الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٤٩
الحديث رقم ٤٨٤٩ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة ق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٤٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ:
📖 هذا الحديث في تفسير سورة ق - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ "يُقَالُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطْ قَط"
[الحديث ٤٨٤٩ - طرفاه في: ٤٨٥٠، ٧٤٤٩]
٤٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ: "تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ قَوْلِ جَهَنَّمَ ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، فَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهَا لِطَلَبِ الْمَزِيدِ، وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي مَوْضِعٍ لِلزِّيَادَةِ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أَيْ: هَلْ مِنْ مَدْخَلٍ قَدِ امْتَلَأَتْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ مُوَجَّهٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا قَدْ تُزَادُ، وَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهَا لَا مَوْضِعَ فِيهَا لِلْمَزِيدِ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (يُلْقَى فِي النَّارِ ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ.
قَوْلُهُ: (فَتَقُولُ قَطْ قَطْ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ فَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ فَتَقُولُ قَدْ قَدْ بِالدَّالِ بَدَلَ الطَّاءِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَضَعُ الرَّبُّ عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ فَهُنَاكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَجَهَنَّمُ تَسْأَلُ الْمَزِيدَ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَيُلْقَى فِي النَّارِ أَهْلُهَا فَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَأْتِيَهَا ﷿ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَنْزَوِي فَتَقُولُ قَدْنِي قَدْنِي.
وَقَوْلُهُ قَطْ قَطْ أَيْ حَسْبِي حَسْبِي، وَثَبَتَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَطْ بِالتَّخْفِيفِ سَاكِنًا، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَطِي قَطِي بِالْإِشْبَاعِ وَقَطْنِي بِزِيَادَةِ نُونٍ مُشْبَعَةٍ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِالدَّالِ بَدَلَ الطَّاءِ وَهِيَ لُغَةٌ أَيْضًا، وكُلُّهَا بِمَعْنَى يَكْفِي. وَقِيلَ: قَطْ صَوْتُ جَهَنَّمَ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي
تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ مَا يُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَفْظُهُ: فَيَضَعُهَا عَلَيْهَا فَتُقَطْقِطُ كَمَا يُقَطْقِطُ السِّقَاءُ إِذَا امْتَلَأَ انْتَهَى.
فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَدَمِ، فَطَرِيقُ السَّلَفِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ مَشْهُورَةٌ، وَهُوَ أَنْ تَمُرَّ كَمَا جَاءَتْ وَلَا يُتَعَرَّضُ لِتَأْوِيلِهِ بَلْ نَعْتَقِدُ اسْتِحَالَةَ مَا يُوهِمُ النَّقْصَ عَلَى اللَّهِ، (١) وَخَاضَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ: الْمُرَادُ إِذْلَالُ جَهَنَّمَ، فَإِنَّهَا إِذَا بَالَغَتْ فِي الطُّغْيَانِ وَطَلَبِ الْمَزِيدِ أَذَلَّهَا اللَّهُ فَوَضَعَهَا تَحْتَ الْقَدَمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْقَدَمِ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ أَلْفَاظَ الْأَعْضَاءِ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَلَا تُرِيدُ أَعْيَانَهَا، كَقَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفُهُ وَسُقِطَ فِي يَدِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْفَرَطُ السَّابِقُ أَيْ يَضَعُ اللَّهُ فِيهَا مَا قَدَّمَهُ لَهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْقَدَمُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِمَا قُدِّمَ كَمَا يُسَمَّى مَا خُبِطَ مِنْ وَرَقٍ خَبَطًا، فَالْمَعْنَى مَا قَدَّمُوا مِنْ عَمَلٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ، فَالضَّمِيرُ لِلْمَخْلُوقِ مَعْلُومٌ، أَوْ يَكُونُ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ اسْمُهُ قَدَمٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْأَخِيرُ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ آخِرُ الْأَعْضَاءِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِي النَّارِ آخِرَ أَهْلِهَا فِيهَا، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْمَزِيدِ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ: هَذَا مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي أُطْلِقَتْ بِتَمْثِيلِ الْمُجَاوَرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الْأُمَمِ وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي عُصِيَ اللَّهُ فِيهَا فَلَا تَزَالُ تَسْتَزِيدُ حَتَّى يَضَعَ الرَّبُّ فِيهَا مَوْضِعًا مِنَ الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَمْتَلِئُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الْقَدَمَ عَلَى الْمَوْضِعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يُرِيدُ مَوْضِعَ صِدْقٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ صِدْقٍ وَهُوَ مُحَمَّدٌ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى شَفَاعَتِهِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا مُنَابِذٌ لِنَصِّ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ: يَضَعُ قَدَمَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَتْ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، وَالَّذِي قَالَهُ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْهَا، وَصَرِيحُ الْخَبَرِ أَنَّهَا تَنْزَوِي بِمَا يُجْعَلُ فِيهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا يُبَدَّلُ عِوَضَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ كَمَا حَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ يُعْطَى كُلُّ مُسْلِمٍ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَيُقَالُ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ إِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ، وَأَنَّهُ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاحِدًا مِنَ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَعْظُمَ حَتَّى يَسُدَّ مَكَانَهُ وَمَكَانَ الَّذِي خَرَجَ، وَحِينَئِذٍ فَالْقَدَمُ سَبَبٌ لِلْعِظَمِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا وَقَعَ الْعِظَمُ حَصَلَ الْمِلْءُ الَّذِي تَطْلُبُهُ.
وَمِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ إِبْلِيسَ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ وَإِبْلِيسُ أَوَّلُ مَنْ تَكَبَّرَ فَاسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى مُتَجَبِّرًا وَجَبَّارًا، وَظُهُورُ بُعْدِ هَذَا يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ.
وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ الرِّجْلِ تَحْرِيفٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِظَنِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدَمِ الْجَارِحَةَ فَرَوَاهَا بِالْمَعْنَى فَأَخْطَأَ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالرِّجْلِ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً الْجَمَاعَةُ، كَمَا تَقُولُ: رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَالتَّقْدِيرُ يَضَعُ فِيهَا جَمَاعَةً، وَأَضَافَهُمْ إِلَيْهِ إِضَافَةَ اخْتِصَاصٍ. وَبَالَغَ ابْنُ فُورَكٍ، فَجَزَمَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ الرِّجْلِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ لِثُبُوتِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَدْ أَوَّلَهَا غَيْرُهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَدَمِ، فَقِيلَ: رِجْلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا اسْمُ مَخْلُوقٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَقِيلَ: إِنَّ الرِّجْلَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّجْرِ كَمَا تَقُولُ: وَضَعْتُهُ تَحْتَ رِجْلِي، وَقِيلَ: إِنَّ الرِّجْلَ تُسْتَعْمَلُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْجِدِّ، كَمَا تَقُولُ: قَامَ فِي هَذَا الْأَمْرِ عَلَى رِجْلٍ.
وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عُقَيْلٍ: تَعَالَى اللَّهُ عَنْ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ أَمْرُهُ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٨٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى القَطَّانُ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح التحتية وكسر الراء، واسمه (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) بكسر العين (بْنِ مَهْدِيٍّ) بفتح الميم، الواسِطي قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابنُ سيرينَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال محمد بنُ موسى: (رَفَعَهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ (وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ) على الصَّحابيِّ، بسكون الواو من الثُّلاثي المزيد فيه (١)، والفصيح: يقفه، من الثُّلاثي المجرَّد (أَبُو سُفْيَانَ) الحميريُّ، وقليلًا ما كان يرفعهُ (يُقَالُ) أي: يقولُ اللهُ تعالى (﴿لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾)؟ استفهامُ تحقيقٍ لوعده بملئها (﴿وَتَقُولُ﴾) جهنَّم، ولأبي ذرٍّ: «فتقولُ» بالفاء: (﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾؟ [ق: ٣٠] فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ).
٤٨٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام -بتشديد الميم وفتح الهاء-، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء (٢) وتشديد (٣) الميم الأولى، ابنِ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبيُّ
ﷺ: تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ) تخاصَمَتا بلسانِ المقال (١) أو الحال (فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، بمعنى: اختصَصتُ (بِالمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ) مترادفان لغةً، فالثَّاني تأكيدٌ لسابقه، أو المتكبِّرُ (٢) المتعظِّمُ بما ليس فيه، والمتجبِّرُ (٣) الممنوعُ الَّذي لا يوصلُ إليه، أو الَّذي لا يكترثُ بأمرِ ضعفاءِ النَّاسِ وسقطِهم (وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ) الَّذين لا يلتفتُ إليهم لمسكنتِهِم (وَسَقَطُهُمْ) بفتحتين، المحتقرونَ (٤) بين النَّاسِ السَّاقطونَ من (٥) أعينهِم؛ لتواضُعهِم لربِّهم وذلَّتِهم (٦) له (قَالَ اللهُ ﵎ ولأبي ذرٍّ: «﷿» (لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنت رَحمة» وسمَّاها رحمة؛ لأنَّ بها تظهرُ رحمته تعالى، كما قاله (أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي) وإلَّا فرحمةُ اللهِ من صفاتهِ الَّتي لم يزَل بها موصوفًا (وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عَذابِي» (أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) بالهاء في الفرع كأصله، وفي نسخة: «منكُما» (مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ) في مسلم: «حتَّى يضعَ الله رجلهُ»، وأنكر ابن فُورك لفظ: «رجله» وقال: إنَّها غيرُ ثابتةٍ. وقال ابنُ الجوزيِّ: هي تحريفٌ من بعض الرُّواة، ورُدَّ عليهما برواية الصَّحيحين بها، وأوِّلت بالجماعةِ: كرجلٍ من جرادٍ، أي: يضعُ فيها جماعةً وأضَافهم إليه إضافةَ اختصاصٍ. وقال محيي السُّنَّة: القدمُ والرِّجلُ في هذا الحديث من صفاتِ الله تعالى المنزَّهَة عن التَّكييفِ والتَّشبيهِ، فالإيمانُ بها فرضٌ والامتناعُ عن الخوضِ فيها واجبٌ، فالمهتدِي من سلكَ فيها طريقَ التَّسليم، والخائضُ فيها زائغٌ، والمنكرُ معطِّلٌ، والمكيِّفٌ مشبِّهٌ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (فَتَقُولُ) النَّار إذا وضعَ رجلهُ فيها: (قَطٍْ قَطٍْ قَطٍْ) ثلاثًا بتنوينها مكسورة ومسكَّنة (٧)، وعند أبي ذرٍّ مرتين فقط كالرِّوايتين السَّابقتين
(فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى) بضم أوَّله وفتح ثالثه (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) تجتمعُ وتلتقِي على من فيها، ولا ينشئُ الله لها خلقًا (وَلَا يَظْلِمُ اللهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا) لم يعملْ سوءًا، وللمعتزلةِ أن يقولوا: إنَّ نفي الظُّلمِ عمَّن لم يذنِب دليلٌ على أنَّه إن عذَّبهم كان ظلمًا (١) وهو عينُ مذهبنا. والجوابُ: إنَّا وإن قلنَا: إنَّه تعالى وإن عذَّبهم لم يكن ظَالمًا؛ فإنَّه (٢) لم يتصرَّف في ملكِ غيره، لكنَّه تعالى لا يفعلُ ذلك لكرمهِ ولطفهِ مبالغةً، فنفيُ الظُّلمِ إثباتُ الكرم (وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا) لم تعملْ خيرًا حتَّى تمتلئَ، فالثَّوابُ ليس موقوفًا على العملِ، وفي حديث أنس عند مسلم مرفوعًا: «يَبقَى من الجنَّةِ ما شاءَ اللهُ ثمَّ ينشئُ اللهُ لها خلقًا ممَّا يشاءُ»، وفي رواية له: «ولا يزَالُ في الجنَّةِ فضلٌ حتَّى ينشئَ اللهُ لها خلقًا فيسكنَهُم فضلَ الجنَّةِ».
(٢) (باب (٣): ﴿وَسَبِّحْ﴾) ولغير أبي ذرٍّ: «فَسبِّح» بالفاء، والموافق للتَّنزيل الأوَّل (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) أي: نزِّههُ واحمدهُ حيث وفَّقكَ لتسبيحهِ، فالمفعولُ محذوفٌ للعلمِ به، أي: نزِّه الله بحمدِ ربِّك، أي: متلبِّسًا (٤) أو مقترِنًا بحمدِ ربِّكَ، وأعاد الأمرَ بالتَّسبيح في قولهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠] للتَّأكيد، أو (٥) الأوَّل بمعنى الصَّلاة، والثَّاني بمعنى التَّنزيهِ والذِّكر (﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾) صلاة الصُّبحِ (﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]) العصر، وقيل: قبل الطُّلوعِ (٦) الصُّبحُ، وقبل الغروبِ الظُّهر والعصرُ، ومن اللَّيلِ العشاءان والتَّهجُّدُ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ "يُقَالُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطْ قَط"
[الحديث ٤٨٤٩ - طرفاه في: ٤٨٥٠، ٧٤٤٩]
٤٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ: "تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ قَوْلِ جَهَنَّمَ ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، فَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهَا لِطَلَبِ الْمَزِيدِ، وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي مَوْضِعٍ لِلزِّيَادَةِ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أَيْ: هَلْ مِنْ مَدْخَلٍ قَدِ امْتَلَأَتْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ مُوَجَّهٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا قَدْ تُزَادُ، وَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهَا لَا مَوْضِعَ فِيهَا لِلْمَزِيدِ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (يُلْقَى فِي النَّارِ ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ.
قَوْلُهُ: (فَتَقُولُ قَطْ قَطْ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ فَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ فَتَقُولُ قَدْ قَدْ بِالدَّالِ بَدَلَ الطَّاءِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَضَعُ الرَّبُّ عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ فَهُنَاكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَجَهَنَّمُ تَسْأَلُ الْمَزِيدَ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَيُلْقَى فِي النَّارِ أَهْلُهَا فَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَأْتِيَهَا ﷿ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَنْزَوِي فَتَقُولُ قَدْنِي قَدْنِي.
وَقَوْلُهُ قَطْ قَطْ أَيْ حَسْبِي حَسْبِي، وَثَبَتَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَطْ بِالتَّخْفِيفِ سَاكِنًا، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَطِي قَطِي بِالْإِشْبَاعِ وَقَطْنِي بِزِيَادَةِ نُونٍ مُشْبَعَةٍ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِالدَّالِ بَدَلَ الطَّاءِ وَهِيَ لُغَةٌ أَيْضًا، وكُلُّهَا بِمَعْنَى يَكْفِي. وَقِيلَ: قَطْ صَوْتُ جَهَنَّمَ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي
تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ مَا يُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَفْظُهُ: فَيَضَعُهَا عَلَيْهَا فَتُقَطْقِطُ كَمَا يُقَطْقِطُ السِّقَاءُ إِذَا امْتَلَأَ انْتَهَى.
فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَدَمِ، فَطَرِيقُ السَّلَفِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ مَشْهُورَةٌ، وَهُوَ أَنْ تَمُرَّ كَمَا جَاءَتْ وَلَا يُتَعَرَّضُ لِتَأْوِيلِهِ بَلْ نَعْتَقِدُ اسْتِحَالَةَ مَا يُوهِمُ النَّقْصَ عَلَى اللَّهِ، (١) وَخَاضَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ: الْمُرَادُ إِذْلَالُ جَهَنَّمَ، فَإِنَّهَا إِذَا بَالَغَتْ فِي الطُّغْيَانِ وَطَلَبِ الْمَزِيدِ أَذَلَّهَا اللَّهُ فَوَضَعَهَا تَحْتَ الْقَدَمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْقَدَمِ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ أَلْفَاظَ الْأَعْضَاءِ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَلَا تُرِيدُ أَعْيَانَهَا، كَقَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفُهُ وَسُقِطَ فِي يَدِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْفَرَطُ السَّابِقُ أَيْ يَضَعُ اللَّهُ فِيهَا مَا قَدَّمَهُ لَهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْقَدَمُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِمَا قُدِّمَ كَمَا يُسَمَّى مَا خُبِطَ مِنْ وَرَقٍ خَبَطًا، فَالْمَعْنَى مَا قَدَّمُوا مِنْ عَمَلٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ، فَالضَّمِيرُ لِلْمَخْلُوقِ مَعْلُومٌ، أَوْ يَكُونُ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ اسْمُهُ قَدَمٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْأَخِيرُ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ آخِرُ الْأَعْضَاءِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِي النَّارِ آخِرَ أَهْلِهَا فِيهَا، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْمَزِيدِ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ: هَذَا مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي أُطْلِقَتْ بِتَمْثِيلِ الْمُجَاوَرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الْأُمَمِ وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي عُصِيَ اللَّهُ فِيهَا فَلَا تَزَالُ تَسْتَزِيدُ حَتَّى يَضَعَ الرَّبُّ فِيهَا مَوْضِعًا مِنَ الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَمْتَلِئُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الْقَدَمَ عَلَى الْمَوْضِعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يُرِيدُ مَوْضِعَ صِدْقٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ صِدْقٍ وَهُوَ مُحَمَّدٌ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى شَفَاعَتِهِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا مُنَابِذٌ لِنَصِّ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ: يَضَعُ قَدَمَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَتْ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، وَالَّذِي قَالَهُ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْهَا، وَصَرِيحُ الْخَبَرِ أَنَّهَا تَنْزَوِي بِمَا يُجْعَلُ فِيهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا يُبَدَّلُ عِوَضَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ كَمَا حَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ يُعْطَى كُلُّ مُسْلِمٍ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَيُقَالُ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ إِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ، وَأَنَّهُ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاحِدًا مِنَ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَعْظُمَ حَتَّى يَسُدَّ مَكَانَهُ وَمَكَانَ الَّذِي خَرَجَ، وَحِينَئِذٍ فَالْقَدَمُ سَبَبٌ لِلْعِظَمِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا وَقَعَ الْعِظَمُ حَصَلَ الْمِلْءُ الَّذِي تَطْلُبُهُ.
وَمِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ إِبْلِيسَ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ وَإِبْلِيسُ أَوَّلُ مَنْ تَكَبَّرَ فَاسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى مُتَجَبِّرًا وَجَبَّارًا، وَظُهُورُ بُعْدِ هَذَا يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ.
وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ الرِّجْلِ تَحْرِيفٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِظَنِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدَمِ الْجَارِحَةَ فَرَوَاهَا بِالْمَعْنَى فَأَخْطَأَ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالرِّجْلِ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً الْجَمَاعَةُ، كَمَا تَقُولُ: رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَالتَّقْدِيرُ يَضَعُ فِيهَا جَمَاعَةً، وَأَضَافَهُمْ إِلَيْهِ إِضَافَةَ اخْتِصَاصٍ. وَبَالَغَ ابْنُ فُورَكٍ، فَجَزَمَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ الرِّجْلِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ لِثُبُوتِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَدْ أَوَّلَهَا غَيْرُهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَدَمِ، فَقِيلَ: رِجْلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا اسْمُ مَخْلُوقٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَقِيلَ: إِنَّ الرِّجْلَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّجْرِ كَمَا تَقُولُ: وَضَعْتُهُ تَحْتَ رِجْلِي، وَقِيلَ: إِنَّ الرِّجْلَ تُسْتَعْمَلُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْجِدِّ، كَمَا تَقُولُ: قَامَ فِي هَذَا الْأَمْرِ عَلَى رِجْلٍ.
وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عُقَيْلٍ: تَعَالَى اللَّهُ عَنْ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ أَمْرُهُ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٨٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى القَطَّانُ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح التحتية وكسر الراء، واسمه (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) بكسر العين (بْنِ مَهْدِيٍّ) بفتح الميم، الواسِطي قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابنُ سيرينَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال محمد بنُ موسى: (رَفَعَهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ (وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ) على الصَّحابيِّ، بسكون الواو من الثُّلاثي المزيد فيه (١)، والفصيح: يقفه، من الثُّلاثي المجرَّد (أَبُو سُفْيَانَ) الحميريُّ، وقليلًا ما كان يرفعهُ (يُقَالُ) أي: يقولُ اللهُ تعالى (﴿لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾)؟ استفهامُ تحقيقٍ لوعده بملئها (﴿وَتَقُولُ﴾) جهنَّم، ولأبي ذرٍّ: «فتقولُ» بالفاء: (﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾؟ [ق: ٣٠] فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطِ قَطِ).
٤٨٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام -بتشديد الميم وفتح الهاء-، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء (٢) وتشديد (٣) الميم الأولى، ابنِ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبيُّ
ﷺ: تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ) تخاصَمَتا بلسانِ المقال (١) أو الحال (فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، بمعنى: اختصَصتُ (بِالمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ) مترادفان لغةً، فالثَّاني تأكيدٌ لسابقه، أو المتكبِّرُ (٢) المتعظِّمُ بما ليس فيه، والمتجبِّرُ (٣) الممنوعُ الَّذي لا يوصلُ إليه، أو الَّذي لا يكترثُ بأمرِ ضعفاءِ النَّاسِ وسقطِهم (وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ) الَّذين لا يلتفتُ إليهم لمسكنتِهِم (وَسَقَطُهُمْ) بفتحتين، المحتقرونَ (٤) بين النَّاسِ السَّاقطونَ من (٥) أعينهِم؛ لتواضُعهِم لربِّهم وذلَّتِهم (٦) له (قَالَ اللهُ ﵎ ولأبي ذرٍّ: «﷿» (لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنت رَحمة» وسمَّاها رحمة؛ لأنَّ بها تظهرُ رحمته تعالى، كما قاله (أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي) وإلَّا فرحمةُ اللهِ من صفاتهِ الَّتي لم يزَل بها موصوفًا (وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عَذابِي» (أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) بالهاء في الفرع كأصله، وفي نسخة: «منكُما» (مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ) في مسلم: «حتَّى يضعَ الله رجلهُ»، وأنكر ابن فُورك لفظ: «رجله» وقال: إنَّها غيرُ ثابتةٍ. وقال ابنُ الجوزيِّ: هي تحريفٌ من بعض الرُّواة، ورُدَّ عليهما برواية الصَّحيحين بها، وأوِّلت بالجماعةِ: كرجلٍ من جرادٍ، أي: يضعُ فيها جماعةً وأضَافهم إليه إضافةَ اختصاصٍ. وقال محيي السُّنَّة: القدمُ والرِّجلُ في هذا الحديث من صفاتِ الله تعالى المنزَّهَة عن التَّكييفِ والتَّشبيهِ، فالإيمانُ بها فرضٌ والامتناعُ عن الخوضِ فيها واجبٌ، فالمهتدِي من سلكَ فيها طريقَ التَّسليم، والخائضُ فيها زائغٌ، والمنكرُ معطِّلٌ، والمكيِّفٌ مشبِّهٌ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (فَتَقُولُ) النَّار إذا وضعَ رجلهُ فيها: (قَطٍْ قَطٍْ قَطٍْ) ثلاثًا بتنوينها مكسورة ومسكَّنة (٧)، وعند أبي ذرٍّ مرتين فقط كالرِّوايتين السَّابقتين
(فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى) بضم أوَّله وفتح ثالثه (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) تجتمعُ وتلتقِي على من فيها، ولا ينشئُ الله لها خلقًا (وَلَا يَظْلِمُ اللهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا) لم يعملْ سوءًا، وللمعتزلةِ أن يقولوا: إنَّ نفي الظُّلمِ عمَّن لم يذنِب دليلٌ على أنَّه إن عذَّبهم كان ظلمًا (١) وهو عينُ مذهبنا. والجوابُ: إنَّا وإن قلنَا: إنَّه تعالى وإن عذَّبهم لم يكن ظَالمًا؛ فإنَّه (٢) لم يتصرَّف في ملكِ غيره، لكنَّه تعالى لا يفعلُ ذلك لكرمهِ ولطفهِ مبالغةً، فنفيُ الظُّلمِ إثباتُ الكرم (وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا) لم تعملْ خيرًا حتَّى تمتلئَ، فالثَّوابُ ليس موقوفًا على العملِ، وفي حديث أنس عند مسلم مرفوعًا: «يَبقَى من الجنَّةِ ما شاءَ اللهُ ثمَّ ينشئُ اللهُ لها خلقًا ممَّا يشاءُ»، وفي رواية له: «ولا يزَالُ في الجنَّةِ فضلٌ حتَّى ينشئَ اللهُ لها خلقًا فيسكنَهُم فضلَ الجنَّةِ».
(٢) (باب (٣): ﴿وَسَبِّحْ﴾) ولغير أبي ذرٍّ: «فَسبِّح» بالفاء، والموافق للتَّنزيل الأوَّل (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) أي: نزِّههُ واحمدهُ حيث وفَّقكَ لتسبيحهِ، فالمفعولُ محذوفٌ للعلمِ به، أي: نزِّه الله بحمدِ ربِّك، أي: متلبِّسًا (٤) أو مقترِنًا بحمدِ ربِّكَ، وأعاد الأمرَ بالتَّسبيح في قولهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠] للتَّأكيد، أو (٥) الأوَّل بمعنى الصَّلاة، والثَّاني بمعنى التَّنزيهِ والذِّكر (﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾) صلاة الصُّبحِ (﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]) العصر، وقيل: قبل الطُّلوعِ (٦) الصُّبحُ، وقبل الغروبِ الظُّهر والعصرُ، ومن اللَّيلِ العشاءان والتَّهجُّدُ.