الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٣٦
الحديث رقم ٤٩٣٦ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة والنازعات.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿عَبَسَ﴾
﴿عَبَسَ﴾ كَلَحَ وَأَعْرَضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُطَهَّرَةٌٍ﴾ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لِأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجُعِلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا، ﴿سَفَرَةٌٍ﴾ الْمَلَائِكَةُ وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، سَفَرْتُ أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللهِ وَتَأْدِبَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تَصَدَّى﴾ تَغَافَلَ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾ لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿تَرْهَقُهَا﴾ تَغْشَاهَا شِدَّةٌ. ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ مُشْرِقَةٌ، ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ، ﴿أَسْفَارًا﴾ كُتُبًا، ﴿تَلَهَّى﴾ تَشَاغَلَ. يُقَالُ: وَاحِدُ الْأَسْفَارِ سِفْرٌ.
٤٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَيْ: بَالِيَةً.
قَوْلُهُ: ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾: وَجْهُ الْأَرْضِ) كَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ فِيهَا الْحَيَوَانُ نَوْمَهُمْ وَسَهَرَهُمْ. ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ إِلَى أَمْرِنَا الْأَوَّلِ، إِلَى الْحَيَاةِ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ يَقُولُ: الْحَيَاةُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْحَافِرَةُ، يَقُولُ: إِلَى أَمْرِنَا الْأَوَّلِ، إِلَى الْحَيَاةِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَتَيْتُ فُلَانًا ثُمَّ رَجَعْتُ عَلى حَافِرِي؛ أَيْ: مِنْ حَيْثُ جِئْتُ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحَافِرَةُ الْأَرْضُ الَّتِي تُحْفَرُ فِيهَا قُبُورُهُمْ، فَسَمَّاهَا الْحَافِرَةَ؛ أَيِ: الْمَحْفُورَةُ، كَمَاءٍ دَافِقٍ؛ أَيْ: مَدْفُوقٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الْأُولَى، ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الْأُولَى ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؛ مَتَى مُنْتَهَاهَا؟ وَمُرْسَى السَّفِينَةِ حَيْثُ تَنْتَهِي) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى مُنْتَهَاهَا. قَالَ: وَمُرْسَاهَا مُنْتَهَاهَا. . . إِلَخْ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ - بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ - كَهَاتَيْنِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الرِّقَاقِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَغْطَشَ﴾؛ أَظْلَمَ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
[١ - باب]
٤٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا - بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ. الطامة: تطم على كل شيء.
قَوْلُهُ: (الطَّامَّةُ تَطِمُّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) وَوَقَعَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ مُقَدَّمًا قَبْلَ بَابٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ هِيَ الْقِيَامَةُ تَطُمُّ كُلَّ شَيْءٍ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: الطَّامَّةُ هِيَ السَّاعَةُ، طَمَّتْ كُلَّ دَاهِيَةٍ.
٨٠ - سُورَةُ (عَبَسَ). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ كَلَحَ وَأَعْرَضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مُطَهَّرَةٌ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ جَعْلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لِأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجَعَلَ التَّطْهِيرَ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا. سَفَرَةٍ: الْمَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، سَفَرْتُ: أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَصَدَّى؛ تَغَافَلُ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (لَمَّا يَقْضِ)؛ لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾؛ تَغْشَاهَا شِدَّةٌ. مُسْفِرَةٌ: مُشْرِقَةٌ. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ. أَسْفَارًا: كُتُبًا. تَلَهَّى: تَشَاغَلُ. يُقَالُ: وَاحِدُ الْأَسْفَارِ سِفْرٌ.
٤٩٣٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القرآن وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ عَبَسَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ كَلَحَ وَأَعْرَضَ) أَمَّا تَفْسِيرُ ﴿عَبَسَ﴾ فَهُوَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ تَوَلَّى فَهُوَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي أَنَّ فَاعِلَ عَبَسَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: هُوَ الْكَافِرُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْشِدْنِي - وَعِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ - فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ فَيَقُولُ لَهُ: أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ فَيَقُولُ: لَا. فَنَزَلَتْ: عَبَسَ وَتَوَلَّى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ أَنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُخَاطِبُ عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عُتْبَةُ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَعَيَّاشٌ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ نَاسٌ مِنْ وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، فَهَذَا يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ.
قَوْلُهُ: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مُطَهَّرَةٌ. . . إِلَخْ، وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَكَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ. فَذَكَرَ الْأَثَرَ الْآتِيَ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.
قَوْلُهُ: (جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لِأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجَعَلَ التَّطْهِيرَ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْغُلْبُ الْمُلْتَفَّةُ، وَالْأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿سَفَرَةٍ﴾: الْمَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، سَفَرْتُ: أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: قَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي … وَمَا أَمْشِي بِغِشٍّ إِنْ مَشِيتُ
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلُ اللَّهِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، الصَّحِيحُ أَنَّ فِيهِمُ الرُّسُلَ وَغَيْرَ الرُّسُلِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مِنْهُمُ السَّاجِدَ فَلَا يَقُومُ وَالرَّاكِعَ فَلَا يَعْتَدِلُ، الْحَدِيثَ. وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا﴾ وَأُجِيبَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾
قَوْلُهُ: ﴿تَصَدَّى﴾ تَغَافَلُ عَنْهُ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: وَقَالَ غَيْرُهُ. . . إِلَخْ وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَالَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أَيْ: تَتَعَرَّضُ لَهُ، تَلَهَّى: تَغَافَلُ عَنْهُ، فَالسَّاقِطُ لَفْظُ تَتَعَرَّضُ لَهُ وَلَفْظُ تَلَهَّى، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ تَلَهَّى عَلَى الصَّوَابِ، وَهُوَ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي اللَّفْظَتَيْنِ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّى وَتَتَلَهَّى، وَقَدْ تَعَقَّبَ أَبُو ذَرٍّ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ تَصَدَّى لِلْأَمْرِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَأَمَّا تَغَافَلُ فَهُوَ تَفْسِيرُ تَلَهَّى. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ: تَصَدَّى؛ تَعَرَّضُ. وَهُوَ اللَّائِقُ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَافَلْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّمَا تَغَافَلَ عَنِ الْأَعْمَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾؛ لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾؛ تَغْشَاهَا شِدَّةٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾
قَالَ: يَصِيرَانِ غَبَرَةً عَلَى وُجُوهِ الْكُفَّارِ لَا عَلَى وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قَوْلُهُ: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾: مُشْرِقَةٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ، أَسْفَارًا: كُتُبًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قَالَ: كَتَبَةٍ، وَاحِدُهَا سَافِرٌ، وَهِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ قَالَ: كُتُبًا، وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قَالَ: كَتَبَةٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أَيْ كَتَبَةٍ، وَاحِدُهَا سَافِرٌ.
قَوْلُهُ: (تَلَهَّى تَشَاغَلُ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ: وَاحِدُ الْأَسْفَارِ سِفْرٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الْأَسْفَارُ وَاحِدُهَا سِفْرٌ، وَهِيَ الْكُتُبُ الْعِظَامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾، يُقَالُ: أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ؛ جَعَلْتُ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ جَعَلَهُ مَقْبُورًا، وَلَمْ يَقُلْ: قَبَرَهُ؛ لِأَنَّ الْقَابِرَ هُوَ الدَّافِنُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾: أَمَرَ بِأَنْ يُقْبَرَ، جَعَلَ لَهُ قَبْرًا، وَالَّذِي يَدْفِنُ بِيَدِهِ هُوَ الْقَابِرُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ)؛ أَيِ ابْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَآخَرَ مُعَلَّقٍ فِي الْمَنَاقِبِ.
قَوْلُهُ: (مَثَلُ) بِفَتْحَتَيْنِ؛ أَيْ صِفَتُهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾
قَوْلُهُ: (وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَةِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوَابِ.
قُلْتُ: أَرَادَ بِذَلِكَ تَصْحِيحَ التَّرْكِيبِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا رَبْطَ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ مَثَلُ وَالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ مَعَ السَّفَرَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْمَثَلُ بِمَعْنَى الشَّبِيهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: شَبِيهُ الَّذِي يَحْفَظُ كَائِنٌ مَعَ السَّفَرَةِ، فَكَيْفَ بِهِ! وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَأَنَّهُ قَالَ: صِفَتُهُ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ كَأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَةِ، وَصِفَتُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَجْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ هَلْ لَهُ ضِعْفُ أَجْرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ حَافِظًا أَوْ يُضَاعَفُ لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْأَوَّلِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرُ، وَلِمَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُولَ: الْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ.
٨١ - باب سُورَةُ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)
انْكَدَرَتْ: انْتَثَرَتْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: سُجِّرَتْ؛ ذَهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى قَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَسْجُورُ؛ الْمَمْلُوءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُجِّرَتْ؛ أَفْضَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا. وَالْخُنَّسُ تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا: تَرْجِعُ. وَتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ في بيوتها كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ. تَنَفَّسَ: ارْتَفَعَ النَّهَارُ. وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ: يَضِنُّ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: النُّفُوسُ زُوِّجَتْ؛ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ ﵁: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ عَسْعَسَ: أَدْبَرَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ التَّكْوِيرِ.
قَوْلُهُ: ﴿سُجِّرَتْ﴾: يَذْهَبُ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى قَطْرَةٌ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَسْجُورُ؛ الْمَمْلُوءُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أَفْضَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا) هُوَ مَعْنَى قَوْلِ السُّدِّيِّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أَيْ: فُتِحَتْ وَسُيِّرَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿انْكَدَرَتْ﴾ انْتَثَرَتْ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي
قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾: يُرِيدُ انْتَثَرَتْ، وَقَعَتْ فِي وَجْهِ الْأَرْضِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ قَالَ: تَنَاثَرَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿كُشِطَتْ﴾ أَيْ: غُيِّرَتْ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ قُشِطَتْ، مِثْلَ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ، وَالْقُسْطِ وَالْكُسْطِ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِي الطِّبِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ يَعْنِي نُزِعَتْ وَطُوِيَتْ، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - قُشِطَتْ بِالْقَافِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ الْقَافُورُ وَالْكَافُورُ وَالْقُسْطُ وَالْكُسْطُ، إِذَا تَقَارَبَ الْحَرْفَانِ فِي الْمَخْرَجِ تَعَاقَبَا فِي اللُّغَةِ، كَمَا يُقَالُ حَدَّثَ وَحَدَّتَ وَالْأَتَانِيُّ وَالْأَثَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُنَّسُ تَخْنِسُ فِي مَجْرَاهَا: تَرْجِعُ، وَتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ فِي بُيُوتِهَا كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾: وَهِيَ النُّجُومُ الْخَمْسَةُ تَخْنِسُ فِي مَجْرَاهَا تَرْجِعُ، وَتَكْنِسُ تَسْتَتِرُ فِي بُيُوتِهَا كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ فِي الْمَغَايِرِ وَهِيَ الْكُنَّاسُ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالنُّجُومِ الْخَمْسَةِ بَهْرَامُ وَزُحَلُ وَعُطَارِدُ وَالزَّهْرَةُ وَالْمُشْتَرِي، وَأَسْنَدَ هَذَا الْكَلَامَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا الْخُنَّسُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَظُنُّهُ بَقَرَ الْوَحْشِ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هِيَ النُّجُومُ تَخْنِسُ بِالنَّهَارِ، وَالْكُنَّسُ تَسْتُرُهُنَّ إِذَا غِبْنَ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْكُنَّسُ الظِّبَاءُ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: هُنَّ الْكَوَاكِبُ تَكْنِسُ بِاللَّيْلِ وَتَخْنِسُ بِالنَّهَارِ فَلَا تُرَى. وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ قَالَ: سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لِمَ لَا تَدْرِي؟ قَالَ: سَمِعْنَا أَنَّهَا بَقَرُ الْوَحْشِ، وَهَؤُلَاءِ يَرْوُونَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا النُّجُومُ. قَالَ: إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى عَلِيٍّ. وَهَذَا كَمَا يَقُولُونَ إِنَّ عَلِيًّا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ الْأَعْلَى ضَمِنَ الْأَسْفَلُ.
قَوْلُهُ: ﴿تَنَفَّسَ﴾: ارْتَفَعَ النَّهَارُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ: يَضِنُّ بِهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَشَارَ إِلَى الْقِرَاءَتَيْنِ، فَمَنْ قَرَأَهَا بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ فَمَعْنَاهَا لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالسَّاقِطَةِ فَمَعْنَاهَا الْبَخِيلُ. وَرَوَى الْفَرَّاءُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ وَرْقَاءَ قَالَ: أَنْتُمْ تَقْرَءُونَ ﴿بِضَنِينٍ﴾: بِبَخِيلٍ، وَنَحْنُ نَقْرَأُ بِظَنِينٍ: بِمُتَّهَمٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ: الْبَخِيلُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ ﴿بِضَنِينٍ﴾ قَالَ: وَالضَّنِينُ وَالظَّنِينُ سَوَاءٌ، يَقُولُ: مَا هُوَ بِكَاذِبٍ، وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ الْبَخِيلُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: النُّفُوسُ زُوِّجَتْ؛ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْرَائِيلَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَشَرِيكٍ، كُلِّهِمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: هُوَ الرَّجُلُ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالرَّجُلُ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ وَهَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وَلَفْظُ الْحَاكِمِ: هُمَا الرَّجُلَانِ يَعْمَلَانِ الْعَمَلَ يَدْخُلَانِ بِهِ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ: الْفَاجِرُ مَعَ الْفَاجِرِ وَالصَّالِحُ مَعَ الصَّالِحِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَصَرَ بِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عُمَرَ، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ النُّعْمَانِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ. وَأَخْرَجَ الْفَرَّاءُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: يُقْرَنُ الرَّجُلُ بِقَرِينِهِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا، وَيُقْرَنُ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ السُّوءَ فِي الدُّنْيَا بِقَرِينِهِ الَّذِي كَانَ يُعِينُهُ فِي النَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿عَسْعَسَ﴾: أَدْبَرَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عَسْعَسَ﴾؛ أَقْبَلَتْ
ظَلْمَاؤُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ وَلَّى، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ وَرَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْأَثْرَمُ بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ شَهْرَنَا قَدْ عَسْعَسَ؛ أَيْ أَدْبَرَ. وَتَمَسَّكَ مَنْ فَسَّرَهُ بِأَقْبَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ: أَقْسَمَ بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَإِدْبَارِهِ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدْ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَفِيهَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيَ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ لَفْظُ أَحْمَدَ.
٨٢ - سُورَةُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ بسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: فُجِّرَتْ؛ فَاضَتْ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ (فَعَدَلَكَ) بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ. وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ: إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ، أَوْ طَوِيلٌ أَوَ قَصِيرٌ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الِانْفِطَارِ.
قَوْلُهُ: (انْفِطَارُهَا انْشِقَاقُهَا) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿بُعْثِرَتْ﴾ يَخْرُجُ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى) ثَبَتَ هَذَا أَيْضًا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بُعْثِرَتْ؛ أَيْ بُحِثَتْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿انْتَثَرَتْ﴾. بَعْثَرْتُ حَوْضِيَ: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا وَحْدَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: ﴿فُجِّرَتْ﴾؛ فَاضَتْ) قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ:، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي يَعْلَى - هُوَ مُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ -، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ بِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ مِثْلَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الرَّبِيعِ فُجِرَتْ بِتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَهُوَ اللَّائِقُ بِتَفْسِيرِهِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ بِالتَّشْدِيدِ) قُلْتُ: قَرَأَ أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ، وَقَرَأَ أَيْضًا بِالتَّثْقِيلِ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ قَرَاءة الْأَمْصَارِ.
قَوْلُهُ: (وَأَرَادَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ: إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ، أَوْ طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ إِلَى قَوْلِهِ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ فَهُوَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَصْرِفُكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ إِمَّا حَسَنٌ. . . إِلَخْ، وَمَنْ شَدَّدَ فَإِنَّهُ أَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ. قَالَ: وَهُوَ أَجْوَدُ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَحَبُّهُمَا إِلَيَّ. وَحَاصِلُ الْقِرَاءَتَيْنِ أَنَّ الَّتِي بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّعْدِيلِ، وَالْمُرَادُ التَّنَاسُبُ، وَبِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْعَدْلِ وَهُوَ الصَّرْفُ إِلَى أَيْ صِفَةٍ أَرَادَ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدْ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
٨٣ - سُورَةُ (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رَانَ؛ ثَبْتُ الْخَطَايَا. ثُوِّبَ: جُوزِيَ. الرَّحِيقُ: الْخَمْرُ. ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ طِينُهُ. التَّسْنِيمُ: يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُطَفِّفُ لَا يُوَفِّي غَيْرَهُ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الرِّيحُ فَيَنْخَرُ) أي: يصوِّت حتَّى يُسمع له نخيرٌ (١).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿الْحَافِرَةِ﴾) من قوله: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] (الَّتِي أَمْرُنَا) ولأبي ذرٍّ: «إلى أمرِنَا» (الأَوَّلُ إِلَى الحَيَاةِ) بعدَ أن نَموت، من قولهم: رجعَ فلانٌ في حافرتهِ، أي: طريقتهِ الَّتي جاء فيها فحفَرها، أي: أثَّر فيها بمشيهِ، وقيل: الحافِرة الأرضُ الَّتي فيها قبورهم، ومعناهُ: أَئِنَّا لَمَرْدُودُون ونحن في الحافِرَةِ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاس: (﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]) أي: (مَتَى مُنْتَهَاهَا) ومستقرُّها؟ (وَمُرْسَى السَّفِينَةِ) بضم الميم (حَيْثُ تَنْتَهِي) والضَّمير في ﴿مُرْسَاهَا﴾ للسَّاعة، وقوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣ - ٤٤] أي: ليسَ علمها إليكَ ولا إلى أحدٍ، بلْ مردُّها إلى اللهِ تعالى، فهو الَّذي يعلمُ وقتها على التَّعيين.
٤٩٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بكسر الميم وسكون القاف، قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء والسين مصغرين (٢)، النُّميريُّ بالتَّصغير البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بحاء مهملة فزاي معجمة، سَلمة قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) السَّاعديُّ (﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ) بالتَّثنية، أي: ضمَّ بينهما (هَكَذَا بِالوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ) وهي المسبِّحة، وأطلقَ القولَ وأرادَ به الفعل (بُعِثْتُ) بضم الباء (٣) الموحدة مبنيًّا للمفعول، أي: أُرسلتُ أنا (٤) (وَالسَّاعَةَ) يومَ القيامةِ (كَهَاتَيْنِ) الإصبعينِ، و «السَّاعةَ» نصب
مفعول معه، ويجوز الرَّفع عطفًا على ضميرِ الرَّفع المتَّصل مع عدمِ الفاصل، وهو قليلٌ، وفي روايةِ أبي ضمرة، عن أبي حازمٍ -عندَ ابنِ جريرٍ-: وضمَّ بين إصبعيهِ الوسطَى والَّتي تلي الإبهامَ، وقال: «مَا مَثَلي ومثلُ السَّاعةِ إلَّا كفرسَيْ رِهانٍ»، قال القاضِي عياضٌ: وقد حاولَ بعضُهم في تأويلهِ أنَّ نسبةَ ما بينَ الإصبعينِ كنسبةِ ما بقيَ من الدُّنيا إلى مَا مَضى، وأنَّ جملتَها سبعة آلافِ سنة، واستندَ إلى أخبارٍ لا تصحُّ، وذكرَ ما أخرجَه أبو داود في تأخيرِ مدَّة الأمَّة نصفَ يومٍ، وفسَّره بخمس مئة سنَة، فيؤخذُ من ذلك أنَّ الَّذي بقيَ نصفَ سُبُعٍ، وهو قريبٌ ممَّا بين السَّبَّابة والوسطى في الطُّول. قال: وقَد ظهرَ عدمُ صحةِ ذلكَ؛ لوقوعِ خلافه ومجاوزةِ هذا المقدار، فلو كانَ ذلك ثابتًا لم يقَع خلافه. انتهى. فالصَّواب (١) الإعراضُ عن ذلكَ، ويأتي إن شاء الله تعالى بعونِه ومنِّه بقيَّة مبحثِ ذلك في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٠٤].
(﴿الطَّامَّةُ﴾ [النازعات: ٣٤] تَطِمُّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) بكسر الطاء في المستقبلِ عند أبي ذرٍّ.
(((٨٠))) (سورة ﴿عَبَسَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وأربعون (٢).
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغيرِ أبي ذرٍّ. (﴿عَبَسَ﴾ (٣)) النَّبيُّ ﷺ، وزادَ أبو ذرٍّ: «﴿وَتَوَلَّى﴾»
(كَلَحَ) بفتحتين. قال في «الصِّحاح»: الكُلُوح تكشُّرٌ في عُبُوس، وقد كَلَحَ الرَّجل كُلوحًا وكُلاحًا (وَأَعْرَضَ) هو تفسيرُ ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: أعرضَ بوجههِ الكريم؛ لأجلِ أن جاءَه الأعمَى عبدُ اللهِ ابنُ أمِّ مكتومٍ وعندَه صناديدُ قريشٍ يدعوهُم إلى الإسلامِ، فقال: يا رسولَ الله! علِّمني ممَّا علَّمك الله، وكرَّر ذلك، ولم يعلمْ أنَّه مشغولٌ بذلكَ، فكرهَ رسول الله ﷺ قطعَه لكلامهِ، وعبسَ وأعرضَ عنهُ، فعوتِبَ في ذلك بما نزلَ عليه في هذهِ السُّورة، فكان بعدَ ذلك يقولُ له إذا جاءَ: «مرحبًا بمَن عاتَبني الله فيهِ» ويبسطُ لهُ رداءَه.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) سقط هذا لأبي ذرٍّ، وهو الصَّواب كمَا لا يخفَى: (﴿مُّطَهَّرَةٍ﴾) من قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ. مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٤] (لَا يَمَسُّهَا (١) إِلَّا المُطَهَّرُونَ؛ وَهُمُ المَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ) ﷿: (﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]) قال الكَرْمانيُّ: لأنَّ التَّدبير لمحمُول خيولِ الغُزاة، فوصَف الحامِل -يعني: الخُيول- به فقيل: فالمدبِّرات (جَعَلَ المَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً) بفتح الهاء المشددة (لأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجُعِلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا (٢) أَيْضًا) بضم جيم «جُعل» مبنيًّا للمفعول، وهذا قالَه الفرَّاء. وقيل: مطهَّرة منزَّهة عن أيدِي الشَّياطين.
(﴿سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥]) بالخفضِ، ولأبي ذرٍّ بالرَّفع، والأوَّل موافقٌ للتَّنزيل (المَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ (٣)، سَفَرْتُ) أي: بين القومِ (أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ المَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللهِ وَتَأْدِيَتِهِ) إلى أنبيائهِ (كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ القَوْمِ) ومنه قوله:
فمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي … ولَا أَمْشِي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيْتُ
وقيل: السَّفَرة جمع: سافرٍ؛ وهو الكاتب، ومثله: كاتبٌ وكَتَبة، ولأبي ذرٍّ: «وتأديبهُ» بالموحدة بعد التحتية من الأدبِ، فليتأمَّل.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) سقط لأبي ذرٍّ كالسَّابق: (﴿تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦]) أي: (تَغَافَلَ عَنْهُ) قال الحافظُ أبو ذرٍّ: ليس هذا بصحيحٍ، وإنَّما يقالُ: تصدَّى للأمرِ إذا رفعَ رأسهُ إليه، فأمَّا ﴿تَلَهَّى﴾ فتغافلَ وتشاغلَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَيْ: بَالِيَةً.
قَوْلُهُ: ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾: وَجْهُ الْأَرْضِ) كَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ فِيهَا الْحَيَوَانُ نَوْمَهُمْ وَسَهَرَهُمْ. ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ إِلَى أَمْرِنَا الْأَوَّلِ، إِلَى الْحَيَاةِ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ يَقُولُ: الْحَيَاةُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْحَافِرَةُ، يَقُولُ: إِلَى أَمْرِنَا الْأَوَّلِ، إِلَى الْحَيَاةِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَتَيْتُ فُلَانًا ثُمَّ رَجَعْتُ عَلى حَافِرِي؛ أَيْ: مِنْ حَيْثُ جِئْتُ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحَافِرَةُ الْأَرْضُ الَّتِي تُحْفَرُ فِيهَا قُبُورُهُمْ، فَسَمَّاهَا الْحَافِرَةَ؛ أَيِ: الْمَحْفُورَةُ، كَمَاءٍ دَافِقٍ؛ أَيْ: مَدْفُوقٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الْأُولَى، ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الْأُولَى ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؛ مَتَى مُنْتَهَاهَا؟ وَمُرْسَى السَّفِينَةِ حَيْثُ تَنْتَهِي) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى مُنْتَهَاهَا. قَالَ: وَمُرْسَاهَا مُنْتَهَاهَا. . . إِلَخْ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ - بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ - كَهَاتَيْنِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الرِّقَاقِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَغْطَشَ﴾؛ أَظْلَمَ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
[١ - باب]
٤٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا - بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ. الطامة: تطم على كل شيء.
قَوْلُهُ: (الطَّامَّةُ تَطِمُّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) وَوَقَعَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ مُقَدَّمًا قَبْلَ بَابٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ هِيَ الْقِيَامَةُ تَطُمُّ كُلَّ شَيْءٍ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: الطَّامَّةُ هِيَ السَّاعَةُ، طَمَّتْ كُلَّ دَاهِيَةٍ.
٨٠ - سُورَةُ (عَبَسَ). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ كَلَحَ وَأَعْرَضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مُطَهَّرَةٌ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ جَعْلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لِأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجَعَلَ التَّطْهِيرَ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا. سَفَرَةٍ: الْمَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، سَفَرْتُ: أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَصَدَّى؛ تَغَافَلُ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (لَمَّا يَقْضِ)؛ لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾؛ تَغْشَاهَا شِدَّةٌ. مُسْفِرَةٌ: مُشْرِقَةٌ. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ. أَسْفَارًا: كُتُبًا. تَلَهَّى: تَشَاغَلُ. يُقَالُ: وَاحِدُ الْأَسْفَارِ سِفْرٌ.
٤٩٣٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القرآن وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ عَبَسَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ كَلَحَ وَأَعْرَضَ) أَمَّا تَفْسِيرُ ﴿عَبَسَ﴾ فَهُوَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ تَوَلَّى فَهُوَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ فِي أَنَّ فَاعِلَ عَبَسَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: هُوَ الْكَافِرُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْشِدْنِي - وَعِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ - فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ فَيَقُولُ لَهُ: أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ فَيَقُولُ: لَا. فَنَزَلَتْ: عَبَسَ وَتَوَلَّى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ أَنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُخَاطِبُ عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عُتْبَةُ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَعَيَّاشٌ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ نَاسٌ مِنْ وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، فَهَذَا يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ.
قَوْلُهُ: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مُطَهَّرَةٌ. . . إِلَخْ، وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَكَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ. فَذَكَرَ الْأَثَرَ الْآتِيَ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.
قَوْلُهُ: (جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لِأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجَعَلَ التَّطْهِيرَ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْغُلْبُ الْمُلْتَفَّةُ، وَالْأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿سَفَرَةٍ﴾: الْمَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، سَفَرْتُ: أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: قَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي … وَمَا أَمْشِي بِغِشٍّ إِنْ مَشِيتُ
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلُ اللَّهِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، الصَّحِيحُ أَنَّ فِيهِمُ الرُّسُلَ وَغَيْرَ الرُّسُلِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مِنْهُمُ السَّاجِدَ فَلَا يَقُومُ وَالرَّاكِعَ فَلَا يَعْتَدِلُ، الْحَدِيثَ. وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا﴾ وَأُجِيبَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾
قَوْلُهُ: ﴿تَصَدَّى﴾ تَغَافَلُ عَنْهُ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: وَقَالَ غَيْرُهُ. . . إِلَخْ وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَالَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أَيْ: تَتَعَرَّضُ لَهُ، تَلَهَّى: تَغَافَلُ عَنْهُ، فَالسَّاقِطُ لَفْظُ تَتَعَرَّضُ لَهُ وَلَفْظُ تَلَهَّى، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ تَلَهَّى عَلَى الصَّوَابِ، وَهُوَ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي اللَّفْظَتَيْنِ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّى وَتَتَلَهَّى، وَقَدْ تَعَقَّبَ أَبُو ذَرٍّ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ تَصَدَّى لِلْأَمْرِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَأَمَّا تَغَافَلُ فَهُوَ تَفْسِيرُ تَلَهَّى. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ: تَصَدَّى؛ تَعَرَّضُ. وَهُوَ اللَّائِقُ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَافَلْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّمَا تَغَافَلَ عَنِ الْأَعْمَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾؛ لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾؛ تَغْشَاهَا شِدَّةٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾
قَالَ: يَصِيرَانِ غَبَرَةً عَلَى وُجُوهِ الْكُفَّارِ لَا عَلَى وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قَوْلُهُ: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾: مُشْرِقَةٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ، أَسْفَارًا: كُتُبًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قَالَ: كَتَبَةٍ، وَاحِدُهَا سَافِرٌ، وَهِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ قَالَ: كُتُبًا، وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قَالَ: كَتَبَةٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أَيْ كَتَبَةٍ، وَاحِدُهَا سَافِرٌ.
قَوْلُهُ: (تَلَهَّى تَشَاغَلُ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ: وَاحِدُ الْأَسْفَارِ سِفْرٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الْأَسْفَارُ وَاحِدُهَا سِفْرٌ، وَهِيَ الْكُتُبُ الْعِظَامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾، يُقَالُ: أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ؛ جَعَلْتُ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ جَعَلَهُ مَقْبُورًا، وَلَمْ يَقُلْ: قَبَرَهُ؛ لِأَنَّ الْقَابِرَ هُوَ الدَّافِنُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾: أَمَرَ بِأَنْ يُقْبَرَ، جَعَلَ لَهُ قَبْرًا، وَالَّذِي يَدْفِنُ بِيَدِهِ هُوَ الْقَابِرُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ)؛ أَيِ ابْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَآخَرَ مُعَلَّقٍ فِي الْمَنَاقِبِ.
قَوْلُهُ: (مَثَلُ) بِفَتْحَتَيْنِ؛ أَيْ صِفَتُهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾
قَوْلُهُ: (وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَةِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوَابِ.
قُلْتُ: أَرَادَ بِذَلِكَ تَصْحِيحَ التَّرْكِيبِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا رَبْطَ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ مَثَلُ وَالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ مَعَ السَّفَرَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْمَثَلُ بِمَعْنَى الشَّبِيهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: شَبِيهُ الَّذِي يَحْفَظُ كَائِنٌ مَعَ السَّفَرَةِ، فَكَيْفَ بِهِ! وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَأَنَّهُ قَالَ: صِفَتُهُ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ كَأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَةِ، وَصِفَتُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَجْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ هَلْ لَهُ ضِعْفُ أَجْرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ حَافِظًا أَوْ يُضَاعَفُ لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْأَوَّلِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرُ، وَلِمَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُولَ: الْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ.
٨١ - باب سُورَةُ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)
انْكَدَرَتْ: انْتَثَرَتْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: سُجِّرَتْ؛ ذَهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى قَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَسْجُورُ؛ الْمَمْلُوءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُجِّرَتْ؛ أَفْضَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا. وَالْخُنَّسُ تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا: تَرْجِعُ. وَتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ في بيوتها كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ. تَنَفَّسَ: ارْتَفَعَ النَّهَارُ. وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ: يَضِنُّ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: النُّفُوسُ زُوِّجَتْ؛ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ ﵁: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ عَسْعَسَ: أَدْبَرَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ التَّكْوِيرِ.
قَوْلُهُ: ﴿سُجِّرَتْ﴾: يَذْهَبُ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى قَطْرَةٌ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَسْجُورُ؛ الْمَمْلُوءُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أَفْضَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا) هُوَ مَعْنَى قَوْلِ السُّدِّيِّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أَيْ: فُتِحَتْ وَسُيِّرَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿انْكَدَرَتْ﴾ انْتَثَرَتْ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي
قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾: يُرِيدُ انْتَثَرَتْ، وَقَعَتْ فِي وَجْهِ الْأَرْضِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ قَالَ: تَنَاثَرَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿كُشِطَتْ﴾ أَيْ: غُيِّرَتْ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ قُشِطَتْ، مِثْلَ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ، وَالْقُسْطِ وَالْكُسْطِ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِي الطِّبِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ يَعْنِي نُزِعَتْ وَطُوِيَتْ، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - قُشِطَتْ بِالْقَافِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ الْقَافُورُ وَالْكَافُورُ وَالْقُسْطُ وَالْكُسْطُ، إِذَا تَقَارَبَ الْحَرْفَانِ فِي الْمَخْرَجِ تَعَاقَبَا فِي اللُّغَةِ، كَمَا يُقَالُ حَدَّثَ وَحَدَّتَ وَالْأَتَانِيُّ وَالْأَثَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُنَّسُ تَخْنِسُ فِي مَجْرَاهَا: تَرْجِعُ، وَتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ فِي بُيُوتِهَا كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾: وَهِيَ النُّجُومُ الْخَمْسَةُ تَخْنِسُ فِي مَجْرَاهَا تَرْجِعُ، وَتَكْنِسُ تَسْتَتِرُ فِي بُيُوتِهَا كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ فِي الْمَغَايِرِ وَهِيَ الْكُنَّاسُ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالنُّجُومِ الْخَمْسَةِ بَهْرَامُ وَزُحَلُ وَعُطَارِدُ وَالزَّهْرَةُ وَالْمُشْتَرِي، وَأَسْنَدَ هَذَا الْكَلَامَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا الْخُنَّسُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَظُنُّهُ بَقَرَ الْوَحْشِ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هِيَ النُّجُومُ تَخْنِسُ بِالنَّهَارِ، وَالْكُنَّسُ تَسْتُرُهُنَّ إِذَا غِبْنَ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْكُنَّسُ الظِّبَاءُ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: هُنَّ الْكَوَاكِبُ تَكْنِسُ بِاللَّيْلِ وَتَخْنِسُ بِالنَّهَارِ فَلَا تُرَى. وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ قَالَ: سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لِمَ لَا تَدْرِي؟ قَالَ: سَمِعْنَا أَنَّهَا بَقَرُ الْوَحْشِ، وَهَؤُلَاءِ يَرْوُونَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا النُّجُومُ. قَالَ: إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى عَلِيٍّ. وَهَذَا كَمَا يَقُولُونَ إِنَّ عَلِيًّا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ الْأَعْلَى ضَمِنَ الْأَسْفَلُ.
قَوْلُهُ: ﴿تَنَفَّسَ﴾: ارْتَفَعَ النَّهَارُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ: يَضِنُّ بِهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَشَارَ إِلَى الْقِرَاءَتَيْنِ، فَمَنْ قَرَأَهَا بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ فَمَعْنَاهَا لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالسَّاقِطَةِ فَمَعْنَاهَا الْبَخِيلُ. وَرَوَى الْفَرَّاءُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ وَرْقَاءَ قَالَ: أَنْتُمْ تَقْرَءُونَ ﴿بِضَنِينٍ﴾: بِبَخِيلٍ، وَنَحْنُ نَقْرَأُ بِظَنِينٍ: بِمُتَّهَمٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ: الْبَخِيلُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ ﴿بِضَنِينٍ﴾ قَالَ: وَالضَّنِينُ وَالظَّنِينُ سَوَاءٌ، يَقُولُ: مَا هُوَ بِكَاذِبٍ، وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ، وَالضَّنِينُ الْبَخِيلُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: النُّفُوسُ زُوِّجَتْ؛ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْرَائِيلَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَشَرِيكٍ، كُلِّهِمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: هُوَ الرَّجُلُ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالرَّجُلُ يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ وَهَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وَلَفْظُ الْحَاكِمِ: هُمَا الرَّجُلَانِ يَعْمَلَانِ الْعَمَلَ يَدْخُلَانِ بِهِ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ: الْفَاجِرُ مَعَ الْفَاجِرِ وَالصَّالِحُ مَعَ الصَّالِحِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَصَرَ بِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عُمَرَ، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ النُّعْمَانِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْفُوظُ. وَأَخْرَجَ الْفَرَّاءُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: يُقْرَنُ الرَّجُلُ بِقَرِينِهِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا، وَيُقْرَنُ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ السُّوءَ فِي الدُّنْيَا بِقَرِينِهِ الَّذِي كَانَ يُعِينُهُ فِي النَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿عَسْعَسَ﴾: أَدْبَرَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عَسْعَسَ﴾؛ أَقْبَلَتْ
ظَلْمَاؤُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ وَلَّى، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ وَرَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْأَثْرَمُ بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ شَهْرَنَا قَدْ عَسْعَسَ؛ أَيْ أَدْبَرَ. وَتَمَسَّكَ مَنْ فَسَّرَهُ بِأَقْبَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ: أَقْسَمَ بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَإِدْبَارِهِ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدْ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَفِيهَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيَ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ لَفْظُ أَحْمَدَ.
٨٢ - سُورَةُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ بسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: فُجِّرَتْ؛ فَاضَتْ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ (فَعَدَلَكَ) بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ. وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ: إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ، أَوْ طَوِيلٌ أَوَ قَصِيرٌ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الِانْفِطَارِ.
قَوْلُهُ: (انْفِطَارُهَا انْشِقَاقُهَا) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿بُعْثِرَتْ﴾ يَخْرُجُ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى) ثَبَتَ هَذَا أَيْضًا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بُعْثِرَتْ؛ أَيْ بُحِثَتْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿انْتَثَرَتْ﴾. بَعْثَرْتُ حَوْضِيَ: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ أَيْضًا وَحْدَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: ﴿فُجِّرَتْ﴾؛ فَاضَتْ) قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ:، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي يَعْلَى - هُوَ مُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ -، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ بِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ مِثْلَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الرَّبِيعِ فُجِرَتْ بِتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَهُوَ اللَّائِقُ بِتَفْسِيرِهِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ بِالتَّشْدِيدِ) قُلْتُ: قَرَأَ أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ، وَقَرَأَ أَيْضًا بِالتَّثْقِيلِ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ قَرَاءة الْأَمْصَارِ.
قَوْلُهُ: (وَأَرَادَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ: إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ، أَوْ طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ إِلَى قَوْلِهِ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ فَهُوَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَصْرِفُكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ إِمَّا حَسَنٌ. . . إِلَخْ، وَمَنْ شَدَّدَ فَإِنَّهُ أَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ. قَالَ: وَهُوَ أَجْوَدُ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَحَبُّهُمَا إِلَيَّ. وَحَاصِلُ الْقِرَاءَتَيْنِ أَنَّ الَّتِي بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّعْدِيلِ، وَالْمُرَادُ التَّنَاسُبُ، وَبِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْعَدْلِ وَهُوَ الصَّرْفُ إِلَى أَيْ صِفَةٍ أَرَادَ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدْ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
٨٣ - سُورَةُ (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رَانَ؛ ثَبْتُ الْخَطَايَا. ثُوِّبَ: جُوزِيَ. الرَّحِيقُ: الْخَمْرُ. ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ طِينُهُ. التَّسْنِيمُ: يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُطَفِّفُ لَا يُوَفِّي غَيْرَهُ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الرِّيحُ فَيَنْخَرُ) أي: يصوِّت حتَّى يُسمع له نخيرٌ (١).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿الْحَافِرَةِ﴾) من قوله: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] (الَّتِي أَمْرُنَا) ولأبي ذرٍّ: «إلى أمرِنَا» (الأَوَّلُ إِلَى الحَيَاةِ) بعدَ أن نَموت، من قولهم: رجعَ فلانٌ في حافرتهِ، أي: طريقتهِ الَّتي جاء فيها فحفَرها، أي: أثَّر فيها بمشيهِ، وقيل: الحافِرة الأرضُ الَّتي فيها قبورهم، ومعناهُ: أَئِنَّا لَمَرْدُودُون ونحن في الحافِرَةِ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاس: (﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]) أي: (مَتَى مُنْتَهَاهَا) ومستقرُّها؟ (وَمُرْسَى السَّفِينَةِ) بضم الميم (حَيْثُ تَنْتَهِي) والضَّمير في ﴿مُرْسَاهَا﴾ للسَّاعة، وقوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣ - ٤٤] أي: ليسَ علمها إليكَ ولا إلى أحدٍ، بلْ مردُّها إلى اللهِ تعالى، فهو الَّذي يعلمُ وقتها على التَّعيين.
٤٩٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بكسر الميم وسكون القاف، قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء والسين مصغرين (٢)، النُّميريُّ بالتَّصغير البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بحاء مهملة فزاي معجمة، سَلمة قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) السَّاعديُّ (﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ) بالتَّثنية، أي: ضمَّ بينهما (هَكَذَا بِالوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ) وهي المسبِّحة، وأطلقَ القولَ وأرادَ به الفعل (بُعِثْتُ) بضم الباء (٣) الموحدة مبنيًّا للمفعول، أي: أُرسلتُ أنا (٤) (وَالسَّاعَةَ) يومَ القيامةِ (كَهَاتَيْنِ) الإصبعينِ، و «السَّاعةَ» نصب
مفعول معه، ويجوز الرَّفع عطفًا على ضميرِ الرَّفع المتَّصل مع عدمِ الفاصل، وهو قليلٌ، وفي روايةِ أبي ضمرة، عن أبي حازمٍ -عندَ ابنِ جريرٍ-: وضمَّ بين إصبعيهِ الوسطَى والَّتي تلي الإبهامَ، وقال: «مَا مَثَلي ومثلُ السَّاعةِ إلَّا كفرسَيْ رِهانٍ»، قال القاضِي عياضٌ: وقد حاولَ بعضُهم في تأويلهِ أنَّ نسبةَ ما بينَ الإصبعينِ كنسبةِ ما بقيَ من الدُّنيا إلى مَا مَضى، وأنَّ جملتَها سبعة آلافِ سنة، واستندَ إلى أخبارٍ لا تصحُّ، وذكرَ ما أخرجَه أبو داود في تأخيرِ مدَّة الأمَّة نصفَ يومٍ، وفسَّره بخمس مئة سنَة، فيؤخذُ من ذلك أنَّ الَّذي بقيَ نصفَ سُبُعٍ، وهو قريبٌ ممَّا بين السَّبَّابة والوسطى في الطُّول. قال: وقَد ظهرَ عدمُ صحةِ ذلكَ؛ لوقوعِ خلافه ومجاوزةِ هذا المقدار، فلو كانَ ذلك ثابتًا لم يقَع خلافه. انتهى. فالصَّواب (١) الإعراضُ عن ذلكَ، ويأتي إن شاء الله تعالى بعونِه ومنِّه بقيَّة مبحثِ ذلك في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٠٤].
(﴿الطَّامَّةُ﴾ [النازعات: ٣٤] تَطِمُّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) بكسر الطاء في المستقبلِ عند أبي ذرٍّ.
(((٨٠))) (سورة ﴿عَبَسَ﴾) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وأربعون (٢).
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغيرِ أبي ذرٍّ. (﴿عَبَسَ﴾ (٣)) النَّبيُّ ﷺ، وزادَ أبو ذرٍّ: «﴿وَتَوَلَّى﴾»
(كَلَحَ) بفتحتين. قال في «الصِّحاح»: الكُلُوح تكشُّرٌ في عُبُوس، وقد كَلَحَ الرَّجل كُلوحًا وكُلاحًا (وَأَعْرَضَ) هو تفسيرُ ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: أعرضَ بوجههِ الكريم؛ لأجلِ أن جاءَه الأعمَى عبدُ اللهِ ابنُ أمِّ مكتومٍ وعندَه صناديدُ قريشٍ يدعوهُم إلى الإسلامِ، فقال: يا رسولَ الله! علِّمني ممَّا علَّمك الله، وكرَّر ذلك، ولم يعلمْ أنَّه مشغولٌ بذلكَ، فكرهَ رسول الله ﷺ قطعَه لكلامهِ، وعبسَ وأعرضَ عنهُ، فعوتِبَ في ذلك بما نزلَ عليه في هذهِ السُّورة، فكان بعدَ ذلك يقولُ له إذا جاءَ: «مرحبًا بمَن عاتَبني الله فيهِ» ويبسطُ لهُ رداءَه.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) سقط هذا لأبي ذرٍّ، وهو الصَّواب كمَا لا يخفَى: (﴿مُّطَهَّرَةٍ﴾) من قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ. مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٤] (لَا يَمَسُّهَا (١) إِلَّا المُطَهَّرُونَ؛ وَهُمُ المَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ) ﷿: (﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]) قال الكَرْمانيُّ: لأنَّ التَّدبير لمحمُول خيولِ الغُزاة، فوصَف الحامِل -يعني: الخُيول- به فقيل: فالمدبِّرات (جَعَلَ المَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً) بفتح الهاء المشددة (لأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجُعِلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا (٢) أَيْضًا) بضم جيم «جُعل» مبنيًّا للمفعول، وهذا قالَه الفرَّاء. وقيل: مطهَّرة منزَّهة عن أيدِي الشَّياطين.
(﴿سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥]) بالخفضِ، ولأبي ذرٍّ بالرَّفع، والأوَّل موافقٌ للتَّنزيل (المَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ (٣)، سَفَرْتُ) أي: بين القومِ (أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ المَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللهِ وَتَأْدِيَتِهِ) إلى أنبيائهِ (كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ القَوْمِ) ومنه قوله:
فمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي … ولَا أَمْشِي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيْتُ
وقيل: السَّفَرة جمع: سافرٍ؛ وهو الكاتب، ومثله: كاتبٌ وكَتَبة، ولأبي ذرٍّ: «وتأديبهُ» بالموحدة بعد التحتية من الأدبِ، فليتأمَّل.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) سقط لأبي ذرٍّ كالسَّابق: (﴿تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦]) أي: (تَغَافَلَ عَنْهُ) قال الحافظُ أبو ذرٍّ: ليس هذا بصحيحٍ، وإنَّما يقالُ: تصدَّى للأمرِ إذا رفعَ رأسهُ إليه، فأمَّا ﴿تَلَهَّى﴾ فتغافلَ وتشاغلَ