«كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٠٤

الحديث رقم ٤٩٠٤ من كتاب «سورة المنافقين» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٩٠٤ في صحيح البخاري

«كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَ عَمِّي لِلنَّبِيِّ ، وَصَدَّقَهُمْ، فَأَصَابَنِي غَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ وَمَقَتَكَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ وَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ فَقَرَأَهَا وَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ».

قَوْلُهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

إسناد حديث رقم ٤٩٠٤ من صحيح البخاري

٤٩٠٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٩٠٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ حَرَّكُوا: اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيِّ . وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ لَوَيْتُ

٤٩٠٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَه عَمِّي لِلنَّبِيِّ وصدقهم، فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ ، فَأَصَابَنِي غَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ وَمَقَتَكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ فَقَرَأَهَا وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - مُسْتَكْبِرُونَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ كُلَّهَا. فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: وَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : تُبْ. فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ، فَنَزَلَتْ.

قَوْلُهُ: (حَرَّكُوا: اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيِّ ، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ لَوَيْتُ) يَعْنِي لَوَوْا، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا مَضَى بَيَانُهُ، وَوَقَعَ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ مُخْتَصَرًا مِنْ أَثْنَائِهِ، وَسَاقَهُ أَبُو ذَرٍّ تَامًّا إِلَّا قَوْلَهُ: وَصَدَّقَهُمْ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي السِّيَاقِ الَّذِي أَوْرَدَهُ خُصُوصُ مَا تَرْجَمَ بِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ: فَقَالَ قَوْمٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَغْفَرَ لَكَ، فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ، فَنَزَلَتْ. وَكَذَا أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَمنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.

٥ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

٤٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فِي جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ: فَعَلُوهَا؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ : دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.

وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ. قَالَ سُفْيَانُ: فَحَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرًا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ . . .

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ﴾ لَهُمْ. . . الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ الَّتِي فِي التَّوْبَةِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَمْرٌو) وَقَعَ فِي آخِرِ الْبَابِ: قَالَ سُفْيَانُ: فَحَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو، قَالَ: فَذَكَرَهُ، وَوَقَعَ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ الْآتِيَةُ بَعْدَ بَابِ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو.

قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فِي جَيْشٍ) وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْغَزَاةَ غَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَذَا فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ.

قَوْلُهُ: (فَكَسَعَ رَجُلٌ) الْكَسْعُ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ بَعْدَ بَابٍ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ ضَرْبُ الدُّبُرِ بِالْيَدِ أَوْ بِالرِّجْلِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بِرِجْلِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْيَمَنِ شَدِيدٌ، وَالرَّجُلُ الْمُهَاجِرِيُّ هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ قَيْسٍ - وَيُقَالُ: ابْنُ سَعِيدٍ - الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُودُ لَهُ فَرَسَهُ، وَالرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ هُوَ سِنَانُ بْنُ وَبَرَةَ الْجُهَنِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَأَنَّ الْمُهَاجِرِيَّ كَانَ مِنْ غِفَارٍ، وَسَمَّاهُمَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ شُيُوخِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ غَزَا غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ الَّتِي هَدَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ مَنَاةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قَفَا الْمُشَلَّلِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ فَاقْتَتَلَ رَجُلَانِ فَاسْتَعْلَى الْمُهَاجِرِيُّ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، فَتَدَاعَوْا إِلَى أَنْ حُجِزَ بَيْنَهُمْ، فَانْكَفَأَ كُلُّ مُنَافِقٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالُوا: كُنْتَ تُرْجَى وَتَدْفَعُ، فَصِرْتَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ! فَقَالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.

وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرِيَّ وَاحِدٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! وَنَادَى الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ أَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ! قَالُوا: لَا، إِنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ، وَلْيَنْصُرَنَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا الْحَدِيثَ. وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بَيَانٌ لِأَحَدِ الْغُلَامَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ؛ غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَحَذَفَ لَفْظَ غُلَامٍ مِنَ الْأَوَّلِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْخَبَرِ: فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ فَأَفْرَدَهُ، فَتَتَوَافَقُ الرِّوَايَاتُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا بَأْسَ جَوَازُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ بِالْقَصْدِ الْمَذْكُورِ وَالتَّفْصِيلِ الْمُبَيَّنِ، لَا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نُصْرَةِ مَنْ يَكُونُ مِنَ الْقَبِيلَةِ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ: انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا مُسْتَوْفًى فِي بَابِ أَعِنْ أَخَاكَ مِنْ كِتَابِ الْمَظَالِمِ.

قَوْلُهُ: (يَا لَلْأَنْصَارِ!) بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ لِلِاسْتِغَاثَةِ؛ أَيْ: أَغِيثُونِي. وَكَذَا قَوْلُ الْآخَرِ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ!

قَوْلُهُ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)؛ أَيْ: دَعْوَةُ الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ الْكَسْعَةُ. وَمُنْتِنَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ مِنَ النَّتْنِ؛ أَيْ أَنَّهَا كَلِمَةٌ قَبِيحَةٌ خَبِيثَةٌ، وَكَذَا ثَبَتَتْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.

قَوْلُهُ: (فَعَلُوهَا؟) هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ؛ أَيْ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤) (قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين (١) «﴿وَإِذَا قِيلَ﴾» (﴿لَهُمْ تَعَالَوْا﴾) معتذِرين (﴿يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ﴾) عدَّ هذه النُّحاة من الإعمال؛ لأنَّ ﴿تَعَالَوْا﴾ يطلبُ ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ مجرورًا بـ «إلى» أي: تعالوا إلى رسولِ الله، و ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ يطلُبُه فاعلًا، فأعمَل الثَّاني، ولذلك رفعَه، وحذف من الأول؛ إذ التَّقدير: تعالوا إليه، ولو أعملَ الأوَّل لقيلَ: تعالوا إلى رسولِ الله يستغفِر لكم، فيضمر في ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ فاعلٌ، قاله في «الدُّر» (﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾) بالتشديد للتَّكثير، ونافعٌ بالتخفيف مناسبًا لما جاءَ في القرآنِ من مستقبلِهِ؛ نحو: يلوون، ولا ينافي التَّكثير وهذا جواب ﴿إِذَا﴾ (﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾) يعرضونَ عن الاستغفارِ، و ﴿يَصُدُّونَ﴾ حال؛ لأنَّ الرُّؤية بصريَّة (﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]) حال أيضًا، وأتى بـ ﴿يَصُدُّونَ﴾ مضارعًا؛ ليدلَّ على التَّجدد والاستمرار، وسقطَ «﴿وَرَأَيْتَهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿رُؤُوسَهُمْ﴾: «إلى قوله: ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾» (حَرَّكُوا) هو تفسيرُ قولهِ: ﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ (اسْتَهْزَؤُوْا (٢) بِالنَّبِيِّ . وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ) كما مرَّ (مِنْ لَوَيْتُ) معتلَّ العين واللَّام، وسقطَ «ويقرأ … » إلى آخره لغير الكُشمِيهنيِّ.

٤٩٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين مصغَّرًا، أبو محمَّدٍ العَبسيُّ مَولاهم، الكُوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بنِ يونُس بنِ أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي) قيل -زيادةً على ما مرَّ-: إنَّه ثابتُ بنُ قيسِ بنِ زيد، وهو أخو أرقمَ بن زيدٍ، أو أراد عمَّه -زوج أمِّه- ابنَ رَواحة، وكانوا في غَزاة بني

المُصْطلِق، أو تبوك، وعورضَ بأنَّ المسلمين كانوا بتبوكَ أعزَّاء والمنافقينَ أذلَّة، وبأنَّ ابن أبيٍّ لم يشهَدها، إنَّما كان في الخَوالفِ، كما مرَّ، والإعادةُ لمزيدِ الإفادَة. (فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْن سَلُولَ يَقُولُ) أي: لأصحابهِ: (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَه عَمِّي لِلنَّبِيِّ وَصَدَّقَهُمْ) أي: صدَّق ابنَ أبيٍّ وأصحابه لمَّا حلفُوا على عدمِ صدورِ المقَالة المذكُورةِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «فَدَعَانِي رسولُ الله (١) فَحَدَّثْتُهُ بما قال ابنُ أبيٍّ فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ فسألهم، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ذلك، وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ » (٢)، (فَأَصَابَنِي هَمٌّ (٣) لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: «رسولُ اللهِ» ( وَمَقَتَكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) وفي نسخةٍ: «﷿» (﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١] وَأَرْسَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فأرسَلَ» «بالفاء» بدل: «الواو»، (إِلَيَّ النَّبِيُّ فَقَرَأَهَا، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ).

قيل: وليسَ في الحديثِ ما تُرجم بهِ. وأُجيب بأنَّ عادةَ المؤلِّف أن يشيرَ إلى أصلِ الحديث، وفي مُرسل الحسنِ: فقال قومٌ لعبدِ الله بن أُبيٍّ: فلو أتيتَ رسولَ اللهِ فاستغفرَ لكَ، فجعلَ يَلوي رأسَهُ. فنزلتْ.

(٥) هذا (بابٌ) بالتنوين: (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾) يا محمَّد، وهمزة ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ مفتوحة من غير مدٍّ في قراءةِ الجمهور، وهي همزة التَّسويةِ الَّتي أصلها للاستفهامِ (﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾) لرسوخِهم في الكُفرِ (﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]). وسقطَ لأبي ذرٍّ «﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال بعدَ قولهِ: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾: «الآيةَ» وسقط لغيره لفظُ «باب».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ حَرَّكُوا: اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيِّ . وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ لَوَيْتُ

٤٩٠٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَه عَمِّي لِلنَّبِيِّ وصدقهم، فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ ، فَأَصَابَنِي غَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ وَمَقَتَكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ فَقَرَأَهَا وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - مُسْتَكْبِرُونَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ كُلَّهَا. فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: وَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : تُبْ. فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ، فَنَزَلَتْ.

قَوْلُهُ: (حَرَّكُوا: اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيِّ ، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ لَوَيْتُ) يَعْنِي لَوَوْا، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا مَضَى بَيَانُهُ، وَوَقَعَ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ مُخْتَصَرًا مِنْ أَثْنَائِهِ، وَسَاقَهُ أَبُو ذَرٍّ تَامًّا إِلَّا قَوْلَهُ: وَصَدَّقَهُمْ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي السِّيَاقِ الَّذِي أَوْرَدَهُ خُصُوصُ مَا تَرْجَمَ بِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ: فَقَالَ قَوْمٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَغْفَرَ لَكَ، فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ، فَنَزَلَتْ. وَكَذَا أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَمنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.

٥ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

٤٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فِي جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ: فَعَلُوهَا؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ : دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.

وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ. قَالَ سُفْيَانُ: فَحَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرًا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ . . .

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ﴾ لَهُمْ. . . الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ الَّتِي فِي التَّوْبَةِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَمْرٌو) وَقَعَ فِي آخِرِ الْبَابِ: قَالَ سُفْيَانُ: فَحَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو، قَالَ: فَذَكَرَهُ، وَوَقَعَ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ الْآتِيَةُ بَعْدَ بَابِ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو.

قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فِي جَيْشٍ) وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْغَزَاةَ غَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَذَا فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ.

قَوْلُهُ: (فَكَسَعَ رَجُلٌ) الْكَسْعُ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ بَعْدَ بَابٍ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ ضَرْبُ الدُّبُرِ بِالْيَدِ أَوْ بِالرِّجْلِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بِرِجْلِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْيَمَنِ شَدِيدٌ، وَالرَّجُلُ الْمُهَاجِرِيُّ هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ قَيْسٍ - وَيُقَالُ: ابْنُ سَعِيدٍ - الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُودُ لَهُ فَرَسَهُ، وَالرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ هُوَ سِنَانُ بْنُ وَبَرَةَ الْجُهَنِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَأَنَّ الْمُهَاجِرِيَّ كَانَ مِنْ غِفَارٍ، وَسَمَّاهُمَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ شُيُوخِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ غَزَا غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ الَّتِي هَدَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ مَنَاةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قَفَا الْمُشَلَّلِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ فَاقْتَتَلَ رَجُلَانِ فَاسْتَعْلَى الْمُهَاجِرِيُّ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، فَتَدَاعَوْا إِلَى أَنْ حُجِزَ بَيْنَهُمْ، فَانْكَفَأَ كُلُّ مُنَافِقٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالُوا: كُنْتَ تُرْجَى وَتَدْفَعُ، فَصِرْتَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ! فَقَالَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.

وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرِيَّ وَاحِدٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! وَنَادَى الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ أَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ! قَالُوا: لَا، إِنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ، وَلْيَنْصُرَنَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا الْحَدِيثَ. وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بَيَانٌ لِأَحَدِ الْغُلَامَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ؛ غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَحَذَفَ لَفْظَ غُلَامٍ مِنَ الْأَوَّلِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْخَبَرِ: فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ فَأَفْرَدَهُ، فَتَتَوَافَقُ الرِّوَايَاتُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا بَأْسَ جَوَازُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ بِالْقَصْدِ الْمَذْكُورِ وَالتَّفْصِيلِ الْمُبَيَّنِ، لَا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نُصْرَةِ مَنْ يَكُونُ مِنَ الْقَبِيلَةِ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ: انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا مُسْتَوْفًى فِي بَابِ أَعِنْ أَخَاكَ مِنْ كِتَابِ الْمَظَالِمِ.

قَوْلُهُ: (يَا لَلْأَنْصَارِ!) بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ لِلِاسْتِغَاثَةِ؛ أَيْ: أَغِيثُونِي. وَكَذَا قَوْلُ الْآخَرِ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ!

قَوْلُهُ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)؛ أَيْ: دَعْوَةُ الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ الْكَسْعَةُ. وَمُنْتِنَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ مِنَ النَّتْنِ؛ أَيْ أَنَّهَا كَلِمَةٌ قَبِيحَةٌ خَبِيثَةٌ، وَكَذَا ثَبَتَتْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.

قَوْلُهُ: (فَعَلُوهَا؟) هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ؛ أَيْ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤) (قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين (١) «﴿وَإِذَا قِيلَ﴾» (﴿لَهُمْ تَعَالَوْا﴾) معتذِرين (﴿يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ﴾) عدَّ هذه النُّحاة من الإعمال؛ لأنَّ ﴿تَعَالَوْا﴾ يطلبُ ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ مجرورًا بـ «إلى» أي: تعالوا إلى رسولِ الله، و ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ يطلُبُه فاعلًا، فأعمَل الثَّاني، ولذلك رفعَه، وحذف من الأول؛ إذ التَّقدير: تعالوا إليه، ولو أعملَ الأوَّل لقيلَ: تعالوا إلى رسولِ الله يستغفِر لكم، فيضمر في ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ فاعلٌ، قاله في «الدُّر» (﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾) بالتشديد للتَّكثير، ونافعٌ بالتخفيف مناسبًا لما جاءَ في القرآنِ من مستقبلِهِ؛ نحو: يلوون، ولا ينافي التَّكثير وهذا جواب ﴿إِذَا﴾ (﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾) يعرضونَ عن الاستغفارِ، و ﴿يَصُدُّونَ﴾ حال؛ لأنَّ الرُّؤية بصريَّة (﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]) حال أيضًا، وأتى بـ ﴿يَصُدُّونَ﴾ مضارعًا؛ ليدلَّ على التَّجدد والاستمرار، وسقطَ «﴿وَرَأَيْتَهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿رُؤُوسَهُمْ﴾: «إلى قوله: ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾» (حَرَّكُوا) هو تفسيرُ قولهِ: ﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ (اسْتَهْزَؤُوْا (٢) بِالنَّبِيِّ . وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ) كما مرَّ (مِنْ لَوَيْتُ) معتلَّ العين واللَّام، وسقطَ «ويقرأ … » إلى آخره لغير الكُشمِيهنيِّ.

٤٩٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين مصغَّرًا، أبو محمَّدٍ العَبسيُّ مَولاهم، الكُوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بنِ يونُس بنِ أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي) قيل -زيادةً على ما مرَّ-: إنَّه ثابتُ بنُ قيسِ بنِ زيد، وهو أخو أرقمَ بن زيدٍ، أو أراد عمَّه -زوج أمِّه- ابنَ رَواحة، وكانوا في غَزاة بني

المُصْطلِق، أو تبوك، وعورضَ بأنَّ المسلمين كانوا بتبوكَ أعزَّاء والمنافقينَ أذلَّة، وبأنَّ ابن أبيٍّ لم يشهَدها، إنَّما كان في الخَوالفِ، كما مرَّ، والإعادةُ لمزيدِ الإفادَة. (فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْن سَلُولَ يَقُولُ) أي: لأصحابهِ: (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَه عَمِّي لِلنَّبِيِّ وَصَدَّقَهُمْ) أي: صدَّق ابنَ أبيٍّ وأصحابه لمَّا حلفُوا على عدمِ صدورِ المقَالة المذكُورةِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «فَدَعَانِي رسولُ الله (١) فَحَدَّثْتُهُ بما قال ابنُ أبيٍّ فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ فسألهم، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ذلك، وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ » (٢)، (فَأَصَابَنِي هَمٌّ (٣) لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ) وفي نسخة: «رسولُ اللهِ» ( وَمَقَتَكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) وفي نسخةٍ: «﷿» (﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١] وَأَرْسَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فأرسَلَ» «بالفاء» بدل: «الواو»، (إِلَيَّ النَّبِيُّ فَقَرَأَهَا، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ).

قيل: وليسَ في الحديثِ ما تُرجم بهِ. وأُجيب بأنَّ عادةَ المؤلِّف أن يشيرَ إلى أصلِ الحديث، وفي مُرسل الحسنِ: فقال قومٌ لعبدِ الله بن أُبيٍّ: فلو أتيتَ رسولَ اللهِ فاستغفرَ لكَ، فجعلَ يَلوي رأسَهُ. فنزلتْ.

(٥) هذا (بابٌ) بالتنوين: (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾) يا محمَّد، وهمزة ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ مفتوحة من غير مدٍّ في قراءةِ الجمهور، وهي همزة التَّسويةِ الَّتي أصلها للاستفهامِ (﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾) لرسوخِهم في الكُفرِ (﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]). وسقطَ لأبي ذرٍّ «﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال بعدَ قولهِ: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾: «الآيةَ» وسقط لغيره لفظُ «باب».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل