِيَّةَ) بكسر النون وتشديد التحتية، أي: الخصلة الدنيَّةُ، وهي المصالحةُ بهذه الشُّروط الدَّالَّة على العجزِ (في دينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا؟ فَقَالَ) ﵊: (يَا ابْنَ الخَطَّابِ؛ إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا. فَرَجَعَ) عمرُ حال كونه (مُتَغَيِّظًا) لأجل إذلالِ المشركينَ، كما عرف من قوَّته في نصرةِ الدِّينِ (٢) وإذلالِ المشركين (فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ) ﵄ (فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) سقطتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ) ومراد سهل بن حُنَيفٍ بما ذكره: أنَّهم أرادُوا يومَ الحديبية أن يقاتلُوا ويخالفُوا ما دعوا إليه من الصُّلح، ثمَّ ظهر أنَّ الأصلحَ كان ما شرعهُ الرَّسول ﷺ من الصُّلح (٣)؛ ليقتدُوا بذلك ويطيعوا عليًّا فيما أجاب إليه من التَّحكيم.
(((٤٩))) (الحُجُرَاتِ) مدنيَّة، وآيُها ثمان عشرة، ولأبي ذرٍّ: «سورة الحجرات».
(بسم الله الرحمن الرحيم) (١) وسقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبد بنُ حميد في قولهِ تعالى: (﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١]) بضم أوله وكسر ثالثه (٢)، أي: (لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) بشيءٍ (حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ عَلَى لِسَانِهِ) ما شاءَ، وقال الزَّركشيُّ: الظَّاهرُ أنَّ هذا التَّفسير على قراءةِ ابنِ عبَّاس: بفتح التاء والدال، وكذا قيَّده البياسيُّ، وهي قراءةُ يعقوب الحضرَميِّ، والأصلُّ: لا تَتقدَّمُوا، فحذف إحدى التاءين. وقال في «المصابيح» -متعقِّبًا لقولِ الزَّركشيِّ-: ليس هذا بصحيحٍ بل هذا التَّفسيرُ متأتٍّ على القراءةِ المشهورةِ أيضًا، فإن قدَّمَ بمعنَى: تقدَّم. قال الجوهريُّ: وقدَّمَ بين يديهِ، أي: تقدَّم، قال الله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ﴾ [الحجرات: ١]. انتهى. قال الإمام فخرُ الدِّين: والأصحُّ أنَّه إرشادٌ عامٌّ يشملُ الكلَّ، ومنعٌ مطلقٌ يدخلُ فيه كلُّ افتِيَاتٍ وتقدُّمٍ واستبدادٍ بالأمرِ، وإقدامٍ على فعلٍ غير ضروريٍّ من غير مشاورةٍ.
(﴿امْتَحَنَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] قال مُجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ: أي: (أَخْلَصَ) من امتحنَ الذَّهبَ؛ إذا أذابهُ وميَّز إبريزهُ من خبيثهِ (٣).
(﴿تَنَابَزُوا﴾ [الحجرات: ١١]) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَنَابَزُوا (٤)﴾» (٥) قال مُجاهدٌ فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ بنحوه: أي: (لا يُدْعَى) الرَّجلُ (بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ) وقال الحسنُ: كان اليهوديُّ والنَّصرانيُّ يسلمُ، فيقال له بعد إسلامهِ: يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ، فنهوا عن ذلك، وزاد أبو ذرٍّ قبل قوله: ﴿تَنَابَزُوا﴾: «بابٌ» بالتَّنوين، وسقطَ لغيره.
(﴿يَلِتْكُم﴾ [الحجرات: ١٤]) قال مُجاهد فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ: أي: (يَنْقُصْكُمْ) من أجوركُم. (أَلَتْنَا) أي: (نَقَصْنَا) وهذا الأخيرُ من سورة الطور، وذكره استطرادًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٩٩٦٤ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ المُسْلِمُ إِذا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَد أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّداً رسولُ الله فَذالِكَ قَوْلُهُ: {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) .
(انْظُر الحَدِيث ٩٦٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وعلقمة بن مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة: الْحَضْرَمِيّ الْكُوفِي، مر فِي الْجَنَائِز، وَسعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: السّلمِيّ مر فِي الْوضُوء، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٣
- (بابٌ قَوْلُهُ: {ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْراً} (إِبْرَاهِيم: ٨٢)
)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {لم تَرَ إِلَى الَّذين} . الْآيَة قَوْله: (بدلُوا) أَي: غيروا (نعْمَة الله) عز وَجل عَلَيْهِم فِي مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ بَعثه الله تَعَالَى مِنْهُم وَفِيهِمْ فَكَفرُوا بِهِ وكذبوه (وَأَحلُّوا) أَي: وأنزلوا (قَومهمْ) مِمَّن تَابعهمْ على كفرهم (دَار الْبَوَار) أَي: الْهَلَاك، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: {جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار} (إِبْرَاهِيم: ٩٢) .
ألَمْ تَعْلَمْ كَقَوْلِهِ ألَمْ تَرَ كَيْفَ. ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا
فسر قَوْله: (ألم تَرَ) بقوله: (ألم تعلم) ، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بِمَعْنى: ألم تعلم، إِذْ الرُّؤْيَة بِمَعْنى الإبصار غير حَاصِلَة إِمَّا لتعذرها وَإِمَّا لتعسرها عَادَة. قلت: هَذِه الْكَلِمَة تقال عِنْد التَّعَجُّب من الشَّيْء وَعند تَنْبِيه الْمُخَاطب، كَقَوْلِه تَعَالَى: {ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ} (الْبَقَرَة: ٣٤٢) {ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب} (آل عمرَان: ٣٢، النِّسَاء: ٧ و ٤٤) والبوار الْهَلَاك، وَالْفِعْل مِنْهُ: بار يبور، من بَاب: قَالَ يَقُول، قَوْله: قوما بوراً: هالكين، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {دَار الْبَوَار} والبوار: الْهَلَاك، وَالْفِعْل مِنْهُ بار يبور، نت بَاب قَالَ يَقُول، قوما بوراً هالكين أَن يكون بوراً مصدرا وصف بِهِ الْجمع، وَأَن يكون جمع: بائر.
٠٠٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْروٍ وعنْ عَطاءٍ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ: {ألَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْراً} .
(انْظُر الحَدِيث ٧٧٩٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَقد تقدم فِي غَزْوَة بدر.
٥١ - (سورَةُ الحِجْرِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الْحجر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هِيَ مَكِّيَّة بِإِجْمَاع الْمُفَسّرين، وَيرد عَلَيْهِ بقول الْكَلْبِيّ: أَن فِيهَا آيَة مَدَنِيَّة، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد يُوسُف وَقبل الْأَنْعَام. وَهِي أَلفَانِ وَسَبْعمائة وَسِتُّونَ حرفا، وسِتمِائَة وَأَرْبع وَخَمْسُونَ كلمة، وتسع وَتسْعُونَ آيَة.
{بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم}
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي، وَله عَن غَيره بِدُونِ لفظ: تَفْسِير.
{وَقَالَ مُجاهِدٌ: صِرَاطٌ عَليَّ مُسْتَقِيمٌ الحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى الله وعَلَيْهِ طَرِيقُهُ}
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالَ هَذَا صِرَاط على مُسْتَقِيم} (الْحجر: ١٤) مَعْنَاهُ: الْحق يرجع إِلَى الله وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن حجاج بن حَمْزَة عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد،
وَعَن الْأَخْفَش: مَعْنَاهُ على الدّلَالَة على صِرَاط مُسْتَقِيم، وَعَن الْكسَائي: هَذَا على الْوَعيد والتهديد، كَقَوْلِك للرجل تخاصمه وتهدده: طريقك عَليّ.
وإنّهُما: لَبِإِمامٍ مُبِينٍ: الإِمامُ كلُّ مَا ائْتَمَمْتَ واهْتَدَيْتَ بِهِ: إِلَى الطّرِيقِ
أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فانتقمنا مِنْهُم وإنهما لَبِإِمام مُبين} (الْحجر: ٩٧) سقط هَذَا وَالَّذِي قبله لأبي ذَر إلَاّ عَن الْمُسْتَمْلِي. قَوْله: (وإنهما) يَعْنِي: مَدِينَة قوم لوط عَلَيْهِ السَّلَام، ومدينة أَصْحَاب الأيكة (لبإمام مُبين) يَعْنِي: بطرِيق وَاضح مستبين، وسمى الطَّرِيق إِمَامًا لِأَنَّهُ يؤتم بِهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَعَمْرُكَ لَعَيْشُكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون} (الْحجر: ٢٧) وَفسّر: لعمرك، بقوله: لعيشك، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي (تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ) : لعمرك يَا مُحَمَّد، يَعْنِي: حياتك (أَنهم) أَي: إِن قوم لوط عَلَيْهِ السَّلَام، (لفي سكرتهم) أَي: ضلالتهم وحيرتهم (يعمهون) أَي: يَتَرَدَّدُونَ، وَعَن مُجَاهِد وَعَن قَتَادَة: يَلْعَبُونَ.
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أنْكَرَهُمْ لُوطٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُم قوم منكرون} (الْحجر: ١٦ ٢٦) لم يثبت هَذَا وَلَا الَّذِي قبله فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالْمرَاد بِالْمُرْسَلين الْمَلَائِكَة الَّذين جاؤوا أَولا إِلَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، وبشروه بِغُلَام يرزقه الله إِيَّاه على كبره، وَلما سَأَلَهُمْ إِبْرَاهِيم بقوله: {فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ. قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين} (الْحجر: ٧٥ ٨٥) أَرَادوا بهم قوم لوط، ثمَّ لما جاؤوا لوطاً أنكرهم فَقَالَ: {إِنَّكُم قوم منكرون} (الْحجر: ٢٦) يَعْنِي: لَا أعرفكُم، وَهُوَ معنى قَوْله: أنكرهم لوط، يَعْنِي: مَا عرفهم، وقصته مَشْهُورَة.
وَقَالَ غَيْرُهُ كِتابٌ مَعْلُومٌ أجَلٌ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير، قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إلَاّ وَلها كتاب مَعْلُوم} (الْحجر: ٤) أَي: أجل، وَفِي التَّفْسِير: أجل موقت قد كتبناه لَهُم لَا نعذبهم وَلَا نهلكم حَتَّى يبلغوه، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر كَمَا ذكره البُخَارِيّ.
لوْ مَا تأتِينا هَلَاّ تَأْتِينَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كنت من الصَّادِقين} (الْحجر: ٧) وَفسّر قَوْله: (لَو مَا تَأْتِينَا) بقوله: (هلا تَأْتِينَا) وَالْحَاصِل: أَن لَو، هُنَا للتحضيض، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَو ركبت مَعَ ماو لَا، لمعنيين: معنى امْتنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره، وَمعنى التحضيض، وَأما هَل فَلم تركب إلَاّ مَعَ، لَا، وَحدهَا للتحضيض، وَالْمعْنَى: هلا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ يشْهدُونَ بصدقك ويعضدونك على إنذارك.
شِيَعٌ أمَمٌ وللأوْلياءِ أيْضاً شِيَعٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {وَلَقَد أرسلنَا من قبلك فِي شيع الْأَوَّلين} (الْحجر: ٠١) وَفسّر قَوْله: شيع، بقوله: أُمَم، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي شيع الْأَوَّلين أَي فِي أُمَم الْأَوَّلين. وَاحِدهَا شيعَة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: فِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره: وَلَقَد أرسلنَا من قبلك رسلًا فِي شيع الْأَوَّلين، وَقَالَ الْحسن: فرق الْأَوَّلين، والشيعة الْفرْقَة والطائفة من النَّاس. قَوْله: (وللأولياء أَيْضا شيع) أَي: لَهُم شيع. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَيُقَال ولأولياء الرجل أَيْضا: شيعَة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ يُهْرَعُونَ مُسْرِعِينَ
هَذَا لَيْسَ من هَذِه السُّورَة، وَإِنَّمَا هُوَ من سُورَة هود، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وجاءه قومه يهرعون إِلَيْهِ وَمن قبل كَانُوا يعْملُونَ السَّيِّئَات} (هود: ٨٧) . وَفسّر ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: {يهرعون} بقوله: مُسْرِعين، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: {وجاءه قومه} أَي: جَاءَ لوطاً قومه، وَقد ذكرنَا قصَّته فِي (تاريخنا الْكَبِير) .
لِلْمُتَوَسِّمِينَ لِلنَّاظِرِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين} (الْحجر: ٥٧) وَفسّر المتوسمين بقوله: (للناظرين) ، وَيُقَال: للمتفرسين المتأملين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: حَقِيقَة المتوسمين النظار المتثبتون فِي نظرهم حَتَّى يعرفوا حَقِيقَة سمة الشَّيْء، وَقَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ للمعتبرين، وَقَالَ مقَاتل: للمتفكرين.
سُكِّرَتْ غُشِّيَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون} (الْحجر: ٥١) وَفسّر: (سكرت) ، بقوله: (غشيت) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَهُوَ مَأْخُوذ من السكر فِي الشَّرَاب، وَعَن ابْن عَبَّاس: سكرت أخذت، وَعَن الْحسن: سكرت، وَعَن الْكَلْبِيّ: أغشيت وأغميت، وَقيل: حبست ومنعت من النّظر.
بُرُوجاً مَنازِلَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجاً وزيناها للناظرين} (الْحجر: ٦١) وَفسّر: بروجاً بقوله: (منَازِل للشمس وَالْقَمَر) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: بروجاً أَي: قصوراً ومنازل وَهِي كواكب تنزلها الشَّمْس وَالْقَمَر وزحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ وَعُطَارِد والزهرة وَالْكَوَاكِب السيارة وأسماؤها: الْحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس والجدي والدلو والحوت، وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بالبروج النُّجُوم.
لَوَاقِحَ مَلاقِحَ مُلْقِحَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح فأنزلنا من السَّمَاء مَاء} (الْحجر: ٢٢) وَفسّر اللواقح بقوله: (ملاقح) ثمَّ أَشَارَ بِأَنَّهُ جمع: ملقحة، وَتَفْسِير اللواقح بالملاقح نَادِر، وَإِنَّمَا يُقَال: ريَاح لَوَاقِح، وَلَا يُقَال: ملاقح، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهُوَ من النَّوَادِر، وَيُقَال: ألقح الْفَحْل النَّاقة وألقح الرّيح السَّحَاب، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: فِي هَذِه الْآيَة يُرْسل الله تَعَالَى الرّيح فَتحمل المَاء فتمر بالسحاب فتدر كَمَا تدر الملقحة ثمَّ تمطر، وَقَالَ الْفراء: أَرَادَ بقوله: لَوَاقِح ذَات لقح، كَقَوْل الْعَرَب: رجلٌ لابنٌ ورامخٌ وتامرٌ.
حَمأٍ جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وهْوَ الطِّينُ المُتَغَيِّرُ والمَسْنُونُ المَصْبُوبُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون} (الْحجر: ٣٣) وَذكر أَن: حمأ، جمع حمأ ثمَّ فَسرهَا بالطين الْمُتَغَيّر، وَفسّر الْمسنون بقوله: المصبوب، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْمسنون التُّرَاب المبتل المنتن وَأَصله من قَول الْعَرَب: سننت الْحجر على الْحجر إِذا صللته بِهِ، وَمَا يخرج من بَين الحجرين، يُقَال لَهُ: السنين والسنانة، وَمِنْه: المسن. قَوْله: {من صلصال} وَهُوَ الطين الْيَابِس إِذا نقرته سَمِعت لَهُ صلصلة أَي: صَوتا من يبسه قبل أَن تمسه النَّار، فَإِذا مسته النَّار فَهُوَ: فخار، وَعَن مُجَاهِد: هُوَ الطين المنتن، وَاخْتَارَهُ الْكسَائي من: صل اللَّحْم وأصلّ: إِذا أنتن.
تَوْجَلْ تَخَفْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا لَا توجل إِنَّا نبشرك بِغُلَام عليم} (الْحجر: ٣٥) وَفسّر: توجل، بقوله: (تخف) وَأَصله لَا توجل، وَتَفْسِيره: لَا تخف، واشتقاقه من الوجل وَهُوَ الْخَوْف. قَوْله: (قَالُوا) أَي: قَالَت الْمَلَائِكَة لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام {لَا توجل} . إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك حِين دخلُوا على إِبْرَاهِيم، قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام: {إِنَّا مِنْكُم وجلون} أَي: خائفون، ثمَّ يشروه بِغُلَام أَتَاهُ إِيَّاه على كبره وَكبر امْرَأَته وَأَرَادَ بالغلام إِسْحَاق. قَوْله: (عليم) ، أَي: عليم بِالدّينِ، وَقيل: بالحكمة، وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر.
{دابِرَ آخِرَ}
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمْرَانِ دابر هَؤُلَاءِ مَقْطُوع مصبحين} (الْحجر: ٦٦) وَفسّر: دابر، بقوله: (آخر) ، وَهَذَا أَيْضا لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (وقضينا إِلَيْهِ) أَي: أَوْحَينَا إِلَى لوط عَلَيْهِ السَّلَام، (بِأَن دابر هَؤُلَاءِ) ، أَي: قومه مَقْطُوع أَي: مستأصل. قَوْله: (مصبحين) أَي: حَال كَونهم فِي الصُّبْح.
الصَّيْحَةُ الهَلَكةُ
ارْتَضَى رَضِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إلَاّ لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون} (الْأَنْبِيَاء: ٨٢) وَفسّر: ارتضى بقوله: (رَضِي) قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي بقول لَا إِلَه إلَاّ الله، وَقَالَ مُجَاهِد: لمن رَضِي عَنهُ.
التَّماثِيلُ الأصنامُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون} (الْأَنْبِيَاء: ٢٥) وَفسّر التماثيل بالأصنام، وَهُوَ جمع تِمْثَال وَهُوَ إسم للشَّيْء الْمَصْنُوع شَبِيها بِخلق من خلق الله تَعَالَى، وَأَصله من مثلت الشَّيْء بالشَّيْء إِذا شبهته بِهِ.
السِّجلُّ الصَّحِيفَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب} (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١) وَفسّر السّجل بالصحيفة، أَي: الْمَكْتُوب، وَقيل: السّجل إسم مَخْصُوص كَانَ يكْتب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَمْرو بن مَالك عَن أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: هُوَ ملك يطوي الصُّحُف، وَبِه قَالَ السّديّ أَيْضا، وَاللَّام فِي قَوْله: (للكتب) بِمَعْنى: على، يَعْنِي: كطي الصَّحِيفَة على مكتوبها.
٢ - {كَمَا بَدَأنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ} (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١)
وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله: {كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين} قَوْله: (كَمَا بدأنا) أَي: كَمَا بدأناهم فِي بطُون أمهاتهم حُفَاة عُرَاة غرلًا كَذَلِك نعيدهم يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: كَمَا بدأناه من المَاء نعيده من التُّرَاب، وَنصب: وَعدا، على الْمصدر أَي: وعدناه وَعدا علينا. قَوْله: (فاعلين) ، يَعْنِي: الْإِعَادَة والبعث.
٠٤٧٤ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بن حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ المُغِيَرةِ بن النُّعْمانِ شَيْخِ مِنَ النَّخَعِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابْن عَبَّاسٍ رضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ خَطَبَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: {إنكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفاةً عُرَاةً غُزْلاً كَمَا بَدأنا أوَّلَ خلْقٍ نُعِيدُهُ وعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ} ثُمَّ إنَّ أوَّلَ مَنْ يُكْسَي يَوْمَ القِيامَةِ إبْرَاهِيمُ إلَاّ إنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمالِ فأقُولُ يَا رَبِّ أصْحابي فَيُقالُ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ فأقُولُ كَما قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: {وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {شَهِيدٌ} (الْمَائِدَة: ٧١١) فيُقالُ إنَّ هاؤُلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (من النخع) ، بِفَتْح الْخَاء وَالنُّون الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة: وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة من مذْحج، وَاسم النخع جسر بن عَمْرو بن عِلّة بن جلد بن أدد، وَقيل لَهُ: النخع، لِأَنَّهُ انتخع عَن قومه، أَي: بعد عَنْهُم، ونزلوا فِي الْإِسْلَام الْكُوفَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: {وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} (النِّسَاء: ٥٢١) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْمُغيرَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (غرلًا) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: جمع أغرل وَهُوَ الأقلف. قَوْله: (إِلَّا أَنه) أَي: لَكِن إِن الشَّأْن. قَوْله: (ذَات الشمَال) ، أَي: جِهَة النَّار. قَوْله: (مرتدين) ، لم يرد بهم الرِّدَّة عَن الْإِسْلَام بل التَّخَلُّف عَن الْحُقُوق الْوَاجِبَة وَلم يرْتَد بِحَمْد الله أحد من الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا ارْتَدَّ قوم من جُفَاة الْأَعْرَاب الداخلين فِي الْإِسْلَام رَغْبَة أَو رهبة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى، وَالله أعلم.
٢٢ - (سورَةُ الحَجِّ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْحَج، وَذكر ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير رَضِي الله عَنْهُم: أَنَّهُمَا قَالَا: نزلت سُورَة الْحَج بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ مقَاتل: بَعْضهَا مكي أَيْضا، وَعَن قَتَادَة: إِنَّهَا مَكِّيَّة، وَعنهُ: مَدَنِيَّة غير أَربع آيَات، وَعَن عَطاء: إلَاّ ثَلَاث آيَات مِنْهَا. قَوْله: {هَذَانِ خصمان} (الْحَج: ٩١) وَقَالَ هبة بن سَلامَة: هِيَ من أَعَاجِيب سور الْقُرْآن لِأَن فِيهَا. مكياً ومدنياً وسفرياً وحضرياً وحربياً وسلمياً وليلياً ونهارياً وناسخاً ومنسوخاً وَهِي خَمْسَة آلَاف وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَألف ومائتان
وَإِحْدَى وَتسْعُونَ كلمة، وثمان وَتسْعُونَ آيَة.
(بِسم الله الرحمان الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة للْكُلّ.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ المُخْبِتينَ المُطْمَئِنِّينَ
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَبشر المخبتين} (الْحَج: ٤٣) أَي: (المطمئنين) كَذَا ذكره ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وَقيل: المطمئنين بِأَمْر الله، وَقيل: المطيعين، وَقيل: المتواضعين، وَقيل: الخاشعين وَهُوَ من الإخبات والخبت بِفَتْح أَوله المطمئن من الأَرْض.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاس فِي: {إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} (الْحَج: ٢٥) إذَا حَدَّثَ ألْقَى الشَّيْطانُ فِي حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ويُحْكِم آياتِهِ.
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله عز وَجل: {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إلَاّ إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته} ... الْآيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَقد تكلم الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِه الْآيَة أَشْيَاء كَثِيرَة، وَالْأَحْسَن مِنْهَا مَا قَالَه أَبُو الْحسن بن عَليّ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هَذَا التَّمَنِّي من الْقُرْآن وَالْوَحي فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ إِذا صفرت يَده من المَال وَرَأى مَا بِأَصْحَابِهِ من سوء الْحَال تمنى الدُّنْيَا بِقَلْبِه ووسوسة الشَّيْطَان، وَأحسن من هَذَا أَيْضا مَا قَالَه بَعضهم: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يرتل الْقُرْآن فارتصده الشَّيْطَان فِي سكتة من السكتات ونطق بِتِلْكَ الْكَلِمَات محاكياً نغمته بِحَيْثُ سَمعه من دنا إِلَيْهِ فظنها من قَوْله وأشاعها. قلت: تِلْكَ الْكَلِمَات هِيَ مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم والطبري وَابْن الْمُنْذر من طرق عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة النَّجْم فَلَمَّا بلغ: {أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى} (النَّجْم: ٩١) ألْقى الشَّيْطَان على لِسَانه.
(تِلْكَ الغرانيق العلى ... وَإِن شفاعتهن لترتجى)
فَقَالَ الْمُشْركُونَ: مَا ذكر آلِهَتنَا بِخَير قبل الْيَوْم فَسجدَ وسجدوا، فَنزلت هَذِه الْآيَة وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا من طرق كَثِيرَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: ذكر الطَّبَرِيّ فِي ذَلِك رِوَايَات كَثِيرَة بَاطِلَة لَا أصل لَهَا، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ أحد من أهل الصِّحَّة وَلَا رَوَاهُ ثِقَة بِسَنَد سليم مُتَّصِل مَعَ ضعف نقلته واضطراب رواياته وَانْقِطَاع إِسْنَاده، وَكَذَا من تكلم بِهَذِهِ الْقِصَّة من التَّابِعين والمفسرين لم يسندها أحد مِنْهُم وَلَا رَفعهَا إِلَى صَاحبه، وَأكْثر الطّرق عَنْهُم فِي ذَلِك ضَعِيفَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الَّذِي ذكره ابْن الْعَرَبِيّ وعياض لَا يمْضِي على الْقَوَاعِد، فَإِن الطّرق إِذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذَلِك على أَن لَهَا أصلا. انْتهى.
قلت: الَّذِي ذكرَاهُ هُوَ اللَّائِق بجلالة قدر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ قد قَامَت الْحجَّة وَاجْتمعت الْأمة على عصمته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونزاهته عَن مثل هَذِه الرذيلة، وحاشاه عَن أَن يجْرِي على قلبه أَو لِسَانه شَيْء من ذَلِك لَا عمدا وَلَا سَهوا. أَو يكون للشَّيْطَان عَلَيْهِ سَبِيل أَو أَن يتقول على الله عز وَجل لَا عمدا وَلَا سَهوا. وَالنَّظَر وَالْعرْف أَيْضا يحيلان ذَلِك وَلَو وَقع لارتد كثير مِمَّن أسلم، وَلم ينْقل ذَلِك وَلَا كَانَ يخفى على من كَانَ بِحَضْرَتِهِ من الْمُسلمين. قَوْله: (من رَسُول وَلَا نَبِي) الرَّسُول هُوَ الَّذِي يَأْتِيهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالْوَحْي عيَانًا وشفاهاً، وَالنَّبِيّ هُوَ الَّذِي تكون نبوته إلهاماً أَو كلَاما، فَكل رَسُول نَبِي بِغَيْر عكس. قَوْله: (إِذا تمنى) أَي: إِذا أحب واشتهى، وَحدثت بِهِ نَفسه مِمَّا لم يُؤمر بِهِ. قَوْله: (فِي أمْنِيته) ، أَي: مُرَاده، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: أَي فِي قِرَاءَته، فَأخْبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة أَن سنته فِي رسله إِذا قَالُوا قولا زَاد الشَّيْطَان فِيهِ من قبل نَفسه، فَهَذَا نَص فِي أَن الشَّيْطَان زَاده فِي قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه.
ويُقالُ أُمْنيَّتُهُ قِرَاءَتُهُ إلاّ أمانِيَّ يَقْرَؤُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ
هُوَ قَول الْفراء فَإِنَّهُ قَالَ: معنى قَوْله: (إِلَّا إِذا تمنى) ، إلَاّ إِذا تلى قَالَ الشَّاعِر:
(تمنى كتاب الله أول لَيْلَة ... تمني دَاوُد الزبُور على رسل)
قَوْله: (إِلَّا أماني) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني} (الْبَقَرَة: ٨٧) أوردهُ اسْتِشْهَادًا بِأَن: تمنى، بِمَعْنى تَلا، لِأَن معنى قَوْله: إِلَّا أماني إلَاّ مَا يقرأون.
{وَقَالَ مُجاهِدٌ مَشِيدٌ بالقَصَّةِ} أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وبئر معطلة وَقصر مشيد} (الْحَج: ٥٤) إِن مَعْنَاهُ: قصر مشيد، يَعْنِي: مَعْمُول بالشيد، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ الجص، بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا. وَهُوَ الكلس. وَفِي (الْمغرب) : الجص تعريب كج، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: شاده يشيده جصصه. وَقَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وربيع: قصر مشيد أَي طَوِيل، وَعَن الضَّحَّاك: إِن هَذِه الْبِئْر إِنَّمَا كَانَت بحضرموت فِي بَلْدَة يُقَال لَهَا حاضورا، وَذَلِكَ أَن أَرْبَعَة آلَاف نفر مِمَّن آمن بِصَالح عَلَيْهِ السَّلَام، لما نَجوا من الْعَذَاب أَتَوا حَضرمَوْت وَمَعَهُمْ صَالح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَمَّا حَضَرُوهُ مَاتَ صَالح فسميت حَضرمَوْت لِأَن صَالحا لما مَاتَ بنوا حاضورا وقعدوا على هَذِه الْبِئْر وَأمرُوا عَلَيْهِم رجلا يُقَال لَهُ جلهس بن جلاس بن سُوَيْد وَجعلُوا وزيره سخاريب ابْن سوَاده فأقاموا دهراً وتناسلوا حَتَّى نموا وكثروا ثمَّ عبدُوا الْأَصْنَام وَكَفرُوا بِاللَّه تَعَالَى، فَأرْسل الله إِلَيْهِم نَبيا يُقَال لَهُ حَنْظَلَة ابْن صَفْوَان كَانَ جمالاً فيهم فَقَتَلُوهُ فِي السُّوق فأهلكهم الله تَعَالَى وعطلت بئرهم وَخَربَتْ قصورهم.
وَقَالَ غَيْرُهُ يَسْطُونَ يَفْرُطُونَ من السَّطْوَةِ ويُقالُ يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {يكادون يسطون بالذين يَتلون عَلَيْهِم} (الْحَج: ٢٧) إِن معنى قَوْله: (يسطون: يفرطون) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة من فرط يفرط فرطا من بَاب نصر ينصر، أَي: قصر وضيع حَتَّى مَاتَ وفرط عَلَيْهِ إِذا عجل وَعدا، وفرط إِذا سبق. قَوْله: (من السطوة) أَي: اشتقاقه من السطوة، يُقَال: سَطَا ععليه وسطا بِهِ إِذا تنَاوله بالبطش والعنف والشدة، أَي: يكادون يقعون بِمُحَمد وَأَصْحَابه من شدَّة الغيظ ويبسطون إِلَيْهِم أَيْديهم بالسوء. قَوْله: (وَيُقَال) ، هُوَ قَول الْفراء فَإِنَّهُ كَانَ مشركو قُرَيْش إِذا سمعُوا الْمُسلم يَتْلُو الْقُرْآن كَادُوا يبطشون بِهِ، وَكَذَا روى ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: يسطون، فَقَالَ: يبطشون.
وهُدُوا إِلَى الطّيِّبِ مِنَ القَوْل أُلْهِمُوا إِلَى القُرْآن
هَذَا فِي وصف أهل الْجنَّة، وَفسّر الطّيب من القَوْل بقوله: (ألهموا إِلَى الْقُرْآن) هَكَذَا فسره السّديّ. قَوْله: (وَعَن ابْن عَبَّاس يُرِيد لَا إل هـ إلَاّ الله وَالْحَمْد لله) وَزَاد ابْن زيد: (وَالله أكبر) . قَوْله: (ألهموا) فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: (إِلَى الْقُرْآن) وَلم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَا بُد مِنْهُ لِأَن ذكر شَيْء من الْقُرْآن من غير تَفْسِيره لَا طائل تَحْتَهُ.
قَالَ ابنُ عبَّاسٍ بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي تَفْسِير قَوْله عز وَجل: {فليمدد بِسَبَب إِلَى السَّمَاء ثمَّ ليقطع} (الْحَج: ٥١) وَفَسرهُ بقوله: (بِحَبل إِلَى سقف الْبَيْت) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عبد الله بن الْوَلِيد عَن سُفْيَان عَن التَّمِيمِي عَن ابْن عَبَّاس، بِلَفْظ: فليمدد بِحَبل إِلَى سَمَاء بَيته فليختنق بِهِ، وَرَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن التَّمِيمِي عَن ابْن عَبَّاس، بِلَفْظ: من كَانَ يظنّ أَن لن ينصر الله مُحَمَّدًا فليمدد بِسَبَب إِلَى سَمَاء بَيته فليختنق بِهِ.
تَذْهَلُ تُشْغَلُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم تذهل كل مُرْضِعَة} (الْحَج: ٢) وَفسّر: (تذهل) بقوله: (تشتغل) قَالَ الثَّعْلَبِيّ: كَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَعَن الضَّحَّاك، تسلوا، يُقَال: ذهلت عَن كَذَا، أَي: تركته.
١٤٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ الله عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَا آدَمُ يَقُولُ لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ فينادِي بِصَوْتٍ إنَّ الله يأمُرُكَ أنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثاً إِلَى النّارِ قَالَ يَا ربِّ
أَصْحَاب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَرَاهَة التَّحْكِيم وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ سهل يتهم بالتقصير فِي الْقِتَال. فَقَالَ: اتهموا أَنفسكُم فَإِنِّي لَا أقصر وَمَا كنت مقصرا وَقت الْحَاجة. كَمَا فِي يَوْم الْحُدَيْبِيَة، فَإِنِّي رَأَيْت نَفسِي يَوْمئِذٍ بِحَيْثُ لَو قدرت مُخَالفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقاتلت قتالاً عَظِيما. لَكِن الْيَوْم لَا نرى الْمصلحَة فِي الْقِتَال بل التَّوَقُّف أولى لمصَالح الْمُسلمين، وَأما الْإِنْكَار على التَّحْكِيم أفليس ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى؟ فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نعم، المنكرون هم الَّذين عدلوا عَن كتاب الله لِأَن الْمُجْتَهد لما رأى أَن ظَنّه أدّى إِلَى جَوَاز التَّحْكِيم فَهُوَ حكم الله، وَقَالَ سهل: اتهموا أَنفسكُم فِي الْإِنْكَار لأَنا أَيْضا كُنَّا كارهين لترك الْقِتَال يَوْم الْحُدَيْبِيَة وقهرنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الصُّلْح. وَقد أعقب خيرا عَظِيما قَوْله: {وَلَقَد رَأَيْتنَا} أَي: وَلَقَد رَأَيْت أَنْفُسنَا. قَوْله: (وَلَو نرى) بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ غَيره. قَوْله: (أعطي) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الطَّاء ويروى: نعطي، بالنُّون. قَوْله: (الدنية) بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: الْخصْلَة الدنية وَهِي الْمُصَالحَة بِهَذِهِ الشُّرُوط الَّتِي تدل على الْعَجز، والضعف. قَوْله: (فَلم يصبر حَتَّى جَاءَ أَبَا بكر) قَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ بِمَحْفُوظ إِنَّمَا كلم أَبَا بكر أَولا ثمَّ كلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٩٤ - ( {سُورَةُ الحُجُرَاتِ} )
أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الحجرات، وَفِي بَعْص النّسخ: الحجرات، بِدُونِ لفظ: سُورَة، وَهِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَرِوَايَة أبي ذَر: سُورَة الحجرات: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَدَنِيَّة، كلهَا مَا بلغنَا فِيهَا اخْتِلَاف، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد المجادلة وَقبل التَّحْرِيم، وَهِي ألف وَأَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَسَبْعُونَ حرفا. وثلاثمائة وَثَلَاث وَأَرْبَعُونَ كلمة. وثمان عشرَة آيَة. وَقَالَ الزّجاج: يقْرَأ الحجرات بِضَم الْجِيم وَفتحهَا وَيجوز فِي اللُّغَة التسكين وَلَا أعلم أحدا قَرَأَهُ وَهِي جمع الْحجر وَالْحجر جمع حجرَة وَهُوَ جمع الْجمع، وَالْمرَاد بيُوت أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر لَيْسَ إلَاّ.
وَقَالَ مُجاهِدٌ لَا تُقْدِّمُوا لَا تَفتَانوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى يَقْضِي الله عَلَى لِسَانِهِ.
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} (الحجرات: ١) وَفسّر قَوْله: {لَا تفتاتوا} أَي: لَا تسبقوا من الإفتيات وَهُوَ افتعال من الْفَوْت وَهُوَ السَّبق إِلَى الشَّيْء دون ائتمار من يؤتمر، ومادته فَاء وواء وتاء مثناة من فَوق، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: اخْتلف فِي معنى قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا} الْآيَة. فَعَن ابْن عَبَّاس. لَا تَقولُوا خلاف الْكتاب وَالسّنة. وَعنهُ: لَا تتكلموا بَين يَدي كَلَامه، وَعَن جَابر وَالْحسن: لَا تذبحوا قبل أَن يذبح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَمرهمْ أَن يُعِيدُوا الذّبْح، وَعَن عَائِشَة: لَا تَصُومُوا قبل أَن يَصُوم نَبِيكُم، وَعَن عبد الله بن الزبير، قَالَ: قدم وَفد من بني تَمِيم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمر الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة، وَقَالَ عمر: أَمر الْأَقْرَع بن حَابِس، وَقَالَ أَبُو بكر: مَا أردْت إلَاّ خلافي، وَقَالَ عمر: مَا أردْت خِلافك. فارتفعت أصواتهما فَأنْزل الله عز وَجل: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} الْآيَة، وَعَن الضَّحَّاك: يَعْنِي فِي الْقِتَال وَشَرَائِع الدّين يَقُول: لَا تقضوا أمرا دون الله وَرَسُوله، وَعَن الْكَلْبِيّ: لَا تسبقوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقول وَلَا فعل حَتَّى يكون هُوَ يَأْمُركُمْ، وَعَن ابْن زيد: لَا تقطعوا أمرا دون الله وَرَسُوله وَلَا تَمْشُوا بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (لَا تقدمُوا) ، بِضَم التَّاء وَتَشْديد الدَّال الْمَكْسُورَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قدمه وأقدمه منقولان بتنقيل الحشو والهمزة من قدمة إِذا تقدمه وَحذف مَفْعُوله ليتناول كل مَا يَقع فِي النَّفس مِمَّا يقدم، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه قَرَأَ بِفَتْح التَّاء وَالدَّال وَقَرَأَ: لَا تقدمُوا، بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الدَّال بِحَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ من تتقدموا.
امْتَحَنَ أخْلَصَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين امتحن الله قُلُوبهم للتقوى} (الحجرات: ٣) وَفَسرهُ بقوله: أخْلص، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة. قَالَ: أخْلص الله قُلُوبهم فِيمَا أحب.
تَنَابَزُوا يَدْعَى بِالكَفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ} (الحجرات: ١١) بِمَا حَاصله من مصدره، وَهُوَ التَّنَابُز، وَهُوَ أَن يدعى الرجل بالْكفْر بعد الْإِسْلَام، وَحَاصِله مَا قَالَه مُجَاهِد: لَا تَدْعُو الرجل بالْكفْر وَهُوَ مُسلم، وَعَن عِكْرِمَة: هُوَ قَول الرجل للرجل: فَاسق
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٨٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحصينِ (١) أبو إسحاقَ (السُّلَمِيُّ) بضم السين وفتح اللَّام، السَُّرْماريُّ البخاريُّ، نسبة إلى سَرماري -بفتح السين- قريةٌ من قرى بخارَى قال: (حَدَّثَنَا يَعْلَى) بفتح التحتية وسكون المهملة وفتح اللام، ابن عبيدٍ (٢) الطَّنافسيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ) بكسر السين (٣) المهملة وبعد التحتية المخففة ألف فهاء منوَّنة، فارسيٌّ معرَّب معناه الأسودُ (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) واسمه: قيسُ بن دينار الكوفيُّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ) بالهمزة، شقيقَ بن سلمةَ (أَسْأَلُهُ) لم يذكرِ المسؤول عنه، وفي روايةِ أحمد: أتيتُ أبا وائلٍ في مسجدِ أهلهِ أسألهُ عن هؤلاء القوم الَّذين قتلهُم عليٌّ؛ يعني: الخوارج (فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة، موضعٌ بقرب الفراتِ، كان به الوقعة بين عليٍّ ومعاوية (فَقَالَ رَجُلٌ) هو: عبدُ الله بن الكوَّاء: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ (٤) يُدْعَوْنَ) بضم الياء وفتح العين، وفي «اليونينية» بفتح الياء وضم العين (إِلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟ (٥) فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ) أنا أولى بالإجابة إذا دعيتُ إلى العملِ بكتاب الله، وعند النَّسائيِّ بعد قوله: بصِفَّين: فلما استحرَّ القتلُ بأهل الشَّامِ، قال عمرو بن العاصِ لمعاويةَ: أرسل المصحفَ إلى عليٍّ فادعهُ إلى كتابِ الله، فإنَّه لن يأبى عليكَ، فأتى به رجلٌ فقال: بيننا وبينكُم كتاب الله. فقال عليٌّ: أنا أولى بذلك، بيننا كتابُ الله، فجاءتهُ الخوارجُ -ونحن نسميهم يومئذ القرَّاء- وسيوفهُم
على عواتقِهم، فقالوا: يا أميرَ المؤمنينَ، ما ننتظرُ لهؤلاءِ القومِ، أَلَا نمشي إليهم بسيوفنَا؟ (فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) بضم الحاء المهملة (١) وفتح النون: (اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ) في هذا الرأي، وإنَّما قال ذلك لأنَّ كثيرًا منهم أنكرُوا التَّحكيمَ، وقالوا: لا حكمَ إلَّا للهِ، فقال عليٌّ: كلمةُ حقٍّ أريدَ بها باطلٌ (فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) يريد رأيتُ أنفسنا (يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يَعْنِي: الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبيِّ ﷺ وَ) بين (المُشْرِكِينَ، وَلَوْ نَرَى) بنون المتكلم مع غيره (قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ) إلى النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ) يريد المشركينَ (عَلَى البَاطِلِ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى، قَالَ) عمر: (فَفِيمَ أُعْطِي) بضم الهمزة وكسر الطاء، ولأبي ذرٍّ: «نُعطِي» «بالنون» بدل: «الهمزة»، (الدَّنِيَّةَ) بكسر النون وتشديد التحتية، أي: الخصلة الدنيَّةُ، وهي المصالحةُ بهذه الشُّروط الدَّالَّة على العجزِ (في دينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا؟ فَقَالَ) ﵊: (يَا ابْنَ الخَطَّابِ؛ إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا. فَرَجَعَ) عمرُ حال كونه (مُتَغَيِّظًا) لأجل إذلالِ المشركينَ، كما عرف من قوَّته في نصرةِ الدِّينِ (٢) وإذلالِ المشركين (فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ) ﵄ (فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) سقطتِ التَّصلية لأبي ذرٍّ (وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ) ومراد سهل بن حُنَيفٍ بما ذكره: أنَّهم أرادُوا يومَ الحديبية أن يقاتلُوا ويخالفُوا ما دعوا إليه من الصُّلح، ثمَّ ظهر أنَّ الأصلحَ كان ما شرعهُ الرَّسول ﷺ من الصُّلح (٣)؛ ليقتدُوا بذلك ويطيعوا عليًّا فيما أجاب إليه من التَّحكيم.
(((٤٩))) (الحُجُرَاتِ) مدنيَّة، وآيُها ثمان عشرة، ولأبي ذرٍّ: «سورة الحجرات».
(بسم الله الرحمن الرحيم) (١) وسقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبد بنُ حميد في قولهِ تعالى: (﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١]) بضم أوله وكسر ثالثه (٢)، أي: (لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) بشيءٍ (حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ عَلَى لِسَانِهِ) ما شاءَ، وقال الزَّركشيُّ: الظَّاهرُ أنَّ هذا التَّفسير على قراءةِ ابنِ عبَّاس: بفتح التاء والدال، وكذا قيَّده البياسيُّ، وهي قراءةُ يعقوب الحضرَميِّ، والأصلُّ: لا تَتقدَّمُوا، فحذف إحدى التاءين. وقال في «المصابيح» -متعقِّبًا لقولِ الزَّركشيِّ-: ليس هذا بصحيحٍ بل هذا التَّفسيرُ متأتٍّ على القراءةِ المشهورةِ أيضًا، فإن قدَّمَ بمعنَى: تقدَّم. قال الجوهريُّ: وقدَّمَ بين يديهِ، أي: تقدَّم، قال الله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ﴾ [الحجرات: ١]. انتهى. قال الإمام فخرُ الدِّين: والأصحُّ أنَّه إرشادٌ عامٌّ يشملُ الكلَّ، ومنعٌ مطلقٌ يدخلُ فيه كلُّ افتِيَاتٍ وتقدُّمٍ واستبدادٍ بالأمرِ، وإقدامٍ على فعلٍ غير ضروريٍّ من غير مشاورةٍ.
(﴿امْتَحَنَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] قال مُجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ: أي: (أَخْلَصَ) من امتحنَ الذَّهبَ؛ إذا أذابهُ وميَّز إبريزهُ من خبيثهِ (٣).
(﴿تَنَابَزُوا﴾ [الحجرات: ١١]) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَنَابَزُوا (٤)﴾» (٥) قال مُجاهدٌ فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ بنحوه: أي: (لا يُدْعَى) الرَّجلُ (بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ) وقال الحسنُ: كان اليهوديُّ والنَّصرانيُّ يسلمُ، فيقال له بعد إسلامهِ: يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ، فنهوا عن ذلك، وزاد أبو ذرٍّ قبل قوله: ﴿تَنَابَزُوا﴾: «بابٌ» بالتَّنوين، وسقطَ لغيره.
(﴿يَلِتْكُم﴾ [الحجرات: ١٤]) قال مُجاهد فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ: أي: (يَنْقُصْكُمْ) من أجوركُم. (أَلَتْنَا) أي: (نَقَصْنَا) وهذا الأخيرُ من سورة الطور، وذكره استطرادًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٩٩٦٤ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ المُسْلِمُ إِذا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَد أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّداً رسولُ الله فَذالِكَ قَوْلُهُ: {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ} (إِبْرَاهِيم: ٧٢) .
(انْظُر الحَدِيث ٩٦٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وعلقمة بن مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة: الْحَضْرَمِيّ الْكُوفِي، مر فِي الْجَنَائِز، وَسعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: السّلمِيّ مر فِي الْوضُوء، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٣
- (بابٌ قَوْلُهُ: {ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْراً} (إِبْرَاهِيم: ٨٢)
)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {لم تَرَ إِلَى الَّذين} . الْآيَة قَوْله: (بدلُوا) أَي: غيروا (نعْمَة الله) عز وَجل عَلَيْهِم فِي مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ بَعثه الله تَعَالَى مِنْهُم وَفِيهِمْ فَكَفرُوا بِهِ وكذبوه (وَأَحلُّوا) أَي: وأنزلوا (قَومهمْ) مِمَّن تَابعهمْ على كفرهم (دَار الْبَوَار) أَي: الْهَلَاك، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: {جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار} (إِبْرَاهِيم: ٩٢) .
ألَمْ تَعْلَمْ كَقَوْلِهِ ألَمْ تَرَ كَيْفَ. ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا
فسر قَوْله: (ألم تَرَ) بقوله: (ألم تعلم) ، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بِمَعْنى: ألم تعلم، إِذْ الرُّؤْيَة بِمَعْنى الإبصار غير حَاصِلَة إِمَّا لتعذرها وَإِمَّا لتعسرها عَادَة. قلت: هَذِه الْكَلِمَة تقال عِنْد التَّعَجُّب من الشَّيْء وَعند تَنْبِيه الْمُخَاطب، كَقَوْلِه تَعَالَى: {ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ} (الْبَقَرَة: ٣٤٢) {ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب} (آل عمرَان: ٣٢، النِّسَاء: ٧ و ٤٤) والبوار الْهَلَاك، وَالْفِعْل مِنْهُ: بار يبور، من بَاب: قَالَ يَقُول، قَوْله: قوما بوراً: هالكين، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {دَار الْبَوَار} والبوار: الْهَلَاك، وَالْفِعْل مِنْهُ بار يبور، نت بَاب قَالَ يَقُول، قوما بوراً هالكين أَن يكون بوراً مصدرا وصف بِهِ الْجمع، وَأَن يكون جمع: بائر.
٠٠٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْروٍ وعنْ عَطاءٍ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ: {ألَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْراً} .
(انْظُر الحَدِيث ٧٧٩٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَقد تقدم فِي غَزْوَة بدر.
٥١ - (سورَةُ الحِجْرِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الْحجر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هِيَ مَكِّيَّة بِإِجْمَاع الْمُفَسّرين، وَيرد عَلَيْهِ بقول الْكَلْبِيّ: أَن فِيهَا آيَة مَدَنِيَّة، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد يُوسُف وَقبل الْأَنْعَام. وَهِي أَلفَانِ وَسَبْعمائة وَسِتُّونَ حرفا، وسِتمِائَة وَأَرْبع وَخَمْسُونَ كلمة، وتسع وَتسْعُونَ آيَة.
{بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم}
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي، وَله عَن غَيره بِدُونِ لفظ: تَفْسِير.
{وَقَالَ مُجاهِدٌ: صِرَاطٌ عَليَّ مُسْتَقِيمٌ الحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى الله وعَلَيْهِ طَرِيقُهُ}
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالَ هَذَا صِرَاط على مُسْتَقِيم} (الْحجر: ١٤) مَعْنَاهُ: الْحق يرجع إِلَى الله وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن حجاج بن حَمْزَة عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد،
وَعَن الْأَخْفَش: مَعْنَاهُ على الدّلَالَة على صِرَاط مُسْتَقِيم، وَعَن الْكسَائي: هَذَا على الْوَعيد والتهديد، كَقَوْلِك للرجل تخاصمه وتهدده: طريقك عَليّ.
وإنّهُما: لَبِإِمامٍ مُبِينٍ: الإِمامُ كلُّ مَا ائْتَمَمْتَ واهْتَدَيْتَ بِهِ: إِلَى الطّرِيقِ
أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فانتقمنا مِنْهُم وإنهما لَبِإِمام مُبين} (الْحجر: ٩٧) سقط هَذَا وَالَّذِي قبله لأبي ذَر إلَاّ عَن الْمُسْتَمْلِي. قَوْله: (وإنهما) يَعْنِي: مَدِينَة قوم لوط عَلَيْهِ السَّلَام، ومدينة أَصْحَاب الأيكة (لبإمام مُبين) يَعْنِي: بطرِيق وَاضح مستبين، وسمى الطَّرِيق إِمَامًا لِأَنَّهُ يؤتم بِهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَعَمْرُكَ لَعَيْشُكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون} (الْحجر: ٢٧) وَفسّر: لعمرك، بقوله: لعيشك، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي (تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ) : لعمرك يَا مُحَمَّد، يَعْنِي: حياتك (أَنهم) أَي: إِن قوم لوط عَلَيْهِ السَّلَام، (لفي سكرتهم) أَي: ضلالتهم وحيرتهم (يعمهون) أَي: يَتَرَدَّدُونَ، وَعَن مُجَاهِد وَعَن قَتَادَة: يَلْعَبُونَ.
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أنْكَرَهُمْ لُوطٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُم قوم منكرون} (الْحجر: ١٦ ٢٦) لم يثبت هَذَا وَلَا الَّذِي قبله فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالْمرَاد بِالْمُرْسَلين الْمَلَائِكَة الَّذين جاؤوا أَولا إِلَى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، وبشروه بِغُلَام يرزقه الله إِيَّاه على كبره، وَلما سَأَلَهُمْ إِبْرَاهِيم بقوله: {فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ. قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين} (الْحجر: ٧٥ ٨٥) أَرَادوا بهم قوم لوط، ثمَّ لما جاؤوا لوطاً أنكرهم فَقَالَ: {إِنَّكُم قوم منكرون} (الْحجر: ٢٦) يَعْنِي: لَا أعرفكُم، وَهُوَ معنى قَوْله: أنكرهم لوط، يَعْنِي: مَا عرفهم، وقصته مَشْهُورَة.
وَقَالَ غَيْرُهُ كِتابٌ مَعْلُومٌ أجَلٌ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير، قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إلَاّ وَلها كتاب مَعْلُوم} (الْحجر: ٤) أَي: أجل، وَفِي التَّفْسِير: أجل موقت قد كتبناه لَهُم لَا نعذبهم وَلَا نهلكم حَتَّى يبلغوه، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر كَمَا ذكره البُخَارِيّ.
لوْ مَا تأتِينا هَلَاّ تَأْتِينَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كنت من الصَّادِقين} (الْحجر: ٧) وَفسّر قَوْله: (لَو مَا تَأْتِينَا) بقوله: (هلا تَأْتِينَا) وَالْحَاصِل: أَن لَو، هُنَا للتحضيض، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَو ركبت مَعَ ماو لَا، لمعنيين: معنى امْتنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره، وَمعنى التحضيض، وَأما هَل فَلم تركب إلَاّ مَعَ، لَا، وَحدهَا للتحضيض، وَالْمعْنَى: هلا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ يشْهدُونَ بصدقك ويعضدونك على إنذارك.
شِيَعٌ أمَمٌ وللأوْلياءِ أيْضاً شِيَعٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {وَلَقَد أرسلنَا من قبلك فِي شيع الْأَوَّلين} (الْحجر: ٠١) وَفسّر قَوْله: شيع، بقوله: أُمَم، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي شيع الْأَوَّلين أَي فِي أُمَم الْأَوَّلين. وَاحِدهَا شيعَة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: فِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره: وَلَقَد أرسلنَا من قبلك رسلًا فِي شيع الْأَوَّلين، وَقَالَ الْحسن: فرق الْأَوَّلين، والشيعة الْفرْقَة والطائفة من النَّاس. قَوْله: (وللأولياء أَيْضا شيع) أَي: لَهُم شيع. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَيُقَال ولأولياء الرجل أَيْضا: شيعَة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ يُهْرَعُونَ مُسْرِعِينَ
هَذَا لَيْسَ من هَذِه السُّورَة، وَإِنَّمَا هُوَ من سُورَة هود، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وجاءه قومه يهرعون إِلَيْهِ وَمن قبل كَانُوا يعْملُونَ السَّيِّئَات} (هود: ٨٧) . وَفسّر ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: {يهرعون} بقوله: مُسْرِعين، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: {وجاءه قومه} أَي: جَاءَ لوطاً قومه، وَقد ذكرنَا قصَّته فِي (تاريخنا الْكَبِير) .
لِلْمُتَوَسِّمِينَ لِلنَّاظِرِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين} (الْحجر: ٥٧) وَفسّر المتوسمين بقوله: (للناظرين) ، وَيُقَال: للمتفرسين المتأملين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: حَقِيقَة المتوسمين النظار المتثبتون فِي نظرهم حَتَّى يعرفوا حَقِيقَة سمة الشَّيْء، وَقَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ للمعتبرين، وَقَالَ مقَاتل: للمتفكرين.
سُكِّرَتْ غُشِّيَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون} (الْحجر: ٥١) وَفسّر: (سكرت) ، بقوله: (غشيت) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَهُوَ مَأْخُوذ من السكر فِي الشَّرَاب، وَعَن ابْن عَبَّاس: سكرت أخذت، وَعَن الْحسن: سكرت، وَعَن الْكَلْبِيّ: أغشيت وأغميت، وَقيل: حبست ومنعت من النّظر.
بُرُوجاً مَنازِلَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجاً وزيناها للناظرين} (الْحجر: ٦١) وَفسّر: بروجاً بقوله: (منَازِل للشمس وَالْقَمَر) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: بروجاً أَي: قصوراً ومنازل وَهِي كواكب تنزلها الشَّمْس وَالْقَمَر وزحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ وَعُطَارِد والزهرة وَالْكَوَاكِب السيارة وأسماؤها: الْحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس والجدي والدلو والحوت، وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بالبروج النُّجُوم.
لَوَاقِحَ مَلاقِحَ مُلْقِحَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح فأنزلنا من السَّمَاء مَاء} (الْحجر: ٢٢) وَفسّر اللواقح بقوله: (ملاقح) ثمَّ أَشَارَ بِأَنَّهُ جمع: ملقحة، وَتَفْسِير اللواقح بالملاقح نَادِر، وَإِنَّمَا يُقَال: ريَاح لَوَاقِح، وَلَا يُقَال: ملاقح، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهُوَ من النَّوَادِر، وَيُقَال: ألقح الْفَحْل النَّاقة وألقح الرّيح السَّحَاب، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: فِي هَذِه الْآيَة يُرْسل الله تَعَالَى الرّيح فَتحمل المَاء فتمر بالسحاب فتدر كَمَا تدر الملقحة ثمَّ تمطر، وَقَالَ الْفراء: أَرَادَ بقوله: لَوَاقِح ذَات لقح، كَقَوْل الْعَرَب: رجلٌ لابنٌ ورامخٌ وتامرٌ.
حَمأٍ جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وهْوَ الطِّينُ المُتَغَيِّرُ والمَسْنُونُ المَصْبُوبُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون} (الْحجر: ٣٣) وَذكر أَن: حمأ، جمع حمأ ثمَّ فَسرهَا بالطين الْمُتَغَيّر، وَفسّر الْمسنون بقوله: المصبوب، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْمسنون التُّرَاب المبتل المنتن وَأَصله من قَول الْعَرَب: سننت الْحجر على الْحجر إِذا صللته بِهِ، وَمَا يخرج من بَين الحجرين، يُقَال لَهُ: السنين والسنانة، وَمِنْه: المسن. قَوْله: {من صلصال} وَهُوَ الطين الْيَابِس إِذا نقرته سَمِعت لَهُ صلصلة أَي: صَوتا من يبسه قبل أَن تمسه النَّار، فَإِذا مسته النَّار فَهُوَ: فخار، وَعَن مُجَاهِد: هُوَ الطين المنتن، وَاخْتَارَهُ الْكسَائي من: صل اللَّحْم وأصلّ: إِذا أنتن.
تَوْجَلْ تَخَفْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا لَا توجل إِنَّا نبشرك بِغُلَام عليم} (الْحجر: ٣٥) وَفسّر: توجل، بقوله: (تخف) وَأَصله لَا توجل، وَتَفْسِيره: لَا تخف، واشتقاقه من الوجل وَهُوَ الْخَوْف. قَوْله: (قَالُوا) أَي: قَالَت الْمَلَائِكَة لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام {لَا توجل} . إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك حِين دخلُوا على إِبْرَاهِيم، قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام: {إِنَّا مِنْكُم وجلون} أَي: خائفون، ثمَّ يشروه بِغُلَام أَتَاهُ إِيَّاه على كبره وَكبر امْرَأَته وَأَرَادَ بالغلام إِسْحَاق. قَوْله: (عليم) ، أَي: عليم بِالدّينِ، وَقيل: بالحكمة، وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر.
{دابِرَ آخِرَ}
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمْرَانِ دابر هَؤُلَاءِ مَقْطُوع مصبحين} (الْحجر: ٦٦) وَفسّر: دابر، بقوله: (آخر) ، وَهَذَا أَيْضا لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (وقضينا إِلَيْهِ) أَي: أَوْحَينَا إِلَى لوط عَلَيْهِ السَّلَام، (بِأَن دابر هَؤُلَاءِ) ، أَي: قومه مَقْطُوع أَي: مستأصل. قَوْله: (مصبحين) أَي: حَال كَونهم فِي الصُّبْح.
الصَّيْحَةُ الهَلَكةُ
ارْتَضَى رَضِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إلَاّ لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون} (الْأَنْبِيَاء: ٨٢) وَفسّر: ارتضى بقوله: (رَضِي) قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي بقول لَا إِلَه إلَاّ الله، وَقَالَ مُجَاهِد: لمن رَضِي عَنهُ.
التَّماثِيلُ الأصنامُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون} (الْأَنْبِيَاء: ٢٥) وَفسّر التماثيل بالأصنام، وَهُوَ جمع تِمْثَال وَهُوَ إسم للشَّيْء الْمَصْنُوع شَبِيها بِخلق من خلق الله تَعَالَى، وَأَصله من مثلت الشَّيْء بالشَّيْء إِذا شبهته بِهِ.
السِّجلُّ الصَّحِيفَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب} (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١) وَفسّر السّجل بالصحيفة، أَي: الْمَكْتُوب، وَقيل: السّجل إسم مَخْصُوص كَانَ يكْتب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَمْرو بن مَالك عَن أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: هُوَ ملك يطوي الصُّحُف، وَبِه قَالَ السّديّ أَيْضا، وَاللَّام فِي قَوْله: (للكتب) بِمَعْنى: على، يَعْنِي: كطي الصَّحِيفَة على مكتوبها.
٢ - {كَمَا بَدَأنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ} (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١)
وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله: {كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين} قَوْله: (كَمَا بدأنا) أَي: كَمَا بدأناهم فِي بطُون أمهاتهم حُفَاة عُرَاة غرلًا كَذَلِك نعيدهم يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: كَمَا بدأناه من المَاء نعيده من التُّرَاب، وَنصب: وَعدا، على الْمصدر أَي: وعدناه وَعدا علينا. قَوْله: (فاعلين) ، يَعْنِي: الْإِعَادَة والبعث.
٠٤٧٤ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بن حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ المُغِيَرةِ بن النُّعْمانِ شَيْخِ مِنَ النَّخَعِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابْن عَبَّاسٍ رضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ خَطَبَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: {إنكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفاةً عُرَاةً غُزْلاً كَمَا بَدأنا أوَّلَ خلْقٍ نُعِيدُهُ وعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ} ثُمَّ إنَّ أوَّلَ مَنْ يُكْسَي يَوْمَ القِيامَةِ إبْرَاهِيمُ إلَاّ إنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمالِ فأقُولُ يَا رَبِّ أصْحابي فَيُقالُ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ فأقُولُ كَما قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: {وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {شَهِيدٌ} (الْمَائِدَة: ٧١١) فيُقالُ إنَّ هاؤُلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (من النخع) ، بِفَتْح الْخَاء وَالنُّون الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة: وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة من مذْحج، وَاسم النخع جسر بن عَمْرو بن عِلّة بن جلد بن أدد، وَقيل لَهُ: النخع، لِأَنَّهُ انتخع عَن قومه، أَي: بعد عَنْهُم، ونزلوا فِي الْإِسْلَام الْكُوفَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: {وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} (النِّسَاء: ٥٢١) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْمُغيرَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (غرلًا) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: جمع أغرل وَهُوَ الأقلف. قَوْله: (إِلَّا أَنه) أَي: لَكِن إِن الشَّأْن. قَوْله: (ذَات الشمَال) ، أَي: جِهَة النَّار. قَوْله: (مرتدين) ، لم يرد بهم الرِّدَّة عَن الْإِسْلَام بل التَّخَلُّف عَن الْحُقُوق الْوَاجِبَة وَلم يرْتَد بِحَمْد الله أحد من الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا ارْتَدَّ قوم من جُفَاة الْأَعْرَاب الداخلين فِي الْإِسْلَام رَغْبَة أَو رهبة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى، وَالله أعلم.
٢٢ - (سورَةُ الحَجِّ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْحَج، وَذكر ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير رَضِي الله عَنْهُم: أَنَّهُمَا قَالَا: نزلت سُورَة الْحَج بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ مقَاتل: بَعْضهَا مكي أَيْضا، وَعَن قَتَادَة: إِنَّهَا مَكِّيَّة، وَعنهُ: مَدَنِيَّة غير أَربع آيَات، وَعَن عَطاء: إلَاّ ثَلَاث آيَات مِنْهَا. قَوْله: {هَذَانِ خصمان} (الْحَج: ٩١) وَقَالَ هبة بن سَلامَة: هِيَ من أَعَاجِيب سور الْقُرْآن لِأَن فِيهَا. مكياً ومدنياً وسفرياً وحضرياً وحربياً وسلمياً وليلياً ونهارياً وناسخاً ومنسوخاً وَهِي خَمْسَة آلَاف وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَألف ومائتان
وَإِحْدَى وَتسْعُونَ كلمة، وثمان وَتسْعُونَ آيَة.
(بِسم الله الرحمان الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة للْكُلّ.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ المُخْبِتينَ المُطْمَئِنِّينَ
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَبشر المخبتين} (الْحَج: ٤٣) أَي: (المطمئنين) كَذَا ذكره ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وَقيل: المطمئنين بِأَمْر الله، وَقيل: المطيعين، وَقيل: المتواضعين، وَقيل: الخاشعين وَهُوَ من الإخبات والخبت بِفَتْح أَوله المطمئن من الأَرْض.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاس فِي: {إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} (الْحَج: ٢٥) إذَا حَدَّثَ ألْقَى الشَّيْطانُ فِي حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ويُحْكِم آياتِهِ.
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله عز وَجل: {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إلَاّ إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته} ... الْآيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَقد تكلم الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِه الْآيَة أَشْيَاء كَثِيرَة، وَالْأَحْسَن مِنْهَا مَا قَالَه أَبُو الْحسن بن عَليّ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هَذَا التَّمَنِّي من الْقُرْآن وَالْوَحي فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ إِذا صفرت يَده من المَال وَرَأى مَا بِأَصْحَابِهِ من سوء الْحَال تمنى الدُّنْيَا بِقَلْبِه ووسوسة الشَّيْطَان، وَأحسن من هَذَا أَيْضا مَا قَالَه بَعضهم: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يرتل الْقُرْآن فارتصده الشَّيْطَان فِي سكتة من السكتات ونطق بِتِلْكَ الْكَلِمَات محاكياً نغمته بِحَيْثُ سَمعه من دنا إِلَيْهِ فظنها من قَوْله وأشاعها. قلت: تِلْكَ الْكَلِمَات هِيَ مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم والطبري وَابْن الْمُنْذر من طرق عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة النَّجْم فَلَمَّا بلغ: {أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى} (النَّجْم: ٩١) ألْقى الشَّيْطَان على لِسَانه.
(تِلْكَ الغرانيق العلى ... وَإِن شفاعتهن لترتجى)
فَقَالَ الْمُشْركُونَ: مَا ذكر آلِهَتنَا بِخَير قبل الْيَوْم فَسجدَ وسجدوا، فَنزلت هَذِه الْآيَة وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا من طرق كَثِيرَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: ذكر الطَّبَرِيّ فِي ذَلِك رِوَايَات كَثِيرَة بَاطِلَة لَا أصل لَهَا، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ أحد من أهل الصِّحَّة وَلَا رَوَاهُ ثِقَة بِسَنَد سليم مُتَّصِل مَعَ ضعف نقلته واضطراب رواياته وَانْقِطَاع إِسْنَاده، وَكَذَا من تكلم بِهَذِهِ الْقِصَّة من التَّابِعين والمفسرين لم يسندها أحد مِنْهُم وَلَا رَفعهَا إِلَى صَاحبه، وَأكْثر الطّرق عَنْهُم فِي ذَلِك ضَعِيفَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الَّذِي ذكره ابْن الْعَرَبِيّ وعياض لَا يمْضِي على الْقَوَاعِد، فَإِن الطّرق إِذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذَلِك على أَن لَهَا أصلا. انْتهى.
قلت: الَّذِي ذكرَاهُ هُوَ اللَّائِق بجلالة قدر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ قد قَامَت الْحجَّة وَاجْتمعت الْأمة على عصمته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونزاهته عَن مثل هَذِه الرذيلة، وحاشاه عَن أَن يجْرِي على قلبه أَو لِسَانه شَيْء من ذَلِك لَا عمدا وَلَا سَهوا. أَو يكون للشَّيْطَان عَلَيْهِ سَبِيل أَو أَن يتقول على الله عز وَجل لَا عمدا وَلَا سَهوا. وَالنَّظَر وَالْعرْف أَيْضا يحيلان ذَلِك وَلَو وَقع لارتد كثير مِمَّن أسلم، وَلم ينْقل ذَلِك وَلَا كَانَ يخفى على من كَانَ بِحَضْرَتِهِ من الْمُسلمين. قَوْله: (من رَسُول وَلَا نَبِي) الرَّسُول هُوَ الَّذِي يَأْتِيهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِالْوَحْي عيَانًا وشفاهاً، وَالنَّبِيّ هُوَ الَّذِي تكون نبوته إلهاماً أَو كلَاما، فَكل رَسُول نَبِي بِغَيْر عكس. قَوْله: (إِذا تمنى) أَي: إِذا أحب واشتهى، وَحدثت بِهِ نَفسه مِمَّا لم يُؤمر بِهِ. قَوْله: (فِي أمْنِيته) ، أَي: مُرَاده، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: أَي فِي قِرَاءَته، فَأخْبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة أَن سنته فِي رسله إِذا قَالُوا قولا زَاد الشَّيْطَان فِيهِ من قبل نَفسه، فَهَذَا نَص فِي أَن الشَّيْطَان زَاده فِي قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه.
ويُقالُ أُمْنيَّتُهُ قِرَاءَتُهُ إلاّ أمانِيَّ يَقْرَؤُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ
هُوَ قَول الْفراء فَإِنَّهُ قَالَ: معنى قَوْله: (إِلَّا إِذا تمنى) ، إلَاّ إِذا تلى قَالَ الشَّاعِر:
(تمنى كتاب الله أول لَيْلَة ... تمني دَاوُد الزبُور على رسل)
قَوْله: (إِلَّا أماني) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني} (الْبَقَرَة: ٨٧) أوردهُ اسْتِشْهَادًا بِأَن: تمنى، بِمَعْنى تَلا، لِأَن معنى قَوْله: إِلَّا أماني إلَاّ مَا يقرأون.
{وَقَالَ مُجاهِدٌ مَشِيدٌ بالقَصَّةِ} أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وبئر معطلة وَقصر مشيد} (الْحَج: ٥٤) إِن مَعْنَاهُ: قصر مشيد، يَعْنِي: مَعْمُول بالشيد، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ الجص، بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا. وَهُوَ الكلس. وَفِي (الْمغرب) : الجص تعريب كج، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: شاده يشيده جصصه. وَقَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وربيع: قصر مشيد أَي طَوِيل، وَعَن الضَّحَّاك: إِن هَذِه الْبِئْر إِنَّمَا كَانَت بحضرموت فِي بَلْدَة يُقَال لَهَا حاضورا، وَذَلِكَ أَن أَرْبَعَة آلَاف نفر مِمَّن آمن بِصَالح عَلَيْهِ السَّلَام، لما نَجوا من الْعَذَاب أَتَوا حَضرمَوْت وَمَعَهُمْ صَالح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَمَّا حَضَرُوهُ مَاتَ صَالح فسميت حَضرمَوْت لِأَن صَالحا لما مَاتَ بنوا حاضورا وقعدوا على هَذِه الْبِئْر وَأمرُوا عَلَيْهِم رجلا يُقَال لَهُ جلهس بن جلاس بن سُوَيْد وَجعلُوا وزيره سخاريب ابْن سوَاده فأقاموا دهراً وتناسلوا حَتَّى نموا وكثروا ثمَّ عبدُوا الْأَصْنَام وَكَفرُوا بِاللَّه تَعَالَى، فَأرْسل الله إِلَيْهِم نَبيا يُقَال لَهُ حَنْظَلَة ابْن صَفْوَان كَانَ جمالاً فيهم فَقَتَلُوهُ فِي السُّوق فأهلكهم الله تَعَالَى وعطلت بئرهم وَخَربَتْ قصورهم.
وَقَالَ غَيْرُهُ يَسْطُونَ يَفْرُطُونَ من السَّطْوَةِ ويُقالُ يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله عز وَجل: {يكادون يسطون بالذين يَتلون عَلَيْهِم} (الْحَج: ٢٧) إِن معنى قَوْله: (يسطون: يفرطون) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة من فرط يفرط فرطا من بَاب نصر ينصر، أَي: قصر وضيع حَتَّى مَاتَ وفرط عَلَيْهِ إِذا عجل وَعدا، وفرط إِذا سبق. قَوْله: (من السطوة) أَي: اشتقاقه من السطوة، يُقَال: سَطَا ععليه وسطا بِهِ إِذا تنَاوله بالبطش والعنف والشدة، أَي: يكادون يقعون بِمُحَمد وَأَصْحَابه من شدَّة الغيظ ويبسطون إِلَيْهِم أَيْديهم بالسوء. قَوْله: (وَيُقَال) ، هُوَ قَول الْفراء فَإِنَّهُ كَانَ مشركو قُرَيْش إِذا سمعُوا الْمُسلم يَتْلُو الْقُرْآن كَادُوا يبطشون بِهِ، وَكَذَا روى ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: يسطون، فَقَالَ: يبطشون.
وهُدُوا إِلَى الطّيِّبِ مِنَ القَوْل أُلْهِمُوا إِلَى القُرْآن
هَذَا فِي وصف أهل الْجنَّة، وَفسّر الطّيب من القَوْل بقوله: (ألهموا إِلَى الْقُرْآن) هَكَذَا فسره السّديّ. قَوْله: (وَعَن ابْن عَبَّاس يُرِيد لَا إل هـ إلَاّ الله وَالْحَمْد لله) وَزَاد ابْن زيد: (وَالله أكبر) . قَوْله: (ألهموا) فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: (إِلَى الْقُرْآن) وَلم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَا بُد مِنْهُ لِأَن ذكر شَيْء من الْقُرْآن من غير تَفْسِيره لَا طائل تَحْتَهُ.
قَالَ ابنُ عبَّاسٍ بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي تَفْسِير قَوْله عز وَجل: {فليمدد بِسَبَب إِلَى السَّمَاء ثمَّ ليقطع} (الْحَج: ٥١) وَفَسرهُ بقوله: (بِحَبل إِلَى سقف الْبَيْت) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عبد الله بن الْوَلِيد عَن سُفْيَان عَن التَّمِيمِي عَن ابْن عَبَّاس، بِلَفْظ: فليمدد بِحَبل إِلَى سَمَاء بَيته فليختنق بِهِ، وَرَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن التَّمِيمِي عَن ابْن عَبَّاس، بِلَفْظ: من كَانَ يظنّ أَن لن ينصر الله مُحَمَّدًا فليمدد بِسَبَب إِلَى سَمَاء بَيته فليختنق بِهِ.
تَذْهَلُ تُشْغَلُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم تذهل كل مُرْضِعَة} (الْحَج: ٢) وَفسّر: (تذهل) بقوله: (تشتغل) قَالَ الثَّعْلَبِيّ: كَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَعَن الضَّحَّاك، تسلوا، يُقَال: ذهلت عَن كَذَا، أَي: تركته.
١٤٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ الله عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَا آدَمُ يَقُولُ لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ فينادِي بِصَوْتٍ إنَّ الله يأمُرُكَ أنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثاً إِلَى النّارِ قَالَ يَا ربِّ
أَصْحَاب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَرَاهَة التَّحْكِيم وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ سهل يتهم بالتقصير فِي الْقِتَال. فَقَالَ: اتهموا أَنفسكُم فَإِنِّي لَا أقصر وَمَا كنت مقصرا وَقت الْحَاجة. كَمَا فِي يَوْم الْحُدَيْبِيَة، فَإِنِّي رَأَيْت نَفسِي يَوْمئِذٍ بِحَيْثُ لَو قدرت مُخَالفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقاتلت قتالاً عَظِيما. لَكِن الْيَوْم لَا نرى الْمصلحَة فِي الْقِتَال بل التَّوَقُّف أولى لمصَالح الْمُسلمين، وَأما الْإِنْكَار على التَّحْكِيم أفليس ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى؟ فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نعم، المنكرون هم الَّذين عدلوا عَن كتاب الله لِأَن الْمُجْتَهد لما رأى أَن ظَنّه أدّى إِلَى جَوَاز التَّحْكِيم فَهُوَ حكم الله، وَقَالَ سهل: اتهموا أَنفسكُم فِي الْإِنْكَار لأَنا أَيْضا كُنَّا كارهين لترك الْقِتَال يَوْم الْحُدَيْبِيَة وقهرنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الصُّلْح. وَقد أعقب خيرا عَظِيما قَوْله: {وَلَقَد رَأَيْتنَا} أَي: وَلَقَد رَأَيْت أَنْفُسنَا. قَوْله: (وَلَو نرى) بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ غَيره. قَوْله: (أعطي) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الطَّاء ويروى: نعطي، بالنُّون. قَوْله: (الدنية) بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: الْخصْلَة الدنية وَهِي الْمُصَالحَة بِهَذِهِ الشُّرُوط الَّتِي تدل على الْعَجز، والضعف. قَوْله: (فَلم يصبر حَتَّى جَاءَ أَبَا بكر) قَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ بِمَحْفُوظ إِنَّمَا كلم أَبَا بكر أَولا ثمَّ كلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٩٤ - ( {سُورَةُ الحُجُرَاتِ} )
أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الحجرات، وَفِي بَعْص النّسخ: الحجرات، بِدُونِ لفظ: سُورَة، وَهِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَرِوَايَة أبي ذَر: سُورَة الحجرات: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَدَنِيَّة، كلهَا مَا بلغنَا فِيهَا اخْتِلَاف، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد المجادلة وَقبل التَّحْرِيم، وَهِي ألف وَأَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَسَبْعُونَ حرفا. وثلاثمائة وَثَلَاث وَأَرْبَعُونَ كلمة. وثمان عشرَة آيَة. وَقَالَ الزّجاج: يقْرَأ الحجرات بِضَم الْجِيم وَفتحهَا وَيجوز فِي اللُّغَة التسكين وَلَا أعلم أحدا قَرَأَهُ وَهِي جمع الْحجر وَالْحجر جمع حجرَة وَهُوَ جمع الْجمع، وَالْمرَاد بيُوت أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر لَيْسَ إلَاّ.
وَقَالَ مُجاهِدٌ لَا تُقْدِّمُوا لَا تَفتَانوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى يَقْضِي الله عَلَى لِسَانِهِ.
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} (الحجرات: ١) وَفسّر قَوْله: {لَا تفتاتوا} أَي: لَا تسبقوا من الإفتيات وَهُوَ افتعال من الْفَوْت وَهُوَ السَّبق إِلَى الشَّيْء دون ائتمار من يؤتمر، ومادته فَاء وواء وتاء مثناة من فَوق، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: اخْتلف فِي معنى قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا} الْآيَة. فَعَن ابْن عَبَّاس. لَا تَقولُوا خلاف الْكتاب وَالسّنة. وَعنهُ: لَا تتكلموا بَين يَدي كَلَامه، وَعَن جَابر وَالْحسن: لَا تذبحوا قبل أَن يذبح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَمرهمْ أَن يُعِيدُوا الذّبْح، وَعَن عَائِشَة: لَا تَصُومُوا قبل أَن يَصُوم نَبِيكُم، وَعَن عبد الله بن الزبير، قَالَ: قدم وَفد من بني تَمِيم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمر الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة، وَقَالَ عمر: أَمر الْأَقْرَع بن حَابِس، وَقَالَ أَبُو بكر: مَا أردْت إلَاّ خلافي، وَقَالَ عمر: مَا أردْت خِلافك. فارتفعت أصواتهما فَأنْزل الله عز وَجل: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} الْآيَة، وَعَن الضَّحَّاك: يَعْنِي فِي الْقِتَال وَشَرَائِع الدّين يَقُول: لَا تقضوا أمرا دون الله وَرَسُوله، وَعَن الْكَلْبِيّ: لَا تسبقوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقول وَلَا فعل حَتَّى يكون هُوَ يَأْمُركُمْ، وَعَن ابْن زيد: لَا تقطعوا أمرا دون الله وَرَسُوله وَلَا تَمْشُوا بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (لَا تقدمُوا) ، بِضَم التَّاء وَتَشْديد الدَّال الْمَكْسُورَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قدمه وأقدمه منقولان بتنقيل الحشو والهمزة من قدمة إِذا تقدمه وَحذف مَفْعُوله ليتناول كل مَا يَقع فِي النَّفس مِمَّا يقدم، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه قَرَأَ بِفَتْح التَّاء وَالدَّال وَقَرَأَ: لَا تقدمُوا، بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الدَّال بِحَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ من تتقدموا.
امْتَحَنَ أخْلَصَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين امتحن الله قُلُوبهم للتقوى} (الحجرات: ٣) وَفَسرهُ بقوله: أخْلص، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة. قَالَ: أخْلص الله قُلُوبهم فِيمَا أحب.
تَنَابَزُوا يَدْعَى بِالكَفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ} (الحجرات: ١١) بِمَا حَاصله من مصدره، وَهُوَ التَّنَابُز، وَهُوَ أَن يدعى الرجل بالْكفْر بعد الْإِسْلَام، وَحَاصِله مَا قَالَه مُجَاهِد: لَا تَدْعُو الرجل بالْكفْر وَهُوَ مُسلم، وَعَن عِكْرِمَة: هُوَ قَول الرجل للرجل: فَاسق
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56